متحف تشارلز ديكنز يروي بعضاً من مسيرة حياته نصيراً للفقراء

أكثر من 100 ألف قطعة من مقتنياته الخاصة معروضة للزّوار

تشارلز ديكنز  -  مدخل المتحف
تشارلز ديكنز - مدخل المتحف
TT

متحف تشارلز ديكنز يروي بعضاً من مسيرة حياته نصيراً للفقراء

تشارلز ديكنز  -  مدخل المتحف
تشارلز ديكنز - مدخل المتحف

العنوان، 48 داوتي ستريت، منطقة بلومزبيري. هنا في أحد شوارع العاصمة لندن، من عام 1837، انتقل تشارلز ديكنز، الرّوائي البريطاني، للعيش مع زوجته كاثرين هوكارث بعد سنة من زواجهما، وبعد أشهر من اعتلاء الملكة فيكتوريا للعرش البريطاني. المنزل مصمم على الطراز الفيكتوري. وقد شهد ولادة اثنتين من بناتهما، وهما ماري وكيت. بين جدرانه، وفي غرفة من غرفه الصّغيرة ولدت شخصيات أبطال روايات ديكنز. سنوات ثلاث عاشها في هذا المنزل فقط، لكنّها كانت أهم سنوات حياته الأدبية، وبقي هذا المنزل وحده على حاله من ضمن البيوت الكثيرة التي سكنها الرّوائي وعائلته.
يُنظّم القّيمون على المنزل، الذي تحوّل إلى متحف خاص بكل ما أمكن جمعه من مقتنيات ديكنز من حول العالم، معرضاً جديداً، افتُتح أمام الزّوار في 14 مايو (أيار) ويستمرّ لغاية 3 نوفمبر (تشرين الثاني)، للتّعرف على أكثر من مائة ألف قطعة تخصّ الرّوائي وعائلته، وتتنوّع بين أغراضه الشّخصية، ووثائق نادرة، وأوراق كتبها بخط يده، ومخطوطات من كتبه ومقالاته، وصور فوتوغرافية وخاتم زواج زوجته الشّابة، ولوحات فنّية، وهدايا تذكارية، وأيضاً للتّعرف على أسفاره ورحلاته حول العالم.
في شارع داوتي المتراص بالمنازل المتشابهة وأبوابها الخشبية الصّغيرة، يدخل الزّائر من المنزل رقم 49 الذي افتُتح لينضمّ إلى المتحف، الذي يتألف من طوابق أربعة. في مدخله الرئيس تقبع خزانة زجاجية، وفي داخلها صورة فوتوغرافية تعود لسنوات شبابه، وحقيبته الجلدية السّوداء، وعصاه التي نُقش على مقبضها حرفان من اسمه.
شعور قد لا يحسّ به سوى عشّاق القصص الكلاسيكية والمتأثرين بكتّابها والرّاغبين بالتعرّف على نمط وأسلوب حياة عظيم من القرن التاسع عشر، الذي لا تزال رواياته بشخصياتها المتميّزة تلعب على مسارح العالم بجميع لغّاتها، لما حملت وتحمل معها حتى في القرن الواحد والعشرين من معانٍ إنسانية واجتماعية وإصلاحية، وإن بفوارق تطوّر الزّمن. لكنّ الفقر والقمع والفوارق الاجتماعية وتشرد الأطفال ومعاناتهم وحقوقهم، كانت ولا تزال بعد مئات السّنين مشكلات يحاول مثقّفو العالم إلقاء الضّوء عليها برواياتهم وأعمالهم الفنّيّة من أجل التغيير.
التجوّل في الغرف الصّغيرة والمتواضعة للمنزل - المتحف، الذي شكّل يوماً نقطة انطلاق عالمية لديكنز، سيكشف أمام الزّوار جوانب كثيرة من حياته العائلية، ومن المدخل في الطّابق الأرضي، ينتقل الزائر إلى غرفة الطّعام، التي تظهر وكأنّها مستعدة لاستقبال ضيوف من عصر مضى بجدرانها ذات اللونين الأزرق والأبيض تزيّنها لوحة لتشارلز ديكنز في ريعان شبابه بريشة صامويل دراموند الرّسام البريطاني. وإلى جانبها، غرفة المعيشة، وفيها خاتم زواج كاثرين المصنوع من الذّهب، وعدد من الرسائل كان تشارلز قد كتبها بخطّ يده لزوجته فترة خطوبتهما.
وقبل الصّعود إلى الطّوابق الأخرى من المتحف، لا بدّ من زيارة الطّابق السّفلي. إنّه المطبخ، الذي لا يزال يحتفظ بالكثير من أوانيه الخشبية والنّحاسية تعود لديكنز وعائلته. هنا تحديداً سيعيش الزّائر مشهداً من أفلام العصر الفيكتوري حين سيتجسّد أمامه الطّباخون والعاملون في التنظيف الذين لطالما يشاهدهم في الأفلام القديمة، بكل صخب الحياة ورائحة الطّعام على هذا الموقد الحديدي الذي سيرسمها خيال الزّائر. غرفتان متجاورتان؛ واحدة لتحضير الطّعام والثّانية للمؤونة. وإلى جانب المطبخ غرفة صغيرة أمامها دلو خشبي كبير فيه ملابس قديمة تعود لتلك الفترة الزّمنية، وهي أيضاً تخصّ عائلة ديكنز.
بعد المطبخ، يصعد الزّائر إلى الطّابق الأوّل، وفيه غُرفتان؛ واحدة لاستقبال ضيوف ديكنز وأصدقائه، حيث كان يجلس ليقرأ عليهم مقاطع من كتاباته. وفيها شمعدانان من النّحاس اشتراهما ديكنز من مدينة جنوا الإيطالية، حيث أقام لفترة وجيزة. وغرفة ثانية تحتوي على كرسيه ومكتبه. فمنذ انتقاله إلى داوتي ستريت، كان يجلس فيها من السّاعة الثّامنة صباحاً وحتى منتصف النّهار للقراءة والكتابة. وعلى مكتبه هذا، خلال السّنوات الثلاث التي عاشها هنا، خطّ ديكنز أهم رواياته، فقد أنهى كتابة «مذكرات بيكويك»، وهي أولى قصصه، كما كتب «أوليفر تويست»، وروايته الثالثة بعنوان «نيكولاس نيكلبي»، أو «حياة ومغامرات نيكولاس نيكلبي». وفي الغرفة سيرى الزّائر وصيته معلقة على الجدار، وبورتريهاً تخطيطياً له وهو على فراش الموت، ونُسخاً من كتاباته ورواياته وكتباً كان يقرأها.
الطابق الثالث يتكوّن من غرفي نوم، واحدة لديكنز وزوجته، ولا يزال السّرير موجوداً بستائره، وعليه أنجبت كاثرين ابنتيهما، وأدوات ديكنز الخاصة بالحلاقة وقاروة عطره وخزانة ملابسه. وغرفة أخرى تخصّ أخت زوجته التي كانت تعيش معهما، وعلى هذا السّرير فارقت الحياة، وهي في السّابعة عشرة من العمر. وأثّر موتها في ديكنز وفي كتاباته، ولا يزال فستانها الأبيض يعلو الفراش.
والطابق الرابع فيه غرفة تحتوي على كل ماضي ديكنز الطّفولي، تخيّم عليها لمحة حزن كبيرة، تعبّر عن صعوبة الحياة التي صادفها مجبراً، بعد دخول والده السّجن.
ولد ديكنز في 7 فبراير (شباط) من عام 1812 في مدينة بورتسموث الساحلية بجنوب إنجلترا، والده كان كاتباً في البحرية، وله تمثال نصفي معروض، وفي الغرفة أيضاً قضبان حديدية انتزعت من السّجن، حيث أودع والده، بسبب تراكم الدّيون عليه وعدم قدرته على دفعها.
في عام 1923، صدر قرار بهدم منزل ديكنز، بيد أنّ «مؤسسة ديكنز» التي تأسست في عام 1902، اشترته وحوّلته إلى متحف جمعت فيه ما استطاعت جمعه من مقتنياته من حول العالم. وفي عام 1925 افتُتح المنزل بعد ضم المنزل رقم 49 إليه ليكون متحفاً خاصاً بكل ما يتعلّق بالرّوائي البريطاني العالمي.
وفي المتحف، مقهى وحديقة صغيران، ومتجر متواضع يبيع روايات ديكنز وتذكارات هي عبارة عن مجسّمات مقلّدة لما تجده من مقتنيات في المنزل.
جدير بالذكر أنّ حياة ديكنز مرحلة الطّفولة، ظهرت جليّة في كتاباته التي كانت تدعو باستمرار إلى ضرورة الإصلاح الاجتماعي وإلى تدعيم المؤسسات الخيرية والصّحية التي ترعى الفقراء من الناس، وحقوق الأطفال في عيش حياة كريمة في ظلّ عائلة قادرة على حمايتهم وتأمين مستلزماتهم. ولطالما كان إيمانه كبيراً بأنّ هذه الأحوال الاجتماعية والمادّية المزرية التي كانت تعاني منها بريطانيا والكثير من دول العالم، خصوصاً الأوروبية منها، قابلة للإصلاح مهما كان مدى تدهورها. فكتب ساخراً منتقداً وهاجياً بريشته وبكلماته مستخدماً أسلوباً مقنعاً ومبتكراً لشخصيات شكّلت رموزاً خاصة في رواياته، محاولة منه لتخليص المجتمع البشري من الشّر والفقر، والسّير به إلى آخر عادل ومنصف. ورواية «قصة مدينتين»، التي تدور أحداثها في لندن وباريس، أثناء الثورة الفرنسية، تصوّر محنة الطّبقة العاملة الفرنسية تحت القمع الوحشي للأرستقراطية خلال السنوات التي قادت لاندلاع الثورة، والوحشية التي مارسها الثوريون ضدّ الأرستقراطيين في السنوات الأولى منها. وهي الرّواية الأكثر تدريساً في المدارس الثانوية بالولايات المتحدة والكثير من دول العالم، وسيجد زائر المتحف نسخة منها باللغة العربية.
وفي 1865 تعرّض ديكنز لحادث قطار، وفي 9 يونيو (حزيران) 1870 أصيب بسكتة دماغية وتوفي عن عمر ناهز 58، في بلدة كينت. ليُدفن في ركن الشّعراء في ويستمينستر.



رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.