الأطباق الأكثر شهرة حول العالم

من البيتزا الإيطالية إلى البرغر الأميركي

الأطباق الأكثر شهرة حول العالم
TT

الأطباق الأكثر شهرة حول العالم

الأطباق الأكثر شهرة حول العالم

في حين تفخر كل دولة بأكلاتها الشعبية، فإن المذاق العام قد يختلف عليه الزوار غير المعتادين على تذوق أنواع جديدة أو غير عادية من الوجبات. ولكن هناك من الوجبات وأنواع الطعام التي يجمع الزوار الأجانب على أنها الأفضل مذاقاً. وتبقى هذه الأطعمة في الذاكرة جزءاً من مزايا الدول التي تجذب زوارها إلى العودة مرة أخرى.
ومع اتساع دائرة الإعجاب تنطلق بعض الأطعمة إلى رحاب العالمية حيث لا يختلف عليها اثنان. إنها تخطّت شهرة الدول التي ابتكرتها وأصبحت مرغوبة في كل دول العالم. من أبرز أمثلة هذه الأطعمة سندويتش «الهامبرغر» الأميركي الذي أصبح بحق وجبة عالمية، وهناك كثير من الأمثلة الأخرى، منها البيتزا الإيطالية وخبز الباغيت الفرنسي والفلافل العربية. وفي قمة الدول التي تشتهر بأطعمتها الجذابة، إيطاليا وفرنسا والمكسيك وإسبانيا والهند.
ولكن ما يختلف عليه كثيرون هو ترتيب الدول التي تقدم للعالم أفضل الأطعمة. فاختلاف الأذواق والانتماءات الوطنية جعلت هذه المهمة شبه مستحيلة. وهناك عشرات التصنيفات في العالم ولكن المعيار الذي يمكن اعتماده يأتي من مؤسسة تصنيف محايدة اسمها «رانكر» Ranker)) تعتمد على أصوات المشاركين من الزوار والسياح ومن متذوقي أطعمة الشعوب في بلدانها الأصلية. وتفتح هذه المؤسسة تصويتاً حيّاً على موقعها الإلكتروني لاختيار أفضل الدول طعاماً. وما زالت إيطاليا تتقدم الصفوف بفارق أكثر من أربعة آلاف صوت عن فرنسا التي تقع في المركز الثاني.
ومن الدول العربية تتقدم لبنان في المركز الثاني عشر وهي تتفوق على أميركا في المركز 15 وروسيا في المركز 16 ودول لاتينية مثل البرازيل والأرجنتين وبيرو وتشيلي، بينما تأتي المغرب في المركز 25 عالمياً متفوقة على إنجلترا وويلز وكوريا الجنوبية وأوكرانيا. وفي الموقع رقم 60 تأتي مصر، وبعدها تونس في المركز 76 ثم سوريا وفلسطين في الموقعين رقم 80 و81 على التوالي. وتلحق بهما في قائمة أفضل 100 دولة في العالم طعاماً الجزائر والمملكة العربية السعودية في المركزين 83 و93 على التوالي. وتأتي الإمارات والأردن خارج لائحة المائة الأوائل.
مما يُذكر أن هذا التصنيف لا يعتمد فقط على المذاق الذي يعرفه ويقدره أهل البلدان المصنفة في هذه اللائحة، وإنما أيضاً على مدى انتشار مطاعم الدول المختارة عالمياً حيث المطاعم الإيطالية والفرنسية واللبنانية المنتشرة في أنحاء العالم، التي جربها زبائنها من مختلف الجنسيات أسهمت بشكل كبير في جمع الأصوات لهذه الدول. وفي السنوات الأخيرة شاركت الأكلات الهندية والصينية والتايلاندية في رفع ترتيب هذه الدول إلى المراكز الثالث والثامن والتاسع بالترتيب. وتأتي تركيا المشهورة بوجبات الكباب في المركز 11 قبل لبنان مباشرة.

الخمس دول الأوائل
وهذه هي قائمة الخمس الأوائل بين أفضل الدول طعاماً في أحدث ترتيب لها، الشهر الماضي، وهو ترتيب لن يتغير قريباً، نظراً لفارق الأصوات الكبير بين الدول:
المركز الأول - إيطاليا: وهي تتميز بالنوعية وأيضاً بالتنوُّع مما جعلها تتفوق على دول مثل فرنسا والهند. ويقول عشاق المطاعم الإيطالية إنهم يطلبون كثيراً من الخيارات من قوائم الطعام الإيطالية ولا يندمون أبداً على خياراتهم ويجدون مذاقاً جديداً في كل وجبة يختارونها. وتشتهر إيطاليا بأطباق البيتزا التي يشتهر منها نوع اسمه «نابوليتانا». وتطور المطبخ الإيطالي عبر قرون من الارتقاء الاجتماعي والسياسي وتصل جذوره إلى القرن الرابع قبل الميلاد. وتأثر المطبخ الإيطالي بدوره بمطابخ الدول المجاورة، خصوصاً اليونان، وأيضاً دول شمال أفريقيا التي سيطرت عليها الإمبراطورية الرومانية.
ومع اكتشاف أميركا استفاد المطبخ الإيطالي من أطعمة جديدة، مثل البطاطس والطماطم والفلفل الرومي والذرة. ويُعرف المطبخ الإيطالي بتنوعه الجغرافي بين المناطق الإيطالية. وهو من الوجبات الصحية في العالم، وينتمي إلى «غذاء البحر المتوسط» ويعتمد أساساً على الباستا والأسماك والفواكه والخضراوات وزيت الزيتون. وهو طعام يتسم بالبساطة ويتميز بأنه مستمَدّ من تقاليد العائلات الإيطالية، وليس من ابتكار طباخين محترفين، ولذلك فمن السهولة تحضير الوجبات الإيطالية في المنازل. وينتشر الطعام الإيطالي حالياً في جميع أنحاء العالم. وتحمي القوانين الأوروبية أسماء الوجبات الإيطالية وطرق تحضيرها، مثل أنواع «الجبن ريكوتا» و«ماسكاربون» و«آيس كريم بالفستق» و«البسكويت باللوز» وحلوى «تيرماسو» وغيرها.
المركز الثاني - فرنسا: إذا كانت إيطاليا هي عنوان البساطة في تحضير وجباتها المرغوبة عالمياً، فإن فرنسا هي مدرسة الرقي والاهتمام بالتفاصيل في أطعمتها التي تجذب إليها الملايين حول العالم. وتشتهر بالأسلوب الراقي في تحضير وجباتها والطعم الجذاب حتى في أبسط محتوياتها مثل الخبز الباغيت والكرواسون. ويربط هواة المطبخ الفرنسي بين تناول وجبة في مطعم فرنسي والشعور بالسعادة، خصوصاً في تناول اللحم البقري (ستيك) ومعه البطاطس المقلية التي تُسمّى «فرنش فرايز». وتخطَّت هذه الوجبة حدود فرنسا إلى العالمية حيث تُقدّم في المطاعم الفرنسية حول العالم. ويختلف المطبخ الفرنسي أيضاً باختلاف المناطق، فحين تعتمد المناطق الجنوبية على زيت الزيتون في وجباتها تفضل المناطق الشمالية استخدام الزبد. وتشتهر كل منطقة بوجبتها المفضلة. وتشتهر فرنسا أيضاً بأنواع الجبن مثل «كامومبير» و«روكفور» و«بري»، من بين أكثر من 400 نوع آخر من الجبن. وابتكر الفرنسيون الوجبة المكونة من ثلاثة أصناف: المقبلات والوجبة الرئيسية والحلوى. ويمكن أن تمتد الوجبة إلى خمسة أصناف بإضافة السلطة والجبن.
ويُعتبر المطبخ الفرنسي جزءاً أساسياً من نوعية الحياة في فرنسا. ونشأ «دليل ميشلان» لتصنيف المطاعم وتقييم نوعية الأطعمة التي تقدمها. وتحتل المطاعم الفرنسية المركز الأول في الحصول على «نجوم ميشلان» أكثر من أي جنسية مطاعم أخرى، وتلحقها المطاعم اليابانية بنسبة تكاد تتعادل معها.
المركز الثالث - الهند: تمتد الهند على بقعة شاسعة من الأراضي التي تتخطى كونها دولة إلى مصاف شبه القارة التي يقطنها أكثر من مليار إنسان. ويعني هذا الانتشار البشري والجغرافي تنوع أصناف المطبخ الهندي وتغير مذاقه بين المقاطعات المختلفة. وهو أيضاً ينقسم بين المناطق الإسلامية التي تعتمد في وجباتها على اللحوم والمناطق النباتية الهندوسية. وتشتهر الهند على وجه الخصوص بأطعمة الشوارع. وتباع أشهر الوجبات النباتية في شوارع مومباي بأقل من دولار واحد وهي تتكون من الخبز والكاري النباتي المعتمد على الحمص ومعه عصير الليمون وشرائح البصل والمخللات.
وهناك العديد من المكونات الأساسية للمطبخ الهندي منها العدس والأرز والقمح وأنواع البقول والتوابل والأعشاب. وأسهمت التوابل الهندية في تحديث مذاق المطبخ الأوروبي إلى درجة أن تجارة التوابل مع الهند خلال عصر النهضة والثورة الصناعية كانت تُعدّ من المصالح الحيوية للدول الأوروبية.
وأسهم تاريخ الهند الحافل والحقب الاستعمارية في تطوير المطبخ الهندي، حيث قدم الاستعمار البرتغالي إلى الهند محصول البطاطس والفلفل الحار. وعلى مر العصور تأثرت مطابخ أخرى بالمطبخ الهندي منها مناطق الشرق الأوسط وأفريقيا ومنطقة البحر الكاريبي.
المركز الرابع - إسبانيا: تشتهر إسبانيا بتقديم أنواع الطعام الخاصة بها، ومنها أنواع المقبلات في أطباق صغيرة تُقدّم في المقاهي والمطاعم وأيضاً في أكلات الشوارع، وهي تُسمى في مجموعها «تاباس» (Tapas)، وهي تتنوع بين الأكلات البحرية والزيتون والجبن وقطع اللحم أو الدجاج. ويعرف سياح إسبانيا الذين يأتون إليها بالملايين وجبتها الشهيرة المعروفة باسم «باييا» (Paella) وهي من الأطباق المفضلة في المدن الساحلية مثل برشلونة وفالنسيا وملقا. وتتكون الوجبة من الأرز والأصناف البحرية.
ويعود تطور المطبخ الإسباني إلى حقبة الحكم العربي الأندلسي وإلى ثقافة البحر المتوسط. ومن أصناف الطعام الإسباني المعهودة الأسماك الصغيرة المقلية «بيسكاليتو فريتو» وشوربة «غارباتشو» التي يتم تناولها باردة، واللحوم المحفوظة، وأنواع الجبن وزيت الزيتون. وينقسم المطبخ الإسباني أيضاً إلى مناطق الأندلس جنوباً والباسك شمالاً، وبينهما مناطق كاستيل وأستوريا.
المركز الخامس - اليونان: تحتل اليونان موقعاً استراتيجياً على مفترق الطرق بين أوروبا وآسيا وأفريقيا. كما أن حضارتها قديمة وتسبق الحضارة الرومانية. وهي تتكون من تسع مناطق جغرافية تتنوع معها أنواع الوجبات التي تشتهر بها. ويمثل المطبخ اليوناني أصل حمية البحر المتوسط، التي تقدم أنواعاً مثل المسقعة والسلطة الإغريقية بالجبن الأبيض. ويعود تاريخ بعض الوجبات اليونانية إلى حضارة الإغريق القديمة مثل شوربة العدس وحلوى السمسمية التي تُسمى «باستيلي».
وابتكرت اليونان فكرة «المزّة» التي تقدم كمقبلات قبل الوجبات الرئيسية، ولكنها تختلف قليلاً عن المزة اللبنانية وتتكون أساساً من الأسماك والأخطبوط المقلي والجبن الأبيض ومحشي ورق العنب والزيتون. كما يعتمد المطبخ اليوناني على الأعشاب والتوابل والبصل والثوم والنعناع والشبت والبقدونس والزعتر. وتستخدم المناطق الشمالية القرفة والقرنفل في كثير من وجباتها.



«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
TT

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز الحِرفية. هذا الخبز، الذي يعتمد على التخمير الطبيعي بدل الخميرة الصناعية، لم يعد مجرّد خيار غذائي، بل أسلوب حياة يعبّر عن توق الناس إلى الأطعمة البسيطة والصحية على السواء، تفضله ربّات المنازل على غيره من أنواع الخبز كونه مرغوباً من قبل جيل الشباب.

يعود أصل هذا الخبز إلى آلاف السنين، إذ يُعتبر من أقدم أنواع الخبز في التاريخ. يُحضَّر باستخدام خليط من الطحين والماء، يُترك ليتخمَّر بفعل البكتيريا والخمائر الطبيعية الموجودة في الهواء. هذه العملية البطيئة تمنحه نكهة حامضة مميّزة وقواماً مطاطياً، إلى جانب فوائد صحية جعلته محط اهتمام خبراء التغذية.

لذيذ مع اللحوم والجبن وحتى الخضار (إنستغرام)

ويرى اختصاصيون أن التخمير الطويل يساعد على تسهيل عملية الهضم، وخفض نسبة الغلوتين، فيحسّن امتصاص المعادن مثل الحديد والمغنيسيوم. كما يتميّز بمؤشّر سكر أقل مقارنة بالخبز الأبيض، ما يجعله خياراً مفضّلاً لمن يعانون من مرض السكري.

لكن انتشار هذا الخبز لا يقتصر على فوائده الصحية. فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل تحضيره إلى طقس يومي وهواية منزلية. وانتشرت فيديوهات «تغذية العجينة الأم» وتقنيات الخَبز كنوع من التأمّل والعودة إلى الإيقاع البطيء للحياة.

يعود هذا الخبز إلى الواجهة من جديد بعد أن تسلل إلى الأفران، يُطلب بالاسم ويتغنى الناس بتناوله لمكوناته الصحية وطعمه اللذيذ.

السوشيال ميديا ساعدت في شهرته العالمية (إنستغرام)

في لبنان، بدأ الـ«ساور دو» يشق طريقه إلى مخابز صغيرة ومطابخ منزلية، حيث أُعيد ابتكاره بنكهات محلية باستخدام طحين القمح الكامل، الزعتر، أو حتى دبس الرمان والبندورة المجففة. وهكذا، لم يعد هذا الخبز مجرّد «ترند» عابر، بل رمزاً لحنين جماعي إلى الأصالة، ولرغبة في إعادة الاعتبار للمنتج اليدوي. يختاره الشباب اللبناني لتناوله كسندويش مع التونة والأفوكادو واللحوم على أنواعها.

«ساوردو» بنكهة لبنانيةما إن وجد خبز الـ«ساوردو» طريقه إلى المطبخ اللبناني، حتى بدأ يكتسب هوية محلية. فبدل الاكتفاء بنكهته الكلاسيكية، عمد خبازون وحرفيون إلى تطعيمه بمكوّنات مستوحاة من المائدة اللبنانية، ليأخذ مساحة غذائية تجمع بين التراث والابتكار.

خبز الساوردو بنكهات شرقية (إنستغرام)

«ساوردو» بالزعتر البلدي

يُعدّ الزعتر من أوائل النكهات التي وجدت طريقها إلى هذا الخبز. يُضاف الزعتر البلدي المجفف أو الأخضر إلى العجينة، فيمنحها عطراً ونكهة مألوفين محببين إلى قلب اللبناني، إذ يذكّره بالمنقوشة اللبنانية، ولكن بشكل جديد. هذا النوع يجمع بين القوام المطاطي للـ«ساوردو» والنكهة الترابية للزعتر، مما يجعله مثالياً للتقديم مع زيت الزيتون أو اللبنة.

«ساوردو» بزيت الزيتون

في هذا الصنف، يصبح زيت الزيتون عنصراً أساسياً في العجينة، لا مجرّد إضافة. ويؤدي استخدام الزيت البلدي البِكر إلى نعومة في القوام مع لمسة منكهة خفيفة. وغالباً ما يُفضّل هذا الخبز كمرافق للأطباق التقليدية أو لتغميسه بالحمص والمتبّل.

«ساوردو» بالبصل و المكرمل منه

استُوحي هذا النوع من نكهة «الفتّة» والأكلات المنزلية الدافئة. فإضافة البصل النيّئ أو المكرمل إلى العجينة تمنح الخبز حلاوة خفيفة تتوازن مع الحموضة الطبيعية، فنحصل على رغيف غنيّ النكهة يصلح للأجبان والمقبلات.

خلطة بالقمح الكامل والحبوب المحلية

تماشياً مع الميول الصحية، انتشر هذا الخبز المصنوع من طحين القمح الكامل أو خليط من الحبوب اللبنانية. صنف أكثر كثافة، يعكس توجهاً نحو خبز يشبه ذلك الذي كانت تُحضّره الجدّات، ولكن بقالب عصري وتقنيات حديثة. وكما خبز المرقوق المرتبط بالضيعة اللبنانية وتراثها، تحوَّل الـ«ساوردو» إلى خبز عريق يرتبط بالمدينة.

نكهات مبتكرة تثير الشهية

ذهب بعض الخبازين إلى أبعد من النكهات التقليدية، فجرَّبوا تطعيم العجينة بالسماق لما يحمله من حموضة طبيعية متناغمة مع الخبز، وكذلك بحبات الزيتون البلدي الأسود والأخضر. ولم يتوانَ بعضهم عن إضافة لمسة خفيفة من دبس الرمان والبندورة المجفَّفة. هكذا تحوَّل الرغيف إلى تجربة تذوّق تعكس تنوّع المطبخ اللبناني.

بهذه الإضافات، تحوَّل الـ«ساوردو» من وافد أجنبي إلى مكون غذائي عريق بطعماته المحلية، تفتخر ربَّات المنازل في تحضيره لتروي معه حكايات ترتبط بنكهة المطبخ اللبناني الأصيل.


«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
TT

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر، مقدماً تجربة استثنائية تمزج بين المأكولات الـ«حلال» وأصالة النكهات.

فالمطعم، الذي يعني اسمه باللغة الكورية «النزهة»، يتجول بين الأطباق الكورية الشعبية الشهيرة على وجه الخصوص، لا سيما التي تظهر عبر وسائل الإعلام والدراما الكورية، ملتزماً بتقديم المأكولات الكورية «الحلال».

قبل 5 أشهر، حطّ «سوبونغ» رحاله في القاهرة، ليكون الفرع رقم 32 في سلسلة فروع المطعم المنتشرة بين كوريا وتركيا. يقول مدير الفروع، عمران شوباش، لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت قصتنا في عام 2015 بافتتاح مطعم صغير في تركيا يحمل الاسم ذاته الذي نعمل به اليوم، إلا أنه بعد 6 أشهر فقط، فوجئنا بكم هائل من الزبائن وإقبال غير متوقع على المطبخ الكوري الحلال»، لافتاً إلى أن «المطعم أخذ في التوسع، وذلك من خلال افتتاح فرع يتلوه آخر، ليتحول اسمنا علامةً تجارية قابلة للامتياز (فرنشايز)، وأصبح هدفنا هو تغطية المحافظات التركية كافة».

ويتابع: «هذا المسار الطموح دفعنا إلى التوسع دولياً، وجاء اختيار مصر لأنها أكبر العواصم العربية وأكثرها كثافة سكانية، وهو ما يليق بطموحنا، واخترنا حي المعادي بالقاهرة تحديداً لأنه يتناسب في هدوئه مع الثقافة الكورية الهادئة بطبعها».

يشير عمران إلى أن الوجود في القاهرة مثّل تحدياً، يقول: «ندرك أن هناك تصوراً خاطئاً شائعاً لدى البعض في المنطقة العربية، حيث يربطون الأكل الآسيوي بشكل عام بأطباق غير تقليدية مثل الحشرات أو لحوم الكلاب»، متابعاً: «لهذا السبب اتخذنا قراراً بأن يكون مطعمنا متميزاً بتقديم الأكل الحلال بالكامل، وطورنا الكثير من الأطباق الكورية التقليدية، من خلال استخدام اللحم البقري عالي الجودة في جميع أطباقنا».

ديكورات "سوبونغ" تبعث على الراحة والهدوء لتعزيز التجربة الكورية

تضم قائمة طعام «سوبونغ» الكثير من الأطباق الشهيرة تتنوع بين اللحوم والدجاج، أشهرها «سونيانغ»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة حارة، و«سونجان»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة الصويا، ومن أطباق الدواجن أيضاً «مي يانغ وينغ»، وهي أجنحة الدجاج المقلية الحارة

يعدّ «بولغوغي» من أبرز أطباق اللحوم في المطعم، وهو من أشهر أطباق الشواء الكوري ويكتسب الآن شعبية كبيرة في أوروبا وأميركا، وهو عبارة عن شرائح رقيقة من لحم البقر تُتبل بصلصة حلوة ومالحة ثم تُشوى. أما «يوكيجن» فهو حساء اللحم المكون من لحم بقري وخضراوات وزيت الفلفل الحار.

، "سونيانغ" قطع الدجاج المقلي بدون عظم بصلصة حارة

يأتي الـ«كيمباب» الكوري كأحد الأركان الأساسية في قائمة الطعام، ويعدّ واحداً من أشهر أكلات الشارع الكوري، الذي وصل إلى جميع أنحاء العالم، وهو عبارة عن لفائف الأرز الكوري الأبيض المسلوق مع كثير من المكونات الأخرى، وحشوات مختلفة مثل السلمون والتونة والخضراوات.

بينما يُرشح المطعم لزواره مع الأطباق الأساسية السابقة طبق «كيمتشي» كأشهر طبق تقليدي جانبي، المصنوع من الملفوف (الكرنب) مع الفلفل الحار والثوم والتوابل الأخرى. ومعه «تشيكين مو»، أو مكعبات الفجل المخلل، الذي يتميز بنكهته اللاذعة قليلاً والحلوة، حيث يحضّر بالخل والسكر والملح.

يقدم المطعم لزواره أرز «توكبوكّي» الحار، الذي يقدم في شكل أصابع مع صلصة كورية حارة، وكذلك «لاميون» وهي نودلز كورية حارة، تتسم بالنكهة القوية. أما «تشابشي نودلز» فهي نودلز شفافة مقلية مع الدجاج والخضراوات، بطعم حلو ومالح، وهي أحد الأطباق التي أخذت شهرة كبيرة في مصر منذ افتتاح «سوبونغ».

يعود عمران للحديث، موضحاً أن «قائمة الطعام لم تكتمل بالشكل النهائي بعد، فنحن نتبع استراتيجية الطرح التدريجي للأطباق للاختبار وضمان الجودة، وسنقوم قريباً بإضافة تشكيلة من الحلويات الكورية الأصيلة إلى القائمة، بالإضافة إلى الشاي الكوري التقليدي، لنضمن تقديم تجربة كورية شاملة ومتكاملة لعملائنا في مصر».

ويؤكد أنه خلال أشهر قليلة تمكن «سوبونغ» من خلق قاعدة له بين المصريين، لا سيما فئة الشباب. ويرى في هذا دليلاً على أن المذاق الكور المقدم بمعايير الحلال وبأسعار تنافسية يجد مكانه في قلوب المصريين، مبيناً أن المطعم ينال تقييماً مرتفعاً على محرك «غوغل»؛ وهو ما شجع إدارة المطعم على الإقدام على تجهيز فرع ثانٍ له بحي مصر الجديدة.

يفتح «سوبونغ» أبوابه بين 12 ظهراً حتى 12 صباحاً، ويتسع لنحو 100 فرد، تستوعبهم مناطق جلوس خارجية وداخلية، وكلاهما يستقبل الزائر بتصميمات من البيئة الكورية، فأسوار المنطقة الخارجية تضم رسومات توضيحية لأهم الأطباق الكورية وحكاية وتاريخ كل طبق؛ ما يحول التجربة الكورية لتناول الطعام رحلةً ثقافية تعليمية.

أما التصميم الداخلي، فهو مريح وهادئ لتعزيز تجربة الزائر، وتحرص إدارة المطعم أن تكون جميع الفروع متطابقة في مفردات التصميم الأساسية؛ لضمان أن يخوض الزبون تجربة كورية أصيلة أينما كان. وتعدّ وحدات إضاءة السقف وإطاراتها الخشبية الدائرية عنصراً أساسياً في التصميم، وهي مستوحاة مباشرة من الديكورات المنتشرة في كوريا، أما وحدات إضاءة الجدران فتأتي مضاءة بألوان العَلم الكوري الأساسية، الأزرق والأحمر؛ ما يضفي عمقاً رمزياً للمكان.

كما يكثر استغلال الزراعات الخضراء في الديكور الداخلي بما يبعث بالراحة النفسية والهدوء، بينما تزين بعض الأركان بالزي الكوري التقليدي للرجال والنساء «الهانبوك». أما الموائد الخشبية البسيطة، والموسيقى الكورية الهادئة في الخلفية، فإنها تجعل الديكور لا يقتصر على الجماليات فحسب، بل يعكس الثقافة الكورية بعمق.


«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».