تباين دوافع الانضمام للتنظيمات المتطرفة

أقواها الحرمان والتهميش والفقر

TT

تباين دوافع الانضمام للتنظيمات المتطرفة

رغم أن تفكك «الخلافة» المزعومة التي أسسها تنظيم «داعش» في سوريا والعراق دفع قادة التنظيم إلى التركيز من خلال رسائلهم الدعائية الإلكترونية على استقطاب «الذئاب المنفردة» ممن لديهم قابلية للتأثر والانضمام، وحثهم على تنفيذ عمليات ليست بحاجة إلى تدريب مثل عمليات الدهس والطعن، إلا أنه في الآونة الأخيرة تظهر لديهم محاولات للعودة للطرق التقليدية لتكوين خلايا إرهابية تتجمع وتخطط لعملياتها الإرهابية. وأبرز مثال على ذلك الهجوم الإرهابي الذي حدث في سريلانكا عشية عيد الفصح. وكذلك إحباط محاولة الهجوم على مبنى المباحث الجنائية في محافظة الزلفي بالمملكة العربية للسعودية.
هذه العمليات الإرهابية كشفت عن محاولات لتكوين خلايا إرهابية وتجنيد بالطرق التقليدية وليست عبر وسائل التواصل الإلكتروني. ويؤكد على ذلك من جهة أخرى الظهور الإعلامي الأخير لزعيم «داعش» أبو بكر البغدادي لأول مرة منذ خمس سنوات، إذا ظهر مؤخراً في تسجيل مرئي من إصدار مؤسسة الفرقان الدعائية التابعة لتنظيم داعش بعنوان: «في ضيافة أمير المؤمنين» عبر قنواته الإعلامية ومن خلال تطبيق تيليغرام، وقد ظهرت على البغدادي علامات التقدم في السن بلحية بيضاء، وهو الذي لم يظهر منذ عام 2014 منذ إعلانه تأسيس تنظيم داعش في المسجد النوري بالموصل.
وأشار البغدادي في التسجيل إلى معركة الباغوز التي تعد آخر معاقل تنظيم داعش في سوريا، وتوعد بأن التنظيم سيثأر لقتلاه وأسراه.
وإذا ما كان السبب الرئيسي حول الظهور الإعلامي لزعيم «داعش» هو دحض الشائعات التي نشرت حول مقتله، فإن ظهوره جاء كذلك محاولة لتجييش المناصرين والتأثير عليهم بمعقل الباغوز في سوريا، وذلك على خطى تنظيم «القاعدة» الذي استند بشكل كبير على الظهور الإعلامي لزعمائه مثل أسامة بن لادن وأيمن الظواهري.
كذلك هناك محاولة من التنظيم لإيجاد مناطق نفوذ أخرى نتيجة لتغير أوضاعه السياسية مثل تطرقه إلى سريلانكا والسودان والجزائر.
وقد نسب البغدادي هجمات سريلانكا في عيد الفصح لتنظيم داعش معتبرا أنها بمثابة ثأر للباغوز. هذا الظهور الإعلامي يثير هنا التساؤلات حول نوعية المتطرفين الذين تجذبهم مثل هذه الرسائل الدعائية ودوافع انضمامهم للتنظيمات المتطرفة.
*مسببات الانضمام للتنظيمات الإرهابية
تعددت الدراسات التي تعالج مسببات الانضمام للجماعات المتطرفة، ولكن رغم ذلك فإنه يصعب تكهن الأسباب المباشرة التي تدفع بالأفراد القادمين من دول مختلفة إلى الانضمام إلى أحضان مثل هذه التنظيمات. إذ يظهر اختلاف كبير حول المسببات حسب المناطق التي يأتي منها المتطرفون، فأولئك القادمون من دول غربية، مثل الدول الأوروبية حيث يعد المسلمون أقلية، غالباً ما يبرز لديهم الشعور بالنبذ والتهميش، الأمر الذي يدفعهم بالرغبة في الانتماء إلى جماعة ما أو تحقيق إنجاز أو الرغبة في أن يتم تسليط الضوء عليه. أما المقاتلون القادمون من منطقة الشرق الأوسط فإن مسببات انضمامهم إلى التنظيمات المتطرفة تنقسم ما بين التعاطف نتيجة ما يحدث في مناطق النزاع والرغبة في مساعدتهم أو لأسباب دينية. وأخيرا يظهر أن من أهم مسببات الانضمام لتنظيمات متطرفة في أفريقيا المسببات الاقتصادية ذلك أن غالبية المنضمين يعانون من الفقر والحاجة إلى المال.
*دراسة البنك الدولي
لقد نشر البنك الدولي تقريراً قام بإجراء دراسة على 3956 «داعشياً» من 61 دولة. ورغم أن معظم المقاتلين قادمون من دول مجاورة لسوريا والعراق، إلا أن ما يشكل نسبة 12 في المائة منهم من المسلمين القادمين من غرب أوروبا. كذلك فإن غالبيتهم يعدون من الطبقة المتعلمة، الأمر الذي ينافي نظرية أن من مسببات التنظيم الفقر وقلة التعليم. وهنا من عناصر خطورة التنظيمات العابرة للحدود تمكنها من استقطاب جنسيات متنوعة مع تعدد دوافع الانضمام إلى التنظيمات المتطرفة. وبما يتصل بالأوروبي، جاء في تقرير للمعهد الملكي للدراسات الأمنية حول مسببات انضمام الأوروبيين إلى «داعش»، أن من أبرزها الفقر وفقدان الإحساس بالانتماء وإخفاق الحكومات الغربية في دمج هؤلاء من الأقليات في المجتمع.
*أحداث سريلانكا
وإذا ما عدنا إلى الحدث الإرهابي الأكبر مؤخراً، أي في سريلانكا يوم 21 أبريل (نيسان) الفائت والذي تسبب بمقتل المئات من الأشخاص، نجد أن المرتكبين كانوا من قبل جماعة التوحيد الإسلامية وجميعهم من الجنسية السريلانكية، وقد ظهروا في تسجيل مرئي وهم يعلنون بيعتهم لأبي بكر البغدادي.
وأيضا يظهر استهداف جماعة التوحيد المتطرفة لغير المسلمين والتحريض على استخدام العنف لقتلهم وتدمير التماثيل البوذية. من ناحية ثانية، أكد عدد من الخبراء في مجال التطرف بأن التفجيرات في سريلانكا تحمل بصمات مسلحين محليين تم تجنيدهم بواسطة عناصر من تنظيمي «داعش» و«القاعدة»، وأكد ذلك المتحدث باسم مجلس الوزراء السريلانكي راجيثا سيناراتني، حين ذكر أن المتطرفين الذين نفذوا التفجيرات حصلوا على دعم من شبكات أو تنظيمات دولية.
وبالفعل، أظهرت عدة تقارير أن أحد مرتكبي الهجوم، واسمه جميل محمد عبد اللطيف، سافر إلى الرقة في عام 2014. وتلقى تدريباً فيها لمدة ثلاثة إلى ستة أشهر قبل أن يتجه إلى سريلانكا ويبدأ باستقطاب أعضاء للتنظيم، قد تدرب في السابق وعمل مع «داعشيين» متخصصين بتجنيد الآخرين من أمثال محمد إموازي الملقب بـ«الجهادي جون» الذي تسبب بمقتل الصحافي جايمس فولي. ويظهر هنا أن جميل عبد اللطيف ما كان يعاني من الفقر بل إن وضع عائلته الاجتماعي مكنهما من إرساله لتلقي التعليم في كل من بريطانيا وأستراليا حيث تمت «أدلجته» وتعزز تطرفه. ويتضح هنا أن مسببات انضمامه لجماعة متطرفة لم تكن اقتصادية أو اجتماعية، وإنما لدوافع دينية متطرفة.
*إرهابيو الشرق الأوسط
وعلى شاكلة دوافع الانضمام في سريلانكا لا يظهر بين مسببات الانضمام للتنظيمات المتطرفة في منطقة الشرق الأوسط عوامل اقتصادية أو اجتماعية في معظم الحالات، وإنما غالبيتها إما عاطفية كرد فعل لتنامي الاضطرابات السياسية أو حالة الاضطراب في مناطق النزاع في المنطقة، وتصاعد موجة الطائفية في المنطقة.
ومن جانب آخر يأتي المسبب الديني نتيجة التأثر من وجود متطرفين في أسر المرتكبين أو المنضمين، ثم إن عدداً من السوريين إلى التنظيم تحت التهديد. ولعل أقرب مثال على ذلك قصة أحمد درويش، وهو سوري عائلته من حمص، تم القبض عليه من قبل الأكراد ونشرت قصته في وسائل الإعلام، حيث ذكر أنه انضم لـ«داعش» إثر تواصله عبر موقع «فيسبوك» مع قريب له أقنعه من خلال وصفه بأن التنظيم لا يمتهن الكذب أو السرقة وبأنه شعر بالوثوق بهم، وبأن شعوره بالانتماء لمجموعة تقدم له الولاء والصداقة هو من أبرز مسببات انضمامه للتنظيم.
*التطرف في السعودية
أما بما يتعلق بالسعودية، ففي تقرير نشر مؤخراً للدكتور عبد الله بن خالد بن سعود الكبير بعنوان «المقاتلون الأجانب في وثائق «داعش» المسرّبة: دراسة تحليلية للقادمين من المملكة» من مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الأمنية، اعتمد الباحث على وثائق سرية جرى تسريبها في مطلع عام 2016 تخص المجندين الجدد الذين سعوا للانضمام إلى تنظيم داعش في سوريا.
ذكر التقرير أن غالبية السعوديين ممن انضموا للقتال في «داعش» من فئة الشباب الذين يمثلون جيلاً جديداً من الجهاديين السعوديين، كما أن الجزء الأكبر ليسوا من المراهقين ثم إنهم لم يكونوا معزولين أو منبوذين اجتماعياً، لكنهم لم يمتلكوا معرفة شرعية واسعة، إلا أنهم متعلمون إلى حد ما 46 في المائة، أما فئة الجامعيين فيشكلون 45 في المائة.
وقسم الباحث أنواع المنخرطين في التنظيم ما بين مقاتل أو استشهادي أو انغماسي - بمعنى أنه يقوم بهجمة إرهابية دون أن يؤدي ذلك إلى موته. وذكر أن الغالبية اختاروا أن يكونوا مقاتلين فيما أن خيار الانتحاري بدأ في التضاؤل. إذ أنه كان بنسبة أعلى في بداية نشأة «داعش» في العراق عامي 2006 - 2007 بنسبة 48 في المائة من المقاتلين السعوديين ممن اختاروا الانخراط في عمليات انتحارية، لكن تناقصت نسبتهم لتصل إلى 16 في المائة ما بين عامي 2013 - 2014، الأمر الذي يعكس نوعاً من التغيير في القناعات لديهم.
من جهة أخرى فإن السلطات السعودية كشفت عن الداعشيين الذين سعوا للهجوم على مبنى المباحث الجنائية في محافظة الزلفي، ومن ضمنهم عبد الله بن حمد الحميدي، وهو ابن أحد منظري تنظيم «القاعدة» حمد الحميدي، الأمر الذي يدل على وجوده في أسرة وبيئة حاضنة للإرهاب. في حين تشكل قصة سلمان وسامر المديد وتعكس مدى تأثير ضعف التعليم والأسر المتطرفة على المجندين. فهما ابنا عبد العزيز المديد الذي سبق سجنه نتيجة تطرفه ولقد رفض إكمال تعليم أبنائه وبناته ومزاولة أي عمل وبالأخص الحكومي، كما أنه مزق أوراقهم الثبوتية قبل سجنه.
*التطرف مختلف في أفريقيا
من جهة أخرى تحمل القارة الأفريقية دوافع أو مسببات مختلفة تماماً للانضمام للتنظيمات المتطرفة، غالبيتها اقتصادية. وتشير العديد من التقارير أن جماعة «بوكو حرام» في نيجيريا استقطبت المجندين عبر إقناعهم بحصولهم على الكثير من الأموال وكل ما هم بحاجة إليه. كذلك يشير تقرير نشره المعهد الأوروبي للسلام إلى أن أهم مسببات الانضمام لحركة الشباب الإسلامية في الصومال أسباب اقتصادية، حيث إن 27 في المائة انضموا لهذه الأسباب، فيما 15 في المائة منهم انضموا لدوافع دينية، وأجبر 13 في المائة منهم على الانضمام للتنظيم قسرا. فيما أكد 21 في المائة ممن استمروا داخل التنظيم أن شعورهم بالانتماء للتنظيم هو ما دفعهم بالاستمرار فيه.



محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
TT

محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على توقيع الاتفاق السعودي-الإيراني برعاية صينية، تقف المصالحة بين الرياض وطهران أمام أحد أصعب اختباراتها، مع تصاعد الاتهامات لإيران بدعم أذرع مسلحة في اليمن والعراق استهدفت السعودية، وتحرك الحوثيين باتجاه مضيق باب المندب، بما يحمله ذلك من تهديد لأمن المملكة والملاحة في البحر الأحمر.

تحرك إيران عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثّل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني» حسب محللين (واس)

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدرين عسكريين تابعين للحوثيين، أن خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني زاروا منطقة باب المندب وميناء ومطار المخا ومعسكر جبل النار شرق المدينة، وأشرفوا على أعمال حفر أنفاق في التلال الجبلية المطلة على المخا ومضيق باب المندب، وبحثوا تركيب رادارات قرب المخا وداخل جزيرة زقر في جنوب البحر الأحمر.

ويرى محللون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن التطورات الأخيرة لا تختبر التزام طهران بتعهداتها فحسب، وإنما تضع صدقية الدور الصيني على المحك أيضاً؛ إذ لم تعد المسألة متعلقة باستمرار العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، بل بقدرة الاتفاق على كبح مصادر التهديد غير المباشر، ومنع توظيف الجماعات المسلحة للضغط على دول المنطقة.

وكانت الرياض وطهران قد وقّعتا اتفاقاً في بكين برعاية صينية لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة نحو سبع سنوات.

«باب المندب».. اختبار جدي للاتفاق

يوضح رئيس مركز الخليج للأبحاث، الدكتور عبد العزيز بن صقر، أن اتفاق بكين الموقع في مارس (آذار) 2023 قام على ثلاثة مكونات رئيسية: استعادة العلاقات الدبلوماسية بعد سبع سنوات من القطيعة، وإعادة تفعيل اتفاقيات التعاون الثنائي، ثم احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو المكون «الأهم والأكثر حساسية».

إحدى الناقلات التجارية في أثناء مرورها بمضيق باب المندب الاستراتيجي قبالة السواحل اليمنية (أ.ف.ب)

ويقول بن صقر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن التحرك الإيراني عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني؛ لكونه يخالف نصوصه وروحه التي قامت على بناء الثقة»، مضيفاً أن التعهدات لا ينبغي أن تقتصر على الممارسات الإيرانية المباشرة، وإنما تشمل كذلك سلوك الجماعات المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

ويتابع: «لا معنى لأي اتفاق مع إيران لا يشمل ممارسات أذرعها الإقليمية المهددة للأمن الإقليمي والدولي»، معتبراً أن دعم الحوثيين أو تحريضهم على تهديد أمن المملكة «خرق فاضح» للتعهد باحترام السيادة وعدم التدخل.

بينما يرى الباحث والمستشار في الشؤون الصينية والآسيوية، عبد العزيز الشعباني، أن التحركات الإيرانية قرب مضيق باب المندب تختبر اتفاق بكين، لكنها لا تعني انهياره؛ إذ صُمم أساساً لإعادة العلاقات وفتح قنوات الحوار، لا لإنهاء التنافس بين الرياض وطهران أو إقامة شراكة استراتيجية بينهما.

سياسة الوكلاء

بدوره، يرى المحلل السياسي السعودي، الدكتور خالد الهباس، أن سياسة الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي، وأن «الحرس الثوري» يتولى دعم هذه الجماعات وتدريبها وتنظيمها، بما يمكّنها من أداء أدوار تخدم الأهداف الإيرانية عند الحاجة.

ويضع الهبّاس التحركات الحوثية الأخيرة، وقبلها نشاط الفصائل الموالية لإيران في العراق، ضمن سياق الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة على طهران، ومحاولتها فتح ساحات ضغط بديلة. ويشير إلى أن التحرك باتجاه مضيق باب المندب قد يتيح تهديد الملاحة ورفع أسعار الطاقة وإرباك سلاسل الإمداد.

الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي (إ.ب.أ)

ويحذّر الدكتور خالد من التعويل على تعهدات الحوثيين بعدم استهداف السفن، قائلاً إن تجارب البحر الأحمر منذ أواخر 2023 أثبتت عكس ذلك، ومشدداً على أن حماية الملاحة «مسؤولية دولية لا تقع على عاتق المملكة وحدها»، نظراً إلى الأهمية العالمية لهذا الممر.

وحسب الهبّاس، فإن السعودية، رغم تمسكها بحل الخلافات سلمياً وإبقاء نافذة الدبلوماسية مفتوحة، تملك حق الدفاع عن نفسها وفق المادة «51» من ميثاق الأمم المتحدة، كما يحق لها «مطالبة إيران بالالتزام ببنود الاتفاق، ومراجعته في ضوء مدى وفائها بتعهداتها».

هل انتهى زمن الاختبار؟

أما أستاذ القانون والعلاقات الدولية في جامعة إسطنبول، الدكتور سمير صالحة، فيذهب إلى موقف أكثر تشدداً، قائلاً: «لقد تجاوزنا مسألة اختبار التفاهمات؛ فمن الواضح أن الجانب الإيراني خرج عن روحها، وبدأ سياسة إقليمية مغايرة لما تعهد به».

ويضيف أن السؤال الجوهري لم يعد متعلقاً فقط بما إذا كانت طهران ملتزمة أم لا، بل بمن يسلّح الحوثيين ويدربهم ويوجه عملياتهم. ويتابع: «التهديدات تبدو حوثية في العلن، لكنها في صلب الموضوع إيرانية»، معتبراً أن تحريك الأذرع في اليمن والعراق ولبنان يعكس أولوية إيرانية لم تتغير رغم استعادة العلاقات مع الرياض.

وفي تقدير صالحة، فإن السعودية لن تبني خياراتها على انتظار تحرك صيني وحده، بل ستواصل البحث في بدائل استراتيجية تضمن أمنها، بالتوازي مع إبقاء المسار الدبلوماسي قائماً، وهو ما بدأت به فعلاً خلال الأشهر الأخيرة، على حد تعبيره.

بكين.. فتح الطريق لا يكفي!

يجمع المحللون على أن الصين تملك أدوات تأثير واسعة على إيران، بحكم ثقل علاقاتهما الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لكنها مطالبة بالانتقال من موقع الراعي الرمزي للاتفاق إلى دور أكثر حسماً في مراقبة تنفيذه.

ويقول بن صقر إن بكين «قادرة على التحقق من السلوكيات الإيرانية المخالفة للاتفاق»، لكنها تميل إلى الغموض وعدم الحسم عندما لا تمس الأزمات أمنها القومي مباشرة، لذلك فإن المطلوب اليوم آلية واضحة للتحقق من التزام طهران وكبح أذرعها.

أما صالحة فيرى أن الصين تواجه اختياراً دقيقاً بين الاكتفاء بحماية علاقتها مع إيران، أو الدفاع عن مصالحها الأوسع مع دول الخليج وعن طرق التجارة التي تمر عبر البحر الأحمر، مضيفاً: «هذا اختبار لإيران في الدرجة الأولى، لكنه اختبار لبكين في الدرجة الثانية».

وأضاف «بكين أمام وضع صعب وحرج ودقيق، هناك مؤشرات إيجابية في مواقفها ورسائل سياسية تجاه إيران في الآونة الأخيرة، لكن المراهنة على أن طهران ستقبل وتُصغي لما تقوله بكين مسألة صعبة».

ولفت الدكتور سمير إلى أن «بكين نجحت في فتح الطريق أمام اختبار جديد في العلاقات السعودية-الإيرانية، لكن عليها أن تذهب اليوم إلى أبعد من ذلك إذا كانت راغبة في حماية مصالحها وعلاقاتها مع دول الخليج».

من جانبه، يعتقد الشعباني أن بكين تميل إلى الدبلوماسية وعدم التدخل المباشر، ولا يُتوقع أن تنحاز إلى طرف بصورة حاسمة. وخلص إلى أن مستقبل الاتفاق يتوقف على قدرة الصين على إبقاء الحوار مفتوحاً واحتواء الأزمات، مع احتفاظ السعودية بحقها في حماية أمنها ومصالحها عبر قدراتها وشراكاتها الإقليمية.


استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)

تواجه الجماعة الحوثية مقاومة ضارية في الجبهات الممتدة بين غربي محافظة تعز وشمال محافظة لحج، حيث تدور معارك عنيفة على المرتفعات المطلة على باب المندب، بالتزامن مع استمرار المواجهات في جنوب مأرب، وسط تقارير ميدانية عن خسائر كبيرة في صفوف الجماعة المتحالفة مع إيران خلال محاولات التقدم الأخيرة.

وتتركز المعارك الأشد في جبهتي الوازعية، وكهبوب، والمناطق المتصلة بمديرية المضاربة ورأس العارة، في وقت أعلنت فيه القوات الحكومية صد هجمات حوثية، واستعادة مواقع جبلية، بينما تحدثت مصادر ميدانية عن سقوط عشرات المهاجمين خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.

وأعلنت قوات العمالقة الجنوبية، الاثنين، تدمير خمس مركبات تابعة للحوثيين في جبهة كهبوب المحاذية لمضيق باب المندب، وقالت إن جميع من كانوا على متنها قتلوا. وأوضحت أن بين المركبات المستهدفة سيارة كانت تقل قيادياً حوثياً، وأخرى تحمل سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

ونشر المركز الإعلامي لألوية العمالقة مقطع فيديو قال إنه يوثق استهداف المركبات، واشتعال النيران فيها.

وفي الجبهة نفسها، أعلنت قوات درع الوطن أن اللواء الثالث في الفرقة الأولى تصدى لهجوم حوثي على مواقعه، مشيرة إلى وقوع خسائر في صفوف المهاجمين، والعتاد، وإسقاط طائرة مسيرة انتحارية أثناء محاولتها استهداف مواقع القوات.

كما أعلنت دائرة الإعلام في قوات درع الوطن إسقاط مسيرة حوثية أخرى خلال تحليقها في أجواء كهبوب، بالتزامن مع استمرار انتشار القوات، ورفع جاهزيتها في المنطقة.

وتكتسب كهبوب أهمية عسكرية بسبب موقعها المحاذي لباب المندب، فيما تشير المعلومات الميدانية إلى أن المواجهات تتركز على سلسلة من المرتفعات، والمواقع الواقعة بين جنوب شرقي الوازعية، وشمال المضاربة ورأس العارة، وبمشاركة قوات العمالقة، ودرع الوطن، ومقاتلين من قبائل الصبيحة.

غرب تعز

في غربي تعز تدور معارك مستمرة، حيث يضغط الحوثيون للتوغل من الوازعية شرقاً باتجاه مديرية الشمايتين وسط أنباء عن كانت تحدثت، الأحد، بتقدمهم باتجاه مديرية الشمايتين، وسيطرتهم على قرية شريرة، مع توغل باتجاه جبل المرزام قرب منطقة الغيل، وباتجاه قرية بني عمر.

وفي المقابل، قالت المصادر إن القوات الحوثية تراجعت من جبل العجرم بعد محاولتها السيطرة عليه، كما أخفقت في الوصول إلى جبل جرداد إثر التصدي لمحاولات التسلل، بينما أفادت معلومات أخرى بسيطرة القوات الحكومية على جبل نعمان.

مواكب تشييع حوثية بشكل يومي لقتلى الجماعة في الجبهات (أ.ف.ب)

وتحدثت مصادر ميدانية، فجر الاثنين، عن استمرار المواجهات، مشيرة إلى إحباط هجمات حوثية، وإحراق مدرعات وآليات تابعة للجماعة. كما تحدثت المصادر عن سقوط أعداد كبيرة من الحوثيين بين قتيل وجريح.

وفي حين لم تصدر على الفور أي تعليقات رسمية من قبل القوات الحكومية عن تفاصيل المواجهات، ومسرح العمليات الدائرة، انطلقت في مدينة التربة، الاثنين، قافلة دعم وإسناد للجبهات الحكومية في جرداد، وراسن، والعلقمة في الوازعية، في مؤشر على استمرار التعبئة المحلية لمساندة القوات التي تخوض المعارك في ريف تعز الغربي.

جبهة مأرب

بالتوازي مع معارك تعز ولحج، شهد جنوب مأرب اشتباكات وقصفاً مدفعياً متبادلاً بين القوات الحكومية والحوثيين، خصوصاً في حريب، وعقبة ملعاء، ومحيط أم ريش، من دون تسجيل تغيير مستقر في خطوط السيطرة، وفق المعلومات المتاحة.

وقالت القوات الحكومية إنها استهدفت تجمعات وتعزيزات وتحصينات حوثية في ملعاء، وأم ريش، ودمرت مرابض مدفعية باستخدام راجمات الصواريخ، بينما شاركت مدفعية محور بيحان في قصف مواقع للجماعة، وأعطبت سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

كما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ ضربات جوية ومسيرة ضد عناصر وآليات وتحصينات حوثية في عدد من الجبهات، بما في ذلك محافظتا مأرب، والبيضاء.

قائد المنطقة العسكرية الثالثة في الجيش اليمني منصور ثوابة (إعلام عسكري)

وقال قائد المنطقة العسكرية الثالثة، اللواء الركن منصور بن عبد الله ثوابة، إن القوات الحكومية تصدت لهجمات حوثية سابقة جنوب مأرب، متحدثاً عن سقوط عشرات من عناصر الجماعة بين قتيل وجريح وأسير. كما قال إن أعداداً من جثث المقاتلين بقيت في مناطق المواجهات.

وأضاف ثوابة أن القوات الحكومية تعمل ضمن غرفة عمليات مشتركة، وبقيادة موحدة، مشيداً بالتنسيق بين القوات البرية والجوية، وبالدعم الذي يقدمه التحالف الداعم لليمن بقيادة السعودية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف اليمنية من انعكاسات سيطرة الحوثيين على مناطق ومواقع استراتيجية واسعة في الساحل الغربي، وفي باب المندب. وقال عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ مأرب، سلطان العرادة، خلال اتصال مرئي مع السفيرة البريطانية لدى اليمن عبدة شريف، إن التطورات العسكرية الأخيرة تمثل تهديداً لأمن الملاحة الدولية، وأمن المنطقة.


فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
TT

فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)

تواجه الجماعة الحوثية صعوبات متزايدة في استقطاب مقاتلين جدد بمحافظتي صنعاء وريمة، وسط تراجع التجاوب الشعبي والقبلي مع حملات التعبئة التي كثفتها الجماعة خلال الأيام الأخيرة، في محاولة لتعويض خسائرها البشرية في جبهات القتال.

وقالت مصادر محلية وقبلية لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة دفعت بمشرفين ومسؤولين ووجهاء قبليين لتنفيذ حملات تجنيد في قرى ومناطق متفرقة بمحافظتي صنعاء وريمة، مستهدفة الشبان والمدنيين، وصولاً إلى طلاب المدارس، بهدف رفد صفوفها بعناصر جديدة.

وشملت التحركات قرى وعزلاً في مديريتي خولان الطيال ونهم بريف صنعاء، إلى جانب مديريات الجبين ومزهر وكسمة وبلاد الطعام في ريمة، غير أن هذه الحملات واجهت، وفق المصادر، إحجاماً شعبياً حدّ من قدرتها على تحقيق أهدافها.

قيادي حوثي يزور إحدى المدارس في ريمة لتجنيد الطلبة (فيسبوك)

وتأتي هذه التحركات، بحسب المصادر، في إطار توجيهات صادرة عن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، ضمن مساعٍ لتوسيع عمليات الاستقطاب والتجنيد في مناطق سيطرتها، وتعويض الخسائر التي لحقت بمقاتليها في عدد من جبهات القتال، بينها تعز والجوف والبيضاء ومأرب والضالع.

إحجام قبلي

في ريف صنعاء، كشفت مصادر قبلية عن تعثر مساعٍٍ حوثية لتجنيد العشرات من أبناء مديريتي خولان الطيال ونهم، بعد أن دفعت الجماعة بوجهاء قبليين للمشاركة في عمليات التحشيد واستقطاب مقاتلين وإلحاقهم بجبهاتها.

وأوضحت المصادر أن تلك المساعي قوبلت بإحجام وتجاهل من جانب عدد كبير من الأسر، مشيرة إلى شكاوى من لجوء بعض المشرفين الميدانيين إلى اقتياد شبان من المدارس والطرقات وإلحاقهم بمعسكرات تدريب، تمهيداً لإرسالهم إلى الجبهات من دون علم أسرهم.

وفي محافظة ريمة، وتحديداً في مديرية الجبين، مركز المحافظة، تحدثت مصادر محلية عن تعثر حملات حوثية لحشد مجندين جدد في عدد من الأحياء والمناطق، مشيرة إلى امتداد حالة الرفض إلى قرى وعزل في مديريات أخرى.

قيادات حوثية في ريمة أثناء نزولهم الميداني لغرض الحشد والتعبئة إلى الجبهات (فيسبوك)

ومع تعثر عمليات التعبئة في أوساط السكان، اتجهت الجماعة، وفق المصادر، إلى استهداف المدارس الحكومية في محاولة لاستقطاب طلاب وتجنيدهم.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القيادي هشام الشرفي، المكنى «أبو علي البكالي»، والمعين مسؤولاً للتعبئة في مديرية الزاهر بالمحافظة، نفذ عدداً من الزيارات الميدانية إلى مدارس بهدف حشد الطلاب واستقطابهم.

وأضافت أن هذه التحركات قوبلت برفض من جانب عدد من الطلاب وأسرهم ومعلميهم، وسط مخاوف من تحويل المؤسسات التعليمية إلى ساحات للتعبئة العسكرية.

استقطاب الطلاب

يقول عاملون في القطاع التربوي في ريمة إن تكثيف أنشطة التجنيد الحوثية داخل المدارس أثار مخاوف متزايدة بين المعلمين وأولياء الأمور، معتبرين أن هذه الممارسات تتجاوز الدور التعليمي للمؤسسات التعليمية وتمتد إلى استقطاب الطلاب وإلحاقهم بجبهات القتال.

وأضاف العاملون أن سكان المحافظة، إلى جانب سكان مناطق أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين، يسعون إلى توفير بيئة آمنة وتعليم مستقر لأبنائهم، ولا يرغبون في الزج بهم في الأعمال القتالية.

وفي سياق متصل، أفاد مصدر محلي مطلع بأن جماعة الحوثيين استدعت، قبل فترة، أكثر من 30 شخصاً من أبناء مديرية كسمة في ريمة لحضور اجتماع وصفته بأنه «مهم» في باحة إحدى المؤسسات الحكومية، قبل أن تبقي عليهم في مكان غير معلوم.

صور حوثيين من ريمة أعلنت الجماعة مقتلهم (فيسبوك)

وبحسب المصدر، لا يزال مصير هؤلاء الأشخاص مجهولاً حتى الآن، مرجحاً أن تكون الجماعة قد اقتادتهم قسراً إلى جبهات القتال من دون إبلاغ أسرهم.

وتُعد محافظتا ريف صنعاء وريمة من المناطق التي تعتمد عليها جماعة الحوثيين في عمليات التعبئة والحشد، غير أن المصادر المحلية تشير إلى تراجع ملحوظ في تجاوب السكان مع حملات التجنيد الأخيرة، في ظل رفض اجتماعي متزايد لمحاولات استقطاب أبنائهم وإلحاقهم بجبهات القتال.)