فضل الاستشراق الأكاديمي على الثقافة العربية

دومينيك أورفوا نموذجاً

ابن رشد  -  إدوارد سعيد  -  دومينيك أورفوا
ابن رشد - إدوارد سعيد - دومينيك أورفوا
TT

فضل الاستشراق الأكاديمي على الثقافة العربية

ابن رشد  -  إدوارد سعيد  -  دومينيك أورفوا
ابن رشد - إدوارد سعيد - دومينيك أورفوا

كنا قد دعونا أكثر من مرة إلى التفريق بين الاستشراق الأكاديمي المنهجي عالي المستوى، والاستشراق السطحي المغرض والمسيّس أكثر من اللزوم. وعدم التفريق بينهما يؤدي إلى الإضرار بنا لا بغيرنا. إنه يؤدي إلى توجيه ضربة قاصمة إلى مستقبل الفكر العربي، بل ويؤدي إلى استغلال المتطرفين الظلاميين الحملة الشعواء على الاستشراق والمستشرقين عموماً بغية عرقلة تقدم الفكر وانطلاقة النهضة العربية الموعودة. وهذا ما تنبه إليه إدوارد سعيد في نهاية كتابه الشهير عن «الاستشراق». فقد كتب مقدمة جديدة مطولة للكتاب ووضعها في المؤخرة بغية القيام بجردة حساب أو موازنة ختامية والتعليق على ردود الفعل الهائلة التي أثارها كتابه سلباً أو إيجاباً. وكان مما قاله وحذر منه وكأنه يتأسف ويعتذر: «لم أهدف إطلاقاً من نقدي للاستشراق إلى دعم أطروحات الانغلاق الإسلاموي أو الأصولية الإسلامية».
ولكن المشكلة أن هذا ما حصل بالضبط يا أستاذنا الكبير! والسبب هو أن الأدلجة العمياء أو النزعة الغوغائية الديماغوجية تسيطر ليس فقط على الشارع العربي وإنما حتى على عقلية قسم كبير من المثقفين العرب أنفسهم. فلطالما استخدم الأصوليون الإسلاميون كتاب سعيد للهجوم على الاستشراق والمستشرقين دون أي تمييز. لطالما وجدوا في أفكار الأستاذ الكبير لجامعة كولومبيا بنيويورك ضالتهم أو فرصتهم السانحة لتصفية حساباتهم ليس فقط مع الاستشراق؛ وإنما مع الحداثة المعرفية ككل. ولطالما استخدموه للهجوم على الغرب؛ كل الغرب، غير مفرّقين بين الوجه الحضاري المشرق للغرب، والوجه التوسعي الإمبريالي. وهكذا أطاحوا بكل منجزات الحداثة والحضارة والثقافة. ونتج عن كل هذه العرقلات تأخير إنجاز المهمة الكبرى الملقاة على عاتقنا حالياً: عنيت تحرير الفكر العربي من الانغلاقات التراثية والعقليات الداعشية. فالاستشراق الأكاديمي قدم إضاءات وكشوفات وفتوحات معرفية قل نظيرها عن تراثنا العربي الإسلامي. ولكن بدلاً من أن نشكره رحنا نشتمه! ومؤخراً شاركت بدوري في برنامج تلفزيوني شهير ذي اسم جميل هو «حديث العرب». وأكاد أقول: حديث العرب للعرب، أو مناجاة العرب للعرب... وهو البرنامج الذي دشنه الدكتور سليمان الهتلان بكل ألمعية واقتدار على قناة «سكاي نيوز عربية» منذ بضع سنوات. وفيه قلت ما معناه: لو كنت مسؤولاً ذا صوت مسموع... لو كنت مأمون هذا العصر، لاتخذت فوراً القرار التالي: تأسيس مركز عربي للترجمات والبحوث خاص بالاستشراق فقط. أقصد تأسيس مركز خاص بنقل أمهات الكتب الاستشراقية من ألمانية وفرنسية وإنجليزية وروسية وإسبانية... إلخ، إلى لغتنا العربية.
توجد هنا فتوحات فكرية ضخمة غير معروفة حتى الآن من قبل الجمهور المثقف العربي. إنها حبيسة الكتب والمكتبات والجامعات الأجنبية. نقول ذلك رغم أنها تخصنا بالدرجة الأولى لأنها متركزة على دراسة القرآن الكريم والسيرة النبوية والفرق الإسلامية والإمبراطوريتين الأموية والعباسية والعصر الذهبي وعصر الانحطاط والأندلس الزاهرة والتراث ككل... إنها كنوز معرفية محجوبة عنا.
فإلى متى سنظل محرومين منها في حين أنها تخصنا في الصميم؟ أما آن الأوان لكي ينتقل الفكر العربي من المرحلة الآيديولوجية إلى المرحلة الأبستمولوجية؟ أقصد من المرحلة الغوغائية إلى المرحلة المعرفية الرصينة؟ أما آن له أن يتلهى بشيء آخر غير شتم الاستشراق والمستشرقين؟ هل يعلم هؤلاء أن الاستشراق هو أول من طبق المنهج التاريخي الحديث على التراث الإسلامي؟ وقدم بذلك لنا خدمة جليلة لا توصف؟
سوف نستعرض هنا بسرعة شديدة بعض الإنجازات التي قدمها المستشرق الفرنسي دومينيك أورفوا؛ أستاذ الفكر العربي والفلسفة الإسلامية في جامعة تولوز. كان هذا الباحث المولود عام 1943 قد قدم على مدار العشرين سنة الماضية كتباً عدة لفتت إليه الانتباه. نذكر من بينها أولاً كتاب: «المفكرون الأحرار في الإسلام الكلاسيكي (1996)».
يقول لنا المؤلف ما معناه: إن الانغلاقات العقائدية المتحجرة التي تهيمن على عالم الإسلام اليوم من خلال الحركات الإخوانجية ومتفرعاتها ينبغي ألا تحجب عنا الوجه الآخر للإسلام. أقصد الوجه المشرق الحضاري المتجسد بأعمال كبار المفكرين النقديين الأحرار الذين ظهروا إبان العصر الكلاسيكي الذهبي من عمر الحضارة العربية الإسلامية، من أمثال: ابن المقفع صاحب «كليلة ودمنة»، وحنين بن إسحاق الذي كان يمجد الحكمة البشرية لفلاسفة الإغريق، وابن الوراق الذي دافع عن العقلانية الفلسفية في مواجهة الظلامية الدينية للشيوخ. ومنهم أيضاً الطبيب والفيلسوف أبو بكر الرازي الذي كان يؤمن بالعقل وحده. ومن الأعلام الكبار الشاعر والمفكر العبقري أبو العلاء المعري الذي انتقد بجرأة مدهشة امتثالية رجال الدين في عصره وتحجر عقولهم. هل يتحدث عن عصره أم عن عصرنا؟ وهناك آخرون كثيرون مثل ابن الراوندي وأبي حيان التوحيدي... وسواهما.
والشيء المدهش الذي لفت انتباه المؤلف هو أن التساؤلات النقدية الجريئة عن الدين ظهرت في بدايات الحضارة العربية لا في نهاياتها؛ على عكس ما حصل في أوروبا. فالتساؤلات النقدية وأحياناً التهكمية التي طرحها المعري على مدعي الدين إبان القرن الحادي عشر لم تُطرح في أوروبا إلا في القرن الثامن عشر: أي في عصر التنوير. وهذا يعني أن التنوير العربي سابق على التنوير الأوروبي بسبعة قرون على الأقل.
بعدئذ غطس العرب المسلمون في التكرار والاجترار؛ أي في عصر الانحطاط لمدة طويلة جداً، في حين راحت أوروبا تقلع حضارياً وبشكل متواصل حتى يومنا هذا. لقد كان هؤلاء المفكرون الأحرار ملتزمين بدينهم وتراثهم العربي الإسلامي من جهة؛ ومنفتحين على الفلسفة اليونانية والعلوم الأجنبية من جهة أخرى. ولكن الأصوليين المتزمتين اتهموهم بالزندقة والكفر رغم صحة إسلامهم وإيمانهم. ولذلك شاعت تلك الفتوى الشهيرة على لسان أحد فقهاء عصر الانحطاط: «زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الراوندي، وأبو حيان التوحيدي، وأبو العلاء المعري، وشرّهم على الإسلام التوحيدي؛ لأنهما صرحا وهو مجمجمٌ لم يصرح».
وفي كتاب ابن رشد: «طموحات مثقف مسلم (1998)، يقول المؤلف ما معناه: لقد كان ابن رشد المولود في قرطبة عام 1126 والمتوفى في مراكش عام 1198، أحد المفكرين العرب والمسلمين الأكثر عالمية وكونية إبان العصور الوسطى الإسلامية. فقد اهتم بجميع العلوم السائدة والمتوافرة في عصره، ولذلك كان طبيباً وقاضياً وفقيهاً وفيلسوفاً في آن معاً... كان «أشخاصاً عديدين في شخص واحد» إذا جاز التعبير. وقد أصبح ملقباً بالشارح العربي من قبل المسيحيين في أوروبا، لأنه شرح لهم مؤلفات أرسطو ونقلها إليهم لكي يستفيدوا منها. كان عمر ابن رشد 13 سنة عندما مات ابن باجة. وقد راح يقرأ بنهم مؤلفات سلفه الكبير وأصبح تابعاً له في فترة من الفترات. ولكنه قرأ أيضاً مؤلفات الفارابي واستفاد منها كثيراً. ولكن اللقاء الحاسم الذي سيغير مجرى حياته هو لقاؤه بابن الطفيل الذي قدمه إلى الخليفة أبو يعقوب المنصور. ويبدو أن ابن الطفيل قال له: ينبغي أن تشرح للخليفة مؤلفات أرسطو لأني أنا كبرت في السن وما عدت قادراً على ذلك. وكان يكبره بعشرين سنة على الأقل. ولهذا السبب انهمك في تفسير كتب المعلم الأول.
وفي الختام يقول المؤلف عنه إنه كان شخصاً طموحاً ذا فضول معرفي كبير. وكان «أول مثقف» في أرض الإسلام قبل أن تظهر كلمة «مثقف» في اللغة العربية بزمن طويل. وكان همه الأول التوصل إلى إقامة التوافق والمصالحة بين العقل والإيمان، أو بين الفلسفة والدين.
أما في «تاريخ الفكر العربي والإسلامي»؛ (2006)، وهو الكتاب الثالث والأهم للمستشرق الفرنسي المعاصر، وأضخم كتبه أيضاً لأنه يحاذي السبعمائة صفحة من القطع الكبير، منذ بداياته الأولى وحتى اليوم. إنه كتاب ذو طموح موسوعي إذا جاز التعبير. يكفي أن نعدد عناوين بعض فصوله لكي يدرك القارئ ذلك. الفصل الأول مكرس للفكر العربي في عصر الجاهلية السابق على الإسلام مباشرة. أما الفصل الثاني من الكتاب فيتحدث عن المحاور الفكرية الأساسية للقرآن الكريم. وأما الفصل العاشر فمكرس للتحدث عن كيفية ظهور المعتزلة وعلم الكلام العقلاني في الإسلام. هذا في حين أن الفصل الثالث عشر مكرس لدراسة كيفية ظهور الفلسفة في الساحة العربية الإسلامية.
وأما الفصول الأخيرة من الكتاب فمكرسة لدراسة صدمة الحداثة وردود الفعل عليها من قبل العالمين العربي والإسلامي. وكذلك يدرس المؤلف كيفية ظهور فكر إسلامي نقدي في السنوات الأخيرة على يد أركون والجابري... وسواهما.
ثم يطرح المؤلف التساؤل المركزي التالي: لماذا انهار الفكر العقلاني النقدي في الإسلام بعد فترة صعود رائعة إبان عصر المأمون والعصر الذهبي بشكل عام؟ ويرى أن سبب ذلك يعود إلى 3 موجات ارتجاعية أو رجعية متتالية هادفة إلى تعميم الصيغة التقليدية المتحجرة للدين والتدين. الموجة الأولى حصلت في عهد المتوكل أواسط القرن الثالث الهجري - التاسع الميلادي. ومعلوم أنه قام برد فعل عنيف ضد المأمون والمعتزلة وذلك لصالح ترسيخ أقدام العدو اللدود لهما: أي الحنابلة.
ولكن لزم بعد ذلك حصول موجتين تاليتين للقضاء على الفكر الفلسفي والعقلاني النقدي في أرض الإسلام؛ الأولى حصلت في القرن الخامس الهجري - الحادي عشر الميلادي على يد الغزالي الذي شوّه سمعة الفلسفة عن طريق كتابه الشهير: «تهافت الفلاسفة». وأما الموجة الثالثة والأخيرة التي أجهزت على الفلسفة والفكر النقدي الحر في العالم العربي فقد تمت على يد ابن تيمية نهاية القرن السابع الهجري - الثالث عشر الميلادي.
هكذا نجد أن التيار الأكثر محافظة وتقليدية وتحجراً في الإسلام؛ أي التيار الحنبلي، هو الذي انتصر على جميع خصومه، وبالأخص على المعتزلة والأشاعرة والفلاسفة. بعدئذ أقفل باب الاجتهاد وهيمن التكرار والاجترار على الفكر العربي الإسلامي حتى مطلع النهضة الحديثة على يد محمد علي ورفاعة رافع الطهطاوي... وهذا ما يدعى بعصور الانحطاط الممتدة منذ الغزالي في القرن الحادي عشر، ثم ابن تيمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، وحتى يومنا هذا. وهذا يعني أن «داعش» عمره 1000 سنة! إنه راسخ في العقلية الجماعية رسوخ الجبال. من هنا صعوبة مواجهته واقتلاعه من جذوره.
أخيراً ماذا سأقول عن الاستشراق؟ سأقول ما يلي وبه أختتم: لم يكن هدف كبار المستشرقين الأكاديميين الهجوم على العرب والإسلام. وإنما كان هدفهم كشف حقيقة القرآن والإسلام والتراث. فكما أن أسلافهم طبقوا المنهجية النقدية التاريخية على التراثين اليهودي والمسيحي فإنهم أرادوا تطبيق المنهجية ذاتها على التراث الإسلامي لمعرفة مدى علاقته مع التراثين التوحيديين السابقين له. ولكننا نعلم أن تطبيق هذه المنهجية على العهدين القديم والجديد لقي مقاومة عنيفة من قبل كبار رجال الدين المسيحيين على مدار 300 سنة متواصلة حتى استسلموا أخيراً واعترفوا بمشروعية المنهجية التاريخية وضرورتها. ونحن نعتقد أن الشيء ذات سيحدث في الإسلام. فرجال الدين عندنا لن يقبلوا فوراً بهذه المنهجية التحريرية التي يعتقدون أنها تنزع القداسة عن النص الأعظم وعن التراث ككل. والسؤال المطروح هنا هو التالي: إلى متى سيظلون قادرين على مقاومة رياح التغيير والحداثة والعصر؟ نقول ذلك ونحن نعلم أن الانسداد التاريخي أو الاحتقان التاريخي الذي نعاني منه حالياً لن ينحل قبل تطبيق منهجية النقد التاريخي على التراث... كل التراث.



«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)
لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)
TT

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)
لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)

لا يقف معرض «عشر سنوات بالداخل» للفنان التشكيلي المصري علي حسان عند تجربة العرض البصري فحسب، بقدر ما ينطلق من فكرة اكتشاف، قائمة على تجربة مشتركة بين الفنان والمتلقي، وذلك عبر نحو 50 عملاً فنياً في مساحة يستضيفها غاليري «تام» غرب القاهرة، حتى نهاية أبريل (نيسان) الحالي. وفي هذه المساحة المفتوحة، يطرح الفنان تباينات مشروعه الممتد، كاشفاً التحولات التي واكبته عبر السنوات، ومختبراً انطباعات جمهور جديد تجاه أعمال تعود إلى فترات زمنية مختلفة.

وفي هذا الإطار، يصف حسان تجربته بأنها «اختبار للأصالة»، حيث «لا تتحدد قيمة العمل بلحظة عرضه الأولى فقط، بل بقدرته على تجديد أثره عند إعادة مشاهدته بعد سنوات، ومدى احتفاظه بطاقته على إحداث الدهشة والانجذاب والجمال مع كل مواجهة جديدة، على نحو يشبه العودة إلى فيلم أو كتاب تتكشف طبقاتهما مع الزمن. فالمعرض، بهذا المفهوم، هو محاولة لقياس استمرارية العمل الفني، وهو المعيار الذي يتم من خلاله اقتناء الأعمال في المتاحف»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

متتالية الأرض تبرز طقس حصاد القمح في الصعيد (الشرق الأوسط)

وتتخذ لوحة «متتالية الأرض» موقعاً خاصاً داخل تجربة حسان، كأحد المنابع العاطفية لفكرة «الداخل» نفسها، ويقول: «أستعيد بها بدايات إقامتي في محافظة الأقصر (جنوب مصر)، حيث سمعت للمرة الأولى تعبير (وداع الأرض)، المرتبط بانحسار مياه النيل وبداية زراعة القمح، ثم الاحتفاء بحصاده في أبريل (نيسان) من كل عام. هذه الدورة، بين الفقد والابتهاج، ارتبطت لديّ بقراءتي لرواية (الأرض) للأديب عبد الرحمن الشرقاوي، وما تحمله من علاقة وجودية بين الإنسان وأرضه».

وينعكس هذا التصوّر على التقنية التشكيلية، إذ يتعمّد إقصاء السماء من التكوين، ليجعل الأرض وحدها مركز الرؤية، إلى جانب اشتغال تقني معقّد يقوم على بناء السطح عبر طبقات لونية كثيفة تُكشط وتُعاد صياغتها بتكرار، حتى تتشكّل بروزات تُحاكي سنابل القمح، وتمنح اللوحة ملمساً أرضياً غير مسطح، يستدعي تشققات الأرض وبروزاتها، ويفتح على عالم داخلي مشبع بحكايات الجنوب وإيقاعاته.

جانب من أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

وفي مقابل هذا الاشتغال الكثيف على سطح اللوحة وتفاعلاته مع الزمن في «متتالية الأرض»، تبدو إحدى لوحات مجموعة «ملاذ آمن» المقابلة لها حاملةً شحنة انفعالية ولونية مغايرة تماماً. يقول الفنان: «هذا التباين يعكس في ذاته حالة التحوّل التي أمرّ بها عبر مشروعي. فهذه اللوحة، رغم اختلاف عالمها، تنبع أيضاً من حكايات الجنوب، حيث بطلتها طالبة بكلية الفنون، تكشف قصتها الفجوة بين الأحلام وبساطتها، وصعوبة تحقيقها في الواقع. حتى ملاذها الآمن، المتمثل في حيواناتها الأليفة، بدأ يتبدد، حين راحت تراها في أحلامها مهدَّدة من حيوانات ضارية، كأن مساحة الحلم نفسها لم تعد قادرة على حمايتها».

وتدفع هذه اللوحة المتلقي إلى إعادة النظر في البالِتة اللونية الصاخبة والفانتازية، التي تبدو، للوهلة الأولى، مشتقة من عالم الأحلام، لكنها لا تنجح في إزاحة ملامح الأسى التي تهيمن على وجه الفتاة، ولا على فستانها الأبيض. في المقابل، تتقدّم الضباع في التكوين بوصفها عنصراً حركياً مهيمناً، تُبرزها اللوحة بإيقاع بصري متوتر، يقابله جسد الفتاة المستكين في مركز المشهد، بما يخلق حالة من القلق المتصاعد على سطح اللوحة، حيث يتجاور الانبهار اللوني مع إحساس عميق بالتهديد.

الفنان علي حسان مع عدد من حضور المعرض (الشرق الأوسط)

ويجد «التهديد» مساراً آخر داخل لوحات أخرى في المعرض، يتخيّل فيها حسان ما قد تؤول إليه فتاة معاصرة في ظل تصاعد أزمة المياه، حيث تتحوّل الفتيات إلى نسخ ترتدي ملابس الجدّات وهن يعانين من انحسار الماء، ويترجم الفنان هذا التصوّر بصرياً عبر تغليب درجات الفحم القاتمة على مساحات اللوحة، في مقابل حضور الماء في شريط ضيق أسفلها، مضغوطاً بطبقات لونية توحي باختناقه، تتكاثف فوقه الطحالب، كعلامة على ركود مهدد للحياة، يتجاوز الحكاية الفردية إلى أفق أوسع من المخاوف البيئية المعاصرة.


«إندبندنت عربية» تفوز بجائزة «فيتيسوف للصحافة»

فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)
فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)
TT

«إندبندنت عربية» تفوز بجائزة «فيتيسوف للصحافة»

فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)
فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)

حصد الزميل صلاح لبن، المحرّر في «إندبندنت عربية» التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)»، جائزة «فيتيسوف للصحافة» عن تحقيق «العالم المظلم لسماسرة التبني في مصر»، وذلك خلال حفل دولي استضافته مدينة ليماسول القبرصية، الأربعاء، بعد منافسة بين تحقيقات أخرى نشرتها كبرى الصحف المرموقة على مستوى العالم.

وجائزة «فيتيسوف» التي تُوصَف بالأغنى في العالم، هي الجائزة الحادية عشرة لـ«إندبندنت عربية» منذ إطلاقها، عام 2019، من العاصمة البريطانية، لندن، ولها فروع في عدد من العواصم العربية، منها الرياض والقاهرة وبيروت، وشبكة مراسلين في أنحاء العالم، كما تعتمد المنصة الرقمية الرائدة على ترجمة محتوى صحيفة «إندبندنت» البريطانية الأم.

وجاء فوز صلاح لبن في النسخة السابعة من الجائزة الأضخم عالمياً، التي يبلغ مجموع جوائزها 520 ألف فرنك سويسري (600 ألف دولار) سنوياً، في منافسة شهدت 500 طلب من 82 دولة حول العالم، خضعت لعملية تقييم وفق معايير منضبطة، تشمل الدقة والإنسانية والشفافية والتأثير الإيجابي للمنشور سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً.

من جانبه، قال رئيس تحرير «إندبندنت عربية»، عضوان الأحمري: «نعتز ونفتخر بفوز زميلنا صلاح لبن بـ(جائزة فيتيسوف للصحافة). إنه إنجاز يعكس المستوى المهني الرفيع الذي يتمتع به، ويجسّد التزامه العميق بقيم الصحافة الجادة والمسؤولة».

وأكد الأحمري أن هذا الفوز «ليس تكريماً فردياً فحسب، بل هو أيضاً تأكيد على النهج التحريري الذي تتبعه (إندبندنت عربية)، القائم على المهنية، والدقة، والاستقلالية، والسعي الدائم لتقديم محتوى نوعي يواكب تطلعات القارئ العربي».

بدوره، قال صلاح لبن، خلال تسلُّمه الجائزة، في حفل حضرته شخصيات عامة وصحافيون متميزون حول العالم: «في الحقيقة، كان هذا التحقيق ثمرة بيئة مهنية داعمة حقاً في (إندبندنت عربية)»، مُثمِّناً «الدعم المهني من رئيس التحرير الذي أتاح مساحة لإنجاز عمل استقصائي دون قيود».

وشهدت الفئة التي نافست عليها قصة «إندبندنت عربية» العدد الأكبر من المرشحين؛ إذ لم يجتز مرحلة الفرز الأولى سوى 293 قصة، تنافست على أربع فئات: المساهمة في الحقوق المدنية، وهي الفئة التي فازت بها «إندبندنت عربية» في المركز الثالث بواقع 97 إدخالاً، والصحافة البيئية المتميزة (89)، والتقارير الاستقصائية (82)، والمساهمة في السلام (25).

وتهتم جائزة «فيتيسوف» بتسليط الضوء، من خلال الجائزة السنوية، على الأعمال التي تسهم في تعزيز القيم الإنسانية، كالصدق والعدالة والشجاعة والنبل، عبر تكريم الصحافيين البارزين حول العالم، الذين يسهم التزامهم المتفاني في تغيير العالم إلى الأفضل.

وتخضع عملية التقييم لمسارين؛ إذ يختار في الأول مجلس مكوَّن من 10 خبراء معترف بهم في مجال الصحافة لتقييم الأعمال مهنياً وموضوعياً، بنظام التصويت المستقل، القائمة المختصرة، ثم يجري الاستقرار على المرشحين النهائيين من خلال تصويت آخر من هيئة المحلفين، التي تتكوّن وفق نظام الجائزة من ستة أعضاء على الأقل، تتوافق عليهم اللجنة التوجيهية سنوياً. وتُنشر التحقيقات النهائية في كتيب فيتيسوف الذي يُوزع على منظمات صحافية حول العالم.

وسبق الحفل اجتماع دولي لوسائل الإعلام من الصحافة الأوروبية والعالمية نوقشت خلاله أحدث الاتجاهات والتطورات في وسائل الإعلام الإخبارية.

كانت «إندبندنت عربية» قد نالت، يناير (كانون الثاني) الماضي، جائزة «كورت شورك» للصحافة الدولية لعام 2025، ضمن الدورة الـ24 للجائزة عن فئة المراسل المحلي للزميلة آية منصور، تقديراً لتقاريرها الصحافية التي أنجزتها في العراق، وتعاملها مع قضايا شديدة الحساسية بعملٍ توثيقيّ دقيق ومسؤول.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسلَّمت «إندبندنت عربية»، جائزة «بطل حرية الصحافة العالمية» نيابة عن مراسلتها الراحلة في غزة مريم أبو دقة، خلال حفل أقامه المعهد الدولي للصحافة في فيينا، بالشراكة مع منظمة دعم الإعلام الدولي.

كما حصلت، في فبراير (شباط) 2025، على جائزة «التقرير الصحافي» في «المنتدى السعودي للإعلام 2025»، بفوز تقرير «مترو الرياض... رحلة فلسفية للتو بدأت فصولها» للزميل أيمن الغبيوي، وجائزة «مجلس التعاون الخليجي للشباب المبدعين والمميزين» للزميل عيسى نهاري المحرر السياسي.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، فاز مراسل «إندبندنت عربية» في تونس، حمادي معمري، بجائزة «لينا بن مهني لحرية التعبير» التي ينظمها الاتحاد الأوروبي. وفي يناير (كانون الثاني) من العام ذاته حصلت الصحيفة على جائزة التميُّز الإعلامي بـ«المنتدى السعودي للإعلام»، في مسار «المادة الصحافية».

واختار نادي دبي للصحافة «إندبندنت عربية» عام 2022 أفضل منصة إخبارية عربية. وأعلن النادي، في العام الذي سبقه، فوز كل من زياد الفيفي في فئة الشباب، وكفاية أولير في فئة الصحافة الاقتصادية. كما فاز رئيس التحرير، عضوان الأحمري، بـ«جائزة المنتدى السعودي للإعلام» فئة «الصحافة السياسية» في عام 2019، الذي انطلقت فيه «إندبندنت عربية».


الذكاء الاصطناعي يدخل الحمّام... مراحيض تكشف أسرار جسمك يومياً

يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)
يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)
TT

الذكاء الاصطناعي يدخل الحمّام... مراحيض تكشف أسرار جسمك يومياً

يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)
يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)

لم تعد متابعة الصحة تقتصر على الساعات الذكية أو التطبيقات الرياضية، إذ دخل الحمّام الآن إلى عالم التكنولوجيا عبر أجهزة مرحاض ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي لتحليل البول والبراز وتقديم مؤشرات صحية دقيقة.

ووفق تقرير لصحيفة «نيويورك بوست»، طرحت شركات تقنية عدة خلال العام الماضي، أجهزة ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي لتحليل البول والبراز، بهدف تقديم بيانات شخصية حول الترطيب، والتغذية، وصحة الأمعاء، وغيرها من المؤشرات الصحية.

ويقول سكوت هيكل، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Throne Science، إن هناك «كنزاً من المعلومات الصحية» في الفضلات يتم التخلص منه يومياً من دون الاستفادة منه.

مرحاض ذكي لمراقبة الصحة

ففي وقت أصبحت فيه الساعات الذكية والأجهزة القابلة للارتداء تراقب نبض القلب وجودة النوم والنشاط البدني، بقي الحمّام بعيداً عن هذا التطور... حتى الآن.

ويرى مطورو هذه الأجهزة أن مراقبة الفضلات مع مرور الوقت قد تكشف أنماطاً مرتبطة بالجفاف، وحساسيات الطعام، واضطرابات الهضم، بل قد تنبّه إلى أمراض مزمنة مثل السكري أو أمراض الكلى.

كما يأتي ذلك في ظل تزايد الاهتمام بصحة الأمعاء، مع إقبال متزايد على البروبيوتيك والأنظمة الغذائية الغنية بالألياف، إضافة إلى ارتفاع معدلات سرطان القولون والمستقيم بين الشباب، ما يعزز أهمية الانتباه المبكر لأي تغيرات في البراز.

أجهزة حديثة وأسعار مرتفعة

هذه الأجهزة المنزلية ليست رخيصة، إذ تتراوح أسعارها بين مئات الدولارات، وغالباً ما تتطلب اشتراكات شهرية أو سنوية. ومن أبرز النماذج المطروحة حالياً.

U-Scan من Withings

جهاز صغير يثبت داخل المرحاض ويجمع عينات البول لتحليلها عبر حساسات دقيقة. ويرسل النتائج إلى تطبيق خاص خلال دقائق، مع مؤشرات تتعلق بالترطيب، والتمثيل الغذائي، وحموضة البول، ومستويات بعض الفيتامينات.

ويقدم التطبيق نصائح لتحسين النتائج، مثل زيادة تناول الخضراوات والفواكه أو استخدام المكملات الغذائية.

ويبلغ سعر الجهاز بين 379 و449 دولاراً، بحسب خطة الاستخدام، مع اشتراك سنوي إضافي.

Throne من Throne Science

ويراقب هذا الجهاز البول والبراز معاً، إذ يستخدم ميكروفوناً لتحليل تدفق البول، وكاميرا موجهة نحو داخل المرحاض لمسح المحتوى، مع تأكيد الشركة أن الكاميرا لا تلتقط أي أجزاء من جسم المستخدم.

ويحلل التطبيق بيانات تتعلق بصحة الأمعاء، ومستوى الترطيب، وقوة تدفق البول، وعادات استخدام المرحاض، مثل مدة الجلوس واحتمالات الإمساك أو البواسير.

ويبلغ سعره 399.99 دولاراً، إضافة إلى اشتراك شهري بقيمة 6 دولارات.

Dekoda من Kohler Health

يحلل هذا الجهاز أيضاً البول والبراز، ويستخدم مستشعراً بصرياً لمسح محتوى المرحاض. ويمكنه رصد لون البراز، وشكله، وكثافته، وعدد مرات التبرز، حتى اكتشاف وجود دم، وهو ما قد يكون مؤشراً إلى مشكلات مثل البواسير أو أمراض التهاب الأمعاء.

كما يتابع البول من حيث اللون والصفاء وعدد مرات التبول لتقييم الترطيب.

ويبلغ سعر الجهاز 449 دولاراً، مع اشتراك يبدأ من 6.99 دولار شهرياً.

هل تستحق التجربة؟

تقول الشركات المطورة إن هذه الأجهزة تجذب فئتين رئيسيتين: الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة ويرغبون في متابعة حالتهم بدقة، والمستهلكين المهتمين بالصحة والتقنية الباحثين عن تحسين نمط حياتهم من المنزل.

ويرى مختصون أن الفكرة قد تبدو غريبة للبعض، لكنها تمثل بداية مرحلة جديدة في الرعاية الصحية المنزلية، حيث يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة والوقاية المبكرة.