ماكرون لعبد المهدي: استقرار العراق أساسي لاستقرار المنطقة

باريس وبغداد بلورتا خريطة طريق لشراكة استراتيجية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي في قصر الإليزيه أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي في قصر الإليزيه أمس (أ.ف.ب)
TT

ماكرون لعبد المهدي: استقرار العراق أساسي لاستقرار المنطقة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي في قصر الإليزيه أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي في قصر الإليزيه أمس (أ.ف.ب)

كثير من الترحيب ودفق العواطف المتبادلة، ظلل زيارة اليومين لرئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي إلى فرنسا، التي أقام فيها طالباً ولاجئاً سياسياً لما يزيد على عشرين عاماً، والتي يتقن لغتها ويعيش فيها جزء من عائلته. وبدت الحفاوة بوضوح في اللقاء الذي جمعه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه؛ حيث أغدق ماكرون كثيراً من الثناء على ثاني أكبر مسؤول عراقي يزور باريس في الأشهر الأخيرة، بعد زيارة الرئيس العراقي برهم صالح للعاصمة الفرنسية أواخر فبراير (شباط).
وحفلت إقامة عبد المهدي القصيرة نسبياً بلقاءات رئيسية؛ إذ إنه بالإضافة إلى الاجتماع المطول ومائدة الغداء مع الوفد الكبير المرافق له ظهر أمس مع ماكرون، التقى وزيرة الدفاع فلورانس بارلي، ووزير الخارجية جان إيف لودريان، ووزير الاقتصاد برونو لومير، وأيضاً وفداً من كبار رؤساء الشركات الفرنسية المهتمة بالسوق العراقية.
وفي كل مناسبة، لم يفتأ عبد المهدي يرحب بالشركات الفرنسية، ويركز على الفرص الاستثمارية في كثير من القطاعات (النفط، والنقل، والكهرباء، والاتصالات، والبنى التحتية)، ويعبر عن رغبته في أن تساهم في تطوير الاقتصاد العراقي، الذي يحتاج لاستثمارات أجنبية ولكثير من الأموال في عملية إعادة الإعمار.
وأول ما أسفرت عنه الزيارة توقيع خريطة طريق لشراكة استراتيجية، وصفها عبد المهدي بأنها تتضمن «المبادئ العامة» التي يتمنى الطرفان أن تكون أساساً لعلاقاتهما المستقبلية.
وفي حديثهما إلى الصحافة قبل اجتماعهما، عرض ماكرون «أولويات» بلاده في العراق التي أجملها في ثلاث: مواصلة الحرب على الإرهاب «لأن هذه المعركة لم تنته»، وإعادة إعمار العراق، وأخيراً دعم الأجندة الإقليمية التي يسير العراق على هديها من أجل استقرار المنطقة. ومنطلق ذلك كله، وفق ماكرون، وقوف باريس «إلى جانب عراق موحد، فيدرالي وديمقراطي».
وتشكل «خريطة الطريق» للشراكة الاستراتيجية التي وقع عليها مساء أول من أمس في وزارة الخارجية، الأساس الذي ستنهض عليه علاقات البلدين المتجددة.
وفي ملف الإرهاب، وعد ماكرون بأن تبقى بلاده «شريكاً» للعراق من أجل تعزيز إمكانياته في المعركة ضد الإرهاب التي «لم تنته» وتمكينه من حماية حدوده، وضم أعداد من أفراد الميليشيات إلى قواته الأمنية، وهي المهمة التي وصفها ماكرون بـ«التحدي الكبير».
وفي ملف إعادة الإعمار، وعد ماكرون بتعبئة إمكانات بلاده «السياسية والمالية» وتوفير إمكانات إضافية للوكالة الفرنسية للتنمية، التي ستكون القناة التي تمر عبرها المساعدات المختلفة.
وضمن الرئيس الفرنسي كلمته «رسالة» مفادها أن باريس سوف «تحرص» على أن تتمكن كافة المكونات، خصوصاً تلك التي أصابها الاضطهاد الديني والعرقي من «استعادة موقعها» في العراق الجديد.
كذلك يريد ماكرون أن تستفيد الشركات الفرنسية مما هو متوفر في «أرض الفرص» التي هي أرض العراق، في قطاعات النقل والطاقة والزراعة والبنى التحتية الحضرية، مشيراً إلى أن الحكومة وفرت مليار يورو للسير في هذه المشروعات.
وأشار الرئيس الفرنسي إلى ما قامت به بلاده في الموصل، لجهة إعادة تأهيل جامعتها، ومشاركتها في إعادة إحياء التراث الحضاري المعماري في الموصل.
أما الأولوية الفرنسية الثالثة، فتتمثل في «الأجندة الإقليمية» لباريس، وأحد مكوناتها المساهمة في توفير الاستقرار للعراق الذي يعد «فاصلاً» من أجل استقرار المنطقة. وقال ماكرون إن باريس «تشاطر العراق سياسة التوازن، والسعي لتهدئة التوترات الإقليمية»، وهي تسعى لرؤى مشتركة ومبادرات من أجل الاستقرار فيها.
وتضمنت كلمة ماكرون تلميحات واضحة لوضع العراق، وسعيه من أجل التزام «سياسة متوازنة» تحظى بدعم فرنسي واضح. ونوه ماكرون بـ«الحوار» الذي أقامه عبد المهدي مع دول الجوار، وبعروض الوساطة التي قدمها من أجل خفض التصعيد في المنطقة، في إشارة إلى زياراته إلى المملكة السعودية ومصر والأردن وإيران. وفي هذا السياق، ذكّر عبد المهدي بالمؤتمر البرلماني الذي استضافته بغداد مؤخراً، وضم بعثات من السعودية والأردن ومصر وإيران وتركيا، معتبراً أنه ليست هناك عاصمة أخرى قادرة على القيام بما فعلته بغداد التي تلعب دور الوسيط.
واطلعت «الشرق الأوسط» على خريطة الطريق الاستراتيجية التي تضم خمسة محاور رئيسية، هي تباعاً: تحديد هيكلية الحوار السياسي وأشكاله، والنهوض بالتعاون العسكري والأمني وتكييفه وفق الحاجات، وإقامة الشراكات الاقتصادية، وتوسيع التعاون التعليمي والجامعي واللغوي، وأخيراً مواكبة التبادل الثقافي والحوار بين المجتمعين المدنيين.
ورغم أهمية ما جاءت به الخريطة، فإن مسائل رئيسية بقيت في الظل، مثل كيفية تعامل العراق مع المتطرفين، ومنهم الفرنسيون، سواء المعتقلون في السجون العراقية أو أولئك الذين ينقلون إليها من سوريا، وتحديداً من «قوات سوريا الديمقراطية»، والمقابل الذي ستحصل عليه بغداد. وحتى اليوم، المعلوم أن 14 متطرفاً فرنسياً نقلوا إلى السجون العراقية، ولكن هناك عشرات معتقلون لدى الأكراد، ولا تريد باريس إعادتهم إلى أراضيها، وهي تتعامل مع القاصرين، كل حالة على حدة.
وأفادت مصادر فرنسية رسمية، في موضوع التسليح، بأن باريس لن تتنازل عن مجموعة المدفعية المتقدمة المسماة «القيصر» التي نشرتها شمال العراق، للمساعدة في محاربة «داعش»، والسبب في ذلك معارضة الولايات المتحدة الأميركية، التي تريد أن تبقي هيمنتها على التسلح العراقي. وفي المقابل، فإن باريس يمكن أن تبيع من شركة «ألستوم» الأجهزة الخاصة بالرقابة على الحدود، وأن تستمر في المساهمة في تدريب وحدات عسكرية وأمنية عراقية.
أما في موضع المتطرفين، فقد رأت هذه المصادر أن العراق سيحصل بالطبع على مقابل؛ لكنه لم يحدد بعد ما يريده، ليس من فرنسا وحدها؛ بل من كافة الدول التي سيقوم بالاحتفاظ بجهادييها من أجل محاكمتهم أمام محاكمه.
وفي كلمته، رد عبد المهدي التحية لماكرون بأجمل منها، مشيداً بديناميته وشبابه وبـ«دفء العلاقة الشخصية، والرغبة في العمل المشترك». وشدد على الحاجة لاستمرار التعاون الدولي في ملف محاربة الإرهاب، معتبراً أن أي «ثغرة فيه» ستفيد «داعش»، وستوفر له الفرصة للعودة إلى الساحة.
ونوه عبد المهدي بتحسن الوضع في العراق، الذي تسوده اليوم «حالة من السلم والأمن»، رغم وقوع «بعض الحوادث الأمنية المعزولة» وهو ما رآه «أمراً طبيعياً» بسبب وجود الخلايا النائمة واحتلال «داعش» لسنوات ثلث العراق.
وأشاد عبد المهدي بالعلاقات مع أربيل (الأكراد) التي هي «في أحسن حال» حيث تم احتواء الخلافات في إطار الحوار، بما في ذلك الملف النفطي. وتوقف عند مبادراته الخارجية، وتحديداً زياراته لدول الجوار التي يريد منها أن يعود العراق «عنصر استقرار» في المنطقة؛ لا بل «دار السلام والحكمة» كما كانت تسمى بغداد سابقاً.
وعلى الصعيد الثنائي، أشار عبد المهدي إلى التوافق مع وزيرة الدفاع الفرنسية على «رفع مستوى العلاقات الدفاعية» مع فرنسا، دون إعطاء التفاصيل. وتجدر الإشارة إلى أن عبد المهدي ما زال يمسك بملف وزارة الدفاع؛ حيث لم يعين حتى اليوم وزير دفاع أصيلاً، رغم مرور ستة أشهر على تشكيل حكومته. وفي هذا السياق، أشارت مصادر فرنسية إلى أن باريس «غير منزعجة» من هذا الوضع، ومن عدم وجود وزير داخلية؛ لأن ذلك يبقي هاتين الحقيبتين الأساسيتين في أيدي عبد المهدي، المنفتح على الحوار والساعي لمواقف متوازنة بين إيران من جهة والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى.
وحتى اليوم، لم يقم رئيس الوزراء بزيارة واشنطن. وكانت العلاقات المثلثة العراقية - الأميركية - الإيرانية موضع بحث أمس مع الوفد العراقي؛ خصوصاً أن واشنطن تمارس ضغوطاً على بغداد لحملها على السير في حملة المقاطعة والعقوبات التي تقودها ضد طهران، والتي تزعج كثيراً الجانب العراقي. من هنا تأتي حاجة عبد المهدي للدعم السياسي الذي تستطيع باريس أن توفر له بعضاً منه.



لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.