تباين دوافع الانضمام للتنظيمات المتطرفة

أقواها الحرمان والتهميش والفقر

TT

تباين دوافع الانضمام للتنظيمات المتطرفة

رغم أن تفكك «الخلافة» المزعومة التي أسسها تنظيم «داعش» في سوريا والعراق دفع قادة التنظيم إلى التركيز من خلال رسائلهم الدعائية الإلكترونية على استقطاب «الذئاب المنفردة» ممن لديهم قابلية للتأثر والانضمام، وحثهم على تنفيذ عمليات ليست بحاجة إلى تدريب مثل عمليات الدهس والطعن، إلا أنه في الآونة الأخيرة تظهر لديهم محاولات للعودة للطرق التقليدية لتكوين خلايا إرهابية تتجمع وتخطط لعملياتها الإرهابية. وأبرز مثال على ذلك الهجوم الإرهابي الذي حدث في سريلانكا عشية عيد الفصح. وكذلك إحباط محاولة الهجوم على مبنى المباحث الجنائية في محافظة الزلفي بالمملكة العربية للسعودية.
هذه العمليات الإرهابية كشفت عن محاولات لتكوين خلايا إرهابية وتجنيد بالطرق التقليدية وليست عبر وسائل التواصل الإلكتروني. ويؤكد على ذلك من جهة أخرى الظهور الإعلامي الأخير لزعيم «داعش» أبو بكر البغدادي لأول مرة منذ خمس سنوات، إذا ظهر مؤخراً في تسجيل مرئي من إصدار مؤسسة الفرقان الدعائية التابعة لتنظيم داعش بعنوان: «في ضيافة أمير المؤمنين» عبر قنواته الإعلامية ومن خلال تطبيق تيليغرام، وقد ظهرت على البغدادي علامات التقدم في السن بلحية بيضاء، وهو الذي لم يظهر منذ عام 2014 منذ إعلانه تأسيس تنظيم داعش في المسجد النوري بالموصل.
وأشار البغدادي في التسجيل إلى معركة الباغوز التي تعد آخر معاقل تنظيم داعش في سوريا، وتوعد بأن التنظيم سيثأر لقتلاه وأسراه.
وإذا ما كان السبب الرئيسي حول الظهور الإعلامي لزعيم «داعش» هو دحض الشائعات التي نشرت حول مقتله، فإن ظهوره جاء كذلك محاولة لتجييش المناصرين والتأثير عليهم بمعقل الباغوز في سوريا، وذلك على خطى تنظيم «القاعدة» الذي استند بشكل كبير على الظهور الإعلامي لزعمائه مثل أسامة بن لادن وأيمن الظواهري.
كذلك هناك محاولة من التنظيم لإيجاد مناطق نفوذ أخرى نتيجة لتغير أوضاعه السياسية مثل تطرقه إلى سريلانكا والسودان والجزائر.
وقد نسب البغدادي هجمات سريلانكا في عيد الفصح لتنظيم داعش معتبرا أنها بمثابة ثأر للباغوز. هذا الظهور الإعلامي يثير هنا التساؤلات حول نوعية المتطرفين الذين تجذبهم مثل هذه الرسائل الدعائية ودوافع انضمامهم للتنظيمات المتطرفة.
*مسببات الانضمام للتنظيمات الإرهابية
تعددت الدراسات التي تعالج مسببات الانضمام للجماعات المتطرفة، ولكن رغم ذلك فإنه يصعب تكهن الأسباب المباشرة التي تدفع بالأفراد القادمين من دول مختلفة إلى الانضمام إلى أحضان مثل هذه التنظيمات. إذ يظهر اختلاف كبير حول المسببات حسب المناطق التي يأتي منها المتطرفون، فأولئك القادمون من دول غربية، مثل الدول الأوروبية حيث يعد المسلمون أقلية، غالباً ما يبرز لديهم الشعور بالنبذ والتهميش، الأمر الذي يدفعهم بالرغبة في الانتماء إلى جماعة ما أو تحقيق إنجاز أو الرغبة في أن يتم تسليط الضوء عليه. أما المقاتلون القادمون من منطقة الشرق الأوسط فإن مسببات انضمامهم إلى التنظيمات المتطرفة تنقسم ما بين التعاطف نتيجة ما يحدث في مناطق النزاع والرغبة في مساعدتهم أو لأسباب دينية. وأخيرا يظهر أن من أهم مسببات الانضمام لتنظيمات متطرفة في أفريقيا المسببات الاقتصادية ذلك أن غالبية المنضمين يعانون من الفقر والحاجة إلى المال.
*دراسة البنك الدولي
لقد نشر البنك الدولي تقريراً قام بإجراء دراسة على 3956 «داعشياً» من 61 دولة. ورغم أن معظم المقاتلين قادمون من دول مجاورة لسوريا والعراق، إلا أن ما يشكل نسبة 12 في المائة منهم من المسلمين القادمين من غرب أوروبا. كذلك فإن غالبيتهم يعدون من الطبقة المتعلمة، الأمر الذي ينافي نظرية أن من مسببات التنظيم الفقر وقلة التعليم. وهنا من عناصر خطورة التنظيمات العابرة للحدود تمكنها من استقطاب جنسيات متنوعة مع تعدد دوافع الانضمام إلى التنظيمات المتطرفة. وبما يتصل بالأوروبي، جاء في تقرير للمعهد الملكي للدراسات الأمنية حول مسببات انضمام الأوروبيين إلى «داعش»، أن من أبرزها الفقر وفقدان الإحساس بالانتماء وإخفاق الحكومات الغربية في دمج هؤلاء من الأقليات في المجتمع.
*أحداث سريلانكا
وإذا ما عدنا إلى الحدث الإرهابي الأكبر مؤخراً، أي في سريلانكا يوم 21 أبريل (نيسان) الفائت والذي تسبب بمقتل المئات من الأشخاص، نجد أن المرتكبين كانوا من قبل جماعة التوحيد الإسلامية وجميعهم من الجنسية السريلانكية، وقد ظهروا في تسجيل مرئي وهم يعلنون بيعتهم لأبي بكر البغدادي.
وأيضا يظهر استهداف جماعة التوحيد المتطرفة لغير المسلمين والتحريض على استخدام العنف لقتلهم وتدمير التماثيل البوذية. من ناحية ثانية، أكد عدد من الخبراء في مجال التطرف بأن التفجيرات في سريلانكا تحمل بصمات مسلحين محليين تم تجنيدهم بواسطة عناصر من تنظيمي «داعش» و«القاعدة»، وأكد ذلك المتحدث باسم مجلس الوزراء السريلانكي راجيثا سيناراتني، حين ذكر أن المتطرفين الذين نفذوا التفجيرات حصلوا على دعم من شبكات أو تنظيمات دولية.
وبالفعل، أظهرت عدة تقارير أن أحد مرتكبي الهجوم، واسمه جميل محمد عبد اللطيف، سافر إلى الرقة في عام 2014. وتلقى تدريباً فيها لمدة ثلاثة إلى ستة أشهر قبل أن يتجه إلى سريلانكا ويبدأ باستقطاب أعضاء للتنظيم، قد تدرب في السابق وعمل مع «داعشيين» متخصصين بتجنيد الآخرين من أمثال محمد إموازي الملقب بـ«الجهادي جون» الذي تسبب بمقتل الصحافي جايمس فولي. ويظهر هنا أن جميل عبد اللطيف ما كان يعاني من الفقر بل إن وضع عائلته الاجتماعي مكنهما من إرساله لتلقي التعليم في كل من بريطانيا وأستراليا حيث تمت «أدلجته» وتعزز تطرفه. ويتضح هنا أن مسببات انضمامه لجماعة متطرفة لم تكن اقتصادية أو اجتماعية، وإنما لدوافع دينية متطرفة.
*إرهابيو الشرق الأوسط
وعلى شاكلة دوافع الانضمام في سريلانكا لا يظهر بين مسببات الانضمام للتنظيمات المتطرفة في منطقة الشرق الأوسط عوامل اقتصادية أو اجتماعية في معظم الحالات، وإنما غالبيتها إما عاطفية كرد فعل لتنامي الاضطرابات السياسية أو حالة الاضطراب في مناطق النزاع في المنطقة، وتصاعد موجة الطائفية في المنطقة.
ومن جانب آخر يأتي المسبب الديني نتيجة التأثر من وجود متطرفين في أسر المرتكبين أو المنضمين، ثم إن عدداً من السوريين إلى التنظيم تحت التهديد. ولعل أقرب مثال على ذلك قصة أحمد درويش، وهو سوري عائلته من حمص، تم القبض عليه من قبل الأكراد ونشرت قصته في وسائل الإعلام، حيث ذكر أنه انضم لـ«داعش» إثر تواصله عبر موقع «فيسبوك» مع قريب له أقنعه من خلال وصفه بأن التنظيم لا يمتهن الكذب أو السرقة وبأنه شعر بالوثوق بهم، وبأن شعوره بالانتماء لمجموعة تقدم له الولاء والصداقة هو من أبرز مسببات انضمامه للتنظيم.
*التطرف في السعودية
أما بما يتعلق بالسعودية، ففي تقرير نشر مؤخراً للدكتور عبد الله بن خالد بن سعود الكبير بعنوان «المقاتلون الأجانب في وثائق «داعش» المسرّبة: دراسة تحليلية للقادمين من المملكة» من مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الأمنية، اعتمد الباحث على وثائق سرية جرى تسريبها في مطلع عام 2016 تخص المجندين الجدد الذين سعوا للانضمام إلى تنظيم داعش في سوريا.
ذكر التقرير أن غالبية السعوديين ممن انضموا للقتال في «داعش» من فئة الشباب الذين يمثلون جيلاً جديداً من الجهاديين السعوديين، كما أن الجزء الأكبر ليسوا من المراهقين ثم إنهم لم يكونوا معزولين أو منبوذين اجتماعياً، لكنهم لم يمتلكوا معرفة شرعية واسعة، إلا أنهم متعلمون إلى حد ما 46 في المائة، أما فئة الجامعيين فيشكلون 45 في المائة.
وقسم الباحث أنواع المنخرطين في التنظيم ما بين مقاتل أو استشهادي أو انغماسي - بمعنى أنه يقوم بهجمة إرهابية دون أن يؤدي ذلك إلى موته. وذكر أن الغالبية اختاروا أن يكونوا مقاتلين فيما أن خيار الانتحاري بدأ في التضاؤل. إذ أنه كان بنسبة أعلى في بداية نشأة «داعش» في العراق عامي 2006 - 2007 بنسبة 48 في المائة من المقاتلين السعوديين ممن اختاروا الانخراط في عمليات انتحارية، لكن تناقصت نسبتهم لتصل إلى 16 في المائة ما بين عامي 2013 - 2014، الأمر الذي يعكس نوعاً من التغيير في القناعات لديهم.
من جهة أخرى فإن السلطات السعودية كشفت عن الداعشيين الذين سعوا للهجوم على مبنى المباحث الجنائية في محافظة الزلفي، ومن ضمنهم عبد الله بن حمد الحميدي، وهو ابن أحد منظري تنظيم «القاعدة» حمد الحميدي، الأمر الذي يدل على وجوده في أسرة وبيئة حاضنة للإرهاب. في حين تشكل قصة سلمان وسامر المديد وتعكس مدى تأثير ضعف التعليم والأسر المتطرفة على المجندين. فهما ابنا عبد العزيز المديد الذي سبق سجنه نتيجة تطرفه ولقد رفض إكمال تعليم أبنائه وبناته ومزاولة أي عمل وبالأخص الحكومي، كما أنه مزق أوراقهم الثبوتية قبل سجنه.
*التطرف مختلف في أفريقيا
من جهة أخرى تحمل القارة الأفريقية دوافع أو مسببات مختلفة تماماً للانضمام للتنظيمات المتطرفة، غالبيتها اقتصادية. وتشير العديد من التقارير أن جماعة «بوكو حرام» في نيجيريا استقطبت المجندين عبر إقناعهم بحصولهم على الكثير من الأموال وكل ما هم بحاجة إليه. كذلك يشير تقرير نشره المعهد الأوروبي للسلام إلى أن أهم مسببات الانضمام لحركة الشباب الإسلامية في الصومال أسباب اقتصادية، حيث إن 27 في المائة انضموا لهذه الأسباب، فيما 15 في المائة منهم انضموا لدوافع دينية، وأجبر 13 في المائة منهم على الانضمام للتنظيم قسرا. فيما أكد 21 في المائة ممن استمروا داخل التنظيم أن شعورهم بالانتماء للتنظيم هو ما دفعهم بالاستمرار فيه.



«باليستي» حوثي يقتل ويصيب مدنيين في تعز

مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)
TT

«باليستي» حوثي يقتل ويصيب مدنيين في تعز

مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)

دخلت عملية «فجر اليمن» شهرها الثاني بتأكيد رئاسي على استمرارها حتى استعادة مؤسسات الدولة، بالتزامن مع صدور تقرير لفريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن اليمن عن استمرار الجماعة في تطوير قدراتها العسكرية بالاستفادة من شبكات إمداد خارجية معقّدة، في حين تسبب قصف حوثي بصاروخ باليستي في سقوط قتلى وجرحى في عملية وصفتها الحكومة اليمنية بـ«جريمة حرب».

وشهدت المواجهة العسكرية في اليمن مرحلة جديدة من التصعيد، مع اتساع رقعة المعارك بين القوات الحكومية والجماعة الحوثية في محافظات تعز ولحج ومأرب والجوف، وتزايد المخاوف على المدنيين والملاحة الدولية في البحر الأحمر.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، في بيان للمجلس، الخميس، استمرار العمليات العسكرية حتى تحقيق أهدافها المعلنة، وفي مقدمتها إنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية.

وقال المجلس إن القوات المسلحة نفّذت، منذ الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكثر من 40 ألف عملية استهداف عسكرية في مختلف الجبهات، أسفرت، وفق حصيلته، عن تحييد نحو 20 ألفاً من قيادات الجماعة وعناصرها، وتدمير وإعطاب أكثر من خمسة آلاف آلية ومعدة عسكرية.

مقاتلو الجيش اليمني في أحد المواقع بمحافظة الجوف (أ.ف.ب)

وتعكس هذه الأرقام، حسب المجلس، حجم العمليات العسكرية خلال الشهر الأول، في حين تتواصل المواجهات على عدة محاور، وسط تحركات حكومية لإعادة ترتيب بعض القيادات العسكرية والأمنية.

وبينما واصلت الجماعة الحوثية أعمالها العدائية واستهدافها للمدنيين والمنشآت الحيوية المدنية داخل البلاد وخارجها، إلى جانب استخدام مقرات أممية للعمليات العسكرية، كشف تقرير أممي عن استمرارها في تطوير قدراتها العسكرية بالاستفادة من شبكات إمداد خارجية معقّدة.

كما أثار إعلان الحكومة اليمنية استخدام الحوثيين في الساحل الغربي مبنى تابعاً للأمم المتحدة في مديرية المخا مركزاً للعمليات العسكرية ومنصة لإطلاق الصواريخ مخاوف جديدة بشأن سلامة المنشآت الإنسانية والعاملين الأمميين.

معارك متعددة

أعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع عسكرية في منطقتي الصراري بمديرية صبر الموادم وصنمات بمديرية المسراخ في محافظة تعز (جنوب غرب)، عقب هجمات شنتها بمساندة المقاومة الشعبية، تزامنت مع غارات جوية وضربات نفذتها طائرات مسيّرة استهدفت مواقع وتجمعات وآليات حوثية.

وأفادت مصادر محلية بأن الطيران الحربي شنّ، فجر الجمعة، سلسلة غارات استهدفت تمركزات وتحصينات وآليات للجماعة في مديرية حيفان ومحيط مدينة التربة، دون إعلان حصيلة رسمية للخسائر.

وشهدت مناطق عديدة في محافظة لحج مواجهات عنيفة، تركزت بصورة خاصة في جبهة منطقة الزريقة التابعة لمديرية المقاطرة، حيث أفادت مصادر عسكرية بتنفيذ الحوثيين هجوماً التفافياً على خمسة مواقع، قبل أن تتمكن القوات المدافعة مسنودة بالمقاومة من استعادة موقعَين منها، في حين تتواصل المواجهات في مديرية المضاربة وجبال كهبوب المطلة على باب المندب.

وأسفرت المواجهات في الزريقة، وفق حصيلة ميدانية أولية نقلتها مصادر قيادية، عن مقتل 11 من أفراد القوات المشتركة وإصابة 23 آخرين، ولم تُعرف أعداد الإصابات في أوساط الحوثيين، فيما استمرت الاشتباكات مع وصول تعزيزات عسكرية من الطرفَين.

وامتد التصعيد إلى محافظتي مأرب والجوف، حيث أعلنت القوات الحكومية إحراز تقدم في مرتفعات الدحيضة وجبال حويشان شرقي الجوف، والسيطرة على مواقع وتحصينات وأسلحة، ضمن عمليات تستهدف فتح الطريق باتجاه مدينة الحزم.

مقاتلو الجيش والمقاومة في تعز استعادوا مواقع مهمة من يد الحوثيين (غيتي)

وفي مأرب، تواصلت المواجهات في وادي حلحلان بمديرية رغوان، حيث أعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع كانت خاضعة لسيطرة الحوثيين، والتقدم باتجاه منطقة محازيم ماس، عقب اشتباكات وهجمات متبادلة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من الجانبين.

وتتزايد المخاوف من انعكاسات اتساع القدرات الصاروخية والجوية الحوثية على أمن المنطقة والممرات البحرية، خصوصاً مع استمرار التهديدات المرتبطة بالملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.

تقرير أممي يكشف عن استمرار الحوثيين في الحصول على قدرات عسكرية عبر شبكات معقدة (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، كشف تقرير لفريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن اليمن عن استمرار الجماعة في تطوير قدراتها العسكرية بالاستفادة من شبكات إمداد خارجية معقدة، ومكونات تجارية ومدنية مزدوجة الاستخدام، تشمل أنظمة الملاحة والبطاريات والمحركات وأجهزة التحكم الإلكتروني المستخدمة في تصنيع وتطوير الطائرات المسيّرة والصواريخ.

وأشار التقرير إلى اعتراض شحنات ومكونات عسكرية خلال عام 2025، فضلاً عن محاولات الحصول على مواد كيميائية تدخل في تصنيع الوقود الصاروخي والمتفجرات، بينها بيركلورات الأمونيوم ونترات الصوديوم، محذراً من أن استمرار هذه الإمدادات يعزّز قدرات الجماعة بعيدة المدى ويشكل تهديداً للملاحة والتجارة الدولية.

مجزرة أخرى في الوازعية

في الساحل الغربي، أثار إعلان الحكومة اليمنية استخدام الحوثيين مبنى تابعاً للأمم المتحدة في مديرية المخا مركزاً للعمليات العسكرية ومنصة لإطلاق الصواريخ مخاوف جديدة بشأن سلامة المنشآت الإنسانية والعاملين الأمميين.

القوات الحكومية اليمنية تحرز تقدمات في تعز والجوف ولحج ضد الحوثيين (أ.ف.ب)

وقالت وزارة التخطيط والتعاون الدولي إن الجماعة تستغل الحصانة القانونية للمقرات الأممية لتغطية أنشطتها العسكرية، مطالبة الأمم المتحدة بالتحقيق في هذه الاتهامات والعمل على إخلاء المبنى من العناصر المسلحة والأسلحة. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه المزاعم.

وفي تطور ميداني آخر، سقط قتلى وجرحى إثر استهداف سوق الحضارة الشعبي في مديرية الوازعية غربي محافظة تعز، الجمعة.

وبينما أعلنت وزارة الصحة في حكومة الحوثيين، غير المعترف بها، مقتل 20 شخصاً وإصابة 15 آخرين على الأقل، حمّلت السلطات المحلية في تعز الجماعة مسؤولية الهجوم، ونفت أن يكون ناجماً عن غارات جوية لـ«التحالف»، مؤكدة، استناداً إلى إفادة غرفة العمليات، عدم تنفيذ الطيران الحربي أي عمليات في مديرية الوازعية خلال ذلك اليوم.

وقال المتحدث باسم الجيش اليمني، ماجد النزيلي، إن الحوثيين استهدفوا السوق بصاروخ باليستي، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، واصفاً الهجوم بأنه «جريمة حرب» تعكس، حسب تعبيره، استهداف الجماعة للمدنيين كلما تعرضت لخسائر ميدانية أو أخفقت في إطلاق صواريخها.

مقاتلو الجيش اليمني في تعز عقّدوا مهمة الحوثيين في حصار المدينة واقتحامها (أ.ف.ب)

واتهم النزيلي الجماعة بتعريض أمن المنطقة وحرية الملاحة وخطوط التجارة الدولية للخطر، داعياً المجتمع الدولي إلى تصنيفها منظمة إرهابية وتجفيف مصادر تمويلها وقطع إمدادات السلاح عنها، ومؤكداً استمرار القوات الحكومية في عملية «فجر اليمن».

من جهتها، حذرت السلطة المحلية من أن الهجمات الصاروخية الحوثية العشوائية، بما فيها استخدام الصواريخ الباليستية، تعرّض حياة المدنيين للخطر. وشددت على أن الأسواق والتجمعات السكانية مشمولة بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني.

ودعت السلطات إلى توثيق ملابسات الحادثة وحفظ الأدلة المادية وإخضاعها لفحص فني مستقل. كما حثت السكان على الابتعاد عن مواقع سقوط المقذوفات وعدم لمس مخلفاتها أو نقلها، وإبلاغ الجهات المختصة، مطالبة الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بإدانة استهداف المدنيين ودعم جهود التحقيق والمساءلة.

وتزامن التصعيد مع تغييرات في بعض المواقع العسكرية والأمنية، إذ أصدر الرئيس العليمي قراراً بتعيين قيادة جديدة لمحور أبين العسكري، بالتوازي مع قرارات لوزارة الداخلية شملت 11 تعييناً في قيادة وإدارات الشرطة بالمحافظة، في خطوة تأتي ضمن تحركات حكومية لإعادة ترتيب المؤسسات العسكرية والأمنية بالتزامن مع اتساع العمليات على الجبهات.


الحوثيون ينفقون الملايين على أتباعهم ويثيرون استنكار المحرومين

جانب من المعونات الغذائية التي وزعتها جماعة الحوثي لذوي قتلاها وجرحاها في صنعاء (فيسبوك)
جانب من المعونات الغذائية التي وزعتها جماعة الحوثي لذوي قتلاها وجرحاها في صنعاء (فيسبوك)
TT

الحوثيون ينفقون الملايين على أتباعهم ويثيرون استنكار المحرومين

جانب من المعونات الغذائية التي وزعتها جماعة الحوثي لذوي قتلاها وجرحاها في صنعاء (فيسبوك)
جانب من المعونات الغذائية التي وزعتها جماعة الحوثي لذوي قتلاها وجرحاها في صنعاء (فيسبوك)

أعلنت الجماعة الحوثية في اليمن عن تخصيص نحو 10 ملايين دولار للإنفاق على عائلات قتلاها وجرحاها ومفقوديها في التصعيد العسكري خلال أسبوع واحد، في إجراء يثير استنكاراً واسعاً داخل مناطق سيطرتها التي تشهد أزمة معيشية حادة وانقطاع رواتب الموظفين العموميين منذ سنوات.

ودشنت الهيئة العامة لرعاية أسر قتلى الجماعة، أواخر الشهر الماضي، برنامجاً واسعاً للإنفاق على أتباع الجماعة وأسر قتلاها وجرحاها، بتكلفة إجمالية بلغت نحو 9.34 مليون دولاراً (5 مليارات و443 مليون ريال يمني، حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 530 ريالاً)، ضمن فعالياتها السنوية التي تطلق عليها «أسبوع الشهيد».

ويشمل الإنفاق مشروعات غذائية وطبية وتقديم معونات نقدية. ووفقاً لكلمة القيادي الحوثي صالح حمزة، نائب رئيس الهيئة، خلال فعالية التدشين، فإن المشروعات المُعلنة تستهدف إحياء الذكرى السنوية لقتلى الجماعة، فضلاً عن تنفيذ برامج الرعاية الدورية والتمكين الاقتصادي، وتوسيع مجالات الدعم الموجهة لأسر القتلى والجرحى والمفقودين.

وإلى جانب ذلك، تهدف الجماعة إلى توزيع سلال غذائية بقيمة 3.36 مليون دولاراً (1.8 مليار ريال)، وهدايا رمزية بقيمة 2.61 مليون دولاراً (1.4 مليار ريال)، بالإضافة إلى مشروعات تمكين اقتصادي ورعاية دورية موجهة حصراً لمنتسبي الجماعة وعائلاتهم.

غالبية الموارد المالية الخاضعة للحوثيين تذهب لصالح التعبئة والحشد والدعاية (إعلام حوثي)

وضاعفت الجماعة الحوثية، خلال الأعوام الأخيرة، من تسخير الموارد المالية والاقتصادية في خدمة مشروعها، حيث تحدث القيادي حمزة عن تسخير مليارات الريالات خلال العام الماضي، لتنفيذ مشروعات نقدية وصحية وغذائية موجهة حصراً لأسر القتلى والجرحى والمفقودين.

حصر المساعدات بالولاء

تُتَّهم الجماعة بتوظيف موارد الدولة وعائدات هيئتي «الزكاة» و«الأوقاف»، وهما كيانان موازيان أنشأتهما خلال السنوات الماضية، لتعزيز التعبئة العسكرية والولاء السياسي، بدلاً من توجيهها لتخفيف المعاناة الاقتصادية العامة.

ويرى سكان في صنعاء أن الجماعة تواصل تبديد الأموال على مشروعات تستهدف ذوي قتلاها وجرحاها، بالتوازي مع إحياء مناسبات تروج لأفكارها الطائفية، بينما تتجاهل معاناة الملايين الذين يواجهون أوضاعاً معيشية قاسية، في ظل أزمة إنسانية تتفاقم عاماً بعد آخر.

قيادات حوثية أثناء تدشين برنامج الرعاية الاجتماعية الخاص بأتباع الجماعة (إعلام حوثي)

ويقول موظف عمومي في صنعاء، طلب إخفاء اسمه، إنه، وبينما بات عاجزاً عن توفير الاحتياجات الأساسية لعائلته التي تضم 5 أطفال، تذهب الجماعة إلى تخصيص المليارات لعائلات قتلاها، وبرامج لا تتجاوز أتباعها، ما يثير شعوراً بالغاً بالمرارة لديه والآلاف الذين لا يستطيعون تلبيه احتياجات عائلاتهم.

ويستنكر حرمان ملايين اليمنيين من الطعام والعلاج والتعليم، مقابل تخصيص هذه المبالغ لعدد محدود من العائلات بسبب ولائها.

استمالة العائلات الفقيرة

يرى مراقبون أن الجماعة تسعى إلى استمالة الأسر الفقيرة واستثمار أوضاعها المعيشية لتعزيز ولائها، وإقناعها بدفع مزيد من أبنائها للانخراط في القتال على الجبهات.

من جهته، يبدي رب عائلة فقيرة حسرته من سماعه عن إنفاق المليارات على فعاليات ومشروعات الجماعة، بينما توضع الأسر الفقيرة أمام خيارات قاسية؛ بين تقليص احتياجاتها الأساسية أو الاستدانة، في ظل غياب مصادر دخل مستقرة وتراجع فرص الحصول على المساعدات.

عناصر حوثيون بينهم طفل في فعالية مؤيدة لإيران و«حزب الله» اللبناني في صنعاء (أ.ف.ب)

وفي ريف العاصمة المختطفة صنعاء، يقول موظف تربوي إن استمرار انقطاع الرواتب دفع آلاف المعلمين إلى البحث عن أعمال بديلة لتوفير الحد الأدنى من احتياجات أسرهم، في وقت تتواصل فيه الحملات التعبوية والإنفاق الحوثي على الأتباع، مشيراً إلى عجز المعلمين عن توفير احتياجات أبنائهم بعد سنوات طويلة قضوها في خدمة التعليم.

ويأتي هذا الإنفاق الموجه في وقت تصنف فيه الأمم المتحدة الوضع في اليمن بوصفه إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يعاني ملايين السكان في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين من انعدام الأمن الغذائي وتدهور الخدمات الأساسية.


التصعيد الحوثي يضاعف الضحايا ويهدد بانهيار إنساني شامل

استهداف حوثي متواصل للمساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)
استهداف حوثي متواصل للمساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)
TT

التصعيد الحوثي يضاعف الضحايا ويهدد بانهيار إنساني شامل

استهداف حوثي متواصل للمساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)
استهداف حوثي متواصل للمساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)

سجّلت منظمات طبية محلية ودولية عاملة في اليمن ارتفاعاً ملحوظاً في المعدل اليومي لضحايا التصعيد العسكري الحوثي إلى 132 شخصاً، مقارنة بنحو 93 ضحية خلال الأسبوع الماضي، وتصدرت محافظة لحج قائمة المحافظات المتضررة نتيجة استمرار المعارك وقصف الحوثيين للتجمعات السكانية بالصواريخ والمسيّرات.

وأظهر أحدث تقرير لـ«كتلة الصحة» أن إجمالي الضحايا المسجلين لدى مركز عمليات الطوارئ الصحية حتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بلغ 9730 شخصاً (7959 مصاباً و1771 وفاة)، بزيادة قدرها 658 حالة خلال 5 أيام فقط.

وشهدت محافظة لحج (الجنوب الغربي) 309 حالات تشكل 47 في المائة من إجمالي الضحايا الجدد، في حين سجلت محافظة مأرب أعلى معدل للوفيات بـ36 حالة وفاة من أصل 172 ضحية (بنسبة 21 في المائة)، من بينها 117 ضحية (شملت 20 وفاة) سُجلت في يوم 30 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي وحده بمديريتي الجوبة وحريب وجبهة الجوف.

الحوثيون تسببوا في مقتل وإصابة أكثر من 9.7 ألف يمني (إعلام محلي)

وعلى الصعيد الميداني والإنساني، حذّر التقرير الصادر عن الكتلة (التي تضم 31 قطاعاً صحياً) من تدهور الخدمات في الساحل الغربي؛ حيث توقفت المرافق الصحية الثلاثة المدعومة من الشركاء في مديرية الوازعية، وتَعذّر جمع بيانات شهر أكتوبر في مديرية ذباب جراء قيود الوصول.

وتزامن ذلك مع تجاوز أعداد النازحين 320 ألف شخص، وفق منظمة الهجرة الدولية، تركز معظمهم في الشهرين الماضيين.

مؤشرات وبائية

وشهدت مديرية المضاربة والعارة بلحج نزوح 43 ألف شخص منذ مطلع العام الماضي، وتستضيف عدن حالياً أكثر من 56 ألف نازح، بينما تضاعفت أسعار السلع الأساسية في تعز بين 3 إلى 5 أضعاف.

21 ألف نازح يعيشون في مخيمات لا تخضع لأي إشراف (الأمم المتحدة)

ورصد التقرير ظهور 28 موقعاً جديداً أو معاد فتحها للنازحين تؤوي 21273 شخصاً دون أي إدارة متخصصة أو إشراف إنساني، إلى جانب 105 مواقع تضم 74456 شخصاً في مديريات غرب تعز، التي انتقلت السيطرة عليها إلى الحوثيين خلال الشهر ذاته.

وتواجه الاستجابة الإنسانية عجزاً حاداً؛ إذ تموِّل منظمة الصحة العالمية 9 فرق طبية متنقلة فقط من أصل 30 إلى 40 فرقة مستهدفة، و4 مراكز ثابتة من أصل 25 إلى 35 مركزاً، وسط حاجة ملحة للتنسيق مع الوحدة التنفيذية للمخيمات لتحديد نقاط تجمع مناسبة لتقديم الخدمات.

وفي الجانب الوبائي، سُجل انخفاض مستمر في إصابات الكوليرا بالمحافظات الخمس الأكثر تضرراً، متراجعة من 639 حالة في الأسبوع الأربعين إلى 443 حالة في الأسبوع الثالث والأربعين، مع الإشارة إلى أن بيانات الأسبوع الرابع والأربعين غير مكتملة بنسبة 23 في المائة.

تراجع في الإصابة بالكوليرا بنحو 200 حالة خلال أسبوع (الأمم المتحدة)

وبناءً على ذلك، حدّدت منظمة الصحة العالمية 23 مديرية، يقطنها 2.25 مليون نسمة كأولوية لطلب جرعة واحدة من لقاح الكوليرا الفموي من المجموعة التنسيقية الدولية.

فجوات الرعاية الصحية

وعلى مستوى الإمدادات والتمويل، تسببت القيود بتعطيل حركة المساعدات، حيث أُلغيت رحلات الجسر الجوي إلى صنعاء، المقررة يومي 29 أكتوبر و3 نوفمبر (تشرين الثاني)، ولا تزال الشحنة الطبية التجريبية الثانية للمنظمة (بوزن 10 أطنان) بانتظار التنسيق مع برنامج الأغذية العالمي لنقلها إلى تعز.

ويأتي ذلك في ظل أزمة تمويل خانقة، حيث لم يتم تمويل سوى 12 في المائة فقط من الخطة الإنسانية التي تغطي 90 يوماً؛ إذ تلقت منظمة الصحة العالمية 3.7 مليون دولار من أصل 31 مليون دولار مطلوبة، ما يترك عجزاً قدره 27.3 مليون دولار.

يمنيون نزحوا بسبب الهجمات الحوثية في تعز يتجمعون لتلقي مساعدات بضواحي عدن (أ.ب)

حتى في حال إقرار دعم إضافي بقيمة 7.3 مليون دولار يجري نقاشه مع الجهات المانحة الأوروبية والصندوق المركزي للطوارئ، فإن 65 في المائة من الخطة سيبقى بلا تمويل، ما يهدد استمرارية الاستجابة لما بعد نهاية العام.

واختتم التقرير بالإشارة إلى 4 حلقات مفقودة وغير ممولة في سلسلة رعاية المصابين. تشمل: نظام إحالة المرضى، وتوفير موقع جراحي من المستوى الثاني، وتوسيع وحدات العناية المركزة (بما في ذلك توفير الوقود لـ77 مرفقاً صحياً)، إلى جانب خدمات إعادة التأهيل بعد الخروج.

وبين أن غياب خدمات إعادة التأهيل بعد الخروج يؤدي إلى تكدس المرضى في الأقسام الجراحية لعدم إمكانية تسريحهم بأمان، ما يقلص القدرة الاستيعابية للمستشفيات ويحرم الحالات الجديدة من تلقي العلاج.