«لعنة العامين» تلاحق ماكرون على غرار أسلافه في قصر الإليزيه

الرئيس الفرنسي يواجه تحدي الانتخابات الأوروبية بعد مسلسل «السترات الصفراء»

ماكرون في قصر الإليزيه أمس (أ.ف.ب)
ماكرون في قصر الإليزيه أمس (أ.ف.ب)
TT

«لعنة العامين» تلاحق ماكرون على غرار أسلافه في قصر الإليزيه

ماكرون في قصر الإليزيه أمس (أ.ف.ب)
ماكرون في قصر الإليزيه أمس (أ.ف.ب)

اليوم، يكون قد مضى عامان على وصول إيمانويل ماكرون مظفراً إلى قصر الإليزيه «7 مايو (أيار) 2017»، في واحدة من أهم «المفاجآت» السياسية التي عرفتها الجمهورية الخامسة منذ أن تأسست على يدي الرئيس الأسبق الجنرال شارل ديغول في خمسينات القرن الماضي. ماكرون الشاب، صاحب التجربة السياسية الصغيرة والذي لم يسبق له أن تنافس في أي انتخابات محلية كانت أو تشريعية، قلب خريطة فرنسا السياسية رأساً على عقب. فقد همّش الحزبين اللذين تعاقبا على السلطة منذ ستين عاماً: اليمين الكلاسيكي ممثلاً بحزب «الجمهوريون»، واليسار المعتدل ممثلاً بالحزب الاشتراكي، وخلط الحابل بالنابل. ولم يجد في مواجهته، في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية، سوى مارين لوبن، زعيمة اليمين المتطرف التي كان من السهل التغلب عليها باعتبار أن الفرنسيين لم يكونوا بعد مستعدين لتقبل وصول ابنة مؤسس «الجبهة الوطنية» جان ماري لوبن إلى السلطة. وسبق لماكرون متحدثاً عن انتخابه أن قال: «لقد وصلت خلسة إلى الرئاسة»، في إشارة إلى أن نجاحه لم يكن منتظراً.
وجاء ماكرون إلى الحكم بأحلام واسعة. أراد إصلاح فرنسا، وهو الأمر الذي لم يقم به أسلافه، كما كان عازماً على نفض الغبار عن مؤسساتها. كذلك جعل ديدنه إعادة «الهيبة» للوظيفة الرئاسية، بعد أن تدهورت صورتها في عهد الرئيس السابق فرنسوا هولاند الذي «خانه» ماكرون سياسياً رغم أنه يدين له بكل شيء؛ لأنه هو من عيّنه مساعداً لأمين عام رئاسة الجمهورية في مرحلة أولى، قبل أن يعينه وزيراً للاقتصاد والصناعة والاقتصاد الرقمي لاحقاً. ولم تكن طموحات ماكرون متوقفة عند الحدود الفرنسية؛ إذ إنه أراد أن يعيد لبلاده حضورها على الصعيد الدولي بحيث تكون مجدداً مسموعة الكلمة. ويمر ذلك من خلال أوروبا التي حمل الرئيس الجديد بشأنها برنامجاً إصلاحياً طموحاً، جوهره مزيد من الاندماج بين أعضائها وتحويلها إلى قوة سياسية وعسكرية واقتصادية لها وزنها في صياغة قرارات العالم.
في السنة الأولى من عهده، استفاد الرئيس الجديد من ظروف سياسية استثنائية في الداخل والخارج. ففي الداخل، كان اللاعب الأوحد على الساحة بسبب التضعضع الذي ألمّ بمنافسيه من اليمين واليسار، وبسبب ضعف النقابات، وأيضاً بفضل صورته «الإيجابية» المتمثلة بشبابه وطموحاته وطروحاته. ولذا؛ فقد استطاع تمرير مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، منها إلغاء الضريبة على الثورة وتخفيف العبء المالي عن الشركات والمؤسسات، وأهم من ذلك تحديث قانون العمل. وكل هذه الإجراءات كانت ستثير موجات من الإضرابات التي لا تنتهي لو حصلت في زمن أسلافه.
وفي الخارج، نجح ماكرون سريعاً جداً في إيجاد فسحة على المسرح الدولي من خلال لقاءات مع كبار زعماء العالم، أكان ذلك الرئيس الأميركي أو نظيره الروسي والصيني، فضلاً عن القادة الأوروبيين. ولم يتأخر ماكرون في مد يديه إلى الأزمات الإقليمية، فأراد أن يكون لبلاده دور في الملف الليبي والحرب في سوريا، وسعى للعب دور الوسيط في الأزمة الخليجية، والحرب في اليمن، وفي أفريقيا وبلدان الساحل على وجه الخصوص.
أما في أوروبا، فقد نظر إلى ماكرون على أنه «الرجل المنقذ». ذلك أن اليمين المتطرف والشعبوي حقق في السنوات الأخيرة نجاحات انتخابية كبيرة «إيطاليا، النمسا، الدنمارك، ألمانيا، بلدان وسط أوروبا» من شأنها أن «تهدد» البناء الأوروبي. وبما أنه تفوق على مرشحة اليمين المتطرف في فرنسا، فقد اعتبر انتخابه «سداً» بوجه التيارات المتطرفة. فضلاً عن ذلك، جاء انتخابه في وقت كانت المستشارة الألمانية تتخبط في مشاكلها الداخلية المتأتية عن قبولها استقبال ما يزيد على مليون نازح ولاجئ غالبيتهم من سوريا، في حين بريطانيا، المنافسة الأخرى لفرنسا، غارقة في متاهات «بريكست».
هذه كانت صورة الوضع في ربيع عام 2017، وكم أنها غريبة عن صورة الوضع في الربيع الحالي. فالرئيس الذي كان يوصف بأنه «يمشي على وجه المياه» ها هو موجود على «حافة بركان»، مثلما وصفته مجلة «فالور أكتويل ـ القيم المعاصرة» اليمينية في عددها الأخير. ماكرون الذي شبه نفسه يوماً بـ«جوبيتير» تداعت صورته ومواقعه، وهبطت شعبيته إلى الحضيض بعد ما يزيد على خمسة أشهر من حركة «السترات الصفراء» الاحتجاجية. وجاءت صور أعمال الشغب والكر والفر، وخصوصاً مشاهد احتراق ونهب عدد من المحال والمقاهي والمطاعم في جادة الشانزليزيه، الأشهر في فرنسا، لتنسف هيبته وهيبة السلطة، وتدفعه من أجل إطفاء الحريق إلى تقديم التنازلات، الواحد بعد الآخر، لإرضاء المحتجين.
وإذا كان «الحوار الوطني الكبير» الذي دام شهرين ونصف الشهر، وشارك فيه شخصياً لنحو تسعين ساعة، قد ساعده إلى حد ما على خفض منسوب التوتر، وكذلك الإجراءات والتدابير التي كشف عنها في مؤتمره الصحافي يوم 25 أبريل (نيسان) الماضي، إلا أن الحركة الاحتجاجية ما زالت قائمة. والدليل على ذلك ما حصل في الأول من مايو، يوم عيد العمل، حيث نزل المتظاهرون مجدداً بعشرات الآلاف إلى الشوارع. والثابت، أن المطالبة بالعدالة الاجتماعية والعدالة الضريبية، إضافة إلى تمكين المواطن من المشاركة في اتخاذ القرارات من خلال الاستفتاءات بمبادرة شعبية، ما زالت قوية.
على الصعيد الخارجي، ليس وضع الرئيس الفرنسي أفضل حالاً. فرهانه على دونالد ترمب لم يفده بشيء، حيث انسحب الأخير من اتفاقية المناخ الموقعة في باريس في 2015، كما انسحب من الاتفاق النووي مع إيران وشجع تيريزا ماي على ترك الاتحاد الأوروبي، وانتقد بشدة الحلف الأطلسي، ومبادرة ماكرون لبناء جيش أوروبي قوي. وكلها مواقف تذهب بعكس ما حارب ماكرون من أجله. من جانبه، لم يعط فلاديمير بوتين ماكرون شيئاً خصوصاً في سوريا، حيث بقيت فرنسا «ومعها أوروبا» مهمّشتين.
تبقى أوروبا... وامتحان ماكرون سيكون بلا شك الانتخابات الأوروبية التي ستجرى نهاية الشهر الحالي في بلدان الاتحاد، وموعدها في فرنسا في السادس والعشرين منه. وفي الأسابيع الماضية، رسم ماكرون صورة المعركة بين «التقدميين» الذين يريدون «مزيداً» من الاندماج الأوروبي، و«القوميين» الذي يريدون هدم ما تحقق والانغلاق. وحتى الآن، تتنافس لائحة حزب ماكرون «الجمهورية إلى الأمام» التي تقودها وزيرة الشؤون الأوروبية السابقة ناتالي لوازو، مع لائحة «التجمع الوطني» «اليمين المتطرف» التي يرأسها شاب اسمه جوردان بارديلا، لكن محركها الحقيقي هي مارين لوبن. وإذا استطاعت اللائحة الثانية أن تتقدم على لائحة ماكرون، فإن ذلك سيعد فشلاً سياسياً من الدرجة الأولى وسيضعف ماكرون للسنوات الثلاث المتبقية له في الإليزيه.
بالأمس، أشارت صحيفة «لو فيغاور» اليمينة إلى ما سمّته «لعنة العامين»، أي الصعوبات التي يواجهها أي رئيس الجمهورية في فرنسا بعد مرور عامين على عهده، وهي ترى أن «جوبيتير» نفسه لم يسلم من هذه «اللعنة».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».