الخوف الثقافي لا يقتصر على الشعوب المتخلفة

امتد إلى خطابات النخب الفلسفية والأدبية والإعلامية والفنية

مظاهرة في العاصمة البلجيكية ضد ظاهرة «الإسلاموفوبيا»
مظاهرة في العاصمة البلجيكية ضد ظاهرة «الإسلاموفوبيا»
TT

الخوف الثقافي لا يقتصر على الشعوب المتخلفة

مظاهرة في العاصمة البلجيكية ضد ظاهرة «الإسلاموفوبيا»
مظاهرة في العاصمة البلجيكية ضد ظاهرة «الإسلاموفوبيا»

لا شك في أن عالمنا المعاصر مبني على القوة والهيمنة. نعم، وحدها القوة تحدد أنماط العلاقات والتوازنات فيه. هذا هو التفسير الأقرب ليس فقط لتجذر ظاهرة الخوف من الآخر وانتشارها، بل إنها أيضاً تشكل أهم العوامل التي تحدث ارتباكاً وخللاً في تقاسم الثروات والكنوز الإنسانية، الاقتصادية منها والمعرفية، الأمر الذي يجعل الحروب تتكاثر وتتشعب، وبالتالي تتوالد الكراهيات، وتتشكل القطائع، وترفع الجدران الفاصلة والحدود الوهمية، بين من يملكون القوة ومن يفتقرون إليها. وتنتج عن ذلك ظواهر كثيرة أتجنب الإسهاب في تحليلها لأنني أركز هنا على الأعطاب الثقافية والاجتماعية والسياسية.
قد يضحي من البديهي أن يُؤدي رد الفعل الطبيعي الذي هو «الخوف من الآخر»، إلى التفكير في إيجاد طرق لحماية الذات، إلا أن هذا قد يؤدي أيضاً إلى التقوقع عليها، فتتحول حالة الخوف إلى حالة تعصب يتستر بحجة حماية الذات والخشية عليها مما ينعت بالذوبان، أو التفكك، أو التلوث، أو الاحتواء. لا يخفى على متأمل أو مراقب أن الخوف الإبستيمي، الخوف المعرفي، أمسى حالة تاريخية يعيشها الشمال كما يعيشها الجنوب ويحياها الشرق كما يحياها الغرب على حد سواء.
قد نذهب نحو التفكير في أن الخوف الثقافي طقوس لا تمارسها سوى الشعوب التي تعيش حالة من التخلف، وعلى علاقة مضطربة تجاه ما يُسمى بمشكلة الهوية الحضارية أو الوطنية أو القومية، إلا أننا قد نجد من جهة تقابلية أن تجليات الخوف المعرفي وُجدت أيضاً في الغرب المتحضر، بحيث إن الثقافة الغربية أنتجت في أوج حالة توسعها الاستعماري في أفريقيا ما بعد الصحراء، ثقافة الاحتقار حيال ذوي البشرة السوداء، ونعرف أنهم - إلى زمن ليس ببعيد - ظلوا سلعة رخيصة تباع وتُشترى، وتُستغل لخدمة السيد الأبيض، على الرغم من الاستقلالات الوطنية التي حازت عليها كثير من الدول الأفريقية. ولم تتغير النظرة الدونية لهم، إذ بعد وصول جالية من هذه البلدان، على شكل يد عاملة إلى أوروبا، ومع انتشار ثقافة حقوق الإنسان في العالم، وبعد توسع خبرات المعرفة والعلوم، فإن مجموعة من الأوروبيين الذين لم يستطيعوا التخلص من نوسطالجيا «الأسود السلعة»، فقد تولدت لديهم بوادر مرض «الزنجوفوبيا» Negrophobie، الذي سيتحول في مرحلة لاحقة مع انحسار الفكر الاستعماري المباشر الكلاسيكي، ليضحي هذا المرض: «فوبيا الآخر»، ويتخذ تجليات وصوراً أخرى كثيرة، تعكس الارتباك وحالة التأزم السياسي والثقافي والاقتصادي، الذي عاشته أوروبا قبل توحيدها، وقد تجلت من خلال كثير من الممارسات التي بدت في الحياة الاجتماعية اليومية، وأفرزت جراء ذلك سلسلة من المفاهيم المعرفية والاصطلاحية كـ«العربوفوبيا» Arabophobie التي محورها الخوف من الإنسان «العربي»، رعب يُغلف عادة بكثير من الأوصاف العنصرية مثل «الخائن»، «الوسخ»، «غير الوفي»، «المخادع»، «العنصري»، «المهووس بالجنس»، «غير الحضاري»، «المنتقم»... ولا يخفى أن هذا مستمد من ثقافة بمرجعيات تحمل مخلفات النظام الاقتصادي الكولونيالي، مستنداً على العنصرية التي تأسس عليها منذ بداية القرن التاسع عشر. تجدر الإشارة إلى أن هذه التهم والأوصاف الدنيئة الملحقة بالعربي لا تستثني الأمازيغي. إن هذا الاستعمار السابق، الذي كان يملك اليد الطولى المنبسطة على بلدان المغرب الكبير، وبشكل خاص الجزائر، وظل يعمل جاهداً على التفريق العرقي والسياسي بين السكان العرب والأمازيغ قصد تشتيت قواهم في المقاومة وبالتالي ترسيخ هيمنته، فإنه هو ذاته وبعد الاستقلالات الوطنية، لم تعد عينه المصابة بداء «العربوفوبيا»، وبثقافتها العنصرية تفرق بين هذا وذاك، فقد أضحوا كتلة واحدة تصدر ذات الخوف وذات الريبة، ومن ثم تستدعي المحاربة والتهميش، لا فرق بين عربي وأمازيغي.
ثم إن مصطلح «المغربوفوبيا» Maghrébophobie يعرّف الفوبيا التي ينتجها الوجود المغاربي المكثف والواضح داخل الحيز الأوروبي بشكل عام، خصوصاً في بلجيكا وهولندا، وفي فرنسا.
إن الوجود الاجتماعي الواضح، والمكثف la visibilité sociale، بعدد المقيمين المغاربيين الذي يبلغ نحو خمسة ملايين نسمة، أوجد ردة فعل ثقافية سياسية خائفة ورافضة، تتأكد يوميّاً في ثقافة أحزاب اليمين المتطرف، التي أضحت تحقق وجوداً سياسيّاً كبيراً، وتنتقل إلى حقول النخب، بحيث إن بعض بوادر هذه «المغاربوفوبيا» ظهرت في خطابات النخب الفلسفية والأدبية والإعلامية والفنية، الأمر الذي يعمق المرض، ويجعل الخوف من المغاربي سلاحاً سياسيّاً في الخطاب الاقتصادي اليميني، وأيضاً في بناء أو خلخلة الاتحاد الأوروبي.
مصطلح آخر وهو «الإسلاموفوبيا» Islamophobie ولعله من بقايا ذاكرة الحروب الصليبية، التي ما فتئت تتجدد سياسيّاً، في العشريتين الأخيرتين وبشكل واضح، وتقننت سياسيّاً وإعلاميا وعسكريّاً خصوصاً بعد هجوم الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) على المجمع التجاري الأميركي. وشكلت أحداث سبتمبر المفصل التاريخي للإسلاموفوبيا، بحيث أضحى كل ما يمت للإسلام يرتبط مباشرة وعضويّاً بالإرهاب، وتجدر الإشارة إلى أن عدوى «الإسلاموفوبيا» انتقلت من النخب إلى العامة، لتصير وباء اجتماعيّا عاماً متفشياً في مختلف الطبقات الاجتماعية الأميركية والأوروبية، ثم لا بد من التنبيه إلى أن كثيراً من المصابين بعلّة الإسلاموفوبيا لا يفرقون بين «العربي» و«الإسلامي»، بحيث لا يتصورون أن هناك عربيّاً مسيحيّاً، أو عربيّاً يهوديّاً، فكل عربي مسلم بالضرورة في مخيال الإسلاموفوبي الأميركي أو الأوروبي، وهو إرهابي بالحتمية الدينية. ولعبت شبكات القنوات التلفزيونية التي أصبحت أجهزة ملحقة بوزارات الدفاع وبالجيوش التي تجوب العالم برّاً وبحراً، شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً... لعبت دورها في تنمية ثقافة «الإسلاموفوبيا» بتناول ظاهرة الإرهاب التي أصبحت المادة الأساسية للإعلام العالمي، ودخلت «الإسلاموفوبيا» في الاجتماع، والدين والسياسة، والإعلام، والثقافة، والسياحة، والمال، والاقتصاد، والأعمال.
أما من جهة الخوف المضاد، فإن الحرب على الإرهاب وما تلاها من تفكك ببنية الدولة المنحدرة من منتصف القرن الماضي، نتاج الآيديولوجيات الوطنية أو القومية التحريرية التي لم تعد تجيب عن جميع أسئلة العمل السياسي ومتطلباته في هذا القرن، أدت إلى ظاهرة ثقافة الاستبداد، التي ولدت الغضب، والرفض، ثم الاحتجاجات والانتفاضات ثم الثورات التي تمثلت فيما سُمي بـ«الربيع العربي» في كل من تونس، وليبيا، ومصر، واليمن، وسوريا، والسودان، وتوسّعت مساحة ثقافة «الإسلاموفوبيا»، وبرزت أو تعمقت تنويعات في الدين السياسي. وزاد من حدة الوضع العمليات الإرهابية في أوروبا، وفي فرنسا خاصة - حادثة الهجوم المسلح على مجلة «شارلي إيبدو» واعتداءات 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، ثم العملية الإرهابية التي عاشتها مدينة نيس في 14 يوليو (تموز) 2016 – فلم تعد تنحصر في رقعة الخطاب السياسي لليمين المتطرف، بل تخطته لتصبح مادة في الثقافة والفن والمسرح والإعلام.
قضي الأمر وتعمقت الهوة بين الجنوب والغرب، واستيقظ شعور الخوف من حالة كمونه الطويلة، خوف ورثه الفرد في بلدان الجنوب من أيام الاستعمار ولم يبرح أعماقه، بعضه يجد منبته في المجال السياسي، وبعضه في منحاه الديني، والآخر في اللغوي - الثقافي، وفي اضطراب الهوية.
ويحاول حاملو الذاكرة الاستعمارية الداعون إلى فوبيا الآخر، أن ينقلوا الماضي بحيثياته وحمولة إرثه الثقيل إلى الحاضر، باستعادة هذه الذاكرة لا لنقدها وإدانتها، ثم الانتقال نحو البحث عن علاقة جديدة، مؤسسة على الاحترام المتبادل والاستقلال والشراكة دون إلغاء الذاكرة، وهذا واجب الذاكرة أيضاً، لكن مع الأسف، فإنها تُستدعى لتغليب ثقافة الحذر والتوجس وبالتالي الخوف من هذا الآخر، العدو قديماً، على أنه عدو الأبد. لعل الأمر يبدو طبيعياً في حالة ردة الفعل لدى المستعمَر «سابقاً» لموقفه هو الآخر وفوبياه من الآخر/ الغرب، ويعده غرباً متجانساً لا يزال يتربص به لاحتلاله. الخوف هذا يتغذى من مقولات آيديولوجية جاهزة، مؤداها أن الغرب كله دون تمييز يقف ضد العروبة، ويحاربها ولا يبحث سوى في القضاء عليها واندثارها. وظهرت مصطلحات ترمز لذلك مثل «حزب فرنسا» في الجزائر خاصة، ويرمي إلى نعت من يتربص بالعروبة ومحاربتها من الداخل، ويشير إلى فيلق المثقفين المفرنسين. وكثيراً ما تحقق هذه «الفوبيا» من الآخر أهدافها ببث التفرقة والبلبلة وقطع جسور الحوار بين المثقفين الجزائريين أنفسهم على أساس لغوي من جهة، ومن جهة أخرى بتر كل ما يربط بين الضفة الجنوبية المتميزة بثرائها اللغوي والثقافي والضفة الشمالية، وقطع كل إمكانية تواصل أو أمل في إمكانية التعامل عبر عنصري الثقافة واللغة المشتركة كعامل لتطوير علاقة شراكة وبناء مستقبل مؤسس على كل ما هو إيجابي، وتجاوز كل ما هو سلبي. يبدو لي أن الروائي الجزائري كاتب ياسين تفطن مبكراً إلى هذه العلاقة المرتبكة حين قال عن اللغة الفرنسية إنها «غنيمة حرب». عنصر حساس آخر يُستعمل لإذكاء نار العداوة بين الجنوب والشمال، يتمثل في القضية الفلسطينية التي لا أحد يشكك في عدالتها، يوظفه دعاة فوبيا الخوف من الآخر لغرض تأجيج ثقافة التفرقة وبث الكراهية عن طريق تعميم الأحكام، والزعم بأن الغرب موحَّد في عدائه تجاه هذه القضية العادلة، وهي في جوهرها قضية تصفية استعمار، وحق شعب في استعادة أرضه واستقلاله. هذا الادعاء يكذبه التاريخ، لذلك يجب التذكير بأنه كان للثورة الجزائرية أصدقاء من الأوروبيين، ومن بين الفرنسيين أنفسهم، حتى إن منهم من ضحّى بحياته من أجلها مؤمناً بعدالتها، وكما حدث بالنسبة للصورة الجزائرية فإن للقضية الفلسطينية كذلك رأسمال مهمّاً من أصدقائها في أوروبا وأميركا، يرافعون لأجلها، ولقد حضرتُ شخصياً لقاءات وتجمعات كثيرة في أوروبا إلى جانب شخصيات عربية وشخصيات أوروبية تدافع وبقوة عن القضية الفلسطينية.
إنها بعض من مداخل قراءة الزلزال الذي يضرب الإنسان منذ بداية العشرية الأولى من هذه الألفية، حاولت تقديمها واختصار عناصرها التي تسم زمننا بالصعوبة والعنف وضبابية الأفق. تسمه أيضاً بالخوف والخوف المضاد من الآخر، الأمر الذي يجعل الأمل في السلام يتلاشى، والخوف من بوادر حروب ثقافية وقيمية أخرى، بعضها قائم، والآخر على الأبواب.

- روائية وشاعرة وأكاديمية من الجزائر



بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
TT

بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الماليزية - الأميركية بوه سي تنغ إن الدافع وراء فيلمها «أميركان دكتور» (American Doctor) لم يكن مشروعاً سينمائياً تقليدياً بقدر ما كان استجابة شخصية لما كانت تراه يحدث في غزة. فبصفتها أميركية من أصول ماليزية تعيش في الولايات المتحدة، تابعت مرور عام كامل من الحرب من دون أن يتغير شيء تقريباً، وهو ما ترك لديها شعوراً بالعجز، ودفعها إلى البحث عن طريقة لفعل شيء ما، حتى قبل أن تتضح ملامح الفيلم أو شكله النهائي.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التفكير في القصة قادها في النهاية إلى عالم الأطباء، باعتبار أن هناك مبادئ إنسانية يمكن أن يلتقي حولها الجميع بغض النظر عن المواقف السياسية، مثل فكرة أن المستشفيات لا يجب أن تُقصف وأن العاملين في القطاع الصحي لا ينبغي أن يتحولوا أهدافاً، ومن هنا جاءت فكرة متابعة أطباء أميركيين يعملون في المجال الطبي الإنساني داخل غزة بوصفها مدخلاً مختلفاً لفهم ما يحدث.

اختارت المخرجة تسليط الضوء على التحديات التي تواجه الأطباء (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم الوثائقي «أميركان دكتور» الذي عُرض للمرة الأولى أوروبياً في مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» الحرب على غزة من داخل المستشفيات، متتبعاً رحلات ثلاثة أطباء أميركيين إلى القطاع يختلفون في الخلفية والانتماء، لكنهم يلتقون في مواجهة المأساة الإنسانية داخل غرف الطوارئ والعمليات، ومن خلال هذه الرحلات ينكشف حجم الدمار الذي أصاب النظام الصحي في غزة، والصعوبات التي يواجهها الأطباء في إيصال ما يرونه إلى العالم.

وأكدت أنها اختارت بناء الحكاية على 3 شخصيات رئيسية، الطبيب الفلسطيني - الأميركي ثائر أحمد، والطبيب اليهودي الأميركي مارك بيرلماتر، والطبيب الأميركي من أصول زرداشتية فيروز سيدوا، لرؤيتها أن اختلاف خلفياتهم الدينية والثقافية يمنح القصة بعداً أوسع؛ إذ يلتقون جميعاً حول فكرة الدفاع عن حقوق الإنسان والعمل الطبي الإنساني رغم تباين تجاربهم وهوياتهم.

وتشير المخرجة الأميركية إلى أن العمل على الفيلم لم يكن سهلاً في بداياته؛ إذ جاء في مناخ أميركي يتسم بالحذر الشديد فيما يتعلق بالتعبير العلني عن دعم حقوق الفلسطينيين؛ وهو ما أثار لديها تساؤلات حول معنى الإيمان العالمي بحقوق الإنسان، ولماذا يبدو أن هذا المبدأ لا يُطبَّق دائماً عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، لافتة إلى أنها لامست هذه المفارقة حتى في حياتها اليومية في نيويورك، حيث تعيش وتعمل وسط مجتمع متنوع الثقافات.

عُرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» (الشركة المنتجة)

وأوضحت أن التحدي الأول كان نفسياً أيضاً؛ إذ لم تكن تجد اللغة المناسبة للحديث عن هذه القضية، لكن اللقاء بالأطباء الثلاثة فتح أمامها طرقاً مختلفة لفهمها والتعبير عنها؛ لأن لكل واحد منهم أسلوبه الخاص، بين الصراحة المباشرة، والمقاربة السياسية الهادئة، والاعتماد على البحث والحقائق لإقناع الجمهور.

وأشارت إلى تشكّيل دعم فريق العمل عاملاً أساسياً في استمرار المشروع، خصوصاً من المنتجة الفلسطينية ريم حداد والمنتجة كريستينا بارفورد، اللتين حافظتا على زخم العمل حتى في اللحظات التي بدا فيها المشروع صعباً أو غير واضح المسار.

وأوضحت المخرجة الأميركية ذات الأصول الماليزية أن اختيار أطباء من خلفيات دينية مختلفة لم يكن مجرد رسالة رمزية حول رفض قتل الأبرياء، بل محاولة لفهم كيفية تفاعل أفراد من هويات متنوعة مع القضية الفلسطينية داخل المجتمع الأميركي، من تجربة الفلسطينيين الأميركيين الذين يدافعون عن شعبهم في غزة، إلى الأميركيين من أصول يهودية الذين يعارضون الحرب ويجدون أنفسهم أحياناً في موقع حساس، وصولاً إلى أشخاص لا ينتمون إلى أي من هاتين الخلفيتين، لكنهم يتبنون موقفاً إنسانياً واضحاً.

وأشارت إلى أن حضور الفريق الفلسطيني في الفيلم حظي بأهمية خاصة بالنسبة إليها؛ إذ لم يكن ممكناً إنجاز المشروع من دون مشاركة فلسطينية حقيقية. فعلى الرغم من متابعتها للقضية الفلسطينية منذ طفولتها في ماليزيا، حيث يحضر الوعي بها بقوة، فإنها كانت تدرك أن صناعة فيلم عن فلسطين من دون مشاركة فلسطينية قد تقود إلى أخطاء كبيرة.

ولفتت إلى أن العمل اعتمد بدرجة كبيرة على طاقم داخل غزة، من بينهم مدير التصوير إبراهيم العطلة والمنتج المشارك محمد صواف، اللذان عملا في ظروف شديدة الخطورة لتوثيق ما يجري على الأرض. وقد جاء إنجاز الفيلم نتيجة مباشرة لجهود هؤلاء الذين خاطروا بحياتهم من أجل نقل القصة إلى العالم.

المخرجة الماليزية (الشركة المنتجة)

وتطرقت إلى الصعوبات التي واجهتها في العمل، مشيرة إلى أنها توقعت في البداية صعوبة كبيرة في الحصول على دعم لمشروع يتناول فلسطين بهذه الزاوية داخل الولايات المتحدة؛ الأمر الذي دفعها إلى الاستقالة من عملها مديرةً إبداعية في أحد الاستوديوهات السينمائية والاعتماد على مدخراتها الشخصية لبدء العمل. لكن بعد أشهر عدة بدأت المنح والتبرعات تصل من جهات مختلفة في الولايات المتحدة وماليزيا وغيرها، في مؤشر بالنسبة إليها على رغبة كثيرين حول العالم في رؤية نهاية لما يحدث.

وأضافت أنها استغرقت في مرحلة المونتاج نحو 11 شهراً، وكان الهدف الأساسي إدخال المشاهدين إلى عالم الأطباء الثلاثة، خصوصاً الجمهور الأميركي الذي ربما لم يفكر كثيراً في القضية الفلسطينية من قبل، بعدما بدت شهادات الأطباء مدخلاً مهماً؛ لأن الناس عادة لا يشككون في صدقية الأطباء أو في حق المستشفيات في أن تكون أماكن آمنة.

وعدَّت أن التحدي الأكبر خلال العمل كان إنسانياً أكثر منه فنياً؛ لأن جزءاً من فريق الفيلم كان يعيش داخل غزة خلال الحرب. وحتى لحظة عرض الفيلم في مهرجانات سينمائية التي شكّلت محطة مهمة في مسيرته، ظل التفكير حاضراً في الزملاء الذين بقوا في غزة ولم يتمكنوا من حضور العرض؛ إذ كان التواصل معهم يجري أحياناً عبر الهاتف فقط.


محمد سيد بشير: «الست موناليزا» مستوحى من قصة حقيقية

المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)
المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)
TT

محمد سيد بشير: «الست موناليزا» مستوحى من قصة حقيقية

المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)
المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)

تحدث المؤلف محمد سيد بشير عن كواليس كتابته مسلسل «الست موناليزا»، الذي عُرض في موسم الدراما الرمضاني الحالي، وحقق جدلاً وحضوراً لافتاً، مؤكداً أن «الفكرة بدأت من رغبته في تقديم قضية لها علاقة بالمرأة، وأن هذا الشعور نتج من الحكايات التي تدور من حوله أو اطلع عليها عامة»، كما تحدث بشير عن علاقته بالمخرج محمد سامي، وتفاصيل الأيام الأخيرة من تصوير «الست موناليزا»، خصوصاً بعد وفاة والد الفنانة مي عمر بطلة العمل.

وقال محمد سيد بشير، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت حكاية (الست موناليزا) عندما تم التوافق بيني وبين الفنانة مي عمر على طرح قضية تخص المرأة، وشعرنا أن أحداث (الست موناليزا) هي هدفنا المشترك لتنفيذ الفكرة».

يذكر أن مسلسل «الست موناليزا»، مستوحى من قصة حقيقية، حسبما أكد الكاتب محمد سيد بشير، من بطولة مي عمر، وأحمد مجدي، وشيماء سيف، وسوسن بدر، ومحمد محمود، ومصطفى عماد، وإنجي المقدم، ومحمود عزب، ووفاء عامر، وإخراج محمد علي.

ويصف بشير الفنانة مي عمر بأنها «فنانة محترفة ومهنية جداً، ومن أمهر مَن عملت معهم في الدراما، فهي دؤوبة بشكل لا يوصف، وقبل بداية التصوير جمعتنا جلسات عمل مطولة فيما يتعلق بكل تفاصيل السيناريو، وهذا أفاد الشخصية التي خرجت للناس طبيعية على الشاشة ونالت إعجابهم».

الملصق الترويجي لمسلسل «الست موناليزا» (الشركة المنتجة)

وعن تعمده جذب الناس واستفزازهم عبر إظهار البطلة ساذجة وغبية أحياناً، أوضح بشير أنه عرض الشخصية بكل تفاصيلها، مضيفاً: «لدينا فئات بالمجتمع لا تملك الوعي الكافي، و(موناليزا) كانت طيبة، وليس لديها إدراك بالشخصيات السامة بالمجتمع، ولم تكن ساذجة كما يقال، لذلك كانت ضحية لهم».

ويستكمل بشير حديثه قائلاً: «(موناليزا) كانت تملك مشكلة فقد أسرتها منذ الصغر، ولذلك كانت متعلقة بكل مَن تحبهم وقلقة من فكرة ابتعادهم، وعندما أحبت (حسن) كان لديها هذه الأزمة ولم تكن ترغب في فقدانه، وبالتالي كانت تصدقه وتجد له مبررات طوال الوقت، وهذا الأمر استفز الجمهور الذي يرى المشكلة من منظوره ومدى وعيه وتربيته، ولا يعرفون أن هناك شخصيات بهذا الشكل فعلاً، ويملكون هذا الشعور»، مؤكداً أن الطيبة هي السبب في إيصال بعض الفتيات لمثل هذا المصير والتدمير المعنوي.

وعن استعانته أو تأثره أثناء الكتابة ببعض أبطال حوادث حقيقية شهيرة انتشرت أخيراً على «السوشيال ميديا» من بينها حادث «عروس المنوفية»، خصوصاً شخصيتي «الحماة والزوج»، نفى محمد سيد بشير هذا الأمر، مؤكداً أن «نهاية القصة الحقيقية التي استوحى منها (الست موناليزا) كانت أسوأ مما شاهده الناس، وأن هذا النوع من القصص كثير جداً، فقد عرض علينا بعد المسلسل أسوأ من ذلك وأتمنى ألا يخوض أحد مثل هذه التجربة مطلقاً».

كواليس مسلسل «الست موناليزا» (فيسبوك)

وكشف المؤلف المصري أن نهاية العمل كانت مكتوبة منذ البداية وقبل التصوير، ولم يحصل تعديلات أثناء العرض مثلما يعتقد البعض، مضيفاً: «عندما حدثت أزمة وفاة والد مي عمر، كان قد بقي 3 أيام تصوير ومروا بصعوبة بالغة، ولكن في حقيقة الأمر مي عمر كانت بطلة وقوية، وعلى قدر المسؤولية لاستكمالها التصوير في هذه الظروف، وعلى الرغم من قسوة الموقف لكنها عبرت بالعمل وفريقه لبر الأمان».

وعن حديث البعض عن وجود تدخلات مستمرة بالعمل من ناحية المخرج محمد سامي زوج الفنانة مي عمر، قال بشير إن «المخرج محمد سامي بالنسبة لي (الأب الروحي) وأول عمل لي ضمن ورشة كان من إخراجه، ولم أرَ منه أي تدخلات في (الست موناليزا) بل كان يعطينا رأيه ونتناقش معه ويدعمنا طوال الوقت، كما أنني حريص على التواصل معه دوماً للحديث عن أعمالي»، لافتاً إلى أن «السوشيال ميديا»، بالغت في هذا الجانب، خصوصاً أنه العمل الأول لمي عمر بعيداً عن محمد سامي سواء في الإخراج أو الكتابة.

ونفى محمد سيد بشير أن يكون المؤلف في أي عمل هو العامل الأساسي في تغيير جلد الفنان وتقديمه على الشاشة بشكل مختلف، مؤكداً أنه من أنصار العمل الجماعي، وأن جميع صناع العمل الدرامي يفضلون التغيير عادة، كما أن فريق (الست موناليزا)، كان يرغب في تقديم دراما مختلفة تنال رضا واستحسان الناس».


تصوير مسلسلات رمضانية في مصر يستمر حتى الرمق الأخير

انتهى حمادة هلال من تصوير «المداح 6» في الأسبوع الأخير من رمضان (حسابه على «فيسبوك»)
انتهى حمادة هلال من تصوير «المداح 6» في الأسبوع الأخير من رمضان (حسابه على «فيسبوك»)
TT

تصوير مسلسلات رمضانية في مصر يستمر حتى الرمق الأخير

انتهى حمادة هلال من تصوير «المداح 6» في الأسبوع الأخير من رمضان (حسابه على «فيسبوك»)
انتهى حمادة هلال من تصوير «المداح 6» في الأسبوع الأخير من رمضان (حسابه على «فيسبوك»)

واصل صناع عدد من المسلسلات الرمضانية في مصر التصوير حتى الرمق الأخير قبل ساعات فقط من عرض حلقات الأعمال الدرامية في نهاية الشهر، وهو الأمر الذي شكّل ظاهرة ليس فقط في مسلسلات الـ30 حلقة، ولكن أيضاً في مسلسلات الـ15 حلقة التي عرضت هذا العام.

وكان لافتاً اضطرار صناع بعض الأعمال الدرامية لتأخير عرض الحلقات عن المواعيد المحددة لعدم الانتهاء من التصوير، وهو الأمر الذي سبقه توسع في الاستعانة بوحدات تصوير إضافية لإنجاز أكبر عدد من المشاهد مع ضيق الوقت المتبقي قبل نهاية الشهر.

وبخلاف مسلسل «الست موناليزا» الذي عرض في النصف الأول من رمضان وتأخر بث حلقاته الأخيرة بعدما اضطر فريق العمل لإيقاف التصوير لوقت قصير على خلفية وفاة والد بطلة العمل مي عمر، وهو ما تسبب في إجراء تعديلات عدة بحسب الفنان محمود عزب المشارك في بطولة العمل.

وأكد عزب في تصريحات تلفزيونية أن تدخل المخرج محمد سامي زوج بطلة العمل بوحدات إضافية وإجراء تعديلات في مسار الأحداث لضيق الوقت كان السبب الرئيسي في لحاق العمل بالعرض الرمضاني.

انتهى عمرو سعد من تصوير مسلسل «إفراج» قبل أيام من عرض الحلقة الأخيرة (حسابه على «فيسبوك»)

الموقف نفسه تكرر مع مسلسل «وننسى اللي كان» الذي لم يتم الانتهاء من تصويره حتى الآن، وتسبب تأخير التصوير في تأجيل تسليم الحلقة 27 من المسلسل التي أذيعت بعد موعدها المقرر بعدة ساعات، وتحدثت الفنانة منة فضالي المشاركة في العمل عن عدم وضوح دورها لكون التصوير يتم على الهواء دون وجود ورق مكتوب لتفاصيل دورها بالكامل، مما أدى لتعديلات على مسار دورها.

أما الفنان عمرو سعد فانتهى من تصوير مسلسله «إفراج» فجر يوم 28 رمضان، فيما انتهى الفنان أحمد أمين من تصوير مسلسله «النص التاني» فجر يوم 27 رمضان، بينما شهد الأسبوع الأخير من رمضان انتهاء تصوير عدة أعمال منها «علي كلاي» لأحمد العوضي و«الكينج» لمحمد إمام، بالإضافة إلى «المداح 6» لحمادة هلال وفتحي عبد الوهاب.

وحمّلت الناقدة الفنية مها متبولي مسؤولية استمرار التصوير حتى اللحظات الأخيرة للكتاب والمنتجين، قائلة لـ«الشرق الأوسط» إن «الأعمال التي تُنجز مبكراً تكون في الغالب مكتوبة بشكل أفضل، وهو ما ينعكس مباشرة على أداء الممثلين الذين يظهرون بصورة أكثر تماسكاً ونضجاً، الأمر الذي جعل صناع غالبية الأعمال التي حصدت إشادات نقدية على غرار (حكاية نرجس) انتهوا من التصوير بالتزامن مع عرض أولى الحلقات».

وأضافت أن «من أكثر ما يُرهق الممثل هو دخوله التصوير دون امتلاك الصورة الكاملة لتطورات الشخصية، حيث يكتفي بمعرفة الفكرة العامة فقط، بينما تظل تفاصيل التحولات غير واضحة، وهو ما يؤثر سلباً على جودة الأداء ويُربك البناء الدرامي للعمل وينعكس بالضرورة على الشاشة في التفاوت بالأداء بين المشاهد المختلفة».

وأوضحت أن «هذه الأزمة ليست جديدة، بل تتكرر كل عام دون الاستفادة من الأخطاء السابقة»، مشددة على ضرورة التوقف أمامها بجدية، خاصة أن موسم رمضان معروف موعده سلفاً ولا يحمل أي عنصر مفاجأة يبرر هذا الارتباك المتكرر في عملية الإنتاج.

لا يزال تصوير مسلسل «وننسى اللي كان» مستمراً (حساب ياسمين عبد العزيز على «فيسبوك»)

رأي دعمه الناقد محمد عبد الخالق الذي أكد لـ«الشرق الأوسط» عدم وجود أي مبررات حقيقية لما اعتبرها «ظاهرة استثنائية»، مرجعاً الأمر إلى «سوء التخطيط من جانب صناع الأعمال بشكل واضح وعدم التعامل بجدية كافية مع الالتزامات التي تفرضها طبيعة العمل الفني».

وأضاف أن «العمل الدرامي يفترض أن يبدأ بفكرة مكتملة في ذهن المؤلف، تُكتب وتُنقّح بعناية، ثم يحصل المخرج على الوقت الكافي لقراءتها ووضع تصور نهائي متكامل»، لافتاً إلى «أهمية إتاحة مساحة زمنية مناسبة لكل عناصر العمل، سواء للممثلين لفهم أدوارهم والدخول في تفاصيلها النفسية والشكلية، أو لفريق التنفيذ لضبط إيقاع العمل».

وعَدّ «تقديم مسلسل يُكتب ويُصوَّر بالتزامن مع عرضه يُفقد الممثل قدرته على التعايش الحقيقي مع الشخصية، إذ يتحول إلى مجرد مؤدٍ لما هو مكتوب دون بناء درامي متكامل، وهو ما ينعكس سلباً على جودة العمل ككل»، على حد تعبيره.

مشيراً إلى أن «صناع بعض الأعمال يلجأون إلى تعديل الخطوط الدرامية بعد عرض الحلقات الأولى، وفقاً لتفاعل الجمهور، فيتم تضخيم مسارات معينة على حساب أخرى، ما يحول العمل من قصة متماسكة إلى مشاهد متفرقة تفتقد الترابط، وتُقدَّم فقط بهدف تحقيق تفاعل لحظي، دون الحفاظ على وحدة العمل الدرامي»، وفق قوله.