رحلة في شبكة سجون الأسد السرية

المعتقل منصور عمري يعرض قطعة قماش كتب عليها معتقلون أسماءهم بالدم وهربوها من السجن (خدمة نيويورك تايمز)
المعتقل منصور عمري يعرض قطعة قماش كتب عليها معتقلون أسماءهم بالدم وهربوها من السجن (خدمة نيويورك تايمز)
TT

رحلة في شبكة سجون الأسد السرية

المعتقل منصور عمري يعرض قطعة قماش كتب عليها معتقلون أسماءهم بالدم وهربوها من السجن (خدمة نيويورك تايمز)
المعتقل منصور عمري يعرض قطعة قماش كتب عليها معتقلون أسماءهم بالدم وهربوها من السجن (خدمة نيويورك تايمز)

قام ضباط من جهاز الأمن السوري بتعليق مهند غباش من رسغيه لساعات وضربوه ضرباً مبرحاً حتى نزفت الدماء من جسده وصعقوه بالكهرباء ووضعوا سلاحاً نارياً في فمه.
واعترف غباش، وهو طالب بكلية الحقوق من حلب، مراراً بالجرم الذي اقترفه بالفعل: {تنظيم مظاهرات سلمية معارضة للحكومة}. ومع هذا، استمر التعذيب لمدة 12 يوماً حتى كتب على نفسه اعترافاً من محض خياله أقر فيه بتخطيطه لتنفيذ تفجير.
وقال غباش إن هذه كانت مجرد البداية. بعد ذلك، جرى نقله جواً إلى سجن مكدس في مطار المزة العسكري جنوب دمشق، حيث قال إن الحراس علقوه هو وعدد من السجناء عراة على حاجز ورشوا عليهم الماء في ليال من البرد القارس.
وأشار هو وناجون آخرون إلى أن أحد الحراس كان يطلق على نفسه {هتلر}، وكان يجبر المسجونين على تمثيل أدوار الكلاب والحمير والقطط، بهدف تسلية زملائه أثناء تناول العشاء، وكان يعتدي بالضرب على من يفشل في تقليد أصوات الحيوانات. وأضاف غباش أنه شاهد داخل مستشفى عسكري ممرضاً يركل وجه مريض تعرض لبتر أحد أطرافه كان يتوسل طلباً للحصول على مسكنات.
وفي وقت يقترب الرئيس السوري بشار الأسد من القضاء على ثورة استمرت ثماني سنوات، شكّل نظام سري يقوم على عمليات إلقاء اعتقال عشوائية وسجون تجري بها عمليات تعذيب، عنصراً محورياً في هذا النجاح. حتى هذه اللحظة، لم يظهر أثر لقرابة 128 ألف شخص، وجرى اعتبارهم من {الشبكة السورية لحقوق الإنسان} إما موتى أو قيد الاحتجاز.
جدير بالذكر أن {الشبكة السورية} منظمة مستقلة رقابية تتولى الاحتفاظ بأكثر البيانات دقة على هذا الصعيد. وتشير التقديرات إلى أن ما يقرب من 14 ألف شخص قتلوا أثناء التعذيب، بينما يلقى سجناء حتفهم بسبب ظروف مروعة وصفها تحقيق أجرته الأمم المتحدة بأنها {عملية إبادة}.
اليوم، وحتى مع انحسار الحرب، وتضاؤل اهتمام العالم وشروع بعض الدول في تطبيع علاقاتها مع سوريا، تتزايد وتيرة إجراءات جديدة من الاعتقال والتعذيب والإعدام. وسجلت {الشبكة السورية} 5607 حالة اعتقال جديدة صنفتها باعتبارها عشوائية ما يعني أكثر من 100 في الأسبوع بزيادة حوالي 25% عن العام الماضي.
ونجح محتجزون في السجون أخيراً في تسريب تحذيرات تفيد بأن المئات يجري إرسالهم إلى موقع لتنفيذ الإعدام داخل سجن الصيدانية. وأفاد سجناء مفرج عنهم حديثاً بأن وتيرة أعمال القتل تتسارع.
ورغم استحواذ {داعش} على اهتمام أكبر من جانب الغرب، فإن منظومة السجون السورية ابتلعت أضعاف من احتجزهم التنظيم داخل سوريا. وتشكل إجراءات الاحتجاز من جانب الحكومة قرابة 90% من مجمل حالات الاختفاء، طبقاً لتقديرات الشبكة.
وتوصل محققون معنيون بجرائم الحرب يتبعون مفوضية العدالة والمحاسبة الدولية المستقلة، إلى أن مذكرات حكومية احتوت أوامر بشن حملات قاسية وناقشت وقوع وفيات بين المحتجزين. وحملت المذكرات توقيع مسؤولين أمنيين رفيعي المستوى، بينهم أعضاء في اللجنة المركزية لإدارة الأزمة، والتي ترفع تقاريرها إلى الأسد مباشرة.
وأقرت مذكرة صادرة عن الاستخبارات العسكرية بوقوع وفيات جراء أعمال تعذيب والظروف المريعة داخل أماكن الاحتجاز. وأشارت مذكرات أخرى إلى وقوع وفيات بين محتجزين، جرى التعرف على هوية بعضهم لاحقاً من بين صور آلاف الجثث لسجناء جرى تهريبها من جانب منشق عن الشرطة العسكرية.
وأجازت مذكرتان توجيه {معاملة قاسية} لمحتجزين بعينهم. وأوحت مذكرة صادرة عن رئيس الاستخبارات العسكرية رفيق شحادة بوجود مخاوف في صفوف المسؤولين من التعرض لمحاكمات مستقبلية، وتحمل المذكرة أمراً بإبلاغه بجميع الوفيات التي تقع لمحتجزين.
على امتداد سبع سنوات، أجرت {نيويورك تايمز} مقابلات مع عشرات الناجين وأقارب متوفين ومحتجزين مفقودين، وراجعت وثائق حكومية تحوي تفاصيل حول الوفيات داخل السجون والحملات القاسية ضد معارضين، إلى جانب تفحصها لمئات الصفحات من شهادات شهود في تقارير حقوقية وقضايا منظورة أمام القضاء. وتتماشى شهادات الناجين الواردة هنا مع شهادات أدلى بها سجناء آخرين كانوا محتجزين داخل السجون ذاتها، وتدعمها مذكرات حكومية وصور جرى تهريبها من داخل السجون السورية.
في الشهور الأخيرة، اعترفت الحكومة السورية ضمناً بوفاة المئات في المعتقلات. وتحت ضغط من موسكو، أكدت دمشق مقتل بضع مئات من الأشخاص على الأقل عبر إصدار شهادات وفاة لهم أو تسجيلهم كمتوفيين في السجلات العائلية. وقال مؤسس {الشبكة السورية} فاضل عبد الغني، إن هذه الخطوة بعثت للمواطنين برسالة واضحة مفادها: {نحن انتصرنا، ونحن فعلنا ذلك ولن يعاقبنا أحد}.
ومازال الأسد ومعاونوه في السلطة بمأمن من إلقاء القبض عليهم وينعمون بحماية روسيا لهم من خلال قوتها العسكرية وحق النقض (فيتو) في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. في الوقت ذاته، بدأت دول عربية تعيد علاقاتها مع دمشق وتدرس دول أوروبية الأمر. ويأتي قرار الرئيس دونالد ترمب بسحب معظم الجنود الأميركيين من شرق سوريا، ليقلص من نفوذ أميركي ضئيل للغاية بالفعل في إطار الصراع الدائر بالبلاد والذي دخل الآن عامه التاسع.
جدير بالذكر أن منظومة الاحتجاز السورية الحالية تشكل صورة متضخمة من المنظومة التي بناها حافظ الأسد. في العام 1982، سحق الأسد الأب انتفاضة مسلحة لجماعة {الإخوان المسلمين} في حماة ودمر في خضم ذلك جزءاً كبيراً من المدينة وألقى القبض على عشرات الآلاف من الإسلاميين والمعارضين اليساريين والمدنيين غير المسيسين الذين اعتقلوا عشوائياً.
وعلى مدار عقدين، اختفى حوالي 17 ألف محتجز داخل هذه المنظومة المعتمدة على مخزون من أساليب التعذيب يعود إلى الحقبة الاستعمارية الفرنسية، بل والأساليب النازية.
تجدر الإشارة إلى أنه عندما خلف بشار الأسد والده عام 2000، أبقى على منظومة الاحتجاز من دون تغيير. والمعروف أن كل من وكالات الاستخبارات السورية الأربع: العسكرية والسياسية والتابعة للقوات الجوية وأمن الدولة، لها أفرع محلية بمختلف أرجاء البلاد. وتملك معظمها سجوناً خاصة بها. وقد وثقت مفوضية العدالة والمحاسبة الدولية المئات من هذه السجون.
وكان احتجاز العديد من المراهقين وتعذيبهم في مارس (آذار) 2011 لكتابتهم عبارات مناهضة للأسد على الجدران، دفع سوريين للانضمام إلى سلسلة الانتفاضات التي اجتاحت دول عربية. وانتشرت المظاهرات المعترضة على المعاملة التي تعرض لها المراهقون من داخل مدينتهم درعا إلى مناطق أخرى، ما أدى إلى المزيد من عمليات الاعتقال، ما أشعل بدوره مزيداً من المظاهرات.
بمرور الوقت، انضم طوفان من المحتجزين من مختلف أرجاء سوريا إلى المعارضين الموجودين داخل سجن صيدنايا.
رياض أولار، مواطن تركي احتجز لمدة 20 عاماً بعدما ألقي القبض عليه عام 1996، عندما كان طالباً في الـ19 لعقده مقابلات مع سوريين حول مذبحة وقعت بأحد السجون، يقول إن {المحتجزين الجدد تنوعوا ما بين عاملي نظافة ومزارعين ومهندسين وأطباء، جميع فئات السوريين}. وأضاف أن أعمال التعذيب زادت وتعرض المحتجزون الجدد لاعتداءات جنسية والضرب على الأعضاء التناسلية وإجبارهم على ضرب أو قتل بعضهم البعض.
ولا أحد يدري على وجه الدقة عدد السوريين الذين مروا عبر هذه المنظومة منذ ذلك الحين، لكن منظمات حقوقية تقدر أعدادهم بما يتراوح بين مئات الآلاف وملايين. من جانبها، لا تكشف دمشق عن أرقام تتعلق بالسجون، لكن جميع الشهادات تشير إلى أن المنظومة شهدت حركة ضخمة بداخلها. وانتهى الحال ببعض السجناء السياسيين في السجون العادية، بينما احتجزت أجهزة الأمن وميليشيات موالية للحكومة آخرين في أماكن احتجاز داخل مدارس وملاعب ومكاتب وقواعد عسكرية ونقاط تفتيش.
وربما يكون التقدير الحالي الصادر عن {الشبكة السورية} الذي يشير إلى وجود أكثر من 127 ألف شخص حالياً داخل منظومة الاحتجاز السورية، أقل من الواقع. ولا يتضمن هذا العدد الذي يشير إلى حالات الاعتقال التي أبلغ عنها أقارب وشهود آخرين، الأشخاص الذين أطلق سراحهم لاحقاً أو تأكد موتهم.
وتولى ضابط سابق بالشرطة العسكرية أشار لنفسه باسم {قيصر} حفاظاً على سلامته، مهمة تصوير الجثث. وفر من سوريا حاملاً صوراً تخص 6700 جثة على الأقل، صدمت العالم لدى الكشف عنها عام 2014. أيضاً، صوّر {قيصر} مذكرات على مكتب رئيسه بالعمل تخطر مسؤولين أعلى بحالات وفيات.
ومثلما الحال مع شهادات الوفيات الصادرة حديثاً، تشير المذكرات لأسباب الوفاة باعتبارها {أزمة قلبية}. وذكرت إحدى المذكرات اسم محتجز تظهر صورة جثته في إحدى الصور التي فر بها {قيصر}، وقد جرى اقتلاع عينيه.

جولة تعذيب
من جانبه، ظل غباش على قيد الحياة رغم تعرضه للتعذيب داخل 12 منشأة على الأقل، ما جعله حسب قوله {أشبه بمرشد سياحي} داخل منظومة الاحتجاز السورية. وبدأت ملحمته عام 2011 عندما كان في الـ22 من عمره. وغباش هو الابن الأكبر لمقاول بنايات حكومية، وقد ألهمته المظاهرات السلمية التي اشتعلت في ضاحية داريا بدمشق لأن ينظم مظاهرات في حلب. وألقي القبض عليه في يونيو (حزيران) 2011، وأخلي سبيله بعد تعهده بعدم التظاهر. وقال: {إلا أنني لم أتوقف عن التظاهر}.
في أغسطس (آب) ألقي القبض عليه مجدداً، في الأسبوع نفسه الذي كشفت مذكرة من مفوضية العدالة والمحاسبة الدولية أن كبار المسؤولين المعاونين للأسد أمروا بشن إجراءات أكثر صرامة وانتقدوا {تراخي} المسؤولين المحليين ودعوا إلى إلقاء القبض على المزيد من {المحرضين على التظاهر}.
داخل الاحتجاز، تعرض غباش لتعليقه وضربه وجلده داخل سلسلة من المنشآت التابعة للاستخبارات العسكرية والعامة، حسب قوله. وفي النهاية، أخلى المسؤولون سبيله بعد أن وجهوا إليه نصيحة عابسة قدموها للكثير من الشباب أمثاله: ارحلوا عن البلاد.
وفي وقت أطلق النظام سراح بعض أكثر السجناء المتطرفين المحتجزين منذ أمد طويل في سجن صيدنايا، وهم إسلاميون متشددون قادوا لاحقاً جماعات متمردة، سعى المسؤولون إلى التخلص من المعارضة المدنية. ويرى نقاد أن الخطوتين كانتا تهدفان إلى نقل الانتفاضة إلى ميدان القتال، حيث تمتع الأسد وحلفاؤه بميزة عسكرية.

عقاب سريالي
في مارس (آذار)، جرى نقل غباش بالطائرة الى قاعدة ميز الجوية التي حملت اسم إحدى البلدات المجاورة لدمشق. أفاد هو والعديد من الناجين بأن المعتقلين كان يجري نقلهم وفق نظام نقل جماعي بين السجون وأن المعتقلين كانوا يلاقون الأمرين خلال تلك الرحلات سواء في الحافلات أو المروحيات أو طائرات الشحن.
ويتذكر البعض أنهم كان يجري نقلهم في شاحنات مخصصة لنقل الماشية المذبوحة وكان يجرى تعليقهم من يد واحدة في السقف باستخدام الخطافات المستخدمة في تثبيت اللحوم. كانت مساحة زنزانة غباش الجديدة أقل من 12 متراً مربعاً وكانت مزدحمة لدرجة أنهم كانوا يتناوبون ساعات النوم.
خارج الزنزانة، كان هناك رجل معصوب العينين ومكبل اليدين. كان السيد مازن درويش محامي حقوق الإنسان الذي اعتقل لجرأته أمام القاضي بحديثه عن حقوق الإنسان والضمانات التي أقرها القانون السوري.
يقول منير فاخر الذي يبلغ من العمر 39 عاماً، إنه اعتقل فيما كان متوجهاً للقاء مجموعة من المعارضة غير المسلحة. الفارق بين الصورتين قبل وبعد الاعتقال يوضح الفارق: رغم إنه كان ضخم البنيان إلا أنه كان بالغ النحافة عندما أطلق سراحه لدرجة أن زوجته لم تتعرف عليه.
في سجن صيدنايا كان البرد هو العقاب لكل من يتكلم أو ينام من دون إذن. يتذكر فاخر فيما كان يحتسي الشاي بمقهى في إسطنبول ان ملابسه هو وجميع زملاءه في الزنزانة قد صودرت وأجبروا على النوم عراة في درجة حرارة متجمدة. أضاف أنهم كانوا أحيانا يحرمون من الماء وأنهم كانوا يفركون أجسادهم بالرمال الموجودة بين المسافات الفاصلة بين بلاط الأرضيات.
صادف يوم لقائي بفاخر ذكرى وفاة زميله في الزنزانة الذي توفي نتيجة لعدوى بكتيرية أصابت أحد أسنانه ولم يتلق علاجاً لها لدرجة أن فكه تورّم ليبلغ حجم رأس أخر. لكن أحياناً يكون العلاج مميتاً أيضاً، حيث يجري التعذيب والقتل في المستشفيات، فيما يقوم ذوو الموالين للسلطة بزيارات للضباط المصابين في نفس المستشفى.
فقد حدث أن اصطحب فاخر إلى مستشفى 601 العسكري في حي المزة مرتين. المكان يعود إلى زمن الاستعمار حيث السقوف العالية والمشهد المطل على دمشق. كان كل ستة مساجين يجرى تكبيلهم عرايا بكل سرير، {وأحياناً يموت أحدهم فيقل العدد}، بحسب فاخر. وأحياناً نتمنى له الموت إن كان يرتدي ثياباً لنحصل عليها. أضاف: {ذات مرة شاهدنا الممرضين يعمدون إلى قطع الأنسولين عن فتى (نادل) في عمر العشرين مريض بداء السكري حتى مات}.

أسماء مكتوبة بالدماء
كان المعتقلون والمنشقون يخاطرون بحياتهم ليبلغوا عائلاتهم والعالم بمأساتهم. في زنزانة بالطابق الرابع تحت الأرض، قرر المعتقلون تهريب الأسماء المدونة على الجدران خارج السجن، بحسب منصور عمري، الذي اعتقل بسبب عمله بمجال حقوق الإنسان.
كان نبيل شربجي، صحافي، هو من أوحي لغباش بالعمل في مجال حقوق الإنسان عام 2011، وكانت المصادفة أنهما باتا زميلين في الزنزانة ذاتها لاحقاً بسجن المزة، وحاول نبيل كتابة اسمه على قطعة قماش رثة مستخدماً صلصة الطماطم لإيصالها خارج السجن، لكنه في النهاية قرر كتابتها بدمه، وقام معتقل يعمل خياطاً بحياكتها بقميص عمري وبالفعل وجدت طريقها خارج السجن.
وصلت الرسالة إلى العواصم الغربية وعرضت قصاصة القميص بمتحف الهولوكوست في واشنطن، لكن شربجي كان لا يزال قابعاً في سجنه.
في رسالة إلى خطيبته تمكن من كتابتها في سجن سمح بكتابة الرسائل، كتب شربجي يقول: {منهك ومنكفئ على وجهي. أحاول أن أضحك لكن ضحكات كلها أسى. لا أملك سوى الصبر وذكراك}. وبعد عامين أفاد معتقل بعد إطلاق سراحه بأن شربجي تعرض للضرب حتى الموت.
تمارس العائلات والناجون في سوريا ولبنان وتركيا والأردن وألمانيا وفرنسا والسويد وغيرها، الكثير من الضغوط لإنقاذ الضحايا. فبعد إطراق سراحه عام 2013، وصل غباش إلى مدينة غازي عنتاب التركية حيث يدير حالياً منظمة معنية بحقوق المرأة وتوفير الإعانات للاجئين في آخر معاقل المقاومة السورية.
التهديد بالمقاضاة هو آخر ما تبقى، بحسب درويش، من أمل لإنقاذ المعتقلين، {فهذا ما يمنحنا الطاقة، لكنها مسؤولية كبيرة. ربما ينقذ هذا روحاً. بعضهم أصدقائي. عندما أطلق سراحي، قالوا لي: نرجوك لا تنسانا}.
عائلات المعتقلين المفقودين أصبحت في متاهة بعد أن عجزت عن تحديد مصائر ذويها أو استخراج شهادات وفاة لهم. فمثلا فدوى محمود التي تعيش في برلين حالياً لا تعلم إن كان زوجها عبد العزيز الخير لا يزال على قيد الحياة أم لا. فمنذ ست سنوات عاد من الخارج إلى دمشق بضمانات أمنية للتحدث مع الحكومة والمعارضة غير المسلحة والتوسط بينهما، وتوجه ابنه محمود لاستقباله في مطار دمشق، ولم يبين لهما أثر بعد ذلك في المطار الذي كان خاضعاً لسيطرة الاستخبارات الجوية السورية.
* خدمة {نيويورك تايمز}



مهلة نزع سلاح «حماس»... ورقة ضغط تُربك مسار «اتفاق غزة»

أطفال يلعبون بجوار أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
أطفال يلعبون بجوار أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

مهلة نزع سلاح «حماس»... ورقة ضغط تُربك مسار «اتفاق غزة»

أطفال يلعبون بجوار أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
أطفال يلعبون بجوار أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

استبقت تسريبات إسرائيلية اجتماع مجلس السلام المقرر عقده الخميس في واشنطن لبحث قضايا مرتبطة بقطاع غزة، وتحدثت عن مهلة 60 يوماً لنزع سلاح حركة «حماس» أو العودة للحرب بضوء أخضر أميركي.

تلك التسريبات التي تكاد تتطابق مع حديث للرئيس الأميركي دونالد ترمب، طلب فيه نزعاً فورياً وكاملاً لسلاح «حماس»، يراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» ورقة ضغط مشتركة من الولايات المتحدة من أجل فرض الملف على أجندة الاجتماع، محذرين من أن هذا الضغط «سيُربك مسار اتفاق غزة».

ويسري في القطاع الفلسطيني منذ العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، استناداً إلى مقترح تقدم به ترمب، ويشكل نزع سلاح «حماس» جزءاً أساسياً من مرحلته الثانية التي أعلنت الولايات المتحدة الانتقال إليها في منتصف يناير (كانون الثاني)، وكان من المفترض أن يتوازى مع انسحاب الجيش الإسرائيلي تدريجياً من القطاع، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة.

وتتحدث إسرائيل عن منح «حماس» مهلة 60 يوماً قد تبدأ بعد اجتماع مجلس السلام، الخميس، لنزع سلاحها بطلب من إدارة ترمب، وهددت باستئناف الحرب إن لم تستجب، وفق ما نقلته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، نقلا عن سكرتير الحكومة الإسرائيلية يوسي فوكس مساء الاثنين.

ويجيء ذلك في أعقاب منشور لترمب على منصته «تروث سوشيال»، الأحد، قال فيه إنه «ينبغي على (حماس) أن تحترم التزامها بنزع سلاحها بشكل كامل وفوري».

ويمثل ذلك التسريب تكراراً لآخر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حين نقلت صحيفة «يسرائيل هيوم» عن مصادر أن الولايات المتحدة وإسرائيل حددتا مهلة نهائية مدتها شهران لتفكيك سلاح الحركة عقب لقاء جمع الرئيس الأميركي ترمب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في فلوريدا.

ووقتها قال ترمب، في مؤتمر صحافي مشترك مع نتنياهو: «تحدثنا عن (حماس) وعن نزع السلاح، وسيُمنحون فترة زمنية قصيرة جداً لنزع سلاحهم، وسنرى كيف ستسير الأمور»، بينما قال نتنياهو آنذاك في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز» إن «حماس» لا تزال تمتلك نحو 20 ألف مسلح يحتفظون بنحو 60 ألف بندقية «كلاشينكوف»، مشدداً على أن أهداف الحرب لم تتحقق بالكامل، وعلى رأسها «القضاء التام على (حماس)».

فلسطينيون يسيرون أمام خيام النازحين وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويعتقد الخبير العسكري والاستراتيجي محمد العمدة أن ذلك التسريب «لا يختلف عن عقيدة إسرائيل الساعية لإفشال مسار الاتفاق وليس إرباكه فقط، خاصة أن مصالح نتنياهو المرتبطة بانتخابات هذا العام تجعله يطيل أمد المفاوضات ويضع عراقيل وذرائع تمهد للعودة للحرب».

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني نزار نزال أن التسريب وراءه عدة أهداف، منها رفع سقف التوقعات، والإشارة لاحتمال تغير في قواعد اللعبة قبل تثبيت المرحلة الثانية، والضغط على «حماس» بطرح أفكار مغايرة عما سبق من مقترح متدرج لنزع السلاح.

وعدَّ نزال هذا اختباراً لجدية واشنطن للمضي في «اتفاق غزة»، معبراً عن اعتقاده بأن حكومة نتنياهو تريد إرباك مسار الاتفاق ومنع أي تفاهمات قد تكون محتملة بمجلس السلام.

وتُعد التسريبات الأخيرة مغايرة لأخرى ترددت قبل أسبوع حين أفادت صحيفة «نيويورك تايمز»، نقلاً عن مصادر بأن واشنطن تجهّز مقترحاً جديداً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح باحتفاظها ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى. وذكرت الصحيفة أنه سيتم تقديم هذا المقترح خلال أسابيع.

فلسطينيون يعلّقون زينة رمضان فوق حطام المباني المدمرة في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم الأحد الماضي (إ.ب.أ)

ولا تزال «حماس» تتمسك بموقفها من السلاح. وقد رفض القيادي البارز بالحركة، خالد مشعل، خلال منتدى بالدوحة قبل أسبوع، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي»، ودعا «مجلس السلام» إلى اعتماد «مقاربة متوازنة».

ويعتقد العمدة أن المقترح التدريجي هو ما يمكن أن تدور حوله المناقشة، لكن مهلة الشهرين لن تكون كافية كي تتمكن «حماس» أو غيرها من تسليم سلاحها؛ مضيفاً: «الحركة بالأساس لن تفعل ذلك ولن تقبل بهذا المسار».

وهو يرى أن تفكيك تسليح أي حركة مثل «حماس» سيستغرق فترة لا تقل عن عام حال وجود تفاهمات، «لكن إسرائيل تناور (حماس)».

ويرجح نزال أن تكون تلك التسريبات المتضاربة «مجرد ورقة ضغط تفاوضية»، باعتبار أن المهلة تحمل سيناريوهين: إما دفع «حماس» نحو تنازلات جزئية يستمر معها مسار اتفاق غزة بشكل بطيء، أو تمهيد لتجميد الاتفاق لفترة طويلة والسماح لإسرائيل بخروقات أكبر.


مصر تتدارك آثار «حكم دستوري» أبطل تحديث قوائم المخدرات

مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)
مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)
TT

مصر تتدارك آثار «حكم دستوري» أبطل تحديث قوائم المخدرات

مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)
مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)

بشكل عاجل، عملت وزارة الصحة المصرية، على محاولة تدارك الآثار المترتبة على حكم دستوري صدر الاثنين، ببطلان الجداول الخاصة بتصنيف وإدراج المواد المخدرة، التي أصدرها رئيس الهيئة العامة للدواء أبريل (نيسان) 2021 لـ«عدم اختصاصه».

وهذا الأمر استدعى قراراً من وزير الصحة خالد عبد الغفار، لإعادة إصدار الجداول نفسها الملغاة بصفته ذا الصفة لذلك.

وأثار حكم المحكمة الدستورية العليا حالة من الجدل في مصر، مع نشر شائعات عن خروج وشيك لتجار مخدرات بناء عليه. وهذا ما نفاه متخصصون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، مؤكدين أن «الحكم - قبل قرار الصحة - لن يترتب عليه مباشرة خروج أي من المدانين أو المتهمين حالياً في قضايا مخدرات، وإنما قد يستفيد منه بعض المُدانين أو المتهمين الحاليين في تخفيف الأحكام، وليس من المتوقع أن يصل الأمر لحد البراءة في معظم القضايا خصوصاً الاتجار».

وقالت وزارة الصحة في بيان، الثلاثاء، إن الوزير قرر استبدال الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات، وتنظيم استعمالها والاتجار فيها رقم 182 لسنة 1960، تنفيذاً مباشراً وفورياً لحكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في جلستها بتاريخ 16 فبراير (شباط) 2026 في الدعوى الدستورية رقم (33) لسنة 47 - قضائية دستورية - الذي أكد عدم دستورية بعض الإجراءات السابقة المتعلقة بتعديل تلك الجداول.

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار (أرشيفية - وزارة الصحة)

وبصدور القرار «تُصبح جداول المخدرات الملغاة من قبل المحكمة الدستورية هي المطبقة حالياً في القضايا التي سيتم تحريكها منذ اليوم، ما يسد أي ثغرة تشريعية. أما الآثار التي ما زالت قائمة ومربكة للحكم فهي الخاصة بالقضايا التي حُركت بناء على تعديلات جدول المخدرات في الخمسة أعوام السابقة»، وفق الصحافي المتخصص في الشأن القضائي محمد بصل.

وأكد بصل لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه القضايا عُرضة للاستفادة من حكم الدستورية حسب درجة التقاضي التي وصلت لها... غير أن ذلك لا يعني بأي حال خروج متهمين أو مدانين في قضية مباشرة بناء على حكم الدستورية».

ويهدف القرار الأخير، حسب وزارة الصحة، إلى «إعادة ترتيب الاختصاص التشريعي والتنفيذي في تعديل جداول المواد المخدرة والمؤثرات العقلية، بما يتوافق تماماً مع أحكام الدستور المصري ومبدأ سيادة القانون، كما يسعى في الوقت ذاته إلى تعزيز الرقابة الدوائية والأمنية على هذه المواد، وفق أحدث التطورات العلمية والقانونية، لضمان حماية أكثر فاعلية للمجتمع من مخاطر التعاطي والاتجار غير المشروع».

وأشار بصل إلى أن «غالبية المواد المُخدرة حتى المُستحدث منها مثل الأيس والشابو وغيرها موجودة بالفعل في جداول المخدرات من قبل تعديلات رئيس هيئة الدواء، التي نقلتها من الدرجة الثانية في الجدول ذات العقوبات المُخففة نوعاً ما بصفتها جُنحة، إلى الدرجة الأولى والتي تجعل عقوبة تعاطيها والاتجار فيها جناية، وتصل هذه العقوبات المشددة إلى السجن المؤبد 25 عاماً»، مستبعداً أن يستفيد تجار المخدرات من هذه التعديلات، «عادة ما تحال القضية بوصفها اتجاراً بغض النظر عن نوع المُخدر أو درجة تصنيفه».

وتنشط وزارة الداخلية المصرية في قضايا مكافحة المخدرات، وتم «ضبط مواد مخدرة بقيمة تقديرية نحو 27 مليار جنيه (الدولار نحو 47 جنيهاً) وإيقاف تهريب مخدرات صناعية بقيمة سوقية نحو 34 مليار جنيه في الأسواق المستهدفة» خلال عام 2025، وفق كلمة وزير الداخلية اللواء محمود توفيق في احتفالية عيد الشرطة الماضية.

طرق الاستفادة من الحكم

وفسّر المحامي حسن شومان، لـ«الشرق الأوسط» طرق استفادة المتهمين من حكم الدستورية، في القضايا التي ضُبطت خلال الفترة محل الجدل، في أنه «إذا كانت القضية منظورة حالياً في أول درجة أو مُستأنف، فيحق لي بصفتي محامياً أن أطلب من المحكمة براءة موكلي، دافعاً ببطلان إجراءات القبض والتفتيش والإحالة، بمعنى إحالة النيابة القضية بوصفها جناية، بينما هي جنحة وفق الآثار المترتبة على حكم المحكمة الدستورية»، متوقعاً في الوقت نفسه ألا يأخذ القاضي في كثير من القضايا بهذا الدفع بالنظر إلى قرار وزير الصحة الأخير الذي أعاد تفعيل هذه الجداول، وهذا حق تقديري للقاضي، على حد وصفه.

وأضاف شومان: «إذا كانت القضية قد صدر فيها حكم نهائي لكن ليس باتاً، فيحق للمحامي أن يتخذ إجراءات للدفع بالبطلان أمام النقض، أما إذا كان الحكم باتاً صدر من النقض، فيحق أن أقدم التماساً بإعادة النظر في القضية بناء على وجود متغيرات جديدة فيها، وفي هذه الحالة تُعاد المُحاكمة، وقد يحصل المتهم على البراءة في حالة كان المُخدر الذي أُحيل به من المدرجة في الجداول الملغاة وهو أمر قد لا يحدث كثيراً، فعادة ما يُضبط المُدان بأكثر من نوع مخدر».

وقد يتيح حكم الدستورية لمُدانين قضوا مدة عقوبتهم في حكم صدر بناء على الجداول الملغاة، المطالبة بتعويض مدني عن العقوبة التي قضوها، حسب بصل، الذي أشار إلى أن الأزمة كان يمكن تفاديها بسهولة لو التفتت الحكومة ومجلس النواب إلى الأصوات التي حذرت منذ عام 2021 من أن النص القانوني الذي تم بناء عليه نقل مهمة تحديث جدول المخدرات إلى رئيس هيئة الدواء بدلاً من وزير الصحة «غير منضبط ويحتاج إلى ضبط في الصياغة».

المخدرات المُجرّمة

ولا تقتصر جداول المخدرات المُجرّمة في مصر على المواد المُصنعة للتعاطي، أو الحشائش للغرض ذاته، وإنما تضم كثيراً من الأدوية التي يستلزم لصرفها وصفة طبية، ويجب عدم تناولها أكثر من الجرعات والمدد المُحددة.

وأشاد الصحافي المتخصص في الشأن القضائي بالقرارات التي أصدرتها هيئة الدواء في جداول المُخدرات، التي كانت دائمة التحديث، وأدرجت كثيراً من المواد، وهو جهد لم يذهب سُدى في كل الأحوال، إذ أعيد العمل به بقرار وزير الصحة.

وأكدت وزارة الصحة في بيانها «التزامها الكامل بتنفيذ أحكام المحكمة الدستورية العليا، واستكمال الإطار القانوني السليم الذي يجمع بين الحزم في مكافحة المخدرات، وبين احترام مبادئ الدستورية والشرعية».


تدخل سعودي ينهي أزمة الكهرباء في سقطرى

إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
TT

تدخل سعودي ينهي أزمة الكهرباء في سقطرى

إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)

شهدت محافظة أرخبيل سقطرى اليمنية خلال الأيام الماضية انفراجة خدمية مهمة بعد تدخل سعودي عاجل أسهم في إعادة تشغيل محطات توليد الكهرباء، منهياً أزمة انقطاع التيار التي أثّرت بشكل مباشر على الحياة اليومية للسكان، وعلى عمل المؤسسات الحيوية، وفي مقدمتها المستشفى العام والجامعة والمعهد الفني.

وجاءت هذه الخطوة عقب توقف مفاجئ للمحطات نتيجة انسحاب الشركة المشغلة وتعطيل أنظمة التشغيل، الأمر الذي تسبب في اضطرابات واسعة في الخدمة الكهربائية وارتفاع معاناة المواطنين.

وأوضح البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن أن فرقاً هندسية وفنية باشرت عملها فور تلقي مناشدة من السلطة المحلية، حيث جرى إرسال متخصصين لإعادة تفعيل أنظمة التشغيل التي تم تشفيرها قبل مغادرة الشركة المشغلة للجزيرة. وتمكنت الفرق من استعادة تشغيل المولدات تدريجياً، ما أدى إلى عودة الاستقرار الكهربائي في معظم مناطق المحافظة خلال فترة زمنية قصيرة.

وأدى استئناف تشغيل محطات الكهرباء إلى تخفيف الضغط الكبير الذي شهدته الشبكة خلال الأسابيع الماضية، خصوصاً مع ارتفاع الأحمال وتوقف المولدات بشكل كامل.

وكانت المرافق الصحية والتعليمية الأكثر تأثراً، إذ اضطرت بعض الأقسام الطبية إلى تقليص خدماتها، بينما توقفت العملية التعليمية جزئياً بسبب غياب التيار الكهربائي اللازم لتشغيل القاعات والمختبرات.

وحسب إدارة كهرباء سقطرى، فإن الأزمة نشأت بعد قيام الشركة المشغلة السابقة بوضع مؤقتات إطفاء وإدخال كلمات مرور على أنظمة التحكم، ما حال دون قدرة الفرق المحلية على إعادة تشغيل المحطات. وأشارت الإدارة إلى أن هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها، إذ سبق أن واجهت المحافظة وضعاً مشابهاً عام 2018 قبل أن تتم معالجة المشكلة بتدخل رسمي.

عودة عمل القطاع الصحي في سقطرى بدعم سعودي (إكس)

وأكدت مصادر محلية أن عودة الكهرباء انعكس فوراً على استقرار الخدمات الأساسية، حيث عادت شبكات المياه للعمل بانتظام، وتحسنت خدمات الاتصالات، إضافة إلى استئناف النشاط التجاري بشكل تدريجي بعد فترة من الاضطراب الاقتصادي المرتبط بانقطاع الطاقة.

دعم صحي وتعليمي

في القطاع الصحي، أسهم استقرار الكهرباء إلى جانب الدعم التشغيلي المقدم في ضمان انتظام عمل مستشفى سقطرى العام، الذي يُعد المرفق الطبي الأهم في الأرخبيل. وقد ساعد التمويل التشغيلي في توفير الوقود والمستلزمات الطبية ودعم الكادر الصحي، ما عزز قدرة المستشفى على استقبال الحالات المرضية، وتقليل الحاجة إلى تحويل المرضى للعلاج خارج المحافظة، وهو أمر كان يشكل عبئاً إنسانياً ومادياً على السكان.

وأفادت مصادر طبية بأن استقرار الطاقة الكهربائية مكّن الأقسام الحيوية، مثل العناية المركزة وغرف العمليات، من العمل بصورة طبيعية بعد فترة من الاعتماد على حلول طارئة محدودة.

أما في قطاع التعليم، فقد انعكس التدخل بشكل واضح على انتظام الدراسة في جامعة سقطرى والمعهد الفني، حيث استؤنفت المحاضرات والأنشطة الأكاديمية بعد أسابيع من التوقف. وأسهمت مبادرة دعم استقرار التعليم في تغطية التكاليف التشغيلية، بما في ذلك رواتب الكادر الأكاديمي والنفقات الأساسية، الأمر الذي قلل من نسب الغياب وساعد على استعادة الجدول الدراسي.

انتظمت العملية التعليمية في جامعة سقطرى بفعل الدعم السعودي (إكس)

وأعلنت السلطات المحلية استئناف الدراسة رسمياً في المعهد الفني بدءاً من يوم الاثنين، في خطوة عُدت مؤشراً على عودة الاستقرار التدريجي للخدمات العامة في الأرخبيل. ويرى مراقبون أن استمرار الدعم الفني والتشغيلي يمثل عاملاً حاسماً للحفاظ على استدامة الكهرباء، وضمان عدم تكرار الأزمة مستقبلاً، خصوصاً في منطقة تعتمد بشكل شبه كامل على الطاقة لتسيير قطاعاتها الحيوية.