الخوف الثقافي لا يقتصر على الشعوب المتخلفة

امتد إلى خطابات النخب الفلسفية والأدبية والإعلامية والفنية

مظاهرة في العاصمة البلجيكية ضد ظاهرة «الإسلاموفوبيا»
مظاهرة في العاصمة البلجيكية ضد ظاهرة «الإسلاموفوبيا»
TT

الخوف الثقافي لا يقتصر على الشعوب المتخلفة

مظاهرة في العاصمة البلجيكية ضد ظاهرة «الإسلاموفوبيا»
مظاهرة في العاصمة البلجيكية ضد ظاهرة «الإسلاموفوبيا»

لا شك في أن عالمنا المعاصر مبني على القوة والهيمنة. نعم، وحدها القوة تحدد أنماط العلاقات والتوازنات فيه. هذا هو التفسير الأقرب ليس فقط لتجذر ظاهرة الخوف من الآخر وانتشارها، بل إنها أيضاً تشكل أهم العوامل التي تحدث ارتباكاً وخللاً في تقاسم الثروات والكنوز الإنسانية، الاقتصادية منها والمعرفية، الأمر الذي يجعل الحروب تتكاثر وتتشعب، وبالتالي تتوالد الكراهيات، وتتشكل القطائع، وترفع الجدران الفاصلة والحدود الوهمية، بين من يملكون القوة ومن يفتقرون إليها. وتنتج عن ذلك ظواهر كثيرة أتجنب الإسهاب في تحليلها لأنني أركز هنا على الأعطاب الثقافية والاجتماعية والسياسية.
قد يضحي من البديهي أن يُؤدي رد الفعل الطبيعي الذي هو «الخوف من الآخر»، إلى التفكير في إيجاد طرق لحماية الذات، إلا أن هذا قد يؤدي أيضاً إلى التقوقع عليها، فتتحول حالة الخوف إلى حالة تعصب يتستر بحجة حماية الذات والخشية عليها مما ينعت بالذوبان، أو التفكك، أو التلوث، أو الاحتواء. لا يخفى على متأمل أو مراقب أن الخوف الإبستيمي، الخوف المعرفي، أمسى حالة تاريخية يعيشها الشمال كما يعيشها الجنوب ويحياها الشرق كما يحياها الغرب على حد سواء.
قد نذهب نحو التفكير في أن الخوف الثقافي طقوس لا تمارسها سوى الشعوب التي تعيش حالة من التخلف، وعلى علاقة مضطربة تجاه ما يُسمى بمشكلة الهوية الحضارية أو الوطنية أو القومية، إلا أننا قد نجد من جهة تقابلية أن تجليات الخوف المعرفي وُجدت أيضاً في الغرب المتحضر، بحيث إن الثقافة الغربية أنتجت في أوج حالة توسعها الاستعماري في أفريقيا ما بعد الصحراء، ثقافة الاحتقار حيال ذوي البشرة السوداء، ونعرف أنهم - إلى زمن ليس ببعيد - ظلوا سلعة رخيصة تباع وتُشترى، وتُستغل لخدمة السيد الأبيض، على الرغم من الاستقلالات الوطنية التي حازت عليها كثير من الدول الأفريقية. ولم تتغير النظرة الدونية لهم، إذ بعد وصول جالية من هذه البلدان، على شكل يد عاملة إلى أوروبا، ومع انتشار ثقافة حقوق الإنسان في العالم، وبعد توسع خبرات المعرفة والعلوم، فإن مجموعة من الأوروبيين الذين لم يستطيعوا التخلص من نوسطالجيا «الأسود السلعة»، فقد تولدت لديهم بوادر مرض «الزنجوفوبيا» Negrophobie، الذي سيتحول في مرحلة لاحقة مع انحسار الفكر الاستعماري المباشر الكلاسيكي، ليضحي هذا المرض: «فوبيا الآخر»، ويتخذ تجليات وصوراً أخرى كثيرة، تعكس الارتباك وحالة التأزم السياسي والثقافي والاقتصادي، الذي عاشته أوروبا قبل توحيدها، وقد تجلت من خلال كثير من الممارسات التي بدت في الحياة الاجتماعية اليومية، وأفرزت جراء ذلك سلسلة من المفاهيم المعرفية والاصطلاحية كـ«العربوفوبيا» Arabophobie التي محورها الخوف من الإنسان «العربي»، رعب يُغلف عادة بكثير من الأوصاف العنصرية مثل «الخائن»، «الوسخ»، «غير الوفي»، «المخادع»، «العنصري»، «المهووس بالجنس»، «غير الحضاري»، «المنتقم»... ولا يخفى أن هذا مستمد من ثقافة بمرجعيات تحمل مخلفات النظام الاقتصادي الكولونيالي، مستنداً على العنصرية التي تأسس عليها منذ بداية القرن التاسع عشر. تجدر الإشارة إلى أن هذه التهم والأوصاف الدنيئة الملحقة بالعربي لا تستثني الأمازيغي. إن هذا الاستعمار السابق، الذي كان يملك اليد الطولى المنبسطة على بلدان المغرب الكبير، وبشكل خاص الجزائر، وظل يعمل جاهداً على التفريق العرقي والسياسي بين السكان العرب والأمازيغ قصد تشتيت قواهم في المقاومة وبالتالي ترسيخ هيمنته، فإنه هو ذاته وبعد الاستقلالات الوطنية، لم تعد عينه المصابة بداء «العربوفوبيا»، وبثقافتها العنصرية تفرق بين هذا وذاك، فقد أضحوا كتلة واحدة تصدر ذات الخوف وذات الريبة، ومن ثم تستدعي المحاربة والتهميش، لا فرق بين عربي وأمازيغي.
ثم إن مصطلح «المغربوفوبيا» Maghrébophobie يعرّف الفوبيا التي ينتجها الوجود المغاربي المكثف والواضح داخل الحيز الأوروبي بشكل عام، خصوصاً في بلجيكا وهولندا، وفي فرنسا.
إن الوجود الاجتماعي الواضح، والمكثف la visibilité sociale، بعدد المقيمين المغاربيين الذي يبلغ نحو خمسة ملايين نسمة، أوجد ردة فعل ثقافية سياسية خائفة ورافضة، تتأكد يوميّاً في ثقافة أحزاب اليمين المتطرف، التي أضحت تحقق وجوداً سياسيّاً كبيراً، وتنتقل إلى حقول النخب، بحيث إن بعض بوادر هذه «المغاربوفوبيا» ظهرت في خطابات النخب الفلسفية والأدبية والإعلامية والفنية، الأمر الذي يعمق المرض، ويجعل الخوف من المغاربي سلاحاً سياسيّاً في الخطاب الاقتصادي اليميني، وأيضاً في بناء أو خلخلة الاتحاد الأوروبي.
مصطلح آخر وهو «الإسلاموفوبيا» Islamophobie ولعله من بقايا ذاكرة الحروب الصليبية، التي ما فتئت تتجدد سياسيّاً، في العشريتين الأخيرتين وبشكل واضح، وتقننت سياسيّاً وإعلاميا وعسكريّاً خصوصاً بعد هجوم الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) على المجمع التجاري الأميركي. وشكلت أحداث سبتمبر المفصل التاريخي للإسلاموفوبيا، بحيث أضحى كل ما يمت للإسلام يرتبط مباشرة وعضويّاً بالإرهاب، وتجدر الإشارة إلى أن عدوى «الإسلاموفوبيا» انتقلت من النخب إلى العامة، لتصير وباء اجتماعيّا عاماً متفشياً في مختلف الطبقات الاجتماعية الأميركية والأوروبية، ثم لا بد من التنبيه إلى أن كثيراً من المصابين بعلّة الإسلاموفوبيا لا يفرقون بين «العربي» و«الإسلامي»، بحيث لا يتصورون أن هناك عربيّاً مسيحيّاً، أو عربيّاً يهوديّاً، فكل عربي مسلم بالضرورة في مخيال الإسلاموفوبي الأميركي أو الأوروبي، وهو إرهابي بالحتمية الدينية. ولعبت شبكات القنوات التلفزيونية التي أصبحت أجهزة ملحقة بوزارات الدفاع وبالجيوش التي تجوب العالم برّاً وبحراً، شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً... لعبت دورها في تنمية ثقافة «الإسلاموفوبيا» بتناول ظاهرة الإرهاب التي أصبحت المادة الأساسية للإعلام العالمي، ودخلت «الإسلاموفوبيا» في الاجتماع، والدين والسياسة، والإعلام، والثقافة، والسياحة، والمال، والاقتصاد، والأعمال.
أما من جهة الخوف المضاد، فإن الحرب على الإرهاب وما تلاها من تفكك ببنية الدولة المنحدرة من منتصف القرن الماضي، نتاج الآيديولوجيات الوطنية أو القومية التحريرية التي لم تعد تجيب عن جميع أسئلة العمل السياسي ومتطلباته في هذا القرن، أدت إلى ظاهرة ثقافة الاستبداد، التي ولدت الغضب، والرفض، ثم الاحتجاجات والانتفاضات ثم الثورات التي تمثلت فيما سُمي بـ«الربيع العربي» في كل من تونس، وليبيا، ومصر، واليمن، وسوريا، والسودان، وتوسّعت مساحة ثقافة «الإسلاموفوبيا»، وبرزت أو تعمقت تنويعات في الدين السياسي. وزاد من حدة الوضع العمليات الإرهابية في أوروبا، وفي فرنسا خاصة - حادثة الهجوم المسلح على مجلة «شارلي إيبدو» واعتداءات 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، ثم العملية الإرهابية التي عاشتها مدينة نيس في 14 يوليو (تموز) 2016 – فلم تعد تنحصر في رقعة الخطاب السياسي لليمين المتطرف، بل تخطته لتصبح مادة في الثقافة والفن والمسرح والإعلام.
قضي الأمر وتعمقت الهوة بين الجنوب والغرب، واستيقظ شعور الخوف من حالة كمونه الطويلة، خوف ورثه الفرد في بلدان الجنوب من أيام الاستعمار ولم يبرح أعماقه، بعضه يجد منبته في المجال السياسي، وبعضه في منحاه الديني، والآخر في اللغوي - الثقافي، وفي اضطراب الهوية.
ويحاول حاملو الذاكرة الاستعمارية الداعون إلى فوبيا الآخر، أن ينقلوا الماضي بحيثياته وحمولة إرثه الثقيل إلى الحاضر، باستعادة هذه الذاكرة لا لنقدها وإدانتها، ثم الانتقال نحو البحث عن علاقة جديدة، مؤسسة على الاحترام المتبادل والاستقلال والشراكة دون إلغاء الذاكرة، وهذا واجب الذاكرة أيضاً، لكن مع الأسف، فإنها تُستدعى لتغليب ثقافة الحذر والتوجس وبالتالي الخوف من هذا الآخر، العدو قديماً، على أنه عدو الأبد. لعل الأمر يبدو طبيعياً في حالة ردة الفعل لدى المستعمَر «سابقاً» لموقفه هو الآخر وفوبياه من الآخر/ الغرب، ويعده غرباً متجانساً لا يزال يتربص به لاحتلاله. الخوف هذا يتغذى من مقولات آيديولوجية جاهزة، مؤداها أن الغرب كله دون تمييز يقف ضد العروبة، ويحاربها ولا يبحث سوى في القضاء عليها واندثارها. وظهرت مصطلحات ترمز لذلك مثل «حزب فرنسا» في الجزائر خاصة، ويرمي إلى نعت من يتربص بالعروبة ومحاربتها من الداخل، ويشير إلى فيلق المثقفين المفرنسين. وكثيراً ما تحقق هذه «الفوبيا» من الآخر أهدافها ببث التفرقة والبلبلة وقطع جسور الحوار بين المثقفين الجزائريين أنفسهم على أساس لغوي من جهة، ومن جهة أخرى بتر كل ما يربط بين الضفة الجنوبية المتميزة بثرائها اللغوي والثقافي والضفة الشمالية، وقطع كل إمكانية تواصل أو أمل في إمكانية التعامل عبر عنصري الثقافة واللغة المشتركة كعامل لتطوير علاقة شراكة وبناء مستقبل مؤسس على كل ما هو إيجابي، وتجاوز كل ما هو سلبي. يبدو لي أن الروائي الجزائري كاتب ياسين تفطن مبكراً إلى هذه العلاقة المرتبكة حين قال عن اللغة الفرنسية إنها «غنيمة حرب». عنصر حساس آخر يُستعمل لإذكاء نار العداوة بين الجنوب والشمال، يتمثل في القضية الفلسطينية التي لا أحد يشكك في عدالتها، يوظفه دعاة فوبيا الخوف من الآخر لغرض تأجيج ثقافة التفرقة وبث الكراهية عن طريق تعميم الأحكام، والزعم بأن الغرب موحَّد في عدائه تجاه هذه القضية العادلة، وهي في جوهرها قضية تصفية استعمار، وحق شعب في استعادة أرضه واستقلاله. هذا الادعاء يكذبه التاريخ، لذلك يجب التذكير بأنه كان للثورة الجزائرية أصدقاء من الأوروبيين، ومن بين الفرنسيين أنفسهم، حتى إن منهم من ضحّى بحياته من أجلها مؤمناً بعدالتها، وكما حدث بالنسبة للصورة الجزائرية فإن للقضية الفلسطينية كذلك رأسمال مهمّاً من أصدقائها في أوروبا وأميركا، يرافعون لأجلها، ولقد حضرتُ شخصياً لقاءات وتجمعات كثيرة في أوروبا إلى جانب شخصيات عربية وشخصيات أوروبية تدافع وبقوة عن القضية الفلسطينية.
إنها بعض من مداخل قراءة الزلزال الذي يضرب الإنسان منذ بداية العشرية الأولى من هذه الألفية، حاولت تقديمها واختصار عناصرها التي تسم زمننا بالصعوبة والعنف وضبابية الأفق. تسمه أيضاً بالخوف والخوف المضاد من الآخر، الأمر الذي يجعل الأمل في السلام يتلاشى، والخوف من بوادر حروب ثقافية وقيمية أخرى، بعضها قائم، والآخر على الأبواب.

- روائية وشاعرة وأكاديمية من الجزائر



«بيروت للأفلام الفنية»... مجموعة أعمال سينمائية تروي تاريخاً يشهد

ينطلق مهرجان «بيروت للأفلام الفنية» في 3 نوفمبر ويستمر حتى 13 منه (الجهة المنظّمة)
ينطلق مهرجان «بيروت للأفلام الفنية» في 3 نوفمبر ويستمر حتى 13 منه (الجهة المنظّمة)
TT

«بيروت للأفلام الفنية»... مجموعة أعمال سينمائية تروي تاريخاً يشهد

ينطلق مهرجان «بيروت للأفلام الفنية» في 3 نوفمبر ويستمر حتى 13 منه (الجهة المنظّمة)
ينطلق مهرجان «بيروت للأفلام الفنية» في 3 نوفمبر ويستمر حتى 13 منه (الجهة المنظّمة)

تحت عنوان «الإنسان اللامحدود على الشاشة الكبيرة»، يفتح مهرجان «بيروت للأفلام الفنية» (باف) الباب على الصراع الدائر بين الإنسان والذكاء الاصطناعي. فاختياراته السينمائية في نسخته الثانية عشرة تضع الإبداع البشري تحت المجهر، وتؤكد، عبر أفلام وثائقية وأخرى روائية، أن طاقة الإنسان لا تضاهيها أي طاقة أخرى. وترى مديرة المهرجان، أليس مغبغب، أن الذكاء الاصطناعي لن يتمكّن من سلب الإنسان قوّته اللامتناهية. وتتابع لـ«الشرق الأوسط»: «إنها تتفوّق عليه بالروح والإحساس. وندرك ذلك من أعمال أيقونية لا يقدّر الذكاء الاصطناعي على إنجاز ما يشبهها، والتاريخ يشهد على ذلك».

ومن منطلق فني، يتناول المهرجان العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي عبر أعمال مخرجين وممثلين ومنتجين سينمائيين. فرغم مرور عقود على إنجاز بعضها، لا تزال بصمات أصحابها راسخة في تاريخ الفنّ. ويحتفي المهرجان بمئوية المخرج أندريه فايدا، ومئوية السينما الناطقة، والذكرى المئوية لرحيل كلود مونيه، إلى جانب مرور 200 عام على انطلاق التصوير الفوتوغرافي.

فيلم «بالميرا» يروي قصة حضارة مدينة تاريخية (الجهة المنظّمة)

وتُعلّق أليس مغبغب: «نرغب في التأكيد عبر هذا المهرجان على أن الفن باقٍ، والإنسانية هي ملاذه ومنبعه. ومن خلال الأفلام المعروضة، سنكتشف اللامحدودية في الخلق والإبداع لدى البشر. ونؤكد أن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه امتلاك طاقة الإنسان في الرقص والتمثيل والرسم وغيرها من الفنون. لذلك، لا ينبغي أن نخشى سيطرته علينا أو إزاحتنا جانباً».

تنطلق فعاليات «باف» من 3 إلى 13 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على مسرح «بيريت» في الجامعة اليسوعية ببيروت. وتُفتتح هذه الدورة بمنح جائزة «اليراعات الذهبية» لعام 2026 للمخرجة تمارا استبانيان، يليها عرض فيلمها «أشباحي الأرمنية». وتتابع أليس مغبغب: «أردنا تكريم استبانيان، وهي لبنانية من أصل أرمني وفرنسي، لكونها رائدة في التعريف بتاريخ السينما الأرمنية في العالم. كما نعرض لها فيلماً آخر بعنوان (في أرض أردو)، يحكي قصة امرأة تبحث عن هوية زوجها، وقد سبق عرضه في مهرجان لوكارنو السينمائي».

ومن بين الأفلام الـ26 التي يتضمّنها البرنامج، يتابع روّاد المهرجان أعمالاً تأخذهم في جولة عبر القارات والثقافات، تشمل كمبوديا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وسويسرا والبرازيل وسوريا ولبنان وغيرها. وتتلاقى هذه البلدان وقصصها وخصوصياتها لتشهد على سمة حملها الفنّ منذ الأزل، وهي التعبير عن إنسانيتنا المشتركة.

تُختتم فعاليات المهرجان بفيلم «غزة» لنان غولدين (الجهة المنظّمة)

ومن ضيوف الشرف الذين يُنتظر حضورهم الفنانة الأميركية نان غولدين، التي تختتم مشاركتها في المهرجان بفيلم «غزة - ملاحظات حول إبادة جماعية». والفيلم، كما تقول غولدين، لا يزال قيد الإعداد، نظراً إلى كثرة الشهادات التي جمعتها عن عمليات إبادة جرت على مرأى من ملايين الناس عبر الشاشات. ويتألّف من مقاطع مصوَّرة التقطها أصدقاء لها شهدوا ما حصل في فلسطين. وعقب عرض الفيلم في 13 نوفمبر، ينظّم المهرجان ندوة معها لمناقشة العمل والاستماع إلى آراء الحضور وانطباعاتهم.

أما فيلم «ديفيد هوكني»، الذي يُعرض في 4 نوفمبر، فيروي قصة أحد أبرز الفنانين البريطانيين المعاصرين، وكيف استقطبت معارضه ملايين الزوّار في لندن ونيويورك وباريس وغيرها من المدن. ويقدّم حواراً حميمياً أجراه المدير الفني للأكاديمية الملكية للفنون، تيم مارلو، مع هوكني، قبل رحيله في يونيو (حزيران) 2026، ليرسم صورة شفّافة عن الرجل الذي يقف وراء تلك اللوحات الأيقونية.

ومن الأفلام التي يُنتظر أن تستقطب الجمهور اللبناني في اليوم نفسه عمل يتناول قصة أغنية «ماي واي» إحدى أشهر الأغنيات في العالم، التي لحّنها الفرنسي جاك روفو عام 1967، وغنّاها كلود فرنسوا، قبل أن يعيد بول أنكا صياغة كلماتها، لتصبح بصوت فرانك سيناترا أغنية أيقونية جابت العالم. وغنّاها فنانون كثر، بينهم فيروز ونينا سيمون وتوم جونز. كما رافقت محطات تاريخية واحتفالات رسمية وشعبية بارزة، وصولاً إلى سقوط جدار برلين.

قصة أغنية «ماي واي» تُعرض في فيلم وثائقي (الجهة المنظّمة)

وفي الذكرى المئوية لولادة المخرج البولندي أندريه فايدا، يعرض المهرجان في 5 نوفمبر فيلم «وجدا لوجدا». ويحيي «باف» أيضاً، في اليوم نفسه، الذكرى المئوية لرحيل الرسام الفرنسي كلود مونيه، عبر فيلم «كلود مونيه على ضوء اللحظة»، الذي صوّره الألماني كريستوف إيرغانغ وأخرجه ماتياس فريك. ويستضيف المهرجان المخرج والمصوّر، إلى جانب مدير المكتبة الشرقية في بيروت جوزيف رستم، في جلسة حوارية تتناول العمل والفنان الذي يحتفي به.

وفي 6 نوفمبر، يعرض المهرجان فيلم تشارلي شابلن «الأزمنة الحديثة» الذي ينتمي إلى السينما الصامتة. ففي وقت كانت فيه السينما الناطقة تُحدث ثورة في الفن السابع، ظلّ شابلن متمسّكاً بأسلوبه، مقدّماً عملاً ذا أبعاد فنية واجتماعية وسياسية، ترك أثراً في مسيرته وتاريخ السينما.

وفي اليوم نفسه، يُعرض الفيلم الوثائقي «هذا وذاك»، من إخراج كلود لولوش، ويتناول تاريخ الرقص عبر قصة الأرجنتيني خورخي دون، الذي بدأت موهبته في هذا الفن الظهور وهو في السادسة عشرة من عمره.

يُعرض فيلم تشارلي شابلن «الأزمنة الحديثة» ضمن المهرجان (الجهة المنظّمة)

وفي 7 نوفمبر، يعرض المهرجان الفيلم الوثائقي «الجعران الذهبي» (Scarabée d’or)، الذي يتناول الفنان اللبناني الكندي وجدي معوّض، ويوثّق رحلته الإبداعية في الكتابة والرسم والمسرح والسينما. ويُعرض الفيلم أيضاً على مسرح «بيريت» التابع للجامعة اليسوعية في بيروت.

وفي فيلم «بالميرا: ألف وجه ووجه»، يتابع الجمهور رحلة عالمة الآثار الدنماركية روبينا راجا، التي تتبّعت آثار عائلات مدينة تدمر، مستعيدةً ملامح ماضٍ ازدهرت فيه حضارات هذه المدينة السورية.

ومن الأعمال الأخرى المُدرجة في البرنامج فيلم «خارج الصورة»، الذي يستكشف أصوات معماريات ومؤرّخات وباحثات أُقصين عن الواجهة، فيما يروي «نصف القمر» قصة الموسيقي وعازف الكلارينيت السوري كنان العظمة، الذي تعذّرت عليه العودة إلى سوريا خلال الحرب.

أما فيلم «عندما كانت البرازيل حديثة» فيتوقّف عند التحوّلات الجذرية التي شهدتها البرازيل في مجال العمارة، مقدّماً قراءة في التغيّرات التي طالت المشهد العمراني والثقافي في البلاد.


«عودة الغايب»... نجوم الفن يحتفون بعودة فضل شاكر برسائل من القلب

الفنان اللبناني فضل شاكر على مسرح أبو بكر سالم خلال حفلة «عودة الغايب» في الرياض (X@RiyadhSeason)
الفنان اللبناني فضل شاكر على مسرح أبو بكر سالم خلال حفلة «عودة الغايب» في الرياض (X@RiyadhSeason)
TT

«عودة الغايب»... نجوم الفن يحتفون بعودة فضل شاكر برسائل من القلب

الفنان اللبناني فضل شاكر على مسرح أبو بكر سالم خلال حفلة «عودة الغايب» في الرياض (X@RiyadhSeason)
الفنان اللبناني فضل شاكر على مسرح أبو بكر سالم خلال حفلة «عودة الغايب» في الرياض (X@RiyadhSeason)

بعض الغياب يستحق العودة. وبعض الأصوات، مهما طال ابتعادها، تظل حاضرة في الذاكرة والوجدان. وبعد نحو 14 عاماً من الغياب عن المسرح، عاد الفنان اللبناني فضل شاكر إلى لقاء جمهوره في حفل حمل عنوان «عودة الغايب»، ضمن فعاليات موسم الرياض في العاصمة السعودية، في ليلة لم تكن مجرد عودة إلى الأضواء، بل مناسبة استحضرت مشاعر الشوق والحنين إلى صوت ارتبط بقلوب محبيه وأغنيات رافقت لحظات كثيرة من حياتهم.

ولم تتوقف أصداء عودة فضل شاكر عند حدود المسرح والجمهور، بل امتدت إلى الوسط الفني العربي، حيث سارع عدد من النجوم إلى الترحيب به عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في رسائل حملت الفرح والمحبة، وعكست مكانته الفنية وما تركه صوته من أثر لدى زملائه ومحبيه.

وكانت الفنانة اللبنانية نوال الزغبي من بين أوائل المحتفين بعودته؛ إذ وجّهت إليه رسالة عبر حسابها على منصة «إكس»، أكدت فيها أن مكانته لا يمكن أن يملأها أحد، وكتبت: «طلتك غالية ومطرحك ما حدا يعبيه عالمسارح وبالقلوب»، مرفقة تعليقها بوسم «فضل شاكر نورت».

أما الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب، فعبّرت عن فرحتها بعودة حلم انتظره محبو الفنان اللبناني طويلاً، وكتبت: «حلم وتحقق أخيراً! وجود فضل شاكر على المسرح الليلة كان حاجة تانية خالص.. شكراً لكل لحظة طرب حقيقية».

ومن جهتها، وجّهت الفنانة اللبنانية ديانا حداد رسالة مؤثرة إلى فضل شاكر، وصفته فيها بأنه «الصديق العزيز وصوت الإحساس»، معبّرةً عن سعادتها بعودته إلى المسرح، وقالت: «نورت الرياض وموسم الرياض مع حبيباتك وأهلك، فرحتنا كبيرة بعودتك يا خيي الغالي».

كما شكرت حداد المستشار تركي آل الشيخ على دعمه وتقديره للفن والفنانين، وشركة «بنش مارك» على جهودها في تنظيم الحفل، مختتمةً رسالتها بعبارة «نورت المسرح»، في ترحيب اختصر مشاعر الفرح بعودة الفنان اللبناني إلى جمهوره.

واحتفى الفنان اللبناني سعد رمضان بدوره بعودة «الملك»، معتبراً أنها فرحة لكل من يحب الفن الأصيل والإحساس الصادق، وكتب عبر خاصية القصص القصيرة على «إنستغرام»: «عودة بتفرّح كل محب للفن والإحساس الأصيل. أهلاً بعودتك يا ملك»، و«معقول ننساك يا ملك معقول».

ولم يغب التعبير العفوي عن المحبة عن رسائل النجوم؛ إذ وجّه الفنان اللبناني آدم إلى فضل شاكر رسالة قصيرة حملت الكثير من الود، قائلاً: «فرحت قلوبنا برجعتك يا حبيب القلب».

كذلك، عبّرت الفنانة السورية شكران مرتجى عن حماسها لعودة فضل شاكر، وكتبت عبر حسابها على «إنستغرام»: «ناطرة مع الناطرين وشو كثار نحنا»، في إشارة إلى كثرة المحبين الذين انتظروا عودته إلى الغناء أمام الجمهور.

أما الممثلة نور الغندور، فاختارت عبارة موجزة تختصر أجواء المناسبة، وكتبت عبر مواقع التواصل الاجتماعي: «عودة أحلى غايب»، في رسالة احتفت فيها بعودة الفنان اللبناني بعد سنوات من الابتعاد عن المسرح.

وتأتي هذه العودة في مرحلة جديدة من مسيرة فضل شاكر، بعدما وافق القضاء اللبناني في يوليو (تموز) الماضي على إخلاء سبيله في أربع قضايا مقامة ضده، مقابل كفالة مالية، وذلك بعد تسعة أشهر من توقيفه. كما رُفع منع السفر عنه، وسلّم جواز سفره.


6 جراء تستقطب ملايين المشاهدات ببثّ مباشر في فنلندا

6 كائنات صغيرة تمنح العالم سبباً ليهدأ (أ.ب)
6 كائنات صغيرة تمنح العالم سبباً ليهدأ (أ.ب)
TT

6 جراء تستقطب ملايين المشاهدات ببثّ مباشر في فنلندا

6 كائنات صغيرة تمنح العالم سبباً ليهدأ (أ.ب)
6 كائنات صغيرة تمنح العالم سبباً ليهدأ (أ.ب)

في زاوية هادئة من العالم، تتفتح حكاية صغيرة من البراءة والدفء، ترصدها كاميرات تبثّ على مدار الساعة مَشاهد لـ6 جراء حديثة الولادة في فنلندا، وهي تكتشف الحياة بخطوات متعثِّرة وحركات عفوية وأصوات خافتة، قبل أن تتكوّر متلاصقة بحثاً عن الدفء والأمان.

وذكرت «أسوشييتد برس» أنّ ما بدأ تجربة علمية لمتابعة نمو الجراء في أيامها الأولى، سرعان ما تحوّل إلى مشهد يأسر ملايين المشاهدين، ويمنحهم لحظات من البهجة والسكينة وسط سيل من الأخبار المثقلة بالأزمات والحروب والصراعات.

لم تفتح عينَيها تماماً بعد... والعالم مفتون بها (أ.ب)

ورغم أنّ الجراء لا تزال تقضي معظم وقتها في النوم والرضاعة، ولم تبدأ بعد بمطاردة الأشياء أو إحضارها، فقد نجحت في استقطاب ملايين المشاهدين في فنلندا وحول العالم، عبر برنامج «بنتولايف» الذي تقدّمه هيئة البثّ العامة الفنلندية «واي إل إي» على مدار الساعة، ويتيح للمشاهدين متابعة تفاصيل حياة الجراء ونموّها في بثّ متواصل يتّسم بإيقاع هادئ بعيداً عن الأحداث المتلاحقة. وتعني كلمة «بنتو» باللغة الفنلندية «جرو».

وفي 10 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، أنجبت «هيلكا»، وهي كلبة تبلغ 5 سنوات من سلالة «لاغوتو رومانيولو»، 6 جراء، 4 منها ذكور واثنتان إناث. وتتميّز الجراء بفرائها البني والأبيض، ويبلغ وزن كلّ منها نحو كيلوغرام واحد، وفق قياسات أُجريت الخميس.

وقالت الصحافية العلمية في هيئة «واي إل إي» وصاحبة فكرة البرنامج، بيريو كوسكينن: «بدأت الجراء تفتح أعينها وآذانها تواً، وتخطو خطواتها الأولى المتعثّرة».

ويعرض البرنامج موسمه السادس، وسط توقّعات بتحقيق أرقام قياسية جديدة في المشاهدة. ففي أقل من أسبوعين، تجاوز عدد مشاهدات البثّ المباشر على منصات التواصل الاجتماعي وحدها 6 ملايين مشاهدة، في بلد يبلغ عدد سكانه 5.7 مليون نسمة. ومن المقرَّر إقامة حفل لتسمية الجراء يوم السبت.

ولا يقتصر البرنامج على إتاحة الفرصة للمشاهدين لمتابعة الجراء؛ إذ يتضمّن أيضاً محتوى علمياً، من خلال جلسات حوارية مع الجمهور تُعقد 3 مرات أسبوعياً، إلى جانب «بودكاست» ومقالات إلكترونية تتناول مراحل نمو الكلاب. ويتيح ذلك للمشاهدين متابعة نمو الجراء يوماً بعد يوم، ورصد مراحل تطوّرها بالتعاون مع الصحافيين العلميين في الهيئة ومربّي الكلاب.

ولا تقتصر الفوائد العلمية لهذه المشاهد على الحيوانات، وإنما تمتدّ إلى البشر أيضاً؛ إذ أوضحت كوسكينن أنّ مشاهدة الجراء وهي تحاول الاندفاع نحو أمها للحصول على الحليب قد تؤدّي، على سبيل المثال، إلى ارتفاع مستويات هرمون الأوكسيتوسين في الدماغ البشري. ويُعرف هذا الهرمون باسم «هرمون الحبّ»، لدوره في تعزيز الروابط الاجتماعية والحدّ من القلق.

وفي الوقت نفسه، يوفّر البرنامج متنفَّساً للمشاهدين والصحافيين العاملين في الهيئة، بعيداً عن ضغوط العالم وأحداثه المتلاحقة. وقال منتج «بنتولايف» في الهيئة، ييري لويكانن، إنّ مجرّد النظر إلى الذيول الصغيرة التي تهتزّ والأنوف الوردية الدقيقة كفيل برسم الابتسامة على الوجوه.

وأضاف لويكانن، الذي اعتاد مشاهدة البثّ المباشر للتخفّف من ضغوط يوم العمل، أنّ أحد المعلّقين على وسائل التواصل الاجتماعي عقد مقارنة بين دراسة الولايات المتحدة بثاً مباشراً لتنفيذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص بحق نضال مالك حسن، منفّذ إطلاق النار في قاعدة فورت هود العسكرية، وبين بثّ فنلندا مشاهد للجراء الصغيرة.

وقال لويكانن: «أعتقد أن هذا يعكس إلى حد كبير روح العصر؛ إذ يتوق الناس إلى هذا النوع من الهروب القصير من الأخبار القاتمة والمثيرة للكآبة التي نعيشها في الوقت الراهن، من السياسة والاقتصاد إلى الحروب والصراعات، وما إلى ذلك».

العالم مستيقظ على قلقه وهي نائمة بطمأنينة (أ.ب)

ومن المقرّر أن تنتقل الجراء إلى أسر تتبنّاها في منتصف ديسمبر (كانون الأول) المقبل، يختارها المربّي. وتحجب هيئة «واي إل إي» اسم المربّي وموقعه حفاظاً على خصوصيته، ولضمان تركيز الاهتمام على صحة الكلاب ورفاهيتها. وتُختار الأسر التي ستتبنّى الجراء قبل بدء البثّ المباشر كل عام.

وانطلق نمط البرامج المعروف باسم «التلفزيون البطيء» عام 2009، عندما بثّت هيئة الإذاعة العامة النرويجية «إن آر كيه» رحلة قطار استغرقت 7 ساعات عبر جنوب البلاد، ناقلةً تفاصيل الرحلة دقيقة بدقيقة. ومنذ ذلك الحين، انتشر هذا النمط ليشمل إنتاجات في المملكة المتحدة والصين وغيرهما.

وفي السويد، على سبيل المثال، ترصد كاميرات من بُعد، ضمن برنامج «الهجرة الكبرى للموظ»، عشرات حيوانات الموظ وهي تعبر نهر أونغيرمان سباحةً، على بُعد نحو 300 كيلومتر (187 ميلاً) شمال غربي استوكهولم، خلال هجرتها الربيعية السنوية إلى المراعي الصيفية.