الغذامي: المثقف أصبح قيمة ظرفية ولم يعد ذا قيمة فاعلة

يرى أن عنوان التحولات في المنطقة العربية هو سقوط النخبة وبروز الشعب

د. عبد الله الغذامي
د. عبد الله الغذامي
TT

الغذامي: المثقف أصبح قيمة ظرفية ولم يعد ذا قيمة فاعلة

د. عبد الله الغذامي
د. عبد الله الغذامي

الفلاسفة العرب المسلمون - كابن خلدون مثلا - حين نظروا إلى الفروقات بين الشعوب وجدوا أنّها خصائص ناتجة من ظروف معيشية وبيئية وليست جوهرا إنسانيا.. هذا ما يذهب إليه المفكر السعودي الدكتور عبد الله الغذامي في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط»، في الرياض.
ولكن الغذامي اتخذ من ذلك منطلقا لتفسير محاولة بعض المثقفين الانخراط في التحليلات السياسية للأوضاع التي تعيشها المنطقة حاليا وأفرزت معها واقعا جعلت المثقف يعيش حالة من التردد والتحوّل. ولهذا السبب لا يعترف الغذامي بمساهمة المثقف في صناعة التحول الذي انتظم المنطقة العربية، وإننا «إذا أردنا أن نتحدث عن هذا التحول لا بد لنا أن نستبعد المثقف من الصورة، لأنه لا يمثل عاملا أساسيا أو عنصرا فعالا بها، وأي إقحام لمصطلح المثقف هنا، سيكون خارج إطار قراءة الحدث، لأن العنوان الأصلي هو سقوط النخبة وبروز الشعب».
هنا نص الحوار مع الغذامي:

* لوحظ في الآونة الأخيرة أن السياسة غلبت على الثقافة والإنتاج الثقافي وتحوّل عدد من المثقفين إلى محللين سياسيين.. برأيك إلى أي حد يمكن أن نصف مثل هذا المسار العام.. هل هو نتاج ثقافة التغيير أم تغيير الثقافة؟
- عبارة ثقافة متغيرة هي الأقرب إلى مفهوم هذا الوضع وهي النقطة الأساسية وليست نتيجة لما سبق ولكن ما سبق أشعلها وأنضجها لأن هناك ظروفا مرت على العالم العربي منذ عقود، وأنضجت لحظة من لحظات الغربة في التغيير، فالذي حدث ليس سياسة كما أنه ليس تاريخا مجردا وإنما هو تحوّل في علاقة الإنسان مع محيطه، إذ كان الإنسان في السابق يميل إلى الاستجابة لمحيطه ويسعى قدر الإمكان للتأقلم معه، غير أن هذه الظروف يبدو أنها بلغت درجة من الحرارة، بحيث أنتجت هذه الرغبة العارمة للتغيير، مع إقراري بأن ذلك له ثمنه، ولكن هذه حقيقة المسألة. إنها لحظة من لحظات التغيير النوعي في علاقة الإنسان مع ظروفه.
* أنت تتحدث عن الإنسان بشكل عام ولكن لو تحدثنا عن المثقف تحديدا.. إلى أي حد كان متجاوبا مع هذا التحوّل، وهل هو صانع أم مستجيب أم متلق، وأين يقف الآن في ظل ما يحدّث من تحول في المنطقة العربية؟
- (مقاطعا) لا.. إذا أردنا أن نتحدث عن هذا التحول لا بد لنا أن نستبعد المثقف من الصورة، لأنه لا يمثل عاملا أساسيا أو عنصرا فعالا بها، وأي إقحام لمصطلح المثقف هنا، سيكون خارج إطار قراءة الحدث، لأن العنوان الأصلي هو سقوط النخبة وبروز الشعب، ولذلك استعادة المثقف مرة أخرى ولو على المستوى الافتراضي والذهني سيضلل التحليل والنظرة، وبالتالي لن نصل إلى شيء، لأن التغير الذي صار حاليا هو تغير مضاد للظروف كلها ومن بينها المثقف بوصفه ظرفا، حيث إنه صار الآن قيمة ظرفية ولم يعد ذا قيمة فاعلة.
* هناك سجال حول إسهام العرب والمسلمين في بناء حضارة العالم من ناحية تقدمية وأمنية ومستقبلية.. كيف تقرأ مثل هذا السجال وهل هذا مفيد لشباب وسائط التواصل اليوم؟
- الإنسان العربي لكي يدخل في هذه الحضارة ويكون فاعلا بها، ومنفعلا معها أو يكون خارجها، هذه كلها تعود إلى شيء واحد فقط، وهو أن تعمل ولذلك مجرد أن يعمل الإنسان فهو يبني حضارة، وفكرة أن يعمل الإنسان العربي إحدى أهم إفرازات مفهوم الربيع العربي، إذ هذا المصطلح جرى تداوله عالميا، وأصبح منتجا رمزيا وذهنيا عربيا، وهذا المنتج مثله مثل أي منتج، إذ لا تنتج السيارة مثلا وتنساها بل تظل تتابعها في كل المراحل منذ تسويقها وتوفير قطع غيارها والضمان عليها إلى ما إلى ذلك، بمعنى أن مصطلح الربيع العربي الذي تحوّل إلى منتج معقد، لا بد من أن نتابعه بصيانته ومعالجته وإعطائه حقوقه بتسويقه على أنفسنا وعلى التاريخ، لأنه يمثل لحظة تحد بما أنه إنتاج. ولذلك إذا أتقنا هذه الصناعة التي تدعى الربيع العربي، فمعنى ذلك أننا دخلنا الحضارة. وإذا فرطنا به وأهدرناه فسنكون مجرد حدث في التاريخ وانتهى الأمر. ولذلك، وفي إجابة سابقة قلت لك، إنه ليس مجرد حدث تاريخي، لأنه لو صار مجرد حدث تاريخي فسيبقى مجرد فصل من فصول كتاب ويوميات التاريخ، وينتهي هنا أمره. أما إذ حولناه وهذا هو حقه علينا فسيصير معنى يمثل الإنسان العربي في هذه المرحلة وهذا ممكن جدا، ذلك أن الذي صنع الربيع العربي بمقدوره العمل على حفظه وصيانته وتحقيقه عمليا وإنجازيا، وكان بالإمكان أن يكون أمام كل الدول التي أنتج فيها ربيع عربي، أمل بأن يكون مستقبلها ربيعا عربيا وليس فقط في العامين الماضيين فقط. أنت كعربي تنتظر هذا المستقبل الذي يكون يانعا ربيعيا غير أن له في حقيقة الأمر ثمنا لأنه ما من أمر مهم في حياة الإنسان يأتي على طبق من ذهب، إذ أن حتى الورد يحمي نفسه بالأشواك على حدتها ومرارة لسعها وحتى الماء لا بد من تصفيته من الكدر لكي نشربه وملابسنا نغسلها من الدرن لنلبسها وهكذا دواليك، فالأفكار والمصطلحات لا بد لنا أن نعاملها كما نعامل كل تلك الحاجيات الضرورية اليومية، بحيث نعتني بها ونجليها لكي تكون صالحة للاستخدام.
* بين متطلبات التغيير الفكري وصناعة المستقبل تبرز الحاجة لإرساء ثقافة تغيير.. ما أهمية العمل على ذلك؟
- أعتقد أن أول المتطلبات يبدأ من صناعة العمل كأن تصنع شيئا مثل الربيع العربي، ولا بد أن تعطيه حقه ليظل ربيعا، وهذه منظومة كبيرة من الشروط الذهنية والعملية والسياسية وشروط التجربة وشروط الوقوع في الأخطاء ثم تصحيح الأخطاء، إذ التجربة العملية لم تنجح في تاريخ العلوم كلها، إلا باستثمارها لأخطائها وعبر تصحيح هذه الأخطاء، فهي منظومة من الأخطاء تنتهي أخيرا إلى استبعاد هذه الأخطاء والوصول إلى صواب، ولذلك لا بد لنا أن نمر عبر منظومة من الأخطاء مع أهمية ألاّ نتركها تكسر ظهورنا وأحلامنا، في ظل ملاحظة أن الناس عندما تشن مظاهرة أو أن شرطيا يقتل متظاهرا في بنغازي مثلا، لا ينبغي التسليم بأن الربيع العربي انتهى لأن هذا هو ثمن التغيير والتغيير الكبير مقابله ثمن كبير، إذ لا بد أن يكون لنا من الحيز ما يجعل الوسط الثقافي والحضاري صبورا وحكيما حتى نصنع من هذا الحدث قيمة، وإلا سينتكس إلى مجرد مناسبة كالتصفيق وهدف يحاول يسجله ناد رياضي من الأندية. علينا أن ننتظر النتيجة النهائية وهي سجال يحتمل الربح والخسارة ولكن من المهم أن نصيب الهدف الذي نرمي إليه.
* في القرن التاسع عشر قد برزت كتابات لمثقفين غربيين منها مقولة الشاعر البريطاني رديارد كيبلنغ الشهيرة «الشرق شرق والغرب غرب».. برأيك هل هذه المقولة تصنيفية وإلى أي تغلّب ثقافة الصراع على ثقافة الحوار؟
- لا أعتقد أن أحدا سيأخذ مقولة الشاعر البريطاني رديارد كيبلنغ الشهيرة «الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا» مأخذ الجد الآن لأنها عديمة المعنى، إذ أن المعنى الصحيح أن الإنسان في صراع مستمر، فإن لم يصارع عدوه سيصارع نفسه. المسألة ليست أن الغرب يصارع الشرق، إذ أن الشرق يتصارع مع الشرق نفسه، وكذلك الغرب يتصارع مع الغرب، والمنتج الصناعي يتصارع مع المنتج الصناعي. من البداية أشار برتراند راسل إلى ثلاث خصائص تشبه الخلاصة للحضارات، الخاصية الأولى التنافسية والخاصية الثانية طلب المجد، والخاصية الثالثة طلب الشهرة، فالإنسان يبدو غريزيا أنه مدفوع بالعناصر الثلاثة، فهو كائن تنافسي بالضرورة، وهو راغب في المجد حتى على المستوى الشخصي، كما أن عنصر الشهرة، يعطي مفعولا كبيرا لدى الإنسان، لأنه يريد عندما يعمل عملا ما أن يعرف الناس ذلك مثله مثل الرياضي الذي يريد أن يصفق له المشجعون، تماما كما هو مفهوم الجوائز والأوسمة وشبيهاتهما، ولذلك لا نقول: «شمال شرق غرب جنوب» فهذه سهلة جدا، لأن كلا منّا يستطيع أن يذهب في الاتجاه المتقدم ويترك المتخلف وهي معادلة غير صحيحة، أما المعادلة الصحيحة فهي أن الإنسان كفرد هو كائن تنافسي وبالتالي تناحري في الوقت نفسه، فإما أن تحكمه عبارة «أنا أفضل منك أو أنت أفضل مني» أو يتبع أسلوب هابيل وقابيل وأحدهما يقتل الثاني، فيمتد من نقطة بسيطة إلى نقطة قصوى. التاريخ كله كذلك في شتى أنحاء العالم، ولذلك المسألة ليست أن هناك فرقا بين هذا وذاك والفرق ليس عرقيا وليس عقليا وليس بالجينات، إذ أن الفرق بالعمل. وخير مثال على ذلك نمور آسيا وكلهم شرق ومع ذلك صاروا نمورا كما هو الحال في شرق الشرق (الصين واليابان)، والسؤال هل هي تنافس أميركا وأوروبا؟ نحن نعرف أن المنافسة الكبيرة بين كوريا الجنوبية وأميركا في بعض المنتجات وصلت إلى المحاكم والحروب القانونية وحاليا المنافسة الاقتصادية بين الصين وأميركا، فالقضية هي أن تعمل وإن عملت فستجد لك موقعا، ولذلك فالربيع العربي هو منتج إذا لم نعطه حقه سيضيع هذا المنتج وإن خدمناه سيكون منتجا عربيا فعليا ويضعنا في مراكز متقدمة في الثقافة الإنسانية.
*.. ولكن كيف نخدمه؟
- نعطيه حقه ونشتغل حتى يصير ربيعا فعلا، كأن ندخل العملية الانتخابية ونعزز الديمقراطية، وندخل بسياسة اقتصاد فاعلة إذ الشعب العربي ثار ضد الظلم.. فكيف يرفع الظلم عنه؟ هذا لا يكون إلا بسياسات واقتصاديات معرفية ناجحة. هذا ما يعنى به الربيع العربي، فإن لم تتحقق عبره هذه الخطى سيكون مجرد حدث تاريخي وانتهى الأمر.
* يعتقد البعض أن الفكرة الأحادية أدت إلى انشطار إنساني حضاري يواجه الثقافات والحضارات فإما مسار صراع وإما مسار حوار.. كيف تفسر ذلك؟
- لا يوجد حوار في الكون بل هناك صراع، ولذلك دعنا نعود إلى العنوان الأساسي. إن هناك تنافسية، وداخل التنافسية هناك مائة مصطلح، منه ما يمكن حوله أن تحاور أو تصالح أو تهادن أو تناحر أو تقاتل وغيرها. ففي الحقيقة، لا أصل لمقولة الأخلاق الرياضية، بمعنى قبول الهزيمة، إذ أنه لا يوجد رياضي يقبل الهزيمة، ولكن يمكن أن يكون هناك أمل وتصوّر مثاليان، وإنما أن تجد إنسانا يقبل هزيمة، ولو وجد ذلك لكان أمرا عظيما غير أن ذلك من النوادر، وليس هو الذي يفسر حركة الشعوب، حيث إن هناك أفرادا يتسامون سموا عاليا وكبيرا جدا ولكن هؤلاء قلة في كل التاريخ سواء في الشرق أو الغرب. فإذا ذهبت إلى أثينا وأردت أن تتذكر من كان من سكانها فإنك لن تتذكر إلا أرسطو وأفلاطون فيما ذهب الباقون إلى مثواهم. عموما هناك نوادر ولكن ليست النمط لكل شيء. ومع إيماننا بالحوار إلا أن الواقع يقول بخلاف ذلك، فالناس يتحاورون طالما كانوا في حالة اطمئنان اقتصاديا ومعيشيا ونفسيا، ولكن أي خلل ما بين منظومة ومنظومة يحوّل الحوار إلى الصراع.
* الفلاسفة العرب المسلمون- كابن خلدون مثلا- حين نظروا إلى الفروقات بين الشعوب وجدوا أنّها خصائص ناتجة من ظروف معيشية وبيئية وليست جوهرا إنسانيا..
- (مقاطعا).. هذه حقيقة وكان ذلك واضحا بعد دخول العرب الأندلس والغرب وأميركا عموما، حيث كان هناك اعتقاد لدى البعض منهم بأنهم يمكنهم تغليب الثقافة العربية على غيرها من الثقافات، غير أن الطفرة التي مرت بها أوروبا وأميركا غلبت ثقافات أخرى، وعملت جديا على ذلك، إذ غلبت عليها الثقافة اليهودية والثقافة المسيحية، أي المتكئة على الدين.. وأعتقد أن ذلك كان نتاجا طبيعيا لإفرازات الظروف التي عاشتها الشعوب آنذاك وهي بالفعل ظروف بيئية ومعيشية وليست جوهرا إنسانيا كما ذكرت.



معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني
TT

معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني

يُعد الناقد الأكاديمي السعودي الدكتور معجب العدواني من أصحاب البصيرة النقدية النافذة، التي تتجلى في متابعته للمشهد الثقافي العربي، وقضايا التراث، ومستجدات النظرية الأدبية الغربية، وتطورات المناهج النقدية الحديثة. صدر له عدد من المؤلفات المهمة، منها «إعادة كتابة المدن العربية»، و«قراءات في السرد العربي»، و«بلاغة الإعاقة البصرية»، و«مفهوم العامة»، و«الحداثة في الأدب السعودي»، وله أكثر من كتاب عن التناص... هنا حوار معه عن أبرز مؤلفاته، ورؤيته للمشهد الثقافي العربي.

> بدا كتابك «مفهوم العامة: الجلي والخفي» منشغلاً بإزالة الصورة السلبية عن العامة... فكيف ترى تقسيم العالم لثنائية ضدية بين النخبة والعامة؟

- ربما حرص ذلك المدخل الطويل إلى حدّ ما في كتاب «مفهوم العامة: الجلي والخفي» على إبراز تلك العيوب الناتئة في وجه ثقافتنا العربية، ولم يتجاهل غيرها من الثقافات؛ ذلك أن التقسيم هنا كان نتيجة فعل منهجي، يتلمس تحديد تلك العيوب كي يكشفها عن فئة ما، قد يكون هذا الكشف صعباً أو مستحيلاً، طالما بقي مفهوم العامة مستنداً -في موقعه التاريخي- إلى تلك الثنائية التي تتشكل من العامة والنخبة، إنها الثنائية التي أجادت تحييده ثقافياً، ونجحت في خلق فجوة ليس من السهل ردمها، فأكدت استمرار صرامتها بتفعيل ما وُصف بالمركز، وإهمال ما وُصم بالمهمش؛ لذا يمكن القول: إن كسر تلك الثنائية يقتضي إزالة الشوائب السلبية التي تحجب النظر عن أولئك، مقابل فحص الإيجابيات التي تؤكد أهمية هؤلاء، وتدعم مركزيتهم الثقافية.

> في مقدمة كتابك عن الحداثة في الأدب السعودي، انتقدت تحول الكثيرين إلى كتابة الرواية، لكن هناك توجهاً «جماهيرياً» من «عامة القراء» نحو قراءتها... فكيف ترى هذه المفارقة؟

- لم يكن النقد في هذه الإشارة، التي اقتنصتها، موجهاً إلى القراء، بل كان متجهاً إلى بعض الكتاب، أولئك الذين بُني وعيهم الفني بصورة أحاديّة، على التعامل مع الكتابة الإبداعية بوصفها منتجاً استهلاكياً، فأرادوا التوجه إلى كتابة الرواية، لا لحاجتهم إليها، وإنما لمحاكاتهم غيرهم، فكانت تجربتهم قاصرة؛ إذ لم تفلح في استنطاق الجنس الروائي بتعدده واختلافه، ولم تذهب عمقاً في الاشتغال على الأشكال التي ألِفوها من قبل، كي يحدثوا بعداً إبداعياً لتطويرها، أو تقديمها بصورة استثنائية.

أظن أن تلك القفزات الأفقية لا تضيف إلى الإبداع في معظم التجارب؛ ومع أنها ستسهم في لصق مصطلح «الأديب» على ذلك المتحول، لكنها ستبعد عنه مسافة الكشف الرأسي في عمق التجربة، ومن ثم فلن يكون شاعراً مبدعاً أو روائياً متميزاً أو قاصاً خلاقاً. ولا يتعارض ذلك مع مبدأ حرية الاختيار، ذلك المبدأ الذي يستند إليه شرط الكتابة؛ لأن تلك الحرية ستصبح إشكالاً مضاعفاً في تنقل الكاتب بين الأجناس، وكأنه يخرج من سجن كتابي إلى آخر، فيعجز عن فك أسره في كليهما، وفقاً لحالة الرواج التي تحدث، فيترك الأول، ويفقد كسر المعتاد من قوانينه، ويجعل منه ذلك التنقل معتاداً على الأبنية التي يقدمها «السجن» الجنس الأدبي.

> الآن انقلبت الآية، وأصبحت كلمات مثل «نخبة» و«نخبوي» بمثابة سُبة... فكيف يمكن ضبط المسافة بين النخبة والجماهير بحيث لا تهمش إحداهما الأخرى أو تقصيها وتدينها؟

- هذا صحيح، فاللحظة المعاصرة قادت إلى التخفيف من وهج فئة على حساب أخرى، وذلك نتيجة عوامل أبرزها اهتزاز العوامل الثقافية والاقتصادية التي تشكل هذين المكونين، ومع أن المسافة مهما ضاقت بين النخبة والجماهير تبقى عبئاً ثقافياً، ومسألة إشكالية ينبغي ألا تميل، غير أن اللحظة المعاصرة نجحت في خلخلة التوازنات، وكسر الثوابت، ومن ثم أرجو أن مشكلة الفروق تبدو مترسخة في أذهان الأفراد فحسب، كي تؤكد أن ذلك الانحياز السلبي قد فقد بوصلته في هذا الاتجاه.

> كيف ترى صراع الأنواع الأدبية وما يقال عن تراجع الشعر والقصة القصيرة في مقابل صعود «زمن الرواية» أو أنها أصبحت «ديوان العرب»؟

- يبدو لي أن هذا الصراع لا تنحصر نتائجه في قائمة أعداد القراء فحسب، لكنه صراع وجودي للجنس الأدبي نفسه، يتصل بالبعد الحضاري، فالشعر مهما حدث فسيظل له بعده التجذيري التأصيلي القابع في روح الأمة، والرواية حاملة مشعل التنوير سيظل لها بعدها الحداثي التنويري، الذي لا ينكره أحد. وهنا، لا يمكن مقارنة القصة القصيرة بقطبي الأدب: الشعر والرواية، كثير من المثقفين يصرّ على أن المشكلة ليست موجودة، لكنها مشكلة جلية، تستدعي التوقف عندها والتأمل فيها، حتى الكاتبة الكندية أليس مونرو، الفائزة بجائزة نوبل عام 2014م، أشارت إلى بهجتها بذلك الفوز، وأملها في أن يتزايد القراء الذين يتابعون القصة القصيرة، فقالت بُعيد الإعلان عن الجائزة، إنها تأمل «أن تكون الجائزة جالبة لمزيد من القراء لأعمالي، كما آمل أن يحدث هذا ليس لي فحسب، بل للقصة القصيرة عامة». وفي هذا وعي دقيق بحجم قرائها، يتباعد عن المبالغات التي نتبناها في أعداد قراء القصة القصيرة، ومع ذلك سأكون سعيداً جداً لو ثبت لي أن القصة القصيرة لم تتراجع، وأنها محط اهتمام القراء.

> «احتباس الضوء: بلاغة الإعاقة البصرية» كتاب شائق من عنوانه... لكن هل ثمة فارق جوهري بين بلاغة وجماليات النص الذي يكتبه المبصر وغير المبصر... بما يكفي لتدشين نظرية؟

- لا أزعم أن هذا الكتاب يضم نظرية مكتملة، إنه محاولة نقدية تأبى تصنيف التجارب الإبداعية في رفٍّ واحد، وتدعو إلى وجوب التشكيك في ادعاء أن حالة إبداعية لكفيف تماثل نظيرتها لمبصر... وتصل إلى أن كل تجربة لكفيف تستحق أن تُدرس على حدة، وفي هيئة مستقلة، وأن تتشكل أدواتها بما يلائمها، أو لنقل: بما يحايثها، من أجل مزيد من نجاعة الفحص النقدي؛ لذا يضم الكتاب سلسلة من درس الحالات التي بنيت على نبذ الآخرية التي أقيمت استهلالاً؛ لتستند إلى تلك المصطلحات التي قد يكون مبعثها الشفقة، وتهدف إلى التخفيف والمواساة، فنتبناها، ومن ثم تؤمن بها بعض المؤسسات الثقافية، مثل: «أصحاب الهمم» أو «ذوي الاحتياجات». إن هذا التمييز لا يُلغي التصنيف، الذي يقود إلى آخرية مُدَّعاة، أو مبتغاة من نوع ما، وهذا المستوى الأول يشكل أساساً أولياً للتمييز المستتر، ومن ثم كانت إقامة القراءات النقدية مستوى آخر لا ينبغي تجاهله.

> لك كتابات كثيرة عن التناص، مثل «القراءة التناصية الثقافية» و«الكتابة والمحو» و«الموروث وصناعة الرواية»، فكيف ترى حوار الشاعر الراهن مع أشباح سلفه الشاعر القديم؟

- التناص، في معظم ما كتبت، كان حالة مركبة لها عدد من الأوجه، وتتنافى مع الحالات الجزئية كالاقتباس أو غيره، لكنها تتوافق مع «النص» بوصفه جزءاً من المصطلح الدال على التداخل والتفاعل، وباكتماله تبدأ دورة ترحله من ثقافة إلى أخرى، فرسم الطيور المتناثرة في لوحة فن تشكيلي، تتفق في كونها طيوراً، ولا فرق بين ما كان يطير منها منفرداً أو بصورة جماعية؛ لأن كلتا الحالتين تجعل الطير حاضراً. وتنبغي الإشارة إلى أن التناص يظل حالة «هدمية» قد نراها متحققة في دراسة هارولد بلوم عن قلق التأثير، فالنص التالي هادم افتراضي لما أنتج في النص الأول، أما التعامل الجزئي مع التناص بصورة جزئية فيظل نظراً إلى شظايا نصية لدينا من المصطلحات التراثية ما يفي بمعالجتها. هل نجح شعراؤنا في التفاعل مع منتج أسلافهم؟ الإجابة ستكون: نعم، ولكن بصورة جزئية في أغلب ما جرى توظيفه.

> بوصفك مفكراً منشغلاً بالحداثة وما بعدها، هل مجتمعنا العربي مواكب لهذه التطورات العالمية أم أنه يقف عند حدود «التحديث» المادي وليس الحداثة؟

- لديّ اهتمام لا بأس به بالحداثة وما بعدها، لكنه لا يصنفني مفكراً، كل قراءة عن هذه العوالم تسوغ التوافق مع ما تفضلت بالإشارة إليه عن المجتمع العربي، في كونه يدخل في التحديث المادي. لقد نجح مصطلح الحداثة وما بعدها في عالمنا العربي مرتين؛ مرة بذلك التوافق العلمي عليه، والأخرى بكونه جاء متوازياً، إلى حد ما، مع ما هو شائع في العالم الغربي، وفي رأيي إن الإشكال النقدي يتمثل في غياب النظر إلى أن الحداثة وما بعدها طائران لا يقومان إلا على جناحين: أولهما ما يتصل بالفلسفة والانتماء، والآخر ما يتمثل في الاتكاء على المصطلحات والإسهام مع الأسماء التي لها منجزها في النظرية وتطبيقاتها.

> كتابك المهم «إعادة كتابة المدينة العربية» يحاول كشف التمثيل الاستعماري للمدن العربية... لماذا يرانا العالم الغربي بهذه الصورة وكيف يمكن تغييرها؟

- تبنّى هذا الكتاب التتبع النقدي لظاهرة سائدة في عدد من الأعمال الروائية المكتوبة بالإنجليزية؛ وهي الكتابة السلبية عن المدن في الشرق الأوسط، ومن ثمّ كان الوقوف على النماذج والتصنيفات التي يمكن أن تخضع لها في إطار مفاهيم منهجيّة محددة، في أعمال صدرت بين عامي 1957م و2013م، كانت جنسيات كتّابها البريطانية والأميركية، لكنها تتفق في الارتهان إلى خطاب يميل إلى إنتاج تمثيلات سلبية عن الشرق عامة، وقد خصص الكتاب لتلك المساءلة جانبين: الأول فرعي، ويتصل بتمثيلات القبح والتقبيح، والتمثيلات الشبقية، والغرائبية، وكان الجانب الآخر مركزياً عالج تمثيلات الكراهية التي تعود جذورها إلى الخطابات الدينية والسياسية والاقتصادية، وعليّ أن أضيف: إنه يتبدّى أن تلك الرؤية الغربية ليست مقتصرة على المدن العربية فحسب، لكنها تمتد إلى المدن الشرقية بصورة عامة، نتيجة خطاب استعماري له جذوره التاريخية.

> أخيراً، ما رؤيتك للمشهد الثقافي العربي مع بزوغ عصر «السوشيال ميديا» وتراجع دور المثقف التقليدي؟

- هناك تراجعات كبيرة للأدوار التقليدية في المرحلة الحالية من مثقف أو غيره، وبدا لي أن «السوشيال ميديا» أضحت مقرونة مع عوالم الذكاء الاصطناعي في حياتنا جزء من تعاظم آلي، يقابله تراجع لم يعد خاصاً بالمثقف وحده، بل امتد إلى الإنسان الذي بات متصلاً بالأجهزة الصناعية؛ التي تحيط به، وتلقنه، وتقدم له ما يحتاج إليه من عشرات المثقفين في لحظة واحدة، ويضيف إلى ذلك قدرته على إدارة حوار بينها، ومناظرة؛ إذ أصبح الإنسان الحالي كائناً معدلاً يجمع بين الإنسان والتقنية (السايبورغ)، وهي الظاهرة التي نعيشها في أدق تفاصيلها، بما يتصل بنا من تقنية تحيط بنا وتشكّلنا، أما إيجابياتها فتتجلى في كونها سترفع مستوى الوعي عالياً، ليعود هذا الإنسان «الاستثنائي» فيكتب مزيداً من الإنتاج الثقافي أو العلمي، كي يُضيف بوصفه آلة إلى ما لدى الآلات المحيطة، وهكذا نصبح في دوامة من التقنية التي يُخشى أن تُسهم في تغييب شمس الإنسان وانحسار صوته رمزياً.


الرواية حين تصبح مسرحاً للجريمة

الرواية حين تصبح مسرحاً للجريمة
TT

الرواية حين تصبح مسرحاً للجريمة

الرواية حين تصبح مسرحاً للجريمة

لا تنفصل الإحالة التي يحملها عنوان رواية «الحياة في الأبراج الرملية» للشاعر والروائي المصري عمرو البطا عن معمارها السردي، القائم على ثنائية البناء والهدم، بوصفها آليةً لكشف هشاشة البنيان الذي لا يفلح في حماية الإنسان من جموح أحلامه وأشباحه، فـ«البرج» لا يُستدعى هنا بوصفه حلماً فردياً فحسب، بل فانتازيا للسيطرة على عالم «رملي» مُراوغ بطبيعته.

في هذه الرواية، الصادرة أخيراً عن دار «الشروق» بالقاهرة، يؤسّس الكاتب أسئلته الوجودية من خلال حبكة لجريمة جنائية غامضة، حيث يصحو سكان شارع على مشهد جثة مسجاة على الأرض، فيتورطون في سجالات ممتدة، ولعبة من الشدّ والجذب في محاولة لتتبّع لغز القتيل وسيرته، غير أن الرواية لا تكتفي بحبكة الجريمة بقدر ما تتخذها ذريعة للنفاذ إلى مستويات نفسية واجتماعية أعمق لشخصياتها المعقدة.

لا يتحوّل الشارع في الرواية إلى مجرد خلفية مكانية للأحداث، بل يغدو مسرحاً جماعياً تتقاطع فوقه مشاعر الذنب والارتياب، حيث يصبح كل ساكن في مواجهة احتمالات أن يكون شاهداً، أو متورطاً، أو شريكاً بالصمت. ومع تصاعد محاولات تفكيك لغز الجثة، تتكشف العلاقات الهشّة التي تربط الشخصيات بالمكان وببعضها البعض، ويصبح الشارع فضاءً مكثفاً للشكوك المتبادلة.

طموح خيالي

تنهض الرواية في بنيتها السردية على صوت راوٍ عليم، فيما يُفرد الكاتب لبطله الرئيسي فصولاً بضمير المتكلم، تتقاطع مع سردية الراوي العليم قبل أن يذوبا معاً في النهاية، ويبدو صوت البطل، عبر تداعي الذاكرة، كاشفاً عن تعقيدات طفولته، ومساره التعليمي في الغرب، وقصة حب متوهجة بالخيال، وصولاً إلى حلمه ببناء برجٍ في الصحراء يستعصي تحقّقه على أرض الواقع، غير أن هذا الحلم لا يبدو امتداداً رومانسياً لطموح فردي، بقدر ما يكشف عن رغبة عميقة في إخضاع الفوضى وبناء معنى جمالي، وهو ما يدفع البطل، بعناد واع، إلى المضيّ في استكماله رغم إدراكه لهشاشة الأساس، وعدم واقعية إنجازه.

وتبدو ذروة التحوّل في صوت الراوي في عبارته: «إن كاتب هذه السطور أصبح شخصاً مختلفاً عن كاتب الصفحات السابقة»، بمثابة وعي سردي يُعلن اكتمال التحوّل الذي راكمته الرواية على مستوى الصوت والذات معاً، فهنا يتقاطع مسار السرد مع مسار الذات، في تحوّل داخلي لا يقل هشاشةً وتعقيداً عن الأبراج الرملية التي يسعى البطل إلى بنائها.

عين رمادية

يتكئ الكاتب على رمز «العين الرمادية» بوصفه علامة سردية تتكرّر في مسرح الجريمة وبين مشاهدات الجيران، لتقود إلى سؤال الرؤية وحدودها، ففي مسار فانتازي يعثر أحد الجيران على عين الجثة، فيحملها إلى بيته، لتورطه في مأزق كبير، إلا أنه قبل هذا يكون قد تماهى وجدانياً مع قصة القتيل وهو يُطالع عينه تلك: «رأى ما كابده صاحب العين، هواجسه، وأحلامه، آلامه، موته، رأى كل ذلك في لمحات خاطفة لا تكشف له فكرة واضحة عن شيء، لكنها كفيلة بالتحامه وجدانياً مع صاحب العين»، حيث تتحوّل العين إلى علامة شعورية، وصوت مُختزن، يصعب تفسيره أو السيطرة عليه.

ويظل السرد يُهمِّش شفرة «اللون الرمادي» حتى نهاية الرواية، قبل أن تتكشّف مع تقدّمه دلالتان متوازيتان؛ دلالة جنائية تشير إلى هُوية القتيل، ودلالة إنسانية يستدرّها البطل بقوله: «يمكنني أن أقول بثقة إن كل البشر ذوو عيون رمادية. كلهم يولدون بهذا اللون، ثم تصبغهم الحياة بألوان أخرى»، وهكذا لا يعود الرمادي مجرّد علامة لونية، بل توصيف لحالة إنسانية مُعلّقة.

يُوّظف الكاتب الأمكنة الصغيرة والهامشية في تعميق روابط الشخصيات وألغازها، ما بين «البوتيك» و«الصيدلية» و«الشقة المهجورة» و«الدكان» و«المقابر»، لتغدو هذه الفضاءات بؤراً سردية تُراكم التوتر وتعيد وصل الشخصيات بماضيها، وعلى مستوى البناء، يعتمد السارد في كثير من الفصول على إنهائها عند نقاط ذروة، في تقنية تتسق مع بنية لغز الجريمة المُشوّق، لكنها في الوقت ذاته تعمّق البعد التأملي للرواية، حيث يتحرّك الزمن في مسار دائري يعيد الشخصيات باستمرار إلى جرح الماضي الذي لم يُحسم.

ويتجلّى هذا المنحى في اختيار بعض عناوين الفصول، مثل «أوديب» و«قابيل»، في مساحة فنية تتناص مع تعقيد علاقة البطل بوالده، وتستدعي فكرة الصراع الأبدي والجريمة الأولى بوصفها أصلاً مؤسساً للعنف والذنب، ويتكثف هذا التناص في مشهد يتقمص فيه البطل صورة والدهً: «وجدتني أحلّ في جسد أبي وهو يدلف عبر الباب ويوصده بقوة ثم يسعل ويجلس واضعاً حقائبه فوق المنضدة. وجدتني أمرر يديه الخشنتين على وجهه المبلل بالعرق. كان وجهه عابساً، غارقاً في التفكير».

هنا لا يكتفي السرد بتفكيك صورة الأب بوصفه سلطةً قاسيةً، بل ينتقل إلى مستوى أعمق من التقمّص والتعاطف، حيث تذوب المسافة بين الابن والأب، لتغدو عقدة الجريمة في جوهرها عقدةً نفسيةً بالدرجة الأولى.

وتتكثف ثيمة «البصيرة» داخل الرواية عبر شخصيات ترى ما لا يراه الآخرون، لتأخذنا تدريجياً من منطقة الرؤية إلى منطقة «التعامي»، فشخصية «أم مطيعة» تمتلك قدرةً على الرؤية تتجاوز الظاهر، لكنها تُواجَه بالاستخفاف والإقصاء، كنموذج لمن يُهمشون لأنهم يرون أكثر مما يحتمل الواقع، وعلى الضفة الأخرى، يقف «شحاتة» بوصفه عيناً تراقب الشاردة والواردة أمام دكانه الشاغر.

في المقابل، تمثل «الأم» و«العمة» نماذج متواطئة بفعل القهر، لا لأنهما لا تبصران، بل لأنهما تختاران «التعامي» بوصفه آلية للبقاء، فيصبح العمى استراتيجية دفاعية، في عالم لا يُكافئ من يرى، بل يحمّله تكلفة إضافية.

أما البطل، فيبدو ضحية ملكاته الخيالية الجامحة، تلك التي تمنحه قدرة مضاعفة على الرؤية، لكنها تضعه في مواجهة مباشرة مع الخوف، وفي رحلة تصالحه معه، يصل إلى لحظة إدراك فارقة: «عندما غادرني الخوف لم أعد أكره أحداً حتى من أساءوا إليّ».


«ميثاق النساء» ورواية الأقليات

«ميثاق النساء» ورواية الأقليات
TT

«ميثاق النساء» ورواية الأقليات

«ميثاق النساء» ورواية الأقليات

من دواعي السرور عندي أن أقرأ رواية صادرة عن قلم ينتمي لإحدى الأقليات الكثيرة التي يحفل بها العالم العربي، ولكنها في أغلب الأحيان تغيب عن التمثيل السياسي والثقافي وعن الوعي العام للأغلبية الدينية أو العرقية أو اللونية المحيطة بها. لذلك أبتهج حين يبرز كاتب أو كاتبة من داخل إحدى الأقليات فيثري الوجدان العام بمقاربة الوضع الإنساني من داخل النسيج الحياتي اليومي لتلك الأقلية المغيّبة عادة من الشأن العام. هناك كتّاب من الأقليات ينضوون اختياراً في الثقافة الحياتية للأغلبية المجتمعية حين يجلسون للكتابة، فلا ترى فيما يكتبون انعكاساً للنسيج اليومي لحياتهم في اختلافه عن النسيج العام. أذكر أني مرة سألت الكاتب المسرحي الألمع الفريد فرج: لماذا لا نجد في مسرحه شخصيات قبطية أو انعكاساً من أي لون لكونه مصرياً مسيحياً؟ فلم يحر جواباً فيما عدا أنه قال إنه ثقافياً ينتمي إلى الحضارة العربية الإسلامية.

لا غبار على هذا عندي؛ فالحضارة العربية الإسلامية شيء أوسع من الدين الإسلامي ومن الممكن الانتماء إليها من دون أن يكون المرء مسلماً، إلا أن هذا لا يمنع من الخصوصية المسيحية داخل الانتماء الحضاري الأوسع. إلا أني أعتقد أن الثقافات المهيمنة، دينية كانت أو عرقية، في بلادنا العربية لا تفسح المجال التعبيري أمام الثقافات الأخرى، تماماً كما أنها لا تفسح المجال أمامها سياسياً. هناك دائماً رفض سافر أو مُقنَّع للاختلاف. هناك رغبة لم أفهمها أبداً في احتواء الآخر. هناك عجز عن إدراك أن الاختلاف ثروة وأن التماثل والتشابه والاصطفاف هو أجدر بالآلات والروبوتات، لا بالوجود البشري الخلّاق، المتغير، المولِّد للأفكار على مدى تاريخه من آلاف السنين. لذلك أفرح بالروايات التي تؤكد في نسيجها خصوصيةً ما، عرقية أو دينية أو لغوية أو غيره، في الوقت ذاته الذي تؤكد التماثل الأكبر: التماثل البشري العابر للخصوصيات المتمايزة. هذه هي الأخلاقية الكبرى في الفن والأدب: التأكيد على التماثل رغم الاختلاف. أما أكبر الشرور اجتماعياً فهو الرغبة في احتواء الآخر في الذات وقصره على التماثل معها، ومحو خصوصيته ليتطابق مع ذات الغالبية. لذلك أفرح إذا ما قرأت رواية تكشف لي عن الخصوصية الكردية أو الخصوصية الطوارقية أو اليزيدية أو الشيعية أو المسيحية أو البهائية أو النوبية. أو كما في رواية حنين الصايغ «ميثاق النساء» (دار الآداب، 2023)، الخصوصية الدرزية.

من يريد أن يعرف شيئاً عن تاريخ الدروز ومذهبهم العقيدي منذ نشأته في القرن الحادي عشر حتى اليوم فلن تنقصه المصادر والمراجع. لكن الدروز ليسوا مادة تاريخية وإنما هم أفراد وأسر وجماعات لا يزيد عددهم حول العالم على المليون إلا بقليل ويعيش أغلبهم في سوريا ولبنان. تصف الموسوعات الدروز بأنهم جماعة مغلقة، باطنية، سرية، إلخ. فمن كان لا يكفيه ما يُستقى من كتب التاريخ والمذاهب، من كان يريد أن يتعرف على إنسانية الدروز كبشر يعيشون في الشارع المجاور أو في القرية المجاورة في الوطن نفسه يتكلمون اللغة نفسها ولكن لهم معتقدات مخالفة للشائع الغالب وفي نسيج حياتهم اليومية وعاداتهم خيوط من لون مختلف وإن كانوا فيما عدا ذلك يشبهوننا في كل شيء – من كان يريد ذلك فليس عليه إلا أن يقرأ رواية مثل «ميثاق النساء» لحنين الصايغ؛ فهي حقيقةٌ أن تكون خير دليل لنا في رحلة الاختلاف المفضي إلى التماثل تلك، فهي درزية، تعرف تلك الحياة «السرية» معرفة المعايشة اللصيقة من لحظة الميلاد. وهي كفيلة بفتح المغلق وكشف السري لنكتشف أن لا سرية هناك وإنما بشر عاديون مثلنا تماماً. هذا الاكتشاف لن تتيحه لك كتب التاريخ والعقائد، وإنما المُؤهَّل لكشفه لنا هو فن الرواية، ذلك الفن المنسوج من تفاصيل الحياة اليومية بعاداتها وطقوسها، بأكلها وشربها، بعلاقاتها الأسرية، وبمعتقداتها الدينية وكيف تؤثر تلك في حيوات أفرادها ومصائرهم.

هل تصدَّت حنين الصايغ إذن لكتابة رواية تصور لنا حياة الدروز وعقائدهم الإيمانية في «ميثاق النساء»؟ كلا بالتأكيد. إنما كانت الكاتبة، مثلها مثل أي روائي من أي مذهب أو خلفية، مشغولةً بقضايا وأفكار عن الفرد والمجتمع والحياة والموت وما بعد الموت إلى آخر ما يشغلنا نحن البشر ونحن الكتّاب الذين نضطلع بالتعبير عما يؤرق البشر من أفكار وأوضاع. كانت مشغولة بهذا كله واختارت أن تعبر عنه من داخل السياق الاجتماعي الذي تعرفه خير معرفة وهو سياق حياة الدروز في المجتمع اللبناني. ولعلي كنتُ غير دقيق حين كتبتُ «اختارت» فلا خيار عند الكاتب إلا يكتب لنا من داخل السياق الذي يعرفه معرفة حميمية، وإلا جاءت كتابته مصطنعة، خالية من نبض الحياة.

أما الهاجس الرئيسي لدى الكاتبة، فيوحي به على الفور عنوان الرواية، «ميثاق النساء».

يمكن أن نحزر من قبل القراءة أننا أمام رواية عن قضية المرأة في مجتمع عربي تقليدي، حريتها، علاقتها بالرجل في مجتمع ذكوري، علاقتها بالأب في مجتمع بطركي، ثقل التقاليد، العوائق أمام حرية الدراسة والعمل والكسب والاستقلال الاقتصادي، بل وإن شئنا أيضاً موقف قسم من رجال الدين منها والفهم المجتمعي له، وكيف أنهم يستخدمون الدين من حرية المرأة وتكريس السيطرة الذكورية عليها. كل هذا يمكن أن نتوقعه مع فرصة غير ضئيلة أن يصدق توقعنا من رواية بهذا العنوان، وخاصة أن كاتبتها امرأة. لكن من لم يكن درزياً أو غير مطلع على خصائص العقيدة الدرزية، فلن يدرك المغزى الكامل لكلمة «ميثاق» في العنوان إلا بعد أن يقطع شوطاً في القراءة. فميثاق النساء الذي يمكن أن نفهمه فهماً عاماً باعتباره ميثاق السلوكيات الذي يفرضه مجتمع بطركي على المرأة هو في الواقع أشد من ذلك؛ لأنه في الحقيقة نص عقيدي يحدد ضمن النصوص العقيدية للديانة الدرزية وضعية المرأة في المجتمع الدرزي.

نص كتبه رجل بطبيعة الحال وقام على تكريسه أجيال من الذكور ومن النساء اللاتي تشربن بالقيم الذكورية المفروضة عليهن عبر القرون. والمجتمع الدرزي كما نعرف من الرواية ومن خارج الرواية هو مجتمع «مغلق»؛ لأنه يحرّم على الدروز الزواج من غير الدروز كما أن الدعوة الدرزية انغلقت على نفسها وكفّت عن التبشير في خلال فترة لا تتجاوز العقود الثلاثة من نشأتها في القرن الحادي عشر. كل هذا ساعد على تماسك المجتمع وتقارب أفراده القليلين نسبياً وزاد في حرصهم على عاداتهم وتقاليدهم. بل يزيد من هذا كله أن الدروز يؤمنون بتناسخ الأرواح وأن الروح الدرزية لا تعود إلا في جسد وليد درزي، وكأن المجتمع يعيد تدوير ذاته لا يتجدد فيه شيء إلى الأبد.

هذه هي الخلفية التاريخية والعقيدية والمجتمعية لحياة بطلة روايتنا، أمل بونمر التي نعاصرها على امتداد ما يقرب من أربعمائة صفحة من الطفولة إلى المراهقة والزواج المبكر والجسد المنتهك والأمومة المتعثرة والطموح المكبوت للمعرفة والدراسة. هي تواجه قدراً مرسوماً لها من المهد إلى اللحد وما وراء اللحد ثم العودة من جديد. لكنه قدر لا تستسلم له، بل تصارعه هي الضعيفة المقهورة المعتمدة اقتصادياً المُراقَبة أسرياً واجتماعياً. قدر يكاد أن يقهرها، لكنها تفلت منه بعد نضال مرير وخسائر وتضحيات ليس هنا مجال بسطها.

هذه رواية نسوية إذن، بمعنى أنها قصة تحرر امرأة، ولأنها تتعامل مع المعطيات الحتمية التي نجدها في مثل هذه الروايات لأنها موجودة في المجتمعات القائمة وراءها.

ولكنها فيما عدا ذلك قصة تحرر وحسب. قصة تحرر إنساني. قصة مساءلة للمعتقدات والمقدسات والتقاليد الموروثة. قصة صراع الفرد للنهوض من تحت الثقل الباهظ للتاريخ والغيب والجماعة والأسرة، ذلك الثقل الذي ينسحق تحته الأغلبية في انصياع غير مُدرِك. وفوق كل هذا فالرواية بسياقها الدرزي غير المألوف لغير الدروز تمنحنا هبة أخرى ضمن توسيع مداركنا الإنسانية الذي نتوقعه من كل عمل أدبي يستحق الاسم. هي تعلمنا التماثل البشري الجوهري وراء كل اختلاف عرضي. فقصة أمل بونمر هي قصة الغالبية العظمى من النساء العربيات على اختلاف أديانهن وأوطانهن في الرقعة العريضة للعالم العربي. ليس هذا فقط وإنما واقع الأمر أن المجتمع الدرزي الصغير المتشبث بموروثاته بأي ثمن، والذي نتعرف عليه عن قرب في هذا الحكي الشائق ليس إلا نموذجاً مصغراً مع اختلاف التفاصيل لحال المجتمعات العربية التي ما زالت من الخليج إلى المحيط تعاني فصام الدين والعقل، والموروث والمستحدث على كل صعيد معاشي.