غوايدو يعلن بدء «المرحلة الأخيرة» ضد مادورو

أميركا تحذر روسيا وكوبا من مساندة الرئيس الفنزويلي... وإسبانيا تتخوف من «حمام دم»

جنود انضموا للمعارضة قريباً من قاعدة لا كارلوتا الجوية في كراكاس أمس (أ.ب)
جنود انضموا للمعارضة قريباً من قاعدة لا كارلوتا الجوية في كراكاس أمس (أ.ب)
TT

غوايدو يعلن بدء «المرحلة الأخيرة» ضد مادورو

جنود انضموا للمعارضة قريباً من قاعدة لا كارلوتا الجوية في كراكاس أمس (أ.ب)
جنود انضموا للمعارضة قريباً من قاعدة لا كارلوتا الجوية في كراكاس أمس (أ.ب)

حذرت الولايات المتحدة، أمس، روسيا وكوبا من مساندة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، بعد إعلان المعارض خوان غوايدو أن «جنوداً شجعاناً» يدعمونه، وتنديد كراكاس بـ«محاولة انقلاب عسكري».
وقال غوايدو، الذي أعلن نفسه رئيسا لفنزويلا، إن «المرحلة الأخيرة» في خطة للإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو قد بدأت. وأطلق غوايدو هذا الإعلان أمس الثلاثاء وكان إلى جانب زعيم المعارضة ليوبولدو لوبيز وأعضاء في القوات المسلحة، وذلك في مقطع فيديو نُشر عبر «تويتر». وكان قد حرر جنود ليوبولدو لوبيز من إقامته الجبرية التي يقبع فيها منذ سنوات. وكتب لوبيز على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» أمس الثلاثاء «عسكريون حرروني بأمر من الرئيس غوايدو». وذكر لوبيز أنه وجد مع غوايدو وجنود في القاعدة الجوية لا كارلوتا في العاصمة الفنزويلية كراكاس.
واعترفت الحكومة الفنزويلية الثلاثاء «بمحاولة انقلاب» بعيد تأكيد غوايدو تلقيه دعما من مجموعة من «الجنود الشجعان». ونشرت الحكومة الفنزويلية بيانا قالت فيه إنها تواجه «انقلابا عسكريا». وجاء في البيان: «نواجه حاليا ونثبط مجموعة صغيرة من عناصر الجيش الخائنة الذين (يقومون بـانقلاب عسكري) ضد الدستور والسلام في الجمهورية»، مضيفا أن «اليمين المتطرف القاتل» يقف وراء العصيان.
وقال وزير الاتصال في حكومة مادورو خورخي رودريغيز في تغريدة: «في هذه اللحظات نواجه ونقوم بتحييد مجموعة من الخونة داخل القوات العسكرية تمركزوا على جسر التاميرا للقيام بانقلاب».
وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أنه يتابع عن كثب التطورات في فنزويلا {دقيقة بدقيقة}، مشدداً على أن بلاده {تقف مع شعب فنزويلا وحريته}. ودعا مستشار الامن القومي الأميركي جون بولتون إلى {انتقال سلمي للسلطة} إلى غوايدو، محذراً روسيا وكوبا من الاستمرار في مساندة نظام مادورو. وشدد على أن {كل الخيارات مطروحة على المائدة}. وأشار إلى أن الإدارة {حذرت بشكل علني وفي الغرف المغلقة المسؤولين الروس من تداعيات التدخل الروسي والكوبي لمساندة نظام مادورو، خصوصاً أن حياة المدنيين الفنزويليين على المحك}. وأضاف أن {من المهم للقادة في فنزويلا مثل وزير الدفاع ورئيس المحكمة العليا ورئيس الحرس الوطني أن يتحدثوا إلى المعارضة، وهم جميعاً متفقون أنه حان الوقت لنظام مادورو أن يرحل}. ورفض بولتون تسمية الوضع بأنه {انقلاب}، قائلاً: {نعترف بغوايدو كرئيس شرعي لفنزويلا واعترفت به 50 دولة أخرى ونحن نوفر كل المساندة لإدخال المساعدات الإنسانية ونعمل مع مجموعة دول أميركا اللاتينية}.
في المقابل، حذرت الحكومة الإسبانية من «حمام دمّ» في فنزويلا. وصرّحت المتحدثة باسم الحكومة الإسبانية إيزابيل سيلا بأننا «ندعم عملية دبلوماسية سلمية وطلبت الدعوة إلى انتخابات فورا». وحذر قائد الجيش الفنزويلي الثلاثاء هو الآخر من «حمام دم» في البلاد بعد تحرك الجيش لإحباط ما قال إنه محاولة انقلابية. وصرح الجنرال فلاديمير بادرينو، الذي يتولى كذلك منصب وزير الدفاع، في كلمة للقيادة العسكرية العليا، بدعمه للرئيس نيكولاس مادورو، وأنه يحمل المعارضة «مسؤولية أي عمل عنف أو موت أو سفك دماء».
كما دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الثلاثاء «كل الأطراف في فنزويلا إلى تجنب اللجوء إلى العنف»، وطالبهم بـ«اتخاذ كل الإجراءات الفورية لإعادة الهدوء». ونقل المتحدث ستيفان دوجاريك عن غوتيريش قوله أيضا إنه «يحض كل الأطراف على الالتزام بأقصى درجات ضبط النفس».
وأعرب وزيرا خارجية ألمانيا والبرازيل عن أملهما في التوصل لحل سلمي للوضع في فنزويلا. وقال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس في برازيليا، عقب لقائه مع نظيره البرازيلي أرنستو أراوجو «دعمنا لخوان غوايدو لم يتغير بأي شكل، إننا نراقب الوضع الحالي بشكل وثيق».
وقال غوايدو في تغريدة تالية على «تويتر»: «لقد بدأ شعب فنزويلا نهاية اغتصاب السلطة... في هذه اللحظة، ألتقي بالوحدات العسكرية الرئيسية في قواتنا المسلحة، وبدأت المرحلة الأخيرة من عملية الحرية». وقال غوايدو إنه في قاعدة لا كارلوتا الجوية في كراكاس، ودعا أنصاره إلى التجمع هناك. وأظهرت لقطات فيديو مدنيين وجنودا وساسة في الشوارع.
وأبدى مادورو ثقته بالانتصار وذلك على الرغم من دعوة المعارضة ومعها بعض جنود الجيش إلى الإطاحة بحكومته. وكتب مادورو على «تويتر» أمس الثلاثاء: «الأعصاب من الصلب، وتحدثت مع قادة كل القطاعات العسكرية في البلاد، وأعربوا عن ولائهم للشعب والدستور والوطن، وأنا أدعو إلى تعبئة الشعب لضمان انتصار السلام»، وأضاف الرئيس الفنزويلي: «سننتصر».
ودعا مسؤول كبير في معسكر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الثلاثاء إلى تجمّع أمام قصر ميرافلوريس الرئاسي في كراكاس، بعد تصريحات غوايدو أكد فيها أنه يحظى بدعم «جنود شجعان». وقال رئيس الجمعية التأسيسية التي يسيطر عليها معسكر شافيز ديوسدادو كابيلو لقناة «في تي في» الرسمية: «لن يتمكنوا من القيام بذلك. نحن أصلاً منتشرون ونوجّه نداءً إلى كل سكان كراكاس: تعالوا إلى ميرافلوريس. سنرى ما هم قادرون على فعله ضد شعبنا».
وأغلقت السفارة البريطانية أبوابها في العاصمة الفنزويلية كراكاس أمس الثلاثاء، في ظل محاولة الانقلاب على الحكم. وقالت القناة الدبلوماسية الرسمية لبريطانيا على موقع «تويتر» للتواصل الاجتماعي، إن هذا القرار جاء «بسبب الاضطرابات الأهلية» وطالبت المواطنين «بالالتزام بالحذر».
وأعرب وزير الخارجية البرازيلي أرنستو أراوجو الاثنين عن تفاؤله بشأن التحرك الكبير المقرر هذا الأسبوع في فنزويلا والذي ينظمه غوايدو. وكان غوايدو الذي تعترف به أكثر من 50 دولة رئيسا، بما في ذلك الولايات المتحدة والبرازيل، قد دعا إلى تنظيم احتجاجات في عيد العمال، وتعهد بأن تكون «الأضخم في تاريخ» فنزويلا. وقال أراوجو للصحافيين بعد محادثات في واشنطن مع نظيره الأميركي مايك بومبو: «نحن نواصل الضغط الدبلوماسي لدعم هذا التحرك الشعبي العارم لخوان غوايدو، ولدينا توقعات كبيرة لليوم الأول من مايو (أيار)». وجدد وزير الخارجية البرازيلي دعوته لقيادة الجيش في فنزويلا التي وقفت خلف الرئيس مادورو لتغيير موقفها ودعم غوايدو. وقال: «نتوقع من القوات الفنزويلية أن تظهر بوطنية دعمها للحكومة الشرعية. إذا فعلوا ذلك فسيكون الأمر رائعا».
ومع ذلك دعا أراوجو إلى «توخي الحذر» بشأن التنبؤ بالأحداث في فنزويلا، فقد تمكن مادورو من الثبات في السلطة على الرغم من تصاعد الضغط بوجهه في الأشهر الثلاثة التي أعقبت إعلان القوى الغربية وأميركا اللاتينية عدم شرعية رئاسته. وعندما سُئل بومبيو بشكل منفصل خلال مناسبة لصحيفة «ذا هيل» عما إذا كان مادورو سيسقط هذا العام، أجاب «أنا لا أعد جداول زمنية». وأضاف: «الفرص في أميركا الجنوبية هائلة، وقد شهدنا هذا التحول نحو اقتصادات حرة أكثر، وقادة انتخبوا بشكل ديمقراطي أكبر، وإذا أمكننا دفع فنزويلا إلى الاتجاه يمينا (...) فسيكون هناك نمو اقتصادي هائل». واعتبر أن التغيير في السلطة لن يفيد فقط «الناس في تلك البلدان، بل أيضا الولايات المتحدة».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended