فضل الاستشراق الأكاديمي على الثقافة العربية

دومينيك أورفوا نموذجاً

ابن رشد  -  إدوارد سعيد  -  دومينيك أورفوا
ابن رشد - إدوارد سعيد - دومينيك أورفوا
TT

فضل الاستشراق الأكاديمي على الثقافة العربية

ابن رشد  -  إدوارد سعيد  -  دومينيك أورفوا
ابن رشد - إدوارد سعيد - دومينيك أورفوا

كنا قد دعونا أكثر من مرة إلى التفريق بين الاستشراق الأكاديمي المنهجي عالي المستوى، والاستشراق السطحي المغرض والمسيّس أكثر من اللزوم. وعدم التفريق بينهما يؤدي إلى الإضرار بنا لا بغيرنا. إنه يؤدي إلى توجيه ضربة قاصمة إلى مستقبل الفكر العربي، بل ويؤدي إلى استغلال المتطرفين الظلاميين الحملة الشعواء على الاستشراق والمستشرقين عموماً بغية عرقلة تقدم الفكر وانطلاقة النهضة العربية الموعودة. وهذا ما تنبه إليه إدوارد سعيد في نهاية كتابه الشهير عن «الاستشراق». فقد كتب مقدمة جديدة مطولة للكتاب ووضعها في المؤخرة بغية القيام بجردة حساب أو موازنة ختامية والتعليق على ردود الفعل الهائلة التي أثارها كتابه سلباً أو إيجاباً. وكان مما قاله وحذر منه وكأنه يتأسف ويعتذر: «لم أهدف إطلاقاً من نقدي للاستشراق إلى دعم أطروحات الانغلاق الإسلاموي أو الأصولية الإسلامية».
ولكن المشكلة أن هذا ما حصل بالضبط يا أستاذنا الكبير! والسبب هو أن الأدلجة العمياء أو النزعة الغوغائية الديماغوجية تسيطر ليس فقط على الشارع العربي وإنما حتى على عقلية قسم كبير من المثقفين العرب أنفسهم. فلطالما استخدم الأصوليون الإسلاميون كتاب سعيد للهجوم على الاستشراق والمستشرقين دون أي تمييز. لطالما وجدوا في أفكار الأستاذ الكبير لجامعة كولومبيا بنيويورك ضالتهم أو فرصتهم السانحة لتصفية حساباتهم ليس فقط مع الاستشراق؛ وإنما مع الحداثة المعرفية ككل. ولطالما استخدموه للهجوم على الغرب؛ كل الغرب، غير مفرّقين بين الوجه الحضاري المشرق للغرب، والوجه التوسعي الإمبريالي. وهكذا أطاحوا بكل منجزات الحداثة والحضارة والثقافة. ونتج عن كل هذه العرقلات تأخير إنجاز المهمة الكبرى الملقاة على عاتقنا حالياً: عنيت تحرير الفكر العربي من الانغلاقات التراثية والعقليات الداعشية. فالاستشراق الأكاديمي قدم إضاءات وكشوفات وفتوحات معرفية قل نظيرها عن تراثنا العربي الإسلامي. ولكن بدلاً من أن نشكره رحنا نشتمه! ومؤخراً شاركت بدوري في برنامج تلفزيوني شهير ذي اسم جميل هو «حديث العرب». وأكاد أقول: حديث العرب للعرب، أو مناجاة العرب للعرب... وهو البرنامج الذي دشنه الدكتور سليمان الهتلان بكل ألمعية واقتدار على قناة «سكاي نيوز عربية» منذ بضع سنوات. وفيه قلت ما معناه: لو كنت مسؤولاً ذا صوت مسموع... لو كنت مأمون هذا العصر، لاتخذت فوراً القرار التالي: تأسيس مركز عربي للترجمات والبحوث خاص بالاستشراق فقط. أقصد تأسيس مركز خاص بنقل أمهات الكتب الاستشراقية من ألمانية وفرنسية وإنجليزية وروسية وإسبانية... إلخ، إلى لغتنا العربية.
توجد هنا فتوحات فكرية ضخمة غير معروفة حتى الآن من قبل الجمهور المثقف العربي. إنها حبيسة الكتب والمكتبات والجامعات الأجنبية. نقول ذلك رغم أنها تخصنا بالدرجة الأولى لأنها متركزة على دراسة القرآن الكريم والسيرة النبوية والفرق الإسلامية والإمبراطوريتين الأموية والعباسية والعصر الذهبي وعصر الانحطاط والأندلس الزاهرة والتراث ككل... إنها كنوز معرفية محجوبة عنا.
فإلى متى سنظل محرومين منها في حين أنها تخصنا في الصميم؟ أما آن الأوان لكي ينتقل الفكر العربي من المرحلة الآيديولوجية إلى المرحلة الأبستمولوجية؟ أقصد من المرحلة الغوغائية إلى المرحلة المعرفية الرصينة؟ أما آن له أن يتلهى بشيء آخر غير شتم الاستشراق والمستشرقين؟ هل يعلم هؤلاء أن الاستشراق هو أول من طبق المنهج التاريخي الحديث على التراث الإسلامي؟ وقدم بذلك لنا خدمة جليلة لا توصف؟
سوف نستعرض هنا بسرعة شديدة بعض الإنجازات التي قدمها المستشرق الفرنسي دومينيك أورفوا؛ أستاذ الفكر العربي والفلسفة الإسلامية في جامعة تولوز. كان هذا الباحث المولود عام 1943 قد قدم على مدار العشرين سنة الماضية كتباً عدة لفتت إليه الانتباه. نذكر من بينها أولاً كتاب: «المفكرون الأحرار في الإسلام الكلاسيكي (1996)».
يقول لنا المؤلف ما معناه: إن الانغلاقات العقائدية المتحجرة التي تهيمن على عالم الإسلام اليوم من خلال الحركات الإخوانجية ومتفرعاتها ينبغي ألا تحجب عنا الوجه الآخر للإسلام. أقصد الوجه المشرق الحضاري المتجسد بأعمال كبار المفكرين النقديين الأحرار الذين ظهروا إبان العصر الكلاسيكي الذهبي من عمر الحضارة العربية الإسلامية، من أمثال: ابن المقفع صاحب «كليلة ودمنة»، وحنين بن إسحاق الذي كان يمجد الحكمة البشرية لفلاسفة الإغريق، وابن الوراق الذي دافع عن العقلانية الفلسفية في مواجهة الظلامية الدينية للشيوخ. ومنهم أيضاً الطبيب والفيلسوف أبو بكر الرازي الذي كان يؤمن بالعقل وحده. ومن الأعلام الكبار الشاعر والمفكر العبقري أبو العلاء المعري الذي انتقد بجرأة مدهشة امتثالية رجال الدين في عصره وتحجر عقولهم. هل يتحدث عن عصره أم عن عصرنا؟ وهناك آخرون كثيرون مثل ابن الراوندي وأبي حيان التوحيدي... وسواهما.
والشيء المدهش الذي لفت انتباه المؤلف هو أن التساؤلات النقدية الجريئة عن الدين ظهرت في بدايات الحضارة العربية لا في نهاياتها؛ على عكس ما حصل في أوروبا. فالتساؤلات النقدية وأحياناً التهكمية التي طرحها المعري على مدعي الدين إبان القرن الحادي عشر لم تُطرح في أوروبا إلا في القرن الثامن عشر: أي في عصر التنوير. وهذا يعني أن التنوير العربي سابق على التنوير الأوروبي بسبعة قرون على الأقل.
بعدئذ غطس العرب المسلمون في التكرار والاجترار؛ أي في عصر الانحطاط لمدة طويلة جداً، في حين راحت أوروبا تقلع حضارياً وبشكل متواصل حتى يومنا هذا. لقد كان هؤلاء المفكرون الأحرار ملتزمين بدينهم وتراثهم العربي الإسلامي من جهة؛ ومنفتحين على الفلسفة اليونانية والعلوم الأجنبية من جهة أخرى. ولكن الأصوليين المتزمتين اتهموهم بالزندقة والكفر رغم صحة إسلامهم وإيمانهم. ولذلك شاعت تلك الفتوى الشهيرة على لسان أحد فقهاء عصر الانحطاط: «زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الراوندي، وأبو حيان التوحيدي، وأبو العلاء المعري، وشرّهم على الإسلام التوحيدي؛ لأنهما صرحا وهو مجمجمٌ لم يصرح».
وفي كتاب ابن رشد: «طموحات مثقف مسلم (1998)، يقول المؤلف ما معناه: لقد كان ابن رشد المولود في قرطبة عام 1126 والمتوفى في مراكش عام 1198، أحد المفكرين العرب والمسلمين الأكثر عالمية وكونية إبان العصور الوسطى الإسلامية. فقد اهتم بجميع العلوم السائدة والمتوافرة في عصره، ولذلك كان طبيباً وقاضياً وفقيهاً وفيلسوفاً في آن معاً... كان «أشخاصاً عديدين في شخص واحد» إذا جاز التعبير. وقد أصبح ملقباً بالشارح العربي من قبل المسيحيين في أوروبا، لأنه شرح لهم مؤلفات أرسطو ونقلها إليهم لكي يستفيدوا منها. كان عمر ابن رشد 13 سنة عندما مات ابن باجة. وقد راح يقرأ بنهم مؤلفات سلفه الكبير وأصبح تابعاً له في فترة من الفترات. ولكنه قرأ أيضاً مؤلفات الفارابي واستفاد منها كثيراً. ولكن اللقاء الحاسم الذي سيغير مجرى حياته هو لقاؤه بابن الطفيل الذي قدمه إلى الخليفة أبو يعقوب المنصور. ويبدو أن ابن الطفيل قال له: ينبغي أن تشرح للخليفة مؤلفات أرسطو لأني أنا كبرت في السن وما عدت قادراً على ذلك. وكان يكبره بعشرين سنة على الأقل. ولهذا السبب انهمك في تفسير كتب المعلم الأول.
وفي الختام يقول المؤلف عنه إنه كان شخصاً طموحاً ذا فضول معرفي كبير. وكان «أول مثقف» في أرض الإسلام قبل أن تظهر كلمة «مثقف» في اللغة العربية بزمن طويل. وكان همه الأول التوصل إلى إقامة التوافق والمصالحة بين العقل والإيمان، أو بين الفلسفة والدين.
أما في «تاريخ الفكر العربي والإسلامي»؛ (2006)، وهو الكتاب الثالث والأهم للمستشرق الفرنسي المعاصر، وأضخم كتبه أيضاً لأنه يحاذي السبعمائة صفحة من القطع الكبير، منذ بداياته الأولى وحتى اليوم. إنه كتاب ذو طموح موسوعي إذا جاز التعبير. يكفي أن نعدد عناوين بعض فصوله لكي يدرك القارئ ذلك. الفصل الأول مكرس للفكر العربي في عصر الجاهلية السابق على الإسلام مباشرة. أما الفصل الثاني من الكتاب فيتحدث عن المحاور الفكرية الأساسية للقرآن الكريم. وأما الفصل العاشر فمكرس للتحدث عن كيفية ظهور المعتزلة وعلم الكلام العقلاني في الإسلام. هذا في حين أن الفصل الثالث عشر مكرس لدراسة كيفية ظهور الفلسفة في الساحة العربية الإسلامية.
وأما الفصول الأخيرة من الكتاب فمكرسة لدراسة صدمة الحداثة وردود الفعل عليها من قبل العالمين العربي والإسلامي. وكذلك يدرس المؤلف كيفية ظهور فكر إسلامي نقدي في السنوات الأخيرة على يد أركون والجابري... وسواهما.
ثم يطرح المؤلف التساؤل المركزي التالي: لماذا انهار الفكر العقلاني النقدي في الإسلام بعد فترة صعود رائعة إبان عصر المأمون والعصر الذهبي بشكل عام؟ ويرى أن سبب ذلك يعود إلى 3 موجات ارتجاعية أو رجعية متتالية هادفة إلى تعميم الصيغة التقليدية المتحجرة للدين والتدين. الموجة الأولى حصلت في عهد المتوكل أواسط القرن الثالث الهجري - التاسع الميلادي. ومعلوم أنه قام برد فعل عنيف ضد المأمون والمعتزلة وذلك لصالح ترسيخ أقدام العدو اللدود لهما: أي الحنابلة.
ولكن لزم بعد ذلك حصول موجتين تاليتين للقضاء على الفكر الفلسفي والعقلاني النقدي في أرض الإسلام؛ الأولى حصلت في القرن الخامس الهجري - الحادي عشر الميلادي على يد الغزالي الذي شوّه سمعة الفلسفة عن طريق كتابه الشهير: «تهافت الفلاسفة». وأما الموجة الثالثة والأخيرة التي أجهزت على الفلسفة والفكر النقدي الحر في العالم العربي فقد تمت على يد ابن تيمية نهاية القرن السابع الهجري - الثالث عشر الميلادي.
هكذا نجد أن التيار الأكثر محافظة وتقليدية وتحجراً في الإسلام؛ أي التيار الحنبلي، هو الذي انتصر على جميع خصومه، وبالأخص على المعتزلة والأشاعرة والفلاسفة. بعدئذ أقفل باب الاجتهاد وهيمن التكرار والاجترار على الفكر العربي الإسلامي حتى مطلع النهضة الحديثة على يد محمد علي ورفاعة رافع الطهطاوي... وهذا ما يدعى بعصور الانحطاط الممتدة منذ الغزالي في القرن الحادي عشر، ثم ابن تيمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، وحتى يومنا هذا. وهذا يعني أن «داعش» عمره 1000 سنة! إنه راسخ في العقلية الجماعية رسوخ الجبال. من هنا صعوبة مواجهته واقتلاعه من جذوره.
أخيراً ماذا سأقول عن الاستشراق؟ سأقول ما يلي وبه أختتم: لم يكن هدف كبار المستشرقين الأكاديميين الهجوم على العرب والإسلام. وإنما كان هدفهم كشف حقيقة القرآن والإسلام والتراث. فكما أن أسلافهم طبقوا المنهجية النقدية التاريخية على التراثين اليهودي والمسيحي فإنهم أرادوا تطبيق المنهجية ذاتها على التراث الإسلامي لمعرفة مدى علاقته مع التراثين التوحيديين السابقين له. ولكننا نعلم أن تطبيق هذه المنهجية على العهدين القديم والجديد لقي مقاومة عنيفة من قبل كبار رجال الدين المسيحيين على مدار 300 سنة متواصلة حتى استسلموا أخيراً واعترفوا بمشروعية المنهجية التاريخية وضرورتها. ونحن نعتقد أن الشيء ذات سيحدث في الإسلام. فرجال الدين عندنا لن يقبلوا فوراً بهذه المنهجية التحريرية التي يعتقدون أنها تنزع القداسة عن النص الأعظم وعن التراث ككل. والسؤال المطروح هنا هو التالي: إلى متى سيظلون قادرين على مقاومة رياح التغيير والحداثة والعصر؟ نقول ذلك ونحن نعلم أن الانسداد التاريخي أو الاحتقان التاريخي الذي نعاني منه حالياً لن ينحل قبل تطبيق منهجية النقد التاريخي على التراث... كل التراث.



مصر تطلق منصة رقمية لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي

المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)
المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

مصر تطلق منصة رقمية لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي

المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)
المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)

أعلن المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري عن إطلاق منصة «شات EGYPT» لمواجهة الشائعات، ضمن فعاليات «منتدى مصر 2026»، بوصفها أكبر منصة رقمية وتفاعلية موحدة لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن المنصة أداة ذكية للتحقق من المعلومات، وتعزيز إتاحة الحقيقة من مصدرها الرسمي.

ووفق ما ذكره مركز المعلومات على صفحته، الاثنين، «تمثل المنصة أداة متكاملة لرصد الشائعات والتحقق منها والرد عليها، اعتماداً على منهج مؤسسي يضمن إتاحة المعلومة الصحيحة من مصدرها الرسمي وفي التوقيت المناسب».

وتضم المنصة 4 أقسام رئيسية، هي: «ركن الأخبار، والتوعية، والإحصائيات، واستفسارات المواطنين».

وتعتمد المنصة على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل النصوص والصور ومقاطع الفيديو، وربطها بالسياق الزمني والمعلوماتي الصحيح، بما يساعد على اكتشاف المحتوى المضلل والتلاعب بالمعلومات مبكراً، وفق ما نشره مركز معلومات مجلس الوزراء، مؤكداً أنه تم إدخال أكثر من 21 ألف عنصر بياني على المنصة حتى الآن، بالإضافة إلى التصريحات اليومية للمسؤولين في وسائل الإعلام.

وتعتمد المنصة على التكامل والتنسيق المؤسسي بين الوزارات والهيئات والمحافظات، من خلال نظام عمل لا مركزي يتيح لكل جهة رسمية إدراج البيانات والمعلومات المعتمدة الخاصة بها وفقاً لاختصاصاتها، بما يضمن سرعة تصحيح المعلومات المتداولة.

ووفق المتخصصة في الإعلام الرقمي وعضو مجلس إدارة مركز أبحاث ودراسات الرأي العام بكلية الإعلام جامعة القاهرة الدكتورة سارة فوزي فإن «منصة Chat Egypt لمكافحة الشائعات التي أطلقها المنتدى خطوة مهمة نحو توظيف التكنولوجيا في خدمة الوعي ودعم التحقق من المعلومات، ومواجهة المحتوى المضلل، وتعزيز قدرة المواطن على الوصول إلى معلومات أكثر دقة وموثوقية».

وتضيف فوزي لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أن المعركة الحقيقية مع الشائعة لا تبدأ بعد انتشارها، بل قبل ذلك من خلال بناء مناعة معرفية ورقمية لدى الجمهور؛ لأن حماية الوعي تبدأ من حماية الحقيقة، ومواجهة الشائعة تبدأ بمُواطن يعرف كيف يسأل ويتحقق قبل أن يصدق أو يشارك المعلومة، فيتحول هنا المواطن إلى مدقق معلومات بصورة استباقية بدلاً من تورطه في نشر الشائعة».

وتعد منصة «شات EGYPT» خطوة جديدة نحو سرعة رصد الشائعات، والتحقق منها، والرد عليها، بما يحد من انتشارها قبل اتساع نطاق تداولها، وفق ما ذكره مركز المعلومات.

ويرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا» محمد فتحي أن منصة «شات EGYPT» خطوة مهمة لمواجهة الشائعات، ونقل الأمر من منطق رد الفعل المتأخر إلى منطق الإتاحة الفورية للمعلومة الرسمية، في بيئة تنتشر فيها الشائعة أسرع من التصحيح.

مركز معلومات مجلس الوزراء يبرز منصة مكافحة الشائعات (فيسبوك)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «نجاح المنصة مرهون بعدة عوامل، أولها الدقة والتحديث المستمر، وكذلك الشفافية، وذكر المصدر في كل معلومة، والاعتراف بحدود ما تعرفه المنصة بدلاً من التخمين لمجرد الرد والاستجابة، وأيضاً سرعة الاستجابة نفسها وكذلك الانتشار والتوعية؛ فالمنصة لن تكون مفيدة ما لم تصل إلى الشباب على المنصات التي يستخدمونها بالفعل، كما أن مواجهة الشائعات لا تقتصر على الأدوات التقنية، بل تحتاج إلى تعزيز الثقافة الإعلامية لدى الجمهور، وإلى سياسة اتصال حكومي تتيح المعلومات استباقياً، فالمنصة أداة قوية، لكنها جزء من منظومة».

وكان مجلس الوزراء قد ناقش في ديسمبر (كانون الأول) ضرورة أن تكون هناك وحدات رصد مبكر في جميع الوزارات لرصد الشائعات وبحثها، والرد عليها وتفنيدها في مهدها؛ حتى يتم وضع حد مبكر لانتشارها.

وعدّت صاحبة مبادرة «ثورة الذكاء الاصطناعي» إيمان الوراقي هذه المنصة «خطوة مهمة؛ لأنها تنقل مواجهة الشائعات من ردود الفعل المتأخرة إلى التحقق السريع، وتمنح المواطن طريقاً مباشراً إلى المعلومة الموثوقة من مصدرها». وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الاختبار الحقيقي لهذه المنصة لن يكون مع إطلاقها بل عند أول شائعة كبرى تنتشر أسرع من قدرة المؤسسات على الرد عليها».

وأضافت الوراقي: «التحدي الحقيقي هو أن تقدم المنصة للمواطن (الحقيقة من مصدرها) بصورة سريعة، واضحة، ومسنودة بالأدلة، لا أن تكتفي بنفي ما يتم تداوله، كما أن مواجهة الشائعات لا تعني مطاردة كل منشور كاذب، فالأهم هو معالجة البيئة التي تجعل الشائعة قابلة للتصديق والانتشار، وفي مقدمتها غياب المعلومة أو تأخرها أو غموضها».

وتناول الاجتماع المشار إليه آنفاً لمجلس الوزراء «العمل على إعداد مشروع قانون ينظم إتاحة وتداول البيانات امتثالاً لحكم المادة (68) من الدستور، بما يحقق التوازن بين تحقيق الشفافية، وتوافر المعلومات والبيانات والإحصاءات، وحماية المعلومات والبيانات السرية، وبين تحقيق الردع والتصدي الفعال للشائعات والأخبار الكاذبة».


«بومة»... امرأة تنتزع نفوذها بالعنف وتختبر الأمومة

الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)
الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)
TT

«بومة»... امرأة تنتزع نفوذها بالعنف وتختبر الأمومة

الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)
الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)

يقترب الفيلم الأردني «بومة»، الذي عُرض ضمن فعاليات مهرجان «الجونة السينمائي»، من حياة امرأة دفعتها نشأتها القاسية إلى انتزاع مكانتها داخل عالم تحكمه سطوة الرجال. ومن خلال بطلة تتوسل العنف لحماية نفسها، يفتح المخرج زيد أبو حمدان أسئلة عن الوصم والانتماء وحدود الخيارات المتاحة للنساء في بيئة اجتماعية تضيق فيها فرص الحماية والاستقلال، متتبعاً صراعها حين توقظ علاقتها بطفلين حاجتها إلى العائلة، وتضعها أمام مسؤولية الرعاية بعدما اعتادت مواجهة الحياة وحيدة.

وتؤدي الممثلة ركين سعد شخصية تحمل آثار الإقصاء في علاقتها بنفسها وبالآخرين؛ إذ نشأت من دون اسم عائلة يوفر لها الحماية، في بيئة يرتبط فيها الاعتراف الاجتماعي بالنسب وشبكات القرابة. ويصبح البحث عن مكان داخل هذا المجتمع معركة مستمرة، وتغدو قدرتها على فرض حضورها تعويضاً عن غياب السند. ومن هنا تنشأ المفارقة التي تحكم حياتها: كلما اتسعت مساحة نفوذها، ظل إحساسها بالأمان مهدداً، وبقي عليها أن تثبت قوتها من جديد.

وتدور أحداث الفيلم في أحياء مهمّشة من عمّان، حيث تعيش بومة داخل عالم تتداخل فيه الجريمة مع تدبير شؤون الحياة اليومية، وتتحكم في علاقاته المصالح والخوف. وتبني لنفسها نفوذاً في مواجهة رجال العصابات وتجار المخدرات، قبل أن يدخل طفلان إلى حياتها، فتجد نفسها أمام أسئلة تتعلق بالأمومة والانتماء. وبالتزامن مع هذه العلاقة، تصعد قوة إجرامية أكثر تنظيماً تهدد موقعها، وتدفعها إلى المفاضلة بين الحفاظ على سلطتها وحماية المقربين منها.

وتنبع صعوبة وضعها من أن العنف الذي تستخدمه يحفظ لها مكانتها، لكنه يربطها أيضاً بمصدر الخطر. فقد تعلّمت قواعد الشارع وتبنّت أساليب الرجال المسيطرين عليه، حتى أصبحت القسوة جزءاً من الطريقة التي تقدم بها نفسها وتتعامل بها مع محيطها. ولهذا تبدو قدرتها على المواجهة محمّلة بثمن نفسي، فهي مطالبة بإخفاء ضعفها باستمرار.

ويمنح دخول الطفلين إلى حياتها هذا الصراع وجهاً أكثر خصوصية؛ إذ يضعها أمام احتياجات لا تستطيع تلبيتها بمجرد فرض النفوذ. فالرعاية تقتضي الصبر والثقة والقدرة على الاقتراب، وهي أمور يصعب على امرأة تشكّلت خبرتها عبر الخذلان أن تمنحها بسهولة. وتصبح علاقتها بهما اختباراً لما تستطيع تقديمه خارج حدود الحماية بالقوة، ويكتسب التفكير في المستقبل معنى مختلفاً بعدما صار لقراراتها أثر مباشر في حياة طفلين يعتمدان عليها.

ويرى الناقد السينمائي المصري طارق الشناوي أن المخرج زيد أبو حمدان راهن في فيلم «بومة» على شخصية استثنائية، تفرض قانونها الخاص على المكان الذي تعيش فيه، وتستمد سلطتها من قدرتها على إخضاع الآخرين لقواعدها، بعيداً عن القانون العام الذي يُفترض أن ينظم حياة الجميع.

صُوِّر الفيلم في مواقع أردنية عدَّة (حساب ركين سعد على «فيسبوك»)

ويضيف الشناوي لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الظاهرة موجودة في مجتمعات مختلفة حول العالم، بينما تأتي خصوصية المعالجة من إسناد هذه القوة المفرطة إلى امرأة تمارس سطوتها على محيطها».ويؤكد أن «ركين سعد تعاملت مع الشخصية بجدية واضحة»، مشيراً إلى أن الخط الإنساني يمثل جانباً مهماً في بنائها؛ لأنه يكشف مواضع الضعف داخل امرأة تبدو قادرة على السيطرة وفرض إرادتها. ويلفت إلى أن الجانب العاطفي الكامن فيها يجعلها تفقد قدراً من سطوتها، ويمنح الصراع بُعداً يتصل بما يحدث داخل الشخصية حين تصبح مشاعرها مؤثرة في قراراتها وقدرتها على الاحتفاظ بنفوذها.

ومع تبدّل موازين القوة حولها، تتكشف هشاشة الموقع الذي انتزعته بسنوات من المواجهة؛ فالنفوذ الشخصي يصبح معرّضاً للتراجع أمام منظومة إجرامية أوسع تنظيماً، بينما يضاعف ارتباطها بالطفلين إحساسها بالخطر. وتزداد المفاضلة تعقيداً لأن التخلي عن السلطة قد يعيد إليها شعورها القديم بالعجز، في حين أن التشبث بها يطيل بقاءها داخل دائرة التهديد. أما احتمال الرحيل، فيحمل سؤالاً عما تستطيع أن تكونه بعيداً عن المكان الذي صنع اسمها.

ويأخذ الشناوي على الفيلم «ارتفاع حدة التعبير على مستويات متعددة؛ فالموسيقى والأداء والأحداث، إلى جانب الصوت والصورة، تتضافر في صناعة حالة متواصلة من الصخب». ويؤكد أنه كان يتمنى مساحة أكبر من الهدوء الدرامي تسمح بتخفيف هذه الحدة، «لأن رسالة الفيلم وصلت بالفعل، لكن كان بالإمكان إيصالها بدرجة أقل من الصخب، مع الحفاظ على مضمونها وتأثيرها الإنساني».

فيلم «بومة» من تأليف زيد أبو حمدان وإخراجه، وبطولة ركين سعد، وجوانا عريضة، ومجد عيد، ونبيل الراعي، وفرح بسيسو، وحنان حلو.


قميص صلاح يجدد «دبلوماسية كرة القدم» بين القاهرة وأنقرة

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)
TT

قميص صلاح يجدد «دبلوماسية كرة القدم» بين القاهرة وأنقرة

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)

جددت لفتة من مسؤول تركي دبلوماسية كرة القدم، بإهدائه رئيس الوزراء المصري قميص نادي طرابزون التركي الذي يلعب لصالحه قائد منتخب مصر محمد صلاح.

وتجسدت دبلوماسية كرة القدم في مواقف عدة وأحداث سابقة ربطت بين كرة القدم والسياسة، كان من بينها أنباء نشرتها صحف تركية قبل شهر عن ترحيب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بلقاء محمد صلاح في القصر الرئاسي بأنقرة، بعد استقراره في النادي التركي، وفق ما ذكره رئيس النادي، دون تحديد موعد محدد للَّقاء المرتقب.

وفي الأيام الماضية، خطف الاهتمام مشهد مسؤول بالجناح التركي في معرض «تراثنا» الذي يقام في القاهرة وتشارك فيه دول كثيرة، وهو يهدي رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، نسخة من قميص نادي طرابزون سبور التركي، وقد كُتب عليها اسم محمد صلاح، في لفتة طريفة حظيت باهتمام وانتشار واسع في وسائل الإعلام التركية والعربية.

جاء ذلك على هامش افتتاح مدبولي الدورة الثامنة لمعرض «تراثنا 2026» لدعم الحرف اليدوية والتراثية، تحت شعار «أصل الحكاية»؛ إذ تفقَّد الجناح التركي بالمعرض في مشهد حظي باهتمام لافت؛ خصوصاً مع ظهور علامات السعادة على وجه مدبولي ومرافقيه من الوزراء والمسؤولين، لدى تسلمه القميص المميز للفريق التركي الذي يحمل اسم قائد منتخب مصر محمد صلاح.

يذكر أن المعرض المقام في مركز مصر الدولي للمعارض، خلال الفترة من 17 إلى 24 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي يحظى بمشاركة تركية هي الأولى من نوعها.

كما زار مدبولي جناح المملكة المغربية (ضيف شرف المعرض)، وجناح دولة الإمارات العربية المتحدة، وجناح جمهورية الجزائر. ولدى تفقده الجناح التركي اطَّلع مدبولي على جانب متميز من الحرف والفنون التي تعكس عراقة التراث التركي، بينما أكد القائمون على الجناح أهمية معرض «تراثنا» كنافذة إقليمية ودولية ملهمة لإبراز هذه الفنون والتقاليد الأصيلة، ومد جسور التواصل والتقارب الثقافي.

ويرى الناقد الرياضي المصري أيمن أبو عايد أن «العلاقات المصرية التركية قديمة وممتدة خلال عصر الدولة المصرية الحديثة، وهناك علاقات مصاهرة كثيرة بين البلدين امتدت عقوداً طويلة. وكان الاستقبال الأسطوري الذي حظي به صلاح بعد انتقاله إلى الدوري التركي معبراً عن عمق تلك العلاقات، مكرراً ما حظي به من قبل في ليفربول مع الجماهير الإنجليزية. ولفتة المسؤول التركي أكدت أن الرياضة وصلاح من أدوات قوة مصر الناعمة التي تساعد في امتداد علاقاتها وتجديدها».

محمد صلاح في نادي طرابزون التركي (فيسبوك)

ومنذ انتقاله إلى صفوف طرابزون سبور في أغسطس (آب) الماضي، يحظى اللاعب المصري محمد صلاح باهتمام إعلامي واسع في تركيا، وأشار البعض إلى إمكانية انعكاس هذا الاهتمام على شعبية النادي، وعلى مكانة المدينة وتأثيرها على مستوى الرياضة والسياحة.

ويضيف أبو عايد لـ«الشرق الأوسط»: «طبعاً المسؤول التركي يعلم أهمية صلاح وشعبيته الكبيرة في مصر، وإهداء قميصه إلى رئيس الوزراء يعد تعبيراً عن سعادة تركيا، مسؤولين وجماهير، بانتقال صلاح للَّعب في طرابزون سبور التركي؛ حيث كان لوجوده دور في الدعاية والترويج للمدينة».

وامتد الاهتمام بصلاح في تركيا إلى الإعلان عن إطلاق اسمه على الشارع الذي يقيم فيه، كما شهدت مدينة طرابزون رسم جدارية ضخمة تحمل صورته بقميص النادي.