موجات بشرية غاضبة تشل الخرطوم... وتصعيد غير مسبوق ضد العسكر

الفرقاء السودانيون يستأنفون التفاوض رغم مقتل 4 وإصابة المئات

من احتجاجات الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
من احتجاجات الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
TT

موجات بشرية غاضبة تشل الخرطوم... وتصعيد غير مسبوق ضد العسكر

من احتجاجات الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
من احتجاجات الخرطوم أمس (أ.ف.ب)

حملت السفارة الأميركية في الخرطوم «مسؤولية» هجمات نفذها مسلحون لم يكشف النقاب عنهم بعد، وأدت لمقتل 4 أشخاص على الأقل وجرح المئات، لـ«المجلس العسكري الانتقالي»، وأثار إطلاق الرصاص على المحتجين السلميين غضباً عارماً بين المواطنين الذين توافدوا في شكل موجات بشرية إلى ميدان الاعتصام أمام قيادة الجيش، ووسعوا مساحة الاعتصام وسدوا عددا من الطرق والجسور كانت خارج سيطرة المحتجين، في تصعيد غير مسبوق منذ اندلاع الاحتجاجات في البلاد.
وقالت السفارة الأميركية بحسب بيان على صفحتها الرسمية على «فيسبوك»، إن الهجمات التي وصفتها بالمأساوية التي نفذت ضد المحتجين، نتجت عن محاولة المجلس العسكري «فرض إرادته على المتظاهرين وإزالة الحواجز». ونادت السفارة بمحاسبة الضالعين في العملية، مبدية تعاطفها مع أسرهم، وطالبت بمواصلة التفاوض بين أطراف الحراك السوداني، وقالت: «لا ينبغي أن يسمح المجلس العسكري، وقوى إعلان الحرية والتغيير، أن تمنعهم أحداث أمس من البناء على التقدم المحرز لإتمام المفاوضات بسرعة، لتشكيل حكومة انتقالية بقيادة مدنية».
وطالبت بتشجيع المواطنين السودانيين على إبداء رغبتهم في إقامة «سودان مسالم وديمقراطي بطريقة سلمية»، وعدم الاستفزاز من أفعال معارضي التغيير.
وفور سماع أصوات الرصاص، تدفقت أعداد كبيرة من المواطنين على شكل أمواج بشرية إلى مكان الاعتصام، وشرعوا في إعادة بناء المتاريس التي أزالت بعضها قوات الأمن، ووسعوا مساحة الاعتصام إلى مناطق جديدة من بينها شارع النيل الموصل للقصر الرئاسي. وشلت الخرطوم تماماً مساء أول من أمس وصبيحة أمس، لأن المحتجين أقاموا متاريس جديدة على عدد من الطرق وسط المدينة، وسدوا عددا من الجسور كانت متاحة أمام حركة السير، ومن بينها جسر «المك نمر» الرابط بين الخرطوم والخرطوم بحري، وشهدت بعض المناطق حالات كر وفر بين قوات الجيش والمواطنين، تخللها إطلاق الغاز المسيل للدموع.
وأقام المحتجون المتاريس في عدد من طرق مدن العاصمة الثلاثة؛ أم درمان والخرطوم بحري وجنوب الخرطوم، وأعادوا إشعال إطارات السيارات في بعضها مذكرين بأيام المواجهة مع نظام المعزول عمر البشير. وفي مؤتمر صحافي عقد بالخرطوم أمس، قال متحدثون عن تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، إن عدد القتلى المؤكدين بلغ «4 شهداء»، وأكثر من 200 مصاب، 77 منهم إصاباتهم بالرصاص، و10 منهم حالتهم خطيرة.
وحمل محمد ناجي الأصم وهو متحدث باسم قوى الحرية والتغيير، المسؤولية عن مقتل المتظاهرين المجلس العسكري الانتقالي، وطالبه بتكوين «لجنة تقصي حقائق» تحدد المسؤولين وتعاقب المسؤولين عن إطلاق الرصاص على المتظاهرين.
وانتقد الأصم ما سماه محاولات المجلس العسكري الانتقالي لإرجاع المسؤولية عن الأحداث إلى التصعيد الذي مارسته قوى الحرية والتغيير، وقال: «تقع المسؤولية على تراخي المجلس العسكري، وعدم استجابته لأهداف ومطالب الثورة، ونقل السلطة للمدنيين»، وتابع: «ليست قوى التغيير هي المسؤولة عما جرى أمس، لأن جماهيرها سلمية وماتزال متمسكة بسلميتها».
واستنكر الأصم الحديث المنسوب للمجلس العسكري الانتقالي حول «استفزاز» المعتصمين للعسكريين، وقال: «مهما كان الاستفزاز، ورغم أنه موجود، لا يمكن الرد عليه بالرصاص والقتل والدماء التي سالت في الشهر العظيم».
من جهته، حمل عضو قيادة الحراك خالد عمر يوسف المسؤولية عن مقتل المتظاهرين لـ«قوات الدعم السريع»، وقال: «مهما كانت هناك جهات تستفيد من الفوضى، فإن قوات الدعم السريع هي من أطلقت الرصاص، لأن شهود العيان يقولون إن الجهة الثالثة، كانت على سيارات تابعة لهم، وبأزياء القوات المسلحة».
وطالب يوسف المجلس بكشف هذه القوات، بقوله: «لا يمكن قبول أن ترتدي أي جهة أزياء الجيش، أما الحديث عن المندسين فهو إعادة لأسطوانة قديمة من عهد النظام المباد».
ودعا يوسف المجلس العسكري لسحب قواته من حول ساحة الاعتصام على الفور، وذلك للحيلولة دون انزلاق البلاد في دائرة العنف، وتابع: «الجولة الحالية من التفاوض مع المجلس العسكري محدودة بغد، فإما أن تمنح السلطة للشعب، أو أن تضع القوات المسلحة الشعب بمواجهتها».
وانتقد يوسف ما سماه محاولات المجلس العسكري فض الاعتصام بالقوة، واعترافه بأنه سير قوة حاولت إزالة المتاريس والحواجز التي أقامها الثوار لتأمين أنفسهم، وقال: «محاولة فتح الشوارع بالقوة نتج عنها عراك مع المعتصمين السلميين، فأطلقت القوة النار عليهم»، وتابع: «فض الاعتصام بالرصاص لن يثني الشعب، فقد رأينا أن الميدان قد امتلأ بعد إطلاق الرصاص في أكبر حشد منذ بداية شهر رمصان»، وأضاف: «الرصاص وقتل المعتصمين لن يوقف الشعب».
وتعهد يوسف بمواصلة التصعيد، والاحتجاجات، بقوله: «التصعيد سلاحنا الوحيد باعتباره وسيلة سلمية وجماهيرية، هو سلاح فتاك، سنمارسه دون أن نستجيب للعنف المضاد والاستفزاز، ولن نسمح للقوى التي تريد جرنا للعنف بهذا».
وفي أعقاب اختراق لافت بين المجلس العسكري الانتقالي، وقوى إعلان الحرية والتغيير، أعلن فيه اتفاق الطرفين على هياكل الحكم ومستوياته وصلاحيات وسلطات كل مستوى، لقي 6 أشخاص على الأقل مصرعهم، وإصابة أكثر من 90 بجراح، إثر إطلاق نار حول محيط الاعتصام أمام قيادة الجيش، ونقل شهود أن قوات على سيارات رباعية الدفع وبثياب عسكرية أطلقت النار على المعتصمين، وبادلتها قوات أخرى الرصاص.
لكن المجلس العسكري الانتقالي، نفى رواية شهود العيان، واتهم جماعات «مندسة» بين المتظاهرين بإطلاق الرصاص على المتظاهرين ورجال الجيش، ما أدى لمقتل 6 منهم وضابط برتبة «رائد»، وجرح آخرين.
وقال إن هناك «جهات - لم يسمها - تتربص بالثورة» لم ترض عن الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع قادة الثوار في إعلان الحرية والتغيير أول من أمس، لذلك عملت على إجهاضه بهدف إدخال البلاد في نفق مظلم.
ولاحقاً حمل قادة عسكريون في مؤتمر صحافي عقد في وقت مبكر من صباح أمس، التصعيد الذي قامت به قوى إعلان الحرية والتغيير، المسؤولية عن إعداد الميدان للاعتداء على المتظاهرين ورجال القوات المسلحة. وأشار المتحدث باسم المجلس العسكري الانتقالي شمس الدين الكباشي في حديثه للصحافيين، إلى ما أطلق عليها «دعوات مبرمجة للتصعيد» نظمتها قيادة الحراك، وقال إنها هيأت للأحداث المؤسفة، وإطلاق النار والتفلتات الأمنية في منطقة الاعتصام وحولها، وتضمنت احتكاكات وعمليات استفزاز بين المعتصمين والقوات النظامية.
ولم يحدد الكباشي هوية القوة التي هاجمت المعتصمين، واكتفى وقيادات الجيش بنسبة العملية إلى «مندسين» بين المعتصمين، وقال إن أحد ضباطه «الرائد كرومة» قتل برصاص قناص من أعلى جسر النيل الأزرق الذي يسيطر عليه المعتصمون، فضلاً عن إصابة عدد من الجنود وبينهم ضابط إصابته خطيرة.
من جهته، سار «تجمع المهنيين السودانيين» في اتجاه بيان المجلس العسكري الانتقالي نفسه، وحمل المسؤولية عن مقتل المحتجين من أطلق عليهم «بقايا النظام الساقط»، وقال في بيان إن دافعهم للعملية هو وقف الاختراق الذي حدث في التفاوض أول من أمس. وقال: «ما حدث في التفاوض اليوم من تقدُّمٍ، سدَّد ضربة موجعة لبقايا النظام الساقط لا محالة، فدفعها للخروج من أوكارها في محاولة بائسة أخيرة لجر الثوار للعنف وفض الاعتصام بالقوة».
وتابع: «ما لم ولن تعلمه بقايا النظام وأذياله الخائبة، هو أن من وقف أمامها قبل اليوم وهي في كامل عتادها، قادر على الوقوف في وجهها يومياً شاهراً سيوف السلمية، التي تسدد طعناتها الناجزة لكل من تسوِّل له نفسه العبث بالثورة الممهورة بدماء الشهداء الطاهرة».
ودعا التجمع الذي أسس لتنظيم الاحتجاجات وقيادته، من أطلق عليهم «الشرفاء من الضباط وضباط الصف والجنود بقوات شعبنا المسلحة إلى القيام بمهامهم في التصدي للعابثين بمكتسبات الثورة وحماية إخوتهم الثوار»، معتبراً حماية الثوار هي «ما أقسموا عليه في شرف الجندية».
وحمل البيان المجلس العسكري الانتقالي المسؤولية عن حفظ الأمن وحماية المواطنين، ولجم بقايا النظام الساقط وجهاز أمنه وميليشياته وكتائب ظله، وتابع: «رغم عظم الفقد وألمه فسنواصل سلميتنا، ونخطو بخطى واثقة نحو هدفنا الذي نصبو إليه جميعاً».
ورغم التوتر الذي يسود الساحة السياسية السودانية، فقد استأنفت المباحثات بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير، لتواصل ما بدأته أول من أمس، وعدته الأطراف كافة «اختراقاً».
وتوصل الطرفان بعد توتر وتصعيد مستمر إلى اتفاق على مستويات الحكم وهياكله وسلطات كل مستوى وصلاحياته، وتبقت نقطتان هما نسب المشاركة في المجلس السيادي المشترك بين المدنيين والعسكريين، وطول الفترة الانتقالية، التي يرى المجلس العسكري أن تقتصر على سنتين، بينما يرى الطرف الآخر أن فترة السنتين غير كافية لإنجاز مهام مرحلة ما بعد نظام البشير، ويقترح أربع سنوات.
واستغل «حزب المؤتمر الوطني» الذي ظل يحكم البلاد بقيادة المعزول عمر البشير، أحداث مقتل المعتصمين، وأصدر بياناً هو الأول له منذ تنحية حكومته، ندد فيه بتحميل المسؤولية عن مقتل المحتجين له، وطالب المجلس العسكري الانتقالي بحفظ الأمن وإجراء التحقيقات اللازمة والقبض على الجناة، بموازاة الاتهامات التي وجهت لـ«كتائبه وميليشياته» بالضلوع في الجريمة التي هزت الخرطوم.
وقال الحزب الذي أصدر المجلس العسكري الانتقالي قرارات بوضع يده على دوره وممتلكاته، وعزله عن المشاركة خلال الفترة الانتقالية: «إننا نرفض تماماً هذه الاتهامات الجائرة».
ومنذ 6 أبريل (نيسان) الماضي، يعتصم الآلاف أمام قيادة الجيش السوداني، ويرفضون مغادرة مكان الاعتصام قبل تسليم المجلس العسكري الانتقالي السلطة للمدنيين، بمواجهة تخوفات من عدم التزام المجلس العسكري بالإيفاء بتعهداته بتسليم السلطة للمدنيين.



لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.