الخوف الثقافي لا يقتصر على الشعوب المتخلفة

امتد إلى خطابات النخب الفلسفية والأدبية والإعلامية والفنية

مظاهرة في العاصمة البلجيكية ضد ظاهرة «الإسلاموفوبيا»
مظاهرة في العاصمة البلجيكية ضد ظاهرة «الإسلاموفوبيا»
TT

الخوف الثقافي لا يقتصر على الشعوب المتخلفة

مظاهرة في العاصمة البلجيكية ضد ظاهرة «الإسلاموفوبيا»
مظاهرة في العاصمة البلجيكية ضد ظاهرة «الإسلاموفوبيا»

لا شك في أن عالمنا المعاصر مبني على القوة والهيمنة. نعم، وحدها القوة تحدد أنماط العلاقات والتوازنات فيه. هذا هو التفسير الأقرب ليس فقط لتجذر ظاهرة الخوف من الآخر وانتشارها، بل إنها أيضاً تشكل أهم العوامل التي تحدث ارتباكاً وخللاً في تقاسم الثروات والكنوز الإنسانية، الاقتصادية منها والمعرفية، الأمر الذي يجعل الحروب تتكاثر وتتشعب، وبالتالي تتوالد الكراهيات، وتتشكل القطائع، وترفع الجدران الفاصلة والحدود الوهمية، بين من يملكون القوة ومن يفتقرون إليها. وتنتج عن ذلك ظواهر كثيرة أتجنب الإسهاب في تحليلها لأنني أركز هنا على الأعطاب الثقافية والاجتماعية والسياسية.
قد يضحي من البديهي أن يُؤدي رد الفعل الطبيعي الذي هو «الخوف من الآخر»، إلى التفكير في إيجاد طرق لحماية الذات، إلا أن هذا قد يؤدي أيضاً إلى التقوقع عليها، فتتحول حالة الخوف إلى حالة تعصب يتستر بحجة حماية الذات والخشية عليها مما ينعت بالذوبان، أو التفكك، أو التلوث، أو الاحتواء. لا يخفى على متأمل أو مراقب أن الخوف الإبستيمي، الخوف المعرفي، أمسى حالة تاريخية يعيشها الشمال كما يعيشها الجنوب ويحياها الشرق كما يحياها الغرب على حد سواء.
قد نذهب نحو التفكير في أن الخوف الثقافي طقوس لا تمارسها سوى الشعوب التي تعيش حالة من التخلف، وعلى علاقة مضطربة تجاه ما يُسمى بمشكلة الهوية الحضارية أو الوطنية أو القومية، إلا أننا قد نجد من جهة تقابلية أن تجليات الخوف المعرفي وُجدت أيضاً في الغرب المتحضر، بحيث إن الثقافة الغربية أنتجت في أوج حالة توسعها الاستعماري في أفريقيا ما بعد الصحراء، ثقافة الاحتقار حيال ذوي البشرة السوداء، ونعرف أنهم - إلى زمن ليس ببعيد - ظلوا سلعة رخيصة تباع وتُشترى، وتُستغل لخدمة السيد الأبيض، على الرغم من الاستقلالات الوطنية التي حازت عليها كثير من الدول الأفريقية. ولم تتغير النظرة الدونية لهم، إذ بعد وصول جالية من هذه البلدان، على شكل يد عاملة إلى أوروبا، ومع انتشار ثقافة حقوق الإنسان في العالم، وبعد توسع خبرات المعرفة والعلوم، فإن مجموعة من الأوروبيين الذين لم يستطيعوا التخلص من نوسطالجيا «الأسود السلعة»، فقد تولدت لديهم بوادر مرض «الزنجوفوبيا» Negrophobie، الذي سيتحول في مرحلة لاحقة مع انحسار الفكر الاستعماري المباشر الكلاسيكي، ليضحي هذا المرض: «فوبيا الآخر»، ويتخذ تجليات وصوراً أخرى كثيرة، تعكس الارتباك وحالة التأزم السياسي والثقافي والاقتصادي، الذي عاشته أوروبا قبل توحيدها، وقد تجلت من خلال كثير من الممارسات التي بدت في الحياة الاجتماعية اليومية، وأفرزت جراء ذلك سلسلة من المفاهيم المعرفية والاصطلاحية كـ«العربوفوبيا» Arabophobie التي محورها الخوف من الإنسان «العربي»، رعب يُغلف عادة بكثير من الأوصاف العنصرية مثل «الخائن»، «الوسخ»، «غير الوفي»، «المخادع»، «العنصري»، «المهووس بالجنس»، «غير الحضاري»، «المنتقم»... ولا يخفى أن هذا مستمد من ثقافة بمرجعيات تحمل مخلفات النظام الاقتصادي الكولونيالي، مستنداً على العنصرية التي تأسس عليها منذ بداية القرن التاسع عشر. تجدر الإشارة إلى أن هذه التهم والأوصاف الدنيئة الملحقة بالعربي لا تستثني الأمازيغي. إن هذا الاستعمار السابق، الذي كان يملك اليد الطولى المنبسطة على بلدان المغرب الكبير، وبشكل خاص الجزائر، وظل يعمل جاهداً على التفريق العرقي والسياسي بين السكان العرب والأمازيغ قصد تشتيت قواهم في المقاومة وبالتالي ترسيخ هيمنته، فإنه هو ذاته وبعد الاستقلالات الوطنية، لم تعد عينه المصابة بداء «العربوفوبيا»، وبثقافتها العنصرية تفرق بين هذا وذاك، فقد أضحوا كتلة واحدة تصدر ذات الخوف وذات الريبة، ومن ثم تستدعي المحاربة والتهميش، لا فرق بين عربي وأمازيغي.
ثم إن مصطلح «المغربوفوبيا» Maghrébophobie يعرّف الفوبيا التي ينتجها الوجود المغاربي المكثف والواضح داخل الحيز الأوروبي بشكل عام، خصوصاً في بلجيكا وهولندا، وفي فرنسا.
إن الوجود الاجتماعي الواضح، والمكثف la visibilité sociale، بعدد المقيمين المغاربيين الذي يبلغ نحو خمسة ملايين نسمة، أوجد ردة فعل ثقافية سياسية خائفة ورافضة، تتأكد يوميّاً في ثقافة أحزاب اليمين المتطرف، التي أضحت تحقق وجوداً سياسيّاً كبيراً، وتنتقل إلى حقول النخب، بحيث إن بعض بوادر هذه «المغاربوفوبيا» ظهرت في خطابات النخب الفلسفية والأدبية والإعلامية والفنية، الأمر الذي يعمق المرض، ويجعل الخوف من المغاربي سلاحاً سياسيّاً في الخطاب الاقتصادي اليميني، وأيضاً في بناء أو خلخلة الاتحاد الأوروبي.
مصطلح آخر وهو «الإسلاموفوبيا» Islamophobie ولعله من بقايا ذاكرة الحروب الصليبية، التي ما فتئت تتجدد سياسيّاً، في العشريتين الأخيرتين وبشكل واضح، وتقننت سياسيّاً وإعلاميا وعسكريّاً خصوصاً بعد هجوم الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) على المجمع التجاري الأميركي. وشكلت أحداث سبتمبر المفصل التاريخي للإسلاموفوبيا، بحيث أضحى كل ما يمت للإسلام يرتبط مباشرة وعضويّاً بالإرهاب، وتجدر الإشارة إلى أن عدوى «الإسلاموفوبيا» انتقلت من النخب إلى العامة، لتصير وباء اجتماعيّا عاماً متفشياً في مختلف الطبقات الاجتماعية الأميركية والأوروبية، ثم لا بد من التنبيه إلى أن كثيراً من المصابين بعلّة الإسلاموفوبيا لا يفرقون بين «العربي» و«الإسلامي»، بحيث لا يتصورون أن هناك عربيّاً مسيحيّاً، أو عربيّاً يهوديّاً، فكل عربي مسلم بالضرورة في مخيال الإسلاموفوبي الأميركي أو الأوروبي، وهو إرهابي بالحتمية الدينية. ولعبت شبكات القنوات التلفزيونية التي أصبحت أجهزة ملحقة بوزارات الدفاع وبالجيوش التي تجوب العالم برّاً وبحراً، شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً... لعبت دورها في تنمية ثقافة «الإسلاموفوبيا» بتناول ظاهرة الإرهاب التي أصبحت المادة الأساسية للإعلام العالمي، ودخلت «الإسلاموفوبيا» في الاجتماع، والدين والسياسة، والإعلام، والثقافة، والسياحة، والمال، والاقتصاد، والأعمال.
أما من جهة الخوف المضاد، فإن الحرب على الإرهاب وما تلاها من تفكك ببنية الدولة المنحدرة من منتصف القرن الماضي، نتاج الآيديولوجيات الوطنية أو القومية التحريرية التي لم تعد تجيب عن جميع أسئلة العمل السياسي ومتطلباته في هذا القرن، أدت إلى ظاهرة ثقافة الاستبداد، التي ولدت الغضب، والرفض، ثم الاحتجاجات والانتفاضات ثم الثورات التي تمثلت فيما سُمي بـ«الربيع العربي» في كل من تونس، وليبيا، ومصر، واليمن، وسوريا، والسودان، وتوسّعت مساحة ثقافة «الإسلاموفوبيا»، وبرزت أو تعمقت تنويعات في الدين السياسي. وزاد من حدة الوضع العمليات الإرهابية في أوروبا، وفي فرنسا خاصة - حادثة الهجوم المسلح على مجلة «شارلي إيبدو» واعتداءات 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، ثم العملية الإرهابية التي عاشتها مدينة نيس في 14 يوليو (تموز) 2016 – فلم تعد تنحصر في رقعة الخطاب السياسي لليمين المتطرف، بل تخطته لتصبح مادة في الثقافة والفن والمسرح والإعلام.
قضي الأمر وتعمقت الهوة بين الجنوب والغرب، واستيقظ شعور الخوف من حالة كمونه الطويلة، خوف ورثه الفرد في بلدان الجنوب من أيام الاستعمار ولم يبرح أعماقه، بعضه يجد منبته في المجال السياسي، وبعضه في منحاه الديني، والآخر في اللغوي - الثقافي، وفي اضطراب الهوية.
ويحاول حاملو الذاكرة الاستعمارية الداعون إلى فوبيا الآخر، أن ينقلوا الماضي بحيثياته وحمولة إرثه الثقيل إلى الحاضر، باستعادة هذه الذاكرة لا لنقدها وإدانتها، ثم الانتقال نحو البحث عن علاقة جديدة، مؤسسة على الاحترام المتبادل والاستقلال والشراكة دون إلغاء الذاكرة، وهذا واجب الذاكرة أيضاً، لكن مع الأسف، فإنها تُستدعى لتغليب ثقافة الحذر والتوجس وبالتالي الخوف من هذا الآخر، العدو قديماً، على أنه عدو الأبد. لعل الأمر يبدو طبيعياً في حالة ردة الفعل لدى المستعمَر «سابقاً» لموقفه هو الآخر وفوبياه من الآخر/ الغرب، ويعده غرباً متجانساً لا يزال يتربص به لاحتلاله. الخوف هذا يتغذى من مقولات آيديولوجية جاهزة، مؤداها أن الغرب كله دون تمييز يقف ضد العروبة، ويحاربها ولا يبحث سوى في القضاء عليها واندثارها. وظهرت مصطلحات ترمز لذلك مثل «حزب فرنسا» في الجزائر خاصة، ويرمي إلى نعت من يتربص بالعروبة ومحاربتها من الداخل، ويشير إلى فيلق المثقفين المفرنسين. وكثيراً ما تحقق هذه «الفوبيا» من الآخر أهدافها ببث التفرقة والبلبلة وقطع جسور الحوار بين المثقفين الجزائريين أنفسهم على أساس لغوي من جهة، ومن جهة أخرى بتر كل ما يربط بين الضفة الجنوبية المتميزة بثرائها اللغوي والثقافي والضفة الشمالية، وقطع كل إمكانية تواصل أو أمل في إمكانية التعامل عبر عنصري الثقافة واللغة المشتركة كعامل لتطوير علاقة شراكة وبناء مستقبل مؤسس على كل ما هو إيجابي، وتجاوز كل ما هو سلبي. يبدو لي أن الروائي الجزائري كاتب ياسين تفطن مبكراً إلى هذه العلاقة المرتبكة حين قال عن اللغة الفرنسية إنها «غنيمة حرب». عنصر حساس آخر يُستعمل لإذكاء نار العداوة بين الجنوب والشمال، يتمثل في القضية الفلسطينية التي لا أحد يشكك في عدالتها، يوظفه دعاة فوبيا الخوف من الآخر لغرض تأجيج ثقافة التفرقة وبث الكراهية عن طريق تعميم الأحكام، والزعم بأن الغرب موحَّد في عدائه تجاه هذه القضية العادلة، وهي في جوهرها قضية تصفية استعمار، وحق شعب في استعادة أرضه واستقلاله. هذا الادعاء يكذبه التاريخ، لذلك يجب التذكير بأنه كان للثورة الجزائرية أصدقاء من الأوروبيين، ومن بين الفرنسيين أنفسهم، حتى إن منهم من ضحّى بحياته من أجلها مؤمناً بعدالتها، وكما حدث بالنسبة للصورة الجزائرية فإن للقضية الفلسطينية كذلك رأسمال مهمّاً من أصدقائها في أوروبا وأميركا، يرافعون لأجلها، ولقد حضرتُ شخصياً لقاءات وتجمعات كثيرة في أوروبا إلى جانب شخصيات عربية وشخصيات أوروبية تدافع وبقوة عن القضية الفلسطينية.
إنها بعض من مداخل قراءة الزلزال الذي يضرب الإنسان منذ بداية العشرية الأولى من هذه الألفية، حاولت تقديمها واختصار عناصرها التي تسم زمننا بالصعوبة والعنف وضبابية الأفق. تسمه أيضاً بالخوف والخوف المضاد من الآخر، الأمر الذي يجعل الأمل في السلام يتلاشى، والخوف من بوادر حروب ثقافية وقيمية أخرى، بعضها قائم، والآخر على الأبواب.

- روائية وشاعرة وأكاديمية من الجزائر



جدل متواصل بشأن مقترح لإنشاء كيان للمواقع الإخبارية في مصر

ضياء رشوان واجتماعه مع ممثلي المواقع الإلكترونية (وزارة الدولة للإعلام)
ضياء رشوان واجتماعه مع ممثلي المواقع الإلكترونية (وزارة الدولة للإعلام)
TT

جدل متواصل بشأن مقترح لإنشاء كيان للمواقع الإخبارية في مصر

ضياء رشوان واجتماعه مع ممثلي المواقع الإلكترونية (وزارة الدولة للإعلام)
ضياء رشوان واجتماعه مع ممثلي المواقع الإلكترونية (وزارة الدولة للإعلام)

تواصل الجدل في مصر حول مقترح وزير الإعلام المصري، ضياء رشوان، إنشاء كيان للمواقع الإخبارية، مع اعتراضات سجّلها أعضاء بمجلس نقابة الصحافيين عبر حساباتهم بمواقع التواصل الاجتماعي، معلنين رفضهم المقترح واستغراب توقيت طرحه.

وكان وزير الإعلام المصري ضياء رشوان قد تحدث خلال لقائه مع رؤساء تحرير المواقع الإلكترونية الحاصلة على تصاريح بالعمل من «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام»، في اجتماع عُقد مساء الاثنين، عن مقترح بإنشاء كيان يجمع مسؤولي المواقع الإخبارية على غرار «غرفة صناعة السينما» المسجلة باتحاد الصناعات منذ سنوات عدَّة.

وأكد رشوان أن الكيان المقترح يجب أن يجري العمل عليه من خلال القائمين على إدارة المواقع الإلكترونية أنفسهم لتنظيم عملهم بشكل واضح والدفاع عن مصالحهم، مشيراً إلى «عدم وجود أي كيان منظّم يجمعهم، وعدم وجود لقاءات بين القائمين على المواقع بشكل يجعلهم قادرين على اتخاذ قرارات جماعية تدعم مصالحهم وتفيد العاملين لديهم، مع الالتزام بالدستور والقانون».

ورشوان، الذي عُيّن وزيراً للإعلام بالحكومة المصرية في فبراير (شباط) الماضي بعد عودة وزارة الإعلام التي أُلغيت لنحو 5 سنوات، شغل سابقاً منصب نقيب الصحافيين، وهو أحد الأسماء المطروحة بقوة للترشح في انتخابات النقابة المقررة خلال شهر مارس (آذار) المقبل.

وأكد مساعد الوزير للإعلام الرقمي خالد البرماوي، في تدوينة على «فيسبوك»، أن «جوهر المقترح لا يتعلق بإنشاء نقابة جديدة أو سحب أي اختصاص من نقابة الصحافيين، وإنما بإيجاد مظلة مؤسسية تمثل المواقع والمنصات الإعلامية الإلكترونية نفسها، وتمنح هذا القطاع صوتاً موحداً في القضايا التي تخصه».

ويستند التصور، وفق البرماوي، إلى أن «المؤسسات يمكن أن تتعاون في الملفات المشتركة، مع احتفاظ كل منها بمساحتها التنافسية في المحتوى والوصول إلى الجمهور، مع طرح فكرة الكيان باعتبارها أداة لمواجهة تحديات تتجاوز إمكانات المؤسسات منفردة، من بينها تنظيم سوق الإعلان الرقمي، وتطوير أدوات قياس الجمهور، والتفاوض مع المنصات العالمية، وحماية حقوق المحتوى في ظل التوسع المتسارع للذكاء الاصطناعي».

ويرى رئيس تحرير موقع «بصراحة»، محمود سعد الدين، ضرورة التفرقة بين الكيان أو الرابطة المقترحة وبين نقابة الصحافيين، موضحاً أن الفكرة تقوم على التنسيق وتوفير مظلة للمواقع والعاملين بها، ولا تستهدف إنشاء كيان موازٍ للنقابة أو انتزاع اختصاصاتها أو ممارسة دور نقابي. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «العاملين في المواقع الإلكترونية يعانون من غياب مظلة مؤسسية تضمن حقوقهم وتتحدث باسمهم عند مواجهة مشكلات مرتبطة بعملهم»، مشيراً إلى أنه يعمل رئيساً لتحرير موقع إلكتروني منذ أربع سنوات، وخلال هذه الفترة لم يجد العاملون بالمواقع مظلة نقابية واضحة تمثلهم، رغم وجود نقاشات جرت أكثر من مرة مع أعضاء بمجلس نقابة الصحافيين حول هذه الإشكالية، لكنها لم تنتهِ إلى نتائج.

وهنا يشير رئيس تحرير موقع «تليغراف مصر»، سامي عبد الراضي، إلى أن «مبادرة إنشاء كيان أو اتحاد للمواقع الإلكترونية كان من الأفضل أن تأتي من المواقع نفسها، وليس عبر دعوة من وزير الإعلام»، عادّاً أن توقيت طرح الفكرة أسهم في إثارة جدل داخل الوسط الصحافي.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «جانباً من اللغط جاء نتيجة تفسير تصريحات الوزير بصورة غير دقيقة، أو وفقاً لرؤية أصحابها، مع الأخذ في الاعتبار أن الأفكار يمكن مناقشتها وقبولها أو رفضها، لكن طرحها خلال اجتماع مع وزير بالحكومة جعلها تثير مساحة أكبر من الجدل، فضلاً عن التوقيت الذي طُرحت فيه في ظل النقاشات القائمة داخل الوسط الصحافي بين العاملين في الصحافة الورقية والإلكترونية حول عضوية نقابة الصحافيين».

وقال عضو مجلس نقابة الصحافيين محمود كامل لـ«الشرق الأوسط» إن التوقيت الحالي غير مناسب للحديث عن إنشاء «كيان» يضم المؤسسات الصحافية والمواقع الإلكترونية، موضحاً أن «الجدل الذي أثير حول المقترح ارتبط بدرجة كبيرة بطريقة نقل التصريحات المنسوبة إلى وزير الإعلام، لكون التصريح نُقل بصورة غير دقيقة، الأمر الذي أسهم في خلق حالة من الالتباس بشأن طبيعة الفكرة وأهدافها، وهو ما يعكس جانباً من المشكلات التي تواجهها الصحافة في التعامل مع المعلومات ونقل التصريحات».


السعودية تكتسي بالأخضر في احتفالها باليوم الوطني

ارتسمت معالم العاصمة في عمق الأفق وسط فضاء حضري تتسع تفاصيله للفرح (واس)
ارتسمت معالم العاصمة في عمق الأفق وسط فضاء حضري تتسع تفاصيله للفرح (واس)
TT

السعودية تكتسي بالأخضر في احتفالها باليوم الوطني

ارتسمت معالم العاصمة في عمق الأفق وسط فضاء حضري تتسع تفاصيله للفرح (واس)
ارتسمت معالم العاصمة في عمق الأفق وسط فضاء حضري تتسع تفاصيله للفرح (واس)

توشحت مدن ومناطق السعودية باللون الأخضر احتفاء باليوم الوطني الذي يوافق 23 سبتمبر (أيلول) من كل عام، واحتفت مختلف مناطق البلاد ببرنامج واسع من الفعاليات التي جمعت العروض الجوية والبحرية والبرامج الثقافية والتراثية، فيما ازدانت الشوارع والميادين والمباني بالأعلام والإضاءات الخضراء، في مشهد وطني احتفالي تحت شعار «عزنا بطبعنا».

وازدانت المباني والمعالم في عدة مدن خليجية باللون الأخضر، احتفاءً باليوم الوطني السعودي، وترسيخاً لعمق العلاقات الأخوية المتجذّرة التي تربطهم مع السعودية من روابط تاريخية وثيقة وعلاقات متميزة تواصل نماءها وتطورها على مختلف الأصعدة.

واكتست المباني الحكومية والمجمعات التجارية إلى جانب القصور الطينية والمعالم الأثرية في مختلف مناطق السعودية الـ13، بالإضاءات الخضراء، وأسهمت في إضفاء طابع جمالي على المشهد الحضري في مشهدٍ يعكس مشاعر الفخر بهذه المناسبة الوطنية الغالية، فيما شاركت الجهات الحكومية بأركان خاصة للتعريف بجهودها.

احتفت مختلف مناطق البلاد ببرنامج واسع من الفعاليات (واس)

وعلى امتداد طريق الملك فهد بالرياض، تعاقبت التكوينات العمرانية في مشهد تتداخل فيه هندسة المكان مع الضوء، فيما ارتسمت معالم العاصمة في عمق الأفق، وسط فضاء حضري تتسع تفاصيله من قلب المدينة إلى أطرافها، وتحوّل الأخضر في المشهد الليلي إلى لغة بصرية تحتفي براية الوطن وتستحضر ذاكرة التوحيد وامتداد البناء.

وجمعت الفعاليات التي نظمتها هيئة تطوير بوابة الدرعية للاحتفال باليوم الوطني السعودي بين العروض العسكرية والتفعيلات التاريخية والثقافية، مستحضرة ما تحمله هذه المناسبة من معاني الاعتزاز بالوطن، والارتباط بتاريخه، والتلاحم بين أبنائه.

على امتداد طريق الملك فهد بالرياض تعاقبت التكوينات العمرانية في مشهد تتداخل فيه هندسة المكان مع أنساق الضوء (واس)

وفي منطقة «ملهم» شمال الرياض، أقيمت حزمة فعاليات على مدار يومين، شملت عروضاً جوية واستعراضات للخيالة، إلى جانب مشاركات ميدانية من الحرس الوطني والقوات البرية، وعروض للآليات العسكرية والفرق الموسيقية العسكرية والطائرات المروحية، وسط برامج تفاعلية وأنشطة موجهة للعائلات والأطفال.

وزينت أمانة منطقة الرياض الشوارع والطرق الرئيسة والميادين بأكثر من 5500 عنصر إنارة جمالية لإبراز المناسبة في مختلف أنحاء العاصمة، وإضفاء طابع احتفالي يعكس مكانة اليوم الوطني وحضوره في وجدان المجتمع.

زينت أمانات المناطق الشوارع والطرق الرئيسية والميادين احتفاءً باليوم الوطني السعودي (واس)

وشهدت محافظة جدة عروضاً جوية بواجهة روشن البحرية، ضمن احتفالات اليوم الوطني السعودي تحت شعار «عزّنا بطبعنا»، وجاءت العروض ضمن برنامج العروض الجوية الذي أعلنت عنه وزارة الدفاع احتفاءً بهذه المناسبة الوطنية، التي يستذكر فيها أبناء المملكة توحيد البلاد، وما تحقق من منجزات تنموية وحضارية في مختلف المجالات، واستمرت العروض الجوية في محافظة جدة على مدى 3 أيام، وأتيحت للأهالي والزوار متابعتها ضمن مظاهر الاحتفاء باليوم الوطني.

فعاليات اليوم الوطني جمعت العروض الجوية والبحرية (واس)

واحتفى أهالي منطقة جازان باليوم الوطني رافعين الأعلام الوطنية، ومرتدين الأزياء التي تحمل لون الوطن وشعاراته، في مشهد امتزجت فيه مظاهر الاحتفاء بأجواء اليوم الوطني السعودي.

وتوزعت مظاهر الاحتفال في مختلف مدن ومحافظات المنطقة، حيث شهدت الطرق والميادين حضوراً لافتاً، فيما تحولت المواقع العامة إلى نقاط تجمع للاحتفاء بالمناسبة، وترددت الأهازيج والعبارات الوطنية في كثير من المواقع، وسط مشاركة عائلية وشبابية أضفت على المشهد طابعاً احتفالياً متنوعاً.

احتفى الأهالي باليوم الوطني رافعين الأعلام الوطنية ومرتدين الأزياء التي تحمل لون الوطن وشعاراته (واس)

واحتفت جمعية الثقافة والفنون بمنطقة الباحة، بالمناسبة وسط برنامج ثقافي وفني ملهم، حيث شهد الحفل عرضاً مسرحياً بعنوان: «تكتمل الصورة» ومعرض الفنون البصرية، والفنون الأدائية، وركن الخط العربي، بمشاركة عددٍ من خطاطي المنطقة، إضافة إلى حفل شعبي تضمن أمسية شعرية وأهازيج تراثية وغنائية بمشاركة فرق الفنون الشعبية بالجمعية.

بينما شهدت الميادين المناطق الترفيهية في الباحة إقبالاً من الأهالي والزوار؛ في ظل إقامة مجموعة من فعاليات التي تلبي تطلعات مختلف شرائح المجتمع.

شهدت محافظة جدة عروضاً جوية بواجهة روشن البحرية ضمن احتفالات اليوم الوطني السعودي (واس)

وتوشحت غالبية مناطق السعودية باللون الأخضر، احتفاءً باليوم الوطني السعودي، في مشهدٍ بصري جمع بين عراقة المعالم التاريخية وجمال المظاهر العمرانية الحديثة، عاكساً أجواء الاحتفال بهذه المناسبة الوطنية.

وتعكس هذه المظاهر البصرية حضور المناسبة الوطنية في مختلف أرجاء المنطقة، وتجمع بين الموروث التاريخي لنجران ومظاهر التطور العمراني في المنطقة، في مشاهد تجسّد الاعتزاز بالوطن وفضله على من يعيش على ثراه ويتغذى من خيراته.

مشهد امتزجت فيه مظاهر الاحتفاء بأجواء اليوم الوطني السعودي (واس)

وقدمت هيئة الإذاعة والتلفزيون، مجموعة من الأفلام الوثائقية التي توثّق مسيرة المملكة، وتستعرض محطات من تاريخها وتحولاتها ومنجزاتها في عدد من المجالات، عبر موضوعات تتنوع بين الرؤية والتنمية والتاريخ والعمران والدبلوماسية والاقتصاد.


كامل الباشا : «فينيسيا» بوابة دخولي إلى عالم السينما

كامل الباشا يعود مجدداً إلى مهرجان فينيسيا (حسابه في «فيسبوك»)
كامل الباشا يعود مجدداً إلى مهرجان فينيسيا (حسابه في «فيسبوك»)
TT

كامل الباشا : «فينيسيا» بوابة دخولي إلى عالم السينما

كامل الباشا يعود مجدداً إلى مهرجان فينيسيا (حسابه في «فيسبوك»)
كامل الباشا يعود مجدداً إلى مهرجان فينيسيا (حسابه في «فيسبوك»)

بعد 9 سنوات من وقوفه على منصة مهرجان فينيسيا لتسلّم جائزة أفضل ممثل عن الفيلم اللبناني «القضية 23»، عاد كامل الباشا إلى المهرجان نفسه، لكن بصورة مختلفة.

هذه المرة، لم يشارك في المنافسة، بل حضر بفيلم فلسطيني هو «حوار مع البحر» للمخرج مؤيد عليان، ويجسّد فيه شخصية أب يبحث عن مصير ابنه الذي يعتقد أنه غرق.

وبين الرحلتين، تبدو المسافة الزمنية طويلة، لكنها تختصر بالنسبة إلى الباشا مرحلة كاملة من حياته الفنية، تنقّل خلالها بين السينما والتلفزيون والمسرح، وبين فلسطين والعالم العربي وتجارب دولية أخرى.

يقول الباشا، في حواره مع «الشرق الأوسط»، إن العودة إلى فينيسيا بعد كل هذه السنوات أثارت لديه مشاعر متداخلة، ولا سيما أن الجائزة التي حصل عليها عن «القضية 23» كانت، في نظره، أكثر من مجرد تكريم؛ إذ فتحت له باباً أوسع إلى عالم السينما.

ويستعيد تلك المرحلة قائلاً: «تختلط المشاعر في مراجعة 9 سنوات مضت، وقد كانت هذه الجائزة هي البوابة التي دخلت منها عالم السينما. ثم عدت مجدداً إلى فينيسيا بعد أن أنجزت أفلاماً ومسلسلات عدَّة أعتز بها جميعاً، وسافرت هذه المرة مع الفيلم الفلسطيني (حوار مع البحر) لأشارك خارج المسابقة، بعيداً عن توتر المنافسة، وأستمتع بعروض المهرجان وبالمدينة نفسها».

لكن العودة إلى فينيسيا هذه المرة لم تكن مجرد استعادة لذكرى جائزة سابقة؛ فالفيلم الجديد يعيد الباشا إلى مساحة يعرفها جيداً: فلسطين، وما تحمله حكاياتها من تجارب إنسانية تتجاوز السياسة المباشرة إلى تفاصيل الفقد والانتظار والأسرة.

في «حوار مع البحر»، يعود الباشا إلى القدس، المدينة التي لا يتعامل معها بوصفها مجرد موقع للتصوير، بل بوصفها جزءاً من تكوينه الشخصي والإنساني. ويقول إن القدس «مدينته»، ولذلك فإن حضورها في الفيلم يحمل لديه معنى يتجاوز المكان، ويرتبط بمعاناة الشعب الفلسطيني وقضيته.

وقد صُوّر الفيلم في ظروف معقدة، غير أن بساطة حكايته كانت، في رأيه، من أبرز عناصر قوته؛ فهو يروي قصة إنسانية عن أب يواجه احتمال فقدان ابنه.

ومع عرض الفيلم في فينيسيا، وجد الباشا أن استقبال الجمهور له يحمل دلالة مهمة. فقد شعر بأن المشاهدين تفاعلوا بحرارة مع العمل، وأن رسالته الإنسانية وصلت إليهم. ويرى أن هذا أحد أهم أدوار السينما: أن تنقل تجربة محلية إلى مشاهدين لا يعيشون الظروف نفسها.

كامل الباشا على ملصق الفيلم خلال مشاركته في مهرجان تورونتو (حسابه في «فيسبوك»)

ومن هنا، يرى أن حضور السينما الفلسطينية في المهرجانات الدولية ليس ظاهرة عابرة. فمنذ عقود، تواصل الأفلام الفلسطينية الوصول إلى المهرجانات العربية والدولية، لأن القصص الفلسطينية، في رأيه، لا تنضب، ولأن أجيالاً متعاقبة من المخرجين والكتّاب والممثلين واصلت البحث عن أشكال جديدة لروايتها.

ويقول إن السينما الفلسطينية باتت تُنجَز بمستوى مهني واضح، وبشراكات دولية تتيح لأفلامها الوصول إلى جمهور أوسع. وتتعلم الأجيال الجديدة من تجارب من سبقوها، لكنها تحاول في الوقت نفسه أن تجد لغتها الخاصة واستقلالها الفني.

وكان انتقاله من فينيسيا إلى تورونتو مع فريق الفيلم فرصة أخرى لمواصلة هذه الرحلة، إذ التقى جمهوراً جديداً وأسعدته ردود فعله، فيما يواصل الفيلم حمل حكايته الفلسطينية من شاشة إلى أخرى.

وفي موازاة تجربته في السينما الفلسطينية، تفتح أفلام أخرى أمام الباشا مساحات مختلفة كممثل. ومن بينها الفيلم المصري «كولونيا»، الذي واصل رحلته بين المهرجانات وحصد جوائز، منها جائزة تمثيل نالها الباشا عن دوره فيه.

في الفيلم، يجسّد شخصية أب يدخل في صراع بالغ التعقيد مع ابنه، إلى درجة تقترب من الكراهية، قبل أن تبدأ العلاقة بالتحول تدريجياً نحو المصالحة. وشخصية الأب هنا ليست نموذجاً يُحتذى، بل تكاد تكون نقيض الصورة التي يُفترض أن يكون عليها الأب، وهذا ما جعل أداءها شديد الصعوبة بالنسبة إليه.

تجربة مرهقة وممتعة

يصف الباشا تجربة العمل بأنها كانت صعبة ومرهقة وممتعة في آن واحد، لكنه يشير خصوصاً إلى الجانب النفسي منها، معتبراً أن الشخصية كانت من أكثر الأدوار التي استنزفته نفسياً، بسبب تعقيدها وما تحمله من مكر وعدائية.

ومع نجاح الفيلم جماهيرياً ونقدياً، يرى الباشا أن هذه التجربة أضافت جانباً آخر إلى علاقته بالسينما المصرية، التي تحتفظ بمكانة خاصة لديه. وقد خاض، خارج فلسطين، تجارب في أعمال عربية وغربية، ويقول إنه يعتز بكل ما قدّمه، متمنياً أن تكون اختياراته قد تركت أثراً إيجابياً.

غير أن مصر تحتل موقعاً مختلفاً في هذه الرحلة؛ فهي، كما يقول، «عزيزة على قلبه». ويصف صناعة السينما والتلفزيون فيها بأنها فريدة ومتنوعة، وتعمل في ظل منافسة كبيرة، ما يمنح المشاركة فيها خصوصيتها.

الباشا مع طاقم فيلم «حوار مع البحر» في فينيسيا (حسابه في «فيسبوك»)

ومن السينما، تمتد تجربة الباشا إلى المسرح. فهو ليس ممثلاً فحسب، بل كاتب ومخرج مسرحي أيضاً، وقد حمل عبر أعماله القضية الفلسطينية إلى مسارح مختلفة حول العالم.

وعاد إلى المسرح الدولي قبل عامين من خلال تجربة في اليابان، سبقتها وأعقبتها تجارب في بلجيكا وفرنسا، وكانت معظم هذه الأعمال مرتبطة بفلسطين وقضيتها.

ويقول الباشا إن الحرب في غزة لم تؤثر في المسرح وحده، بل تركت أثرها في كل شيء، ولم يعد ممكناً فصل الفنان عما يحدث حوله.

وهو لا ينظر إلى اختيار العمل بوصفه قراراً مهنياً فحسب؛ فالفن، بالنسبة إليه، ينبغي أن يحمل رسالة، وقد أصبحت هذه الفكرة معياراً أساسياً في اختياراته. ويقول إن هذا المبدأ ظل حاضراً في أعماله، باستثناء تجربة واحدة لا يحب الحديث عنها.

وفي أحدث خطواته السينمائية، انتهى الباشا أخيراً من تصوير الفيلم الفلسطيني «جو من مونتريال» للمخرج أمين نايفة. وهو عمل عائلي في جوهره، تدور حكايته حول طفل يبلغ 12 عاماً يسافر إلى الأردن للقاء عائلته، في رحلة لا تقتصر على التعرّف إلى أشخاص جدد، بل تشمل اكتشاف التاريخ والبلد والجذور.

ويؤدي الباشا دور مدرّس تاريخ متقاعد يعيش حياة بسيطة ويرعى الأغنام، ثم يلتقي الطفل ويساعده خلال رحلته. ويضم الفيلم فريقاً من الأردن ولبنان وسوريا وفلسطين.

وبين أب يبحث عن ابنه في «حوار مع البحر»، وأب يواجه ابنه في «كولونيا»، ومدرّس متقاعد يرافق طفلاً في «جو من مونتريال»، تبدو شخصيات كامل الباشا كأنها تعود دائماً إلى السؤال نفسه: ماذا تفعل العائلة بالإنسان؟ وماذا يفعل الإنسان بما ورثه من ذاكرة ومكان وفقد؟