موجات بشرية غاضبة تشل الخرطوم... وتصعيد غير مسبوق ضد العسكر

الفرقاء السودانيون يستأنفون التفاوض رغم مقتل 4 وإصابة المئات

من احتجاجات الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
من احتجاجات الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
TT

موجات بشرية غاضبة تشل الخرطوم... وتصعيد غير مسبوق ضد العسكر

من احتجاجات الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
من احتجاجات الخرطوم أمس (أ.ف.ب)

حملت السفارة الأميركية في الخرطوم «مسؤولية» هجمات نفذها مسلحون لم يكشف النقاب عنهم بعد، وأدت لمقتل 4 أشخاص على الأقل وجرح المئات، لـ«المجلس العسكري الانتقالي»، وأثار إطلاق الرصاص على المحتجين السلميين غضباً عارماً بين المواطنين الذين توافدوا في شكل موجات بشرية إلى ميدان الاعتصام أمام قيادة الجيش، ووسعوا مساحة الاعتصام وسدوا عددا من الطرق والجسور كانت خارج سيطرة المحتجين، في تصعيد غير مسبوق منذ اندلاع الاحتجاجات في البلاد.
وقالت السفارة الأميركية بحسب بيان على صفحتها الرسمية على «فيسبوك»، إن الهجمات التي وصفتها بالمأساوية التي نفذت ضد المحتجين، نتجت عن محاولة المجلس العسكري «فرض إرادته على المتظاهرين وإزالة الحواجز». ونادت السفارة بمحاسبة الضالعين في العملية، مبدية تعاطفها مع أسرهم، وطالبت بمواصلة التفاوض بين أطراف الحراك السوداني، وقالت: «لا ينبغي أن يسمح المجلس العسكري، وقوى إعلان الحرية والتغيير، أن تمنعهم أحداث أمس من البناء على التقدم المحرز لإتمام المفاوضات بسرعة، لتشكيل حكومة انتقالية بقيادة مدنية».
وطالبت بتشجيع المواطنين السودانيين على إبداء رغبتهم في إقامة «سودان مسالم وديمقراطي بطريقة سلمية»، وعدم الاستفزاز من أفعال معارضي التغيير.
وفور سماع أصوات الرصاص، تدفقت أعداد كبيرة من المواطنين على شكل أمواج بشرية إلى مكان الاعتصام، وشرعوا في إعادة بناء المتاريس التي أزالت بعضها قوات الأمن، ووسعوا مساحة الاعتصام إلى مناطق جديدة من بينها شارع النيل الموصل للقصر الرئاسي. وشلت الخرطوم تماماً مساء أول من أمس وصبيحة أمس، لأن المحتجين أقاموا متاريس جديدة على عدد من الطرق وسط المدينة، وسدوا عددا من الجسور كانت متاحة أمام حركة السير، ومن بينها جسر «المك نمر» الرابط بين الخرطوم والخرطوم بحري، وشهدت بعض المناطق حالات كر وفر بين قوات الجيش والمواطنين، تخللها إطلاق الغاز المسيل للدموع.
وأقام المحتجون المتاريس في عدد من طرق مدن العاصمة الثلاثة؛ أم درمان والخرطوم بحري وجنوب الخرطوم، وأعادوا إشعال إطارات السيارات في بعضها مذكرين بأيام المواجهة مع نظام المعزول عمر البشير. وفي مؤتمر صحافي عقد بالخرطوم أمس، قال متحدثون عن تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، إن عدد القتلى المؤكدين بلغ «4 شهداء»، وأكثر من 200 مصاب، 77 منهم إصاباتهم بالرصاص، و10 منهم حالتهم خطيرة.
وحمل محمد ناجي الأصم وهو متحدث باسم قوى الحرية والتغيير، المسؤولية عن مقتل المتظاهرين المجلس العسكري الانتقالي، وطالبه بتكوين «لجنة تقصي حقائق» تحدد المسؤولين وتعاقب المسؤولين عن إطلاق الرصاص على المتظاهرين.
وانتقد الأصم ما سماه محاولات المجلس العسكري الانتقالي لإرجاع المسؤولية عن الأحداث إلى التصعيد الذي مارسته قوى الحرية والتغيير، وقال: «تقع المسؤولية على تراخي المجلس العسكري، وعدم استجابته لأهداف ومطالب الثورة، ونقل السلطة للمدنيين»، وتابع: «ليست قوى التغيير هي المسؤولة عما جرى أمس، لأن جماهيرها سلمية وماتزال متمسكة بسلميتها».
واستنكر الأصم الحديث المنسوب للمجلس العسكري الانتقالي حول «استفزاز» المعتصمين للعسكريين، وقال: «مهما كان الاستفزاز، ورغم أنه موجود، لا يمكن الرد عليه بالرصاص والقتل والدماء التي سالت في الشهر العظيم».
من جهته، حمل عضو قيادة الحراك خالد عمر يوسف المسؤولية عن مقتل المتظاهرين لـ«قوات الدعم السريع»، وقال: «مهما كانت هناك جهات تستفيد من الفوضى، فإن قوات الدعم السريع هي من أطلقت الرصاص، لأن شهود العيان يقولون إن الجهة الثالثة، كانت على سيارات تابعة لهم، وبأزياء القوات المسلحة».
وطالب يوسف المجلس بكشف هذه القوات، بقوله: «لا يمكن قبول أن ترتدي أي جهة أزياء الجيش، أما الحديث عن المندسين فهو إعادة لأسطوانة قديمة من عهد النظام المباد».
ودعا يوسف المجلس العسكري لسحب قواته من حول ساحة الاعتصام على الفور، وذلك للحيلولة دون انزلاق البلاد في دائرة العنف، وتابع: «الجولة الحالية من التفاوض مع المجلس العسكري محدودة بغد، فإما أن تمنح السلطة للشعب، أو أن تضع القوات المسلحة الشعب بمواجهتها».
وانتقد يوسف ما سماه محاولات المجلس العسكري فض الاعتصام بالقوة، واعترافه بأنه سير قوة حاولت إزالة المتاريس والحواجز التي أقامها الثوار لتأمين أنفسهم، وقال: «محاولة فتح الشوارع بالقوة نتج عنها عراك مع المعتصمين السلميين، فأطلقت القوة النار عليهم»، وتابع: «فض الاعتصام بالرصاص لن يثني الشعب، فقد رأينا أن الميدان قد امتلأ بعد إطلاق الرصاص في أكبر حشد منذ بداية شهر رمصان»، وأضاف: «الرصاص وقتل المعتصمين لن يوقف الشعب».
وتعهد يوسف بمواصلة التصعيد، والاحتجاجات، بقوله: «التصعيد سلاحنا الوحيد باعتباره وسيلة سلمية وجماهيرية، هو سلاح فتاك، سنمارسه دون أن نستجيب للعنف المضاد والاستفزاز، ولن نسمح للقوى التي تريد جرنا للعنف بهذا».
وفي أعقاب اختراق لافت بين المجلس العسكري الانتقالي، وقوى إعلان الحرية والتغيير، أعلن فيه اتفاق الطرفين على هياكل الحكم ومستوياته وصلاحيات وسلطات كل مستوى، لقي 6 أشخاص على الأقل مصرعهم، وإصابة أكثر من 90 بجراح، إثر إطلاق نار حول محيط الاعتصام أمام قيادة الجيش، ونقل شهود أن قوات على سيارات رباعية الدفع وبثياب عسكرية أطلقت النار على المعتصمين، وبادلتها قوات أخرى الرصاص.
لكن المجلس العسكري الانتقالي، نفى رواية شهود العيان، واتهم جماعات «مندسة» بين المتظاهرين بإطلاق الرصاص على المتظاهرين ورجال الجيش، ما أدى لمقتل 6 منهم وضابط برتبة «رائد»، وجرح آخرين.
وقال إن هناك «جهات - لم يسمها - تتربص بالثورة» لم ترض عن الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع قادة الثوار في إعلان الحرية والتغيير أول من أمس، لذلك عملت على إجهاضه بهدف إدخال البلاد في نفق مظلم.
ولاحقاً حمل قادة عسكريون في مؤتمر صحافي عقد في وقت مبكر من صباح أمس، التصعيد الذي قامت به قوى إعلان الحرية والتغيير، المسؤولية عن إعداد الميدان للاعتداء على المتظاهرين ورجال القوات المسلحة. وأشار المتحدث باسم المجلس العسكري الانتقالي شمس الدين الكباشي في حديثه للصحافيين، إلى ما أطلق عليها «دعوات مبرمجة للتصعيد» نظمتها قيادة الحراك، وقال إنها هيأت للأحداث المؤسفة، وإطلاق النار والتفلتات الأمنية في منطقة الاعتصام وحولها، وتضمنت احتكاكات وعمليات استفزاز بين المعتصمين والقوات النظامية.
ولم يحدد الكباشي هوية القوة التي هاجمت المعتصمين، واكتفى وقيادات الجيش بنسبة العملية إلى «مندسين» بين المعتصمين، وقال إن أحد ضباطه «الرائد كرومة» قتل برصاص قناص من أعلى جسر النيل الأزرق الذي يسيطر عليه المعتصمون، فضلاً عن إصابة عدد من الجنود وبينهم ضابط إصابته خطيرة.
من جهته، سار «تجمع المهنيين السودانيين» في اتجاه بيان المجلس العسكري الانتقالي نفسه، وحمل المسؤولية عن مقتل المحتجين من أطلق عليهم «بقايا النظام الساقط»، وقال في بيان إن دافعهم للعملية هو وقف الاختراق الذي حدث في التفاوض أول من أمس. وقال: «ما حدث في التفاوض اليوم من تقدُّمٍ، سدَّد ضربة موجعة لبقايا النظام الساقط لا محالة، فدفعها للخروج من أوكارها في محاولة بائسة أخيرة لجر الثوار للعنف وفض الاعتصام بالقوة».
وتابع: «ما لم ولن تعلمه بقايا النظام وأذياله الخائبة، هو أن من وقف أمامها قبل اليوم وهي في كامل عتادها، قادر على الوقوف في وجهها يومياً شاهراً سيوف السلمية، التي تسدد طعناتها الناجزة لكل من تسوِّل له نفسه العبث بالثورة الممهورة بدماء الشهداء الطاهرة».
ودعا التجمع الذي أسس لتنظيم الاحتجاجات وقيادته، من أطلق عليهم «الشرفاء من الضباط وضباط الصف والجنود بقوات شعبنا المسلحة إلى القيام بمهامهم في التصدي للعابثين بمكتسبات الثورة وحماية إخوتهم الثوار»، معتبراً حماية الثوار هي «ما أقسموا عليه في شرف الجندية».
وحمل البيان المجلس العسكري الانتقالي المسؤولية عن حفظ الأمن وحماية المواطنين، ولجم بقايا النظام الساقط وجهاز أمنه وميليشياته وكتائب ظله، وتابع: «رغم عظم الفقد وألمه فسنواصل سلميتنا، ونخطو بخطى واثقة نحو هدفنا الذي نصبو إليه جميعاً».
ورغم التوتر الذي يسود الساحة السياسية السودانية، فقد استأنفت المباحثات بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير، لتواصل ما بدأته أول من أمس، وعدته الأطراف كافة «اختراقاً».
وتوصل الطرفان بعد توتر وتصعيد مستمر إلى اتفاق على مستويات الحكم وهياكله وسلطات كل مستوى وصلاحياته، وتبقت نقطتان هما نسب المشاركة في المجلس السيادي المشترك بين المدنيين والعسكريين، وطول الفترة الانتقالية، التي يرى المجلس العسكري أن تقتصر على سنتين، بينما يرى الطرف الآخر أن فترة السنتين غير كافية لإنجاز مهام مرحلة ما بعد نظام البشير، ويقترح أربع سنوات.
واستغل «حزب المؤتمر الوطني» الذي ظل يحكم البلاد بقيادة المعزول عمر البشير، أحداث مقتل المعتصمين، وأصدر بياناً هو الأول له منذ تنحية حكومته، ندد فيه بتحميل المسؤولية عن مقتل المحتجين له، وطالب المجلس العسكري الانتقالي بحفظ الأمن وإجراء التحقيقات اللازمة والقبض على الجناة، بموازاة الاتهامات التي وجهت لـ«كتائبه وميليشياته» بالضلوع في الجريمة التي هزت الخرطوم.
وقال الحزب الذي أصدر المجلس العسكري الانتقالي قرارات بوضع يده على دوره وممتلكاته، وعزله عن المشاركة خلال الفترة الانتقالية: «إننا نرفض تماماً هذه الاتهامات الجائرة».
ومنذ 6 أبريل (نيسان) الماضي، يعتصم الآلاف أمام قيادة الجيش السوداني، ويرفضون مغادرة مكان الاعتصام قبل تسليم المجلس العسكري الانتقالي السلطة للمدنيين، بمواجهة تخوفات من عدم التزام المجلس العسكري بالإيفاء بتعهداته بتسليم السلطة للمدنيين.



اليمن: سجون الضبة السرية… احتجاز وتعذيب خارج سلطة الدولة

أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
TT

اليمن: سجون الضبة السرية… احتجاز وتعذيب خارج سلطة الدولة

أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)

على جدرانٍ حاويات حديدة داخل سجنٍ غير معلن، كُتبت حكايات لا تُروى حفرها معتقلون بأظافر الخوف وطول الانتظار: «ارحموني... يكفي ظلم»، «فرجك يا رب»، «أمي»، «أنا مظلوم والله شاهدٌ عليّ».

لم تكن هذه الكلمات زينة حائط، بل شهادات إنسانية معلّقة بين اليأس والرجاء، تركها سجناء سجن الضبة غير الشرعي، الذي أدارته القوات الإماراتية سنوات، لتكشف وجهاً خفياً لمعاناة ظلت طويلاً خلف الأسوار.

أكد الإرياني أن الدولة لم تفوّض أي طرف خارجياً كان أو محلياً بإنشاء مراكز احتجاز (الشرق الأوسط)

«الشرق الأوسط» زارت السجن الواقع في ميناء الضبة النفطي بمدينة المكلا (شرق البلاد)، ضمن وفدٍ صحافي وحقوقي، واطّلعت ميدانياً على وجود عدة سجون غير قانونية أنشأتها الإمارات على مدى سنوات، من دون أي تنسيق مع السلطات اليمنية، في مشهدٍ يكشف اتساع شبكة احتجاز خارج إطار القانون، وما رافقها من انتهاكات ظلت طيّ الكتمان.

وبحسب معمر الإرياني وزير الإعلام والسياحة والثقافة اليمني، فإن هذه السجون «لا تندرج ضمن أي منظومة قانونية أو أمنية تابعة للدولة»، موضحاً أنها «معتقلات خارج إطار سلطة الدولة والقانون والدستور اليمني».

وزير الإعلام والثقافة والسياحي اليمني معمر الإرياني من موقع الضبة بالمكلا (الشرق الأوسط)

وأشار الإرياني، في حديثه أمام 12 معتقلاً سرياً في موقع الضبة، إلى أن «هذا المكان يجسّد ممارسات جرت خارج مؤسسات الدولة الشرعية، ومن دون أي رقابة قانونية أو إدارية»، مؤكداً أن «الدولة لم تفوّض أي طرف، خارجياً كان أو محلياً، بإنشاء مراكز احتجاز أو تعذيب خارج إطار القانون».

ووصف الوزير هذه الممارسات بأنها «تمثّل انتهاكاً صريحاً للدستور اليمني الذي يحصر صلاحيات الاعتقال والتحقيق والاحتجاز في مؤسسات الدولة القانونية والأمنية»، مؤكداً أنها «تشكل أيضاً خرقاً للقانون الدولي والقانون الإنساني».

ووثّقت عدسة «الشرق الأوسط» مشاهد صادمة داخل الموقع، حيث تبيّن أن عدداً من السجون عبارة عن حاويات حديدية مغلقة، متفاوتة الأحجام، في حين لا تتجاوز مساحة بعض الزنازين متراً واحداً في خمسين سنتيمتراً. وعلى جدران تلك الحاويات، ازدحمت كتابات المعتقلين التي اختزلت تفاصيل حياتهم اليومية ومعاناتهم خلف القضبان.

كتابات السجناء ركزت على إبراز كلمة (مظلوم) شعوراً منهم بأن هذه السجون غير شرعية (الشرق الأوسط)

وبدا أن بعض المحتجزين حرصوا على تدوين عدد الأيام التي قضوها في الاعتقال ضمن جداول مرتبة، كأنهم يعدّون الزمن يوماً بيوم، بينما لجأ آخرون إلى كتابة أدعية يتضرعون فيها إلى الله بالتعجيل بالفرج. وفي إحدى الزوايا، لم يجد أحدهم سوى كلمة واحدة يختصر بها ألمه وحنينه: «أمي».

كما بدت على جدران الزنازين آثار دماء وعلامات سياط، في مشاهد تعكس ما تعرّض له المحتجزون داخل تلك الغرف الضيقة. وبين الخوف والأمل، كتب أحدهم بيدٍ مرتجفة: «شهر و10 أيام... وبعدها الفرج»، بينما ترك آخر صرخته محفورة على الجدار: «أنا مظلوم والله شاهد عليَّ... ارحموني يكفي ظلم».

بالعودة للوزير معمر الإرياني أكد أن «ما تقوم به الدولة اليوم هو استعادة سيادة القانون، وليس تصفية حسابات سياسية»، موضحاً أن «فتح هذه المواقع أمام الإعلام المحلي والدولي يأتي في إطار الشفافية، ورسالة واضحة بأن الدولة لا تخشى الحقيقة، بل تسعى إلى توثيقها ومعالجتها قانونياً».

أحدهم كتب كلمة «أمي» في تعبير عاطفي عن شوقه لعائلته في أثناء وجوده في السجن (الشرق الأوسط)

وأضاف الإرياني: «نحن لا نطلب تغطية سياسية، بل دعماً لمسار دولة القانون. لا نقدّم رؤية سياسية، وإنما نعرض مواقع ووقائع ومسؤوليات قانونية».

وفي سياق متصل، كشف مصدر عسكري يمني لـ«الشرق الأوسط» أن معسكر الضبة الواقع في أعلى الجبل، المعروف سابقاً بمعسكر الدفاع الجوي، جرى تسليمه بالكامل إلى قوات الدعم الأمني بقيادة أبو علي الحضرمي.

وأوضح المصدر، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، أن «مجرد توجيه اتهام إلى أي شخص، من دون الاستناد إلى أدلة، كان كفيلاً بزجّه في السجن»، لافتاً إلى أن «من يخرج من تلك المعتقلات لا يعود إلى حالته الطبيعية، بل يكون شخصاً مختلفاً تماماً عمّا كان عليه».

وأضاف المصدر أن «الأمر الأكثر خطورة تمثّل في إطلاق سراح بعض السجناء الذين ثبت تورطهم في عدة جرائم، حيث فوجئنا بتحول بعضهم إلى عملاء مزدوجين بعد الإفراج عنهم من الجانب الإماراتي»، مشيراً إلى أن من بين هؤلاء «عناصر ينتمون إلى تنظيم (القاعدة)».


دبلوماسي سوري: سيادة البلاد ووحدتها لا تقبلان المساومة

محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

دبلوماسي سوري: سيادة البلاد ووحدتها لا تقبلان المساومة

محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)

أكد دبلوماسي سوري أن تعامل بلاده مع ملف الشمال والشرق جاء انطلاقاً من مبدأ راسخ لا يقبل المساومة يتمثل في وحدة أراضيها وسيادتها، واحتكارها الشرعي لاستخدام السلاح، ومسؤوليتها الكاملة عن حماية المواطنين ومكافحة الإرهاب، بالتوازي مع التزامها الدائم بالحلول السياسية والحوار الوطني خياراً أول لمعالجة جميع القضايا الداخلية.

وقال محسن مهباش، رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض، إن الحكومة اختارت منذ البداية مسار التهدئة والتفاهم مع «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، ووقّعت عدة اتفاقيات واضحة نصّت على وقف إطلاق النار، وعودة مؤسسات الدولة، وتسليم الموارد والمعابر، ودمج المقاتلين ضمن الجيش. وأردف أن هذه الاتفاقيات قوبلت بالمماطلة والنقض المتكرر من قِبل قيادة «قسد»، رغم التزام الدولة الكامل ببنودها، الأمر الذي فاقم حالة عدم الاستقرار وهدَّد أمن المدنيين.

وأضاف الدبلوماسي السوري، في تصريحات صحافية، أنه «في ظل التصعيد الميداني الذي أقدمت عليه (قسد)، بما في ذلك حشدها العسكري شرق حلب، واستهدافها المدن بالمسيّرات، ورفضها الاستجابة للإنذارات الرسمية؛ اضطرت الدولة، وبعد استنفاد جميع السبل السياسية لممارسة حقها السيادي في الدفاع عن أراضيها وأمن شعبها، عبر عملية عسكرية محدودة هدفت حصراً إلى حماية الاستقرار، ومنع تمدد الفوضى والإرهاب، مع الالتزام الكامل بحماية المدنيين، وعدم تهجير أي مكوّن سوري».

وشدَّد على أن ملف سجناء تنظيم «داعش» جرى توظيفه بشكل خطير من قِبل «قسد» بصفته ورقة ابتزاز سياسي وأمني، وصل إلى حد إطلاق سراح عناصر إرهابية، في انتهاك صارخ لمسؤوليات مكافحة الإرهاب، مؤكداً جاهزية الدولة السورية الكاملة لتسلّم هذا الملف، وتأمين مراكز الاحتجاز وفق المعايير الدولية، مُحمّلة «قسد» المسؤولية الكاملة عن أي خرق أمني أو تهديد ناتج عن هذه الممارسات.

وجدّد مهباش تأكيد أن الدولة السورية كانت ولا تزال في مواجهة مباشرة مع «داعش» منذ أكثر من عقد، وخبرتها في مكافحة الإرهاب ميدانية وحقيقية، وليست إدارة أزمات أو تفاهمات ظرفية، مشدداً على أن الجيش العربي السوري هو الضامن الوحيد لوحدة البلاد وأمنها، وسوريا ستواصل بسط سيادتها على كامل أراضيها، وحماية جميع مواطنيها دون تمييز، بما يرسخ الأمن الوطني والإقليمي والدولي على حد سواء.

وأشار إلى أنه جرى الاتفاق بين الرئيس السوري أحمد الشرع و«قسد» على مهلة أربعة أيام أمام الأخيرة لوضع آلية دمج عملية، وعدم دخول القوات الحكومية مراكز الحسكة والقامشلي أو القرى الكردية، مع اعتماد أمن محلي، ودمج قوات «قسد» عسكرياً وأمنياً ومدنياً ضمن مؤسسات الدولة، وترشيح ممثلين عنها لمناصب رسمية، بالإضافة لتنفيذ المرسوم رقم 13 لضمان حقوق الكرد، وبدء تنفيذ التفاهم في الساعة الثامنة مساءً، منوهاً بأن ذلك جاء «انطلاقاً من حرص الدولة على وحدة البلاد، وكانت استجابة الحكومة لا مثيل لها».


السيسي يلتقي ⁠ترمب في «دافوس» بعد إشارات ودية متبادلة

لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يلتقي ⁠ترمب في «دافوس» بعد إشارات ودية متبادلة

لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)

يلتقي الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في مدينة دافوس السويسرية، بعد «إشارات ودية» متبادلة بين الجانبين بالفترة الأخيرة.

وأعلنت الرئاسة المصرية، الثلاثاء، أن السيسي وترمب سيعقدان جلسة محادثات على هامش أعمال «منتدى دافوس»، للتباحث بشأن آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب «بحث سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين مصر والولايات المتحدة، بما يخدم مصالح البلدين، ويعزّز الاستقرار الإقليمي والدولي».

وتوجه الرئيس المصري، الثلاثاء، إلى مدينة دافوس، للمشاركة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يُعقد في الفترة من 19 حتى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، تحت شعار «روح الحوار».

وسيتضمن جدول مشاركة الرئيس المصري، بـ«منتدى دافوس»، لقاءً مع نظيره الأميركي، للتباحث حول آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وفق الرئاسة المصرية.

ويعد هذا اللقاء الثاني لمحادثات مباشرة تجمع السيسي وترمب، منذ عودة الرئيس الأميركي للبيت الأبيض قبل عام، وذلك بعد المحادثات التي جمعتهما في مدينة شرم الشيخ المصرية، في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، على هامش «قمة السلام» بشأن وقف الحرب في غزة.

ويأتي لقاء القمة المرتقب بين الرئيسين المصري والأميركي، بعد إشارات ودية متبادلة في الفترة الأخيرة، حيث بعث ترمب برسالة تقدير إلى السيسي أخيراً، على جهوده الناجحة في الوساطة بين حركة «حماس» وإسرائيل، للوصول لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتضمنت الرسالة رغبة من جانب ترمب لإطلاق وساطة أميركية بين مصر وإثيوبيا «من أجل التوصل إلى حل لأزمة السد الإثيوبي، بما يحقق تسوية عادلة ونهائية لمسألة تقسيم مياه النيل».

وفي المقابل، أشاد الرئيس المصري، برسالة نظيره الأميركي، وقال في تدوينة عبر حسابه الرسمي السبت: «أثمن رسالة الرئيس دونالد ترمب، وجهوده المقدرة في ترسيخ دعائم السلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي، وما تضمنته من تقدير لدور مصر المحوري في دعم الأمن والاستقرار بالمنطقة»، كما ثمّن السيسي «اهتمام ترمب بمحورية قضية نهر النيل لمصر».

محادثات السيسي وترمب في شرم الشيخ بشهر أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، أن لقاء السيسي وترمب في «دافوس»، «يأتي في توقيت مهم وضروري، ويعكس الشراكة الاستراتيجية بين البلدين»، وقال إن «المحادثات تتزامن مع بدء تنفيذ المرحلة الثانية من (اتفاق غزة)»، مشيراً إلى أن «هذه المرحلة تعوّل عليها القاهرة، على أساس أن نجاحها، سيفتح الباب للتعامل الإيجابي مع القضية الفلسطينية، وإيجاد حلول عادلة لها».

وهناك تقدير أميركي متواصل للدور الذي تقوم به مصر للتهدئة في الإقليم، وفق تقدير هريدي، مشيراً إلى أن «واشنطن خلال العامين الماضيين، سواء وقت إدارة جو بايدن، أو مع إدارة ترمب الحالية، تدرك مركزية الدور المصري في التعامل مع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وفي تسوية الأزمات الإقليمية».

وفي عدة مناسبات، أطلق ترمب تصريحات ودية تجاه السيسي ومصر التي وصفها بأنها «دولة تسيطر على أمورها جيداً»، واستثناها من زيادة الجمارك التي فرضها على دول أخرى، كما تحدثت تقارير كثيرة موثوقة عن ضغطه على إسرائيل لتمرير صفقة الغاز الأخيرة معها.

وتجاوب ترمب مع رفض مصر تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، دون أن يتخذ موقفاً عدائياً ضد القاهرة، حيث لبى دعوة السيسي للمشاركة في قمة «شرم الشيخ للسلام»، للتوقيع على اتفاق لإنهاء الحرب في غزة.

ويرى السفير حسين هريدي، أن «الولايات المتحدة تعول على السياسة المصرية للتسوية في المنطقة»، مشيراً إلى أن «مصر لا تدعم أي ميليشيا مسلحة تعمل في دول بالمنطقة»، كما أن التحركات المصرية للتهدئة «تمتد إلى منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي أيضاً».

وفي أكثر من مناسبة، تؤكد مصر على استراتيجية علاقاتها مع الولايات المتحدة، وتحصل القاهرة على مساعدات عسكرية أميركية بقيمة 1.3 مليار دولار، منذ توقيع اتفاق السلام بينها وبين إسرائيل، وأعلنت الخارجية الأميركية، في سبتمبر (أيلول) 2024، عن «موافقة واشنطن على تقديم قيمة المساعدات كاملة» إلى القاهرة.

وهذا هو اللقاء الثاني الذي يجمع السيسي وترمب خلال ثلاثة أشهر، وفق أستاذ السياسات الدولية، أشرف سنجر، الذي قال إن «لقاء (دافوس)، سيكون مهماً للتأكيد على أهمية تنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام في غزة».

ويرى سنجر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الترتيبات الأمنية والإقليمية التي تقوم بها واشنطن، من الصعب أن تديرها بمفردها، بسبب تعقد المشاكل الإقليمية وتعدد أطرافها»، مشيراً إلى أن «التعاطي مع تلك المشكلات يتطلب تنسيقاً مع أطراف فاعلة في المنطقة مثل مصر».