تركيا تواصل التصعيد بشأن التنقيب عن الغاز والنفط شرق المتوسط

بعد الاتحاد الأوروبي... قبرص واليونان تدينان أنشطتها «غير القانونية»

تركيا تواصل التصعيد بشأن التنقيب عن الغاز والنفط شرق المتوسط
TT

تركيا تواصل التصعيد بشأن التنقيب عن الغاز والنفط شرق المتوسط

تركيا تواصل التصعيد بشأن التنقيب عن الغاز والنفط شرق المتوسط

أدانت كل من اليونان وقبرص، أمس، أنشطة تركيا شرق المتوسط، فيما جددت أنقرة تمسكها بالتنقيب عن النفط والغاز في هذه المنطقة.
وقالت وزارة الخارجية القبرصية في بيان صحافي، إن «العمل الاستفزازي الذي تقوم به تركيا يمثل انتهاكاً صارخاً للحقوق السيادية لجمهورية قبرص، وفقاً للقانون الدولي وقانون الاتحاد الأوروبي»، مشيرة إلى أنه «في الوقت نفسه، يعمل على الكشف عن النوايا الحقيقية لأنقرة فيما يتعلق بالمشكلة القبرصية ويشرح سبب رفض تركيا الاقتراح بعقد اجتماع غير رسمي، كما حصل في كران مونتانا»، لمناقشة المشكلة القبرصية.
وقال رئيس الجمهورية القبرصية نيكوس أناستادياديس، في هذا السياق إن تركيا «لا تعمل على تسهيل عملية استئناف الحوار»، بعد إرسال سفينة حفر خاصة بها إلى المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص. وأضاف أن «الإجراءات التركية غير القانونية تأتي مباشرة بعد (...) توصية مجلس الأمن بتجنب أي إجراء - بالإشارة إلى أفعال تركيا، يهدد تسهيل ما نسعى إليه جميعاً، وهو استئناف الحوار».
بدورها، أدانت أثينا في بيان رسمي لوزارة الخارجية اليونانية أعمال الحفر والتنقيب عن الغاز «غير القانونية» التي تقوم بها تركيا في المنطقة الاقتصادية الخالصة لجمهورية قبرص. وجاء في البيان: «ندين قرار تركيا إجراء عمليات حفر غير قانونية في المنطقة الاقتصادية الخالصة لجمهورية قبرص... إننا ندعو تركيا إلى الوقف الفوري لأنشطتها غير القانونية، واحترام الحقوق غير القابلة للنقاش لجمهورية قبرص وسيادتها لصالح الشعب القبرصي بأسره، والامتناع عن اتخاذ المزيد من الإجراءات التي تقوض الاستقرار في المنطقة، وكذلك استئناف المحادثات على أساس عادل ومنصف والتوصل لحلا قابلا للتطبيق لمشكلة قبرص».
في المقابل، وفي تصعيد جديد من جانب تركيا، قال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار إن بلاده لن تغض الطرف حيال ما سماه «محاولات اغتصاب الحقوق في المنطقة». وأكد أكار، في تصريحات أمس، أن بلاده مصممة على «حماية حقوقها النابعة من القانون الدولي في شرق البحر المتوسط وبحر إيجه، والدفاع عن حقوق القبارصة الأتراك بصفتها دولة ضامنة وعدم السماح بفرض أمر واقع».
ودعا أكار الحكومة اليونانية إلى التحلي بالحكمة والتعاون مع الجارة تركيا، وقال إن مصادر الطاقة الموجودة في إيجه وشرق المتوسط، ينبغي أن تكون جسراً للسلام والحوار والاستخدام المشترك، وإن رسم حدود الصلاحيات البحرية بين الدول المتشاطئة، ينبغي أن يتم بالتوافق.
وعبر الوزير التركي عن ثقة بلاده بإمكانية حل جميع المشاكل، في إطار القانون الدولي، وحسن الجوار، والنوايا الحسنة والاحترام المتبادل، وعن طريق الحوار والتفاوض، وبالوسائل السلمية، وأعرب عن تطلع تركيا لتحلي الجانب اليوناني بموقف بناء أيضا.
وأعلنت السلطات البحرية التركية، في رسالة بثت يوم الجمعة الماضي على الخدمة الدولية للرسائل البحرية (نافتكس)، نيتها إجراء عمليات تنقيب عن الغاز الطبيعي حتى سبتمبر (أيلول) المقبل في منطقة من البحر المتوسط تؤكد سلطات قبرص أنها تندرج ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة للجزيرة القبرصية المقسمة.
وقالت السلطات التركية إن عمليات التنقيب ستجريها السفينة «الفاتح» و3 سفن مساندة لوجيستية.
ووقّعت جمهورية قبرص، العضو في الاتحاد الأوروبي التي لا تمارس سلطتها سوى على ثلثي الجزيرة القبرصية، في الأعوام الأخيرة، عقودا للتنقيب عن الغاز مع شركات عملاقة مثل «إيني» الإيطالية و«توتال» الفرنسية و«إكسون موبيل» الأميركية، لكن تركيا، التي تتواجد عسكريا في الشطر الشمالي من الجزيرة منذ عام 1974 بعد محاولات لضم الجزيرة لليونان، تطالب بوقف أي عملية تنقيب مع استمرار عدم التوصل إلى حل بين القبارصة اليونانيين والأتراك يؤدي لتوحيد الجزيرة.
وسبق أن تحرشت قطع بحرية تركية بسفن التنقيب التابعة لشركة إيني، ووجهت إيطاليا تحذيرا إلى تركيا بالابتعاد وإلا قامت بتحريك سفنها الحربية للرد وتراجعت السفن التركية وقتها، كما حاولت تركيا تكرار الأمر نفسه مع السفن التابعة لشركة «إكسون موبيل» الأميركية.
وأصدرت الخارجية المصرية بياناً، أول من أمس، أكدت خلاله أنها تتابع باهتمام وقلق التطورات الجارية حول ما أُعلن بشأن نوايا تركيا البدء في أنشطة حفر في منطقة بحرية تقع غرب جمهورية قبرص. وحذَّر البيان من انعكاس أي إجراءات أحادية على الأمن والاستقرار في منطقة شرق المتوسط، مؤكداً ضرورة التزام أي تصرفات لدول المنطقة بقواعد القانون الدولي وأحكامه.
من جانبها، أعربت الممثل الأعلى للسياسة الأمنية والشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني عن «قلقها البالغ» حيال «إعلان تركيا نيتها القيام بأنشطة تنقيب عن الغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص. ولفتت في بيان إلى أنه «في مارس (آذار) 2018، ندد المجلس الأوروبي بشدة بمواصلة تركيا أنشطتها غير القانونية في شرق البحر المتوسط».
وأضافت موغيريني: «في هذا السياق، ندعو تركيا بإلحاح إلى ضبط النفس واحترام الحقوق السيادية لقبرص في منطقتها الاقتصادية الخالصة والامتناع عن أي عمل غير قانوني»، مؤكدة أن «الاتحاد الأوروبي سيرد عليها في شكل ملائم وبتضامن كامل مع قبرص».
وقالت الخارجية التركية، في بيان، إنها ترفض ما جاء على لسان موغيريني، لافتة إلى أن أنشطة تركيا المتعلقة بالتنقيب عن النفط والغاز في منطقة شرق البحر المتوسط، تعتمد على حقوقها المشروعة المنبثقة عن القانون الدولي.
على صعيد آخر، وفي سياق التوتر بين أنقرة وواشنطن بشأن صفقة صواريخ «إس - 400» الروسية، أكد نائب الرئيس التركي، فؤاد أوكطاي، أمس، أن بلاده لن ترضخ مطلقا لأي عقوبات أميركية بسبب شرائها للأنظمة الروسية.
وقال أوكطاي، في مقابلة تلفزيونية، إن المخاوف الأميركية من هذه المسألة غير منطقية، مضيفاً: «تركيا لن تتراجع». وأعلنت واشنطن، سابقا، أن المنظومة الصاروخية الروسية قد تقوض قدرات المقاتلات الأميركية من طراز «إف - 35» التي تبرم بشأنها صفقة أخرى مع تركيا، وحذرت من عقوبات محتملة، إذا مضت أنقرة قدما في الصفقة مع روسيا منها حرمانها من الحصول على مقاتلات «إف - 35» التي تشارك في مشروع دولي لتصنيعها، إضافة إلى عدم تزويدها بصواريخ «باتريوت».
في سياق آخر، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن وكالة الأناضول التركية أمس أن السلطات «كشفت وجود علاقة بين (منظمة إرهابية) ومسؤولين في مكاتب الاقتراع» خلال الانتخابات البلدية الأخيرة في إسطنبول، التي فازت بها المعارضة. وجرت الانتخابات البلدية الأخيرة في 31 مارس الماضي، وانتهت إلى هزيمة كبيرة للرئيس رجب طيب إردوغان، حيث خسر حزبه حزب العدالة والتنمية بلديتي أنقرة وإسطنبول.
لكن حزب العدالة والتنمية لا يزال يرفض النتيجة وكثف جهوده لإبطال النتائج، مقدما اعتراضات عدة أمام القضاء الذي فتح تحقيقات عدة واستجوب نحو مائة مسؤول في مكاتب الاقتراع. وحسب الوكالة، فإن المحققين الأتراك توصلوا إلى أن 43 من المسؤولين المائة كانوا يقيمون اتصالات مع شبكة فتح الله غولن، الذي يتهمه إردوغان بالوقوف وراء المحاولة الانقلابية الفاشلة في يوليو (تموز) 2016.
وحسب وكالة أنباء الاناضول، فإن 41 من «المشتبه بهم» كانت لهم في الماضي حسابات في بنك آسيا المرتبط بحركة غولن الذي سحب ترخيصه بالعمل بعد المحاولة الانقلابية. أما الاثنان الآخران من أصل 43، فمتّهمان باستخدام تطبيق رسائل مشفر يستخدمه عادة أنصار غولن، حسب الوكالة.
ويأتي نشر هذه المعلومات من قبل وكالة أنباء الأناضول عشية اجتماع مقرر اليوم للمفوضية العليا للانتخابات، لاتخاذ موقف من طلب طعن تقدم به حزب إردوغان لإلغاء نتائج الانتخابات في إسطنبول. ودعا إردوغان السبت المفوضية العليا للانتخابات إلى إجراء انتخابات جديدة في إسطنبول.
أما المرشح الفائز في انتخابات إسطنبول أكرم إمام أوغلو، فوصف الاتهامات بحصول أعمال تزوير بـ«السخيفة».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...