شاشة الناقد: The House That Jack Built

شاشة الناقد: The House That Jack Built

الجمعة - 5 شهر رمضان 1440 هـ - 10 مايو 2019 مـ رقم العدد [ 14773]
مات ديلون: «المنزل الذي بناه جاك»
The House That Jack Built
> إخراج: لارش فون ترايير
> دور أول: مات ديلون
> تقييم: (وسط)
بيت من أحلام قاتلة
كأي قاتل متسلسل (Serial Killer) لدى المدعو جاك (مات دامون) دوافعه الخاصة ومبرراته التي تعود إلى أيام الطفولة عندما اصطاد بطة صغيرة وقضم قدمها بمقص ثم راح ينظر إليها وهي تحاول الحفاظ على توازنها في الماء. لكن الحقيقة هي أنه من النادر أن تجد فيلماً من هذا النوع يقوم على استرجاع حكاية أسطورة فوست ورسومات ديلاكروكس الفرنسية و«جحيم دانتي» الإيطالية ومزجها مع مؤثرات أدبية وثقافية وفنية أوروبية كثيرة للخروج بنسخة «مُفكِرة» لحكاية مجرم يربو على عنف داخلي متأصل ويمارس قتل النساء (على الأخص) في ستة فصول.
موقف المخرج الدنماركي لارش ڤون ترايير من المرأة ليس مشهوداً له بالمودة والاحترام، حتى عندما كانت تقود بعض أفلامه السابقة («ضد المسيح»، «نيفومانياك» الخ...). نظرته إليها تبعده عنها مسافات طويلة باردة، وبالتالي تبعدها عنا المقدار نفسه من التعاطف. لكن شخصياته الرجالية لا تتمتع بأي قدر من التعاطف أيضاً.
ڤون ترايير (الذي يضعه البعض في مصاف العباقرة) شخصية باردة تنفذ أفلاماً بلا موقف ذاتي أو حرارة إنسانية. يعرف لغته الفنية جيداً ويمارسها بالقدر ذاته من المعرفة. لكن هذا هو كل شيء (بديع؟) في أفلامه. «المنزل الذي بناه جاك» هو مثال آخر.
إنه الرجل الذي نراه، في الحكاية الأولى، يقتل امرأة كان ينقلها ليساعدها في إيجاد حل لسيارتها المعطلة. عادة ما يقتل عن تخطيط، لكن هذا القتل تم عن انفعال؛ فهي لم تتوقف عن السخرية منه والتساؤل مع إذا كان قاتلاً متسلسلاً. الباقيات من الضحايا يثرن كذلك القدر ذاته من الإزعاج إن لم يكن له مباشرة، فللمشاهد نظراً لتقديمهن كما لو كن يستحققن ما يحدث لهن. وكلهن مختارات بعناية من لا يريد أن يرى جمالاً لا الظاهر منه ولا الخفي.
إذ يبقى جاك في الصورة على الدوام منتقلاً من موقع إلى آخر، فإن الموقع الوحيد الذي يعود إليه هو مخبأه، حيث يتولى تجميد الجثث في برادات ليحولها لاحقاً إلى مواد لبناء المنزل الذي يحلم به. في الحضور كذلك صوت (ولاحقاً صورة) الممثل السويسري الراحل برونو غانز في دور فيرجل الذي يتداول وجاك الجوانب كلها: التاريخ الشخصي، الموازي الفني والوجودي للحالات التي يمر بها جاك مع التطرق إلى محاولة نصف منجزة لفهم دوافع جاك. هنا يوضح فيرجل أكثر من مرة أنه لا يحاكم جاك ولا يحكم له أو عليه، بل يستنطقه ونسمع صوت جاك وهو يجيب عما يطرحه عليه فيرجل من أسئلة.
كون الفيلم من صنع ذهن المخرج كاتباً ومخرجاً، فإن المشاهد له الحق في الخروج بانطباع مفاده أن الدَكانة التي صبغت أعمال ڤون ترايير السابقة أصبحت أكثر دَكانة وإن ليس للمرة الأولى. أفلامه من «ضد المسيح» على الأقل، تتمحور حول تمجيد الموت (مشهد موت الطفل الزاحف لحتفه في ذلك الفيلم) على اعتبار أن الضعفاء يستحقونه... وأحزر من مارس هذا المبدأ سابقاً.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة