أفكار طه حسين والخولي علامات على طريق نهضة جديدة

أفكار طه حسين والخولي علامات على طريق نهضة جديدة

عزة بدر في كتابها «تجديد الخطاب الثقافي»
الثلاثاء - 10 شهر رمضان 1440 هـ - 14 مايو 2019 مـ رقم العدد [ 14777]
القاهرة: حمدي عابدين
بين آن وآخر، يقفز كتابا «مستقبل الثقافة في مصر» و«في الشعر الجاهلي» للدكتور طه حسين، إلى دائرة الضوء، عبر مناقشة أفكارهما، ودراسة الدعوات التي أطلقها فيهما، من أجل مهاجمتها حيناً، أو الدفاع عنها حيناً آخر، أو السعي لإعادة قراءتها وتحليلها ودرس تجلياتها في الحياة الفكرية المصرية المعاصرة.
وفي كتابها «تجديد الخطاب الثقافي» الذي صدر حديثاً ضمن مطبوعات سلسلة «كتاب الهلال» المصرية الشهرية، تضع الدكتورة عزة بدر أفكار الكتابين موضع المساءلة والبحث، بوصفها علامات يمكن من خلالها تنشيط الواقع الثقافي المصري الراهن، والتنقيب فيما أثاراه من وجهات نظر، يمكن أن تخرجه من أزمته، أو تخفف من حدة الصراعات الناجمة عنها.
ترى عزة بدر أن القيمة الكبرى لكتاب «في الشعر الجاهلي» تكمن في النهج الذي اتبعه صاحبه، ومجموعة المقدمات والنتائج التي توصل إليها، وأن «مستقبل الثقافة في مصر» الذي مضى على صدوره أكثر من ثمانين عاماً، يزخر بقيم معرفية مدعومة بقيم أخلاقية، ولا تزال الرؤى التي طرحها عميد الأدب العربي فيه نابضة بالحياة، ومنها ربطه الثقافة والعلم بالحرية، واعتبارهما الدعامة الحقيقية لها، وهو ما يبرز واضحاً في حديثه عن المعنى الحقيقي للثقافة، الذي يتسع ليشمل معرفة الفرد معنى الوطن والإنسانية والحياة، وسعيه لتحقيقه، وشعوره بما له على الأمم الأجنبية من حقوق، وما عليه من واجبات.
وفي فصل عنونته بدر «تجديد الخطاب الثقافي... تاريخنا الذي لا نعرفه إلا عن طريق الأجانب» تحدثت عن علاقة الثقافة الوطنية باللغة العربية، ورؤية طه حسين لها، وتشديده على ضرورة أن تكون مرحلة التعليم الأولى خالصة للثقافة الوطنية، ولغتها، دون أي مساحة للغات الأجنبية؛ لأنها حسب وجهة نظر «العميد» تجعل الأمر يضطرب على «الفرد» في حياته الثقافية حين تتقدم به السن، أو يحتاج إلى أن يعبر عما في نفسه، ويفهم ما يعبر به غيره.
وفي سياق ذلك، لفتت بدر إلى أن طه حسين كان يؤثر أن يبدأ درس الأدب من العصر الحديث، بمؤلفات معدة خصيصاً لهذا الأمر، بحيث تتم إزالة الجهد العنيف الذي يتحمله الطلاب، وهم يدخلون إلى مجاله بدراسة ما أبدعه النابغة وزهير والأعشى وامرؤ القيس، فدرس اللغة وآدابها من وجهة نظر طه حسين يعتبر من أهم مصادر الثقافة العامة، وأعظمها خطراً؛ لأنه بحكم مادته ومعانيه يتصل بالعقول والقلوب والأذواق جميعاً، ويُمَكِّن، بما فيه من جمال وروعة وعمق وتنوع، من تزكية القلوب وتصفية الأذواق، وتثقيف العقول؛ لكنه رغم ذلك يظل غير كافٍ لتحقيق كل تلك الأغراض على أكمل وجه؛ لأن حياة الإنسان تمتلئ بأشياء كثيرة متنوعة لم يبلغها الأدب القديم ولا الحديث، ولا بد من أن يتصل الدارس بها، وهو ما يجدر أن يكون عن طريق اللغة العربية فقط.
وهي تبرز حرص طه حسين على اللغة العربية، ودور آدابها في تهيئة الإنسان المصري والعربي، وصرامته فيما يجب أن يقدم للدارسين في مراحل التعليم المختلفة، تتوازى معه دعوته لتعلم اللغات الأجنبية والاحتياج الشديد لها، فهي الوسيلة للتعرف على الثقافات الكبرى التي تتنازع العالم، وتتعاون في تحضيره وتطوره. من هنا ترى الكاتبة أن هناك أهمية قصوى لتفعيل دعوة «العميد» لتعلم اللغات الأوروبية الحية كما يجب، ومعها الصينية والإسبانية واليابانية، إذا كانت الحكومات تريد أن تنشئ في بلدانها بيئة للعلم الخالص، تشبه أمثالها من البيئات العلمية في بلدان أوروبا المتقدمة.
ومن طه حسين، انتقلت بدر إلى مناقشة آثار الشيخ أمين الخولي، ومؤلفاته التي منها «المجددون في الإسلام»، و«رسالة إلى الأزهر في القرن العشرين»، و«كتاب الخير... دراسة موسعة للفلسفة الأدبية مطبقة على الحياة الشرقية والتفكير الإسلامي»، و«تاريخنا الإسلامي متى يصبح منهجاً»، ولفتت إلى أنه أول من درس الفلسفة في الأزهر، وذلك من خلال محاضرات جمعها عام 1934 في كتاب بعنوان «كناش في الفلسفة وتاريخها» أهداه للشيخ محمد عبده.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ بل دعا الخولي إلى الإيمان بالسببية، وجعلها شرطاً للدخول في عصر العلم. ولأنه كان صاحب ثقافة متنوعة، وفكر تقدمي مبهر، فضلاً عن إجادته كثيراً من اللغات، فقد قام بالتدريس في عدد من الكليات والمدارس التي قد يستشعر البعض وجود ثمة تناقض بينها، ولكن «سقراط المصري» حسب ما كان يسميه تلاميذه، والمناخ الذي كان سائداً في تلك الأيام، لم يكن يفرق بين المعاهد العلمية المختلفة، ولم يمنعه من التدريس في مدرسة القضاء الشرعي، ومعهد التمثيل، وكليات: أصول الدين، والآداب، والحقوق؛ بل أعطاه كل ذلك دفعة كبيرة في دعوته لتجديد الخطاب الديني، والنظر العقلي في أموره، وضرورة مسايرة حركة العلم المطردة التغير والتقدم، متسلحاً بكثير من العناصر الثقافية التي كان يمتلكها في اللغة والآداب والبلاغة وفن القول، وإعمال العقل في كثير من النظريات العلمية والتراث العربي فكراً وأدباً.
وذكرت بدر أن الخولي ربط مسألة استمرار الأفكار وحياتها بحجم الاستفادة منها، فقد كان يرى أن ظهور فكرة جيدة يشبه في تطور الحي ظهور صفات جديدة في نوع من الأحياء تخالف الصفات القديمة، وقوة يقين أصحابها بصحتها وصلاحيتها تقابل قوة الصفات الجديدة في الحي على الحياة، ولفت إلى أن المعنويات العقلية تتطور من أصل بسيط وتتنافس، والبقاء للأصلح، من هنا كانت دعوته إلى تدين إنساني القلب، نبيل العاطفة، يؤدي للتعاون البشري، ولا يعوق الإخاء الإنساني، ولا يعرف السلطة الغاشمة التي ترهب العقل الطليق وتفت في العزم، وتفسد الذوق، وتتحكم بجبروت لاهوتي في الحياة الدنيا، وتسد الطريق إلى الآخرة.
مصر كتب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة