رجاء البقالي: هوية المغرب الأدبية تكاد تتحدد الآن بفن القصة القصيرة جداً

ترى أن الترجمة تعزز المشترك الإنساني مع الآخر

رجاء البقالي
رجاء البقالي
TT

رجاء البقالي: هوية المغرب الأدبية تكاد تتحدد الآن بفن القصة القصيرة جداً

رجاء البقالي
رجاء البقالي

ترى الكاتبة المغربية رجاء البقالي أن التكثيف شرط أساسي في القصة القصيرة، ويرتبط بطبيعتها، كما تنظر للترجمة باعتبارها جسراً مهماً للتواصل بين الذات العربية المبدعة ونظيرتها الأجنبية. وقد زارت القاهرة أخيراً لتوقيع عقد نشر مجموعتها القصصية «البعد الرابع» في نسختها المترجمة للإنجليزية مع «دار ميريت»، بعد أن أصدرت الدار المجموعة نفسها في يناير (كانون الثاني) الماضي.
هنا حوار معها حول تجربتها القصصية، وقضايا أدبية أخرى...
> كيف تنظرين إلى ترجمة مجموعتك «البعد الرابع» للإنجليزية؟
- برأيي، الترجمة تدخل في نسيج المثاقفة؛ حيث إن تعرف الآخر إلى نتاجنا الإبداعي هو تعرف إلى أهم سمة لهويتنا التي ضاعت في متاهات الإقصاء والصراع، وأحسب أن الطابع الحداثي للقص في مجموعتي يتيح إمكانية الترجمة، بل يحتمها كجسر يصل الذات العربية المبدعة بالذات الغربية المماثلة لها، وهذا يعزز المشترك الإنساني بيننا، خاصة في النظر للخير والجمال والحق.
> في بعض قصصك، تبدو هناك حالة من التناص بين عوالمها، وبعض الأعمال الدرامية والسينمائية، ما الذي تريدين أن تذهبي إليه بهذا التناص؟
- النظر إلى الإرث الثقافي الإنساني في تعدد وتنوع تجلياته الأسطورية، الفنية، الملحمة، الأدبية، والعلمية، لا ينفي النظر إليه أيضاً في تكامله وتفاعله عبر حوار يمتد زماناً ومكاناً إلى عصور سابقة، مشكِّلاً خطاباً إنسانياً متوجهاً إلى الإنسان في بعده الكوني، رغم تباين الحضارات واختلاف الثقافات عبر التاريخ. من هنا يأتي التناص باعتباره حوار نصوص، ومرجعيات ثقافية، وتفاعل إبداعات ورؤى. إنه آلية واعية أو لا واعية، يوظفها كاتب القصة القصيرة جداً تحقيقاً لذلك المسعى التفاعلي التحاوري. إنه تلوين لمعنى مماثل جديد. أما وضع التناص كآلية كتابية في مقابل الفيلم السينمائي «كفن» فأنا أفضل تحديد الآلية الأقرب، كالتوازي، وأقصد بهذا حدثين مختلفين يسيران في نفس الوقت، ويربطهما توجه مشترك، أو تقنية الفلاش باك التي تستدعي أحداثاً قديمة، وكل هذه الاستخدامات على اختلافها هي استثمار ورغبة في تحقيق أكثر من معنى واحد في نفس الوقت.
> تلجئين في قصصك بشكل عام للتجريد والتكثيف الشديد، فتبدو كأنها ومضات، هل هناك أرضية نفسية ومجتمعية لهذا النوع من الكتابة؟
- التكثيف شرط أساسي في هذا النمط من الكتابة الذي لا يعتمد الامتداد الروائي والتوسع في المكان والزمان والأحداث والشخصيات، فالبؤرية والسردية الميكروسكوبية هي علامته ودليله، وهذا التكثيف مرتبط أساساً بطبيعة هذا الفن الذي يختزل الزمن في لحظة. كاتب القصة القصيرة جداً، هنا، يقدس الذرية، ويرى فيها عالماً رحباً تضيعه التفاصيل غير المهمة التي تشوه جوهره الفذ المتمثل في البذرة الأم للأشياء، الحب والكره والانتقام والانتظار، من هذه الأشياء البسيطة يمكننا تكوين عوالم لا نهائية بتحفيز المخيلة وتنشيطها، لكن اللغة العادية لن تسعفنا لتحقيق هذا المطلب بالغ الصعوبة، لذا كان لا بد للجوء إلى التجريد والرمزية وبعض الغموض اللازم، المضاد للفجاجة، فالمعاني البسيطة يمكن التعبير عنها صراحة، أما الكهوف فتثير التساؤل عما فيها من خبايا.
> تحفل قصصك بغموض يجعلها قابلة لكثير من التأويلات التي قد تتناقض فيما بينها، هل ترين أن هذا الغموض يحقق رؤيتك في الكتابة القصصية والإبداعية؟
- أنا لا أتعمد الغموض، ولا أدرى أين يوجد بمظهره المضخم، الذي يبدو في السؤال، لكن المعنى المتسع متعدد الأبعاد في المساحة المحددة التي تفرضها طبيعة القصة القصيرة جداً كنمط قصصي شاعري مكثف، كإلماحة توحي بلغتها الرمزية ولا تفصح، هو ما يفرض حكياً لا تقليدياً، يحفز الوعي على طرق ميادين جديدة من التفكير الذي لم يُمارس من قبل، والقصة القصيرة جداً بزخمها هذا، وميادينها الشاسعة تلك، تتطلب نوعاً جديداً من القراءة، وتستدعي القارئ المدقق الذي يجب أن يمرّن نفسه على النظر إلى المستويات المتعددة في المبنى الواحد، والأوجه الأخرى للمرآة المتعددة الأسطح. حينها سيكتشف أن ما كان يراه غموضاً في السابق هي محض زوايا أخرى ودروب، عليه أن يختار بينها أو يسير فيها، كلها بالتوالي.
> لجأت نتالي ساروت إلى مثل هذا النوع من الكتابة القصصية في كتابها «انفعالات»، فظهرت شخصيات رمزت إليها بضمائر مختلفة، وبلا أسماء، مثلما يبدو في الكثير من قصصك... ما رأيك؟
- ناتالي ساروت رائدة في هذه الكتابة الجديدة، وكانت تقصد اقتناص الجوهر الكامن العميق في المشاهد التي يمكن أن نراها عادية، والقصة القصيرة جداً تركز على المشهد في بكارته المجردة الصافية، وهذا النوع من الكتابة ينتشر بقوة مقتحماً عالم الأدب بشكل يدعو للدهشة حقاً، وربما سينشأ صراع في المستقبل بين هذا النوع والقصة القصيرة، التي تعتمد بناءً مختلفاً يركز على الموقف «الكامل» مقدمة ووسط ونهاية، بينما القصة القصيرة جداً تقتصر على المشهد فقط، وترتكن إلى كل الأنظمة المحققة للدهشة والتشظي من شعرية وتناص ورمزية وإضاءة، تعكسها المرايا والإيحاءات.
> برأيك، من أي زاوية أدبية أو نقدية يمكننا أن ننظر لعنوان مجموعتك «البعد الرابع»؟
- عنوان المجموعة دال وموجه للمقصد، والغرض منه هو النبش في تراكمات عقلية ونفسية خبيئة داخل العقل البشري، أشارت إليها نظريات التحليل النفسي، وأيضاً البحث الدؤوب عن مستوى آخر من الوعي واستدعاؤه من الزوايا المهملة المهجورة.
الغموض والرمزية ستتلاشى هيبتهما إذا اقتحمنا بجرأة متناهية القلاع الحصينة للذهن البشري والأفكار التي حرصنا دوماً على تجنبها، وهذا الشكل من الكتابة يجعلنا نتمرن على مجابهتها، ومن هنا أرى أن مسعى القصة القصيرة جداً يكمن في مخاطبة بعد آخر من الوعي الإنساني، يحرك الفكر، ويثير الأسئلة العويصة، ولعل المأزق الأساسي هنا يرجع إلى النظر إلى القصة القصيرة جداً في مقابل غيرها من أنواع القص، ومطالبتها بحكي موقف محدد وواضح، ولو حدث هذا لما كان هناك جدوى من نشوء هذا الجنس الأدبي ذي المسار والمقصد الآخر المختلف.
> المتابع لقصصك يجد نفسه محاطاً بالأسئلة، ومحاصراً بالتصورات، والرموز، والإشارات... ما الذي يقف وراء مثل هذه الرؤية الإبداعية لديك؟
- تقف وراءها الرغبة الملحة في تحريك المخيلة وتنشيط روح المتلقي لطرق ميادين أخرى غير تلك التي يعايشها يومياً، والتي تتسم بنوع من السكونية المقيتة. أنا أسعى نحو تحقيق شكل من أشكال الديناميكية في النظر، وصبغ الرؤى بألوان أكثر تجسيداً لعوالم الروح الشاسعة.
> نصك مشرع على احتمالات تأويلية كثيرة، سواء أكنتِ تقصدينه، أم لم يَدُر في خيالك... هل تعتقدين أن هذا النوع من الكتابة يغني نصوصك، أو يخرجها من عثرات سياسية حتى إبداعية قد تقع فيها، حال كان الرمز واضحاً؟
- كل ما يكتبه الكاتب، وأتكلم عن نفسي بالدرجة الأولى، لا بد أن يقصده تخطيطاً أولياً، وإلا كانت العملية الإبداعية عشوائية لا تستند إلى تصور وقصدية. لكن هذا لا يعني أيضاً أنني أتحكم بمصائر شخصياتي، بل أترك لهم خيار تحقيق ذواتهم طبقاً لمجرى السياق الذي يحققون هم فيه أنفسهم بالدرجة القصوى. ما أعنيه هنا أنه لا يمكن أن تكون خيوط العمل في بكارتها الجوهرية بمعزل عن مجرى تصوراتي وتقديري الكامل، ولكن هذا لا يمنع تطور التفاعل الداخلي للنص أثناء الكتابة.
> ماذا عن المشهد القصصي في المغرب؟
- يعتبر المغرب من أهم رواد القصة القصيرة جداً عربياً، دون أن ننسى العراق وسوريا والسودان أيضاً. لكن ما يميز المغرب حقيقة أن هويته الإبداعية الأدبية الآن، تكاد تتحدد بهذا الجنس الأدبي القصصي المثير. وتوازى مع هذا الإشعاع الإبداعي خط النقد في مسار لافت تنظيراً وتقعيداً، ما منح القصة القصيرة جداً في المغرب ماهية لها خصوصية، لا تخلو مع ذلك من دينامية التجريب وإغوائه قصاً ونقداً أيضاً.



دراسة: العمل من المنزل يرفع معدلات الخصوبة

سيدة تعمل من المنزل خلال جائحة كورونا في إسبانيا (أرشيفية - رويترز)
سيدة تعمل من المنزل خلال جائحة كورونا في إسبانيا (أرشيفية - رويترز)
TT

دراسة: العمل من المنزل يرفع معدلات الخصوبة

سيدة تعمل من المنزل خلال جائحة كورونا في إسبانيا (أرشيفية - رويترز)
سيدة تعمل من المنزل خلال جائحة كورونا في إسبانيا (أرشيفية - رويترز)

أظهرت دراسة حديثة شملت 38 دولة حول العالم، أن معدل الخصوبة الفعلي والمخطط له يرتفع بمقدار 0.32 طفل لكل امرأة عندما يعمل كلا الزوجين من المنزل يوماً واحداً على الأقل أسبوعياً، مقارنةً بمن يعملون في مواقع عملهم أو لدى العملاء.

ووجدت الدراسة أن العمل من المنزل يرتبط بارتفاع معدل الخصوبة. بعبارة أخرى، بين العاملين، يعني قضاء وقت أطول في المنزل زيادة في عدد المواليد.

في العينة، يبلغ متوسط ​​عدد الأطفال لكل امرأة 2.26 طفل عندما لا يعمل أي من الزوجين من المنزل. ويشمل ذلك الأشخاص الذين عملوا بأجر خلال الأسبوع الماضي، أي إنهم ليسوا عاطلين عن العمل، بل يعملون في مواقع عملهم أو لدى عملائهم، حسبما أورد موقع «يورونيوز».

وأفادت الدراسة بأنه إذا عملت المرأة من المنزل يوماً واحداً على الأقل أسبوعياً، يرتفع متوسط ​​عدد الأطفال طوال حياتها إلى 2.48 طفل. وإذا عمل كلا الزوجين من المنزل، يرتفع هذا المتوسط ​​إلى 2.58 طفل.

أما إذا عمل الرجل من المنزل يوماً واحداً على الأقل أسبوعياً، فإن الزيادة تكون أقل، حيث يبلغ متوسط ​​عدد الأطفال 2.36 طفل.

ما الذي يفسر هذا الارتفاع؟

يُلاحظ ارتفاع ملحوظ في معدلات الخصوبة عندما يعمل الوالدان يوماً واحداً على الأقل من المنزل. فكيف يحدث ذلك؟ ما الآليات التي تُفسر العلاقة بين العمل من المنزل وارتفاع معدلات الخصوبة في الأسر؟

تشير الأبحاث إلى ثلاثة احتمالات أساسية:

1) من خلال تسهيل الجمع بين رعاية الأطفال والعمل بأجر، تُشجع وظائف العمل من المنزل النساء وشركائهن على اختيار إنجاب مزيد من الأطفال.

2) تختار الأسر التي لديها أطفال، وظائف تُتيح خيارات العمل من المنزل، لكنّ معدلات الخصوبة لا تتأثر بشكل مباشر بوضع العمل من المنزل.

3) يُسهم توفر وظائف العمل من المنزل في رفع معدلات الخصوبة من خلال توسيع الفرص الحالية والمستقبلية لاختيار وظائف تُراعي ظروف الوالدين.

ويُشير التقرير إلى أن «الاحتمالات الثلاثة تتفق جميعها مع فكرة أن وظائف العمل من المنزل تُسهل على الوالدين الجمع بين تربية الأطفال والعمل».

وجد الباحثون «أدلة واضحة» على ارتفاع معدلات الخصوبة مع توفر فرص العمل من المنزل. وقد استمر هذا النمط بعد الجائحة (2023-2025) وقبلها (2017-2019).

وتعتمد النتائج على مستوى الدول على معدل العمل من المنزل. وتختلف آثار ذلك على معدلات الخصوبة الوطنية بين الدول، ويعود ذلك أساساً إلى التفاوت الكبير في معدلات العمل من المنزل.

بين العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و45 عاماً، تتراوح نسبة من يعملون من المنزل يوماً واحداً على الأقل أسبوعياً بين 21 في المائة في اليابان و60 في المائة في فيتنام. وهذا يعني أن كل دولة تضم عدداً كبيراً من الأشخاص الذين يعملون من المنزل أحياناً، وعدداً كبيراً لا يعملون منه أبداً.

يُعد العمل من المنزل أمراً غير شائع نسبياً في عديد من الدول الأوروبية، بينما تحتل المملكة المتحدة المرتبة الثالثة عالمياً، وتتصدر أوروبا بنسبة 54 في المائة.

ويشير التقرير إلى أن «رفع معدلات العمل من المنزل إلى المستويات السائدة حالياً في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا من شأنه أن يعزز الخصوبة بشكل ملحوظ في عديد من الدول الأخرى».

يُقدِّر التقرير أنه إذا تم تفسيره على أساس السببية، فإن العمل من المنزل يُسهم بنسبة 8.1 في المائة من معدل الخصوبة في الولايات المتحدة. وهذا يُعادل حوالي 291 ألف ولادة سنوياً بحلول عام 2024. ويُشير البحث إلى أنه على الرغم من أن هذه المساهمة قد تبدو متواضعة، إلا أنها أكبر من تأثير الإنفاق الحكومي على رعاية الطفولة المبكرة والتعليم في الولايات المتحدة.


«ماراثون بيروت» بين النازحين: الرياضة تُهوِّن مرارة الحرب

على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)
على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)
TT

«ماراثون بيروت» بين النازحين: الرياضة تُهوِّن مرارة الحرب

على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)
على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)

تتبدَّل وظيفة الأشياء الصغيرة في أزمنة الحرب. يصير النهار الذي يتسلَّل إليه بعض الضوء مختلفاً عن نهار آخر يمرّ ثقيلاً، مُكتفياً بكونه يوماً إضافياً في سجلّ التعب. في مراكز الإيواء حيث تتقلَّص الحياة إلى ضروراتها القصوى، ويمضي اليوم على إيقاع القلق وأخبار القصف والتدبير الشحيح للطعام والنوم والانتظار، تكتسب أيّ لفتة إنسانية معنى يتخطّى حجمها المباشر. هناك، يمكن لنشاط رياضي أو «تي شيرت» أو ميدالية تُعلَّق على عنق طفل، أن يترك أثراً يتجاوز لحظته.

أحذية قطعت طرقاً مختلفة لتلتقي هنا (ماراثون بيروت)

يمكن قراءة ما تقوم به جمعية «ماراثون بيروت» خلال الحرب، عبر تنقُّل رئيستها مي الخليل وفريق العمل بين مراكز الإيواء في المناطق، وتنظيم نشاطات رياضية للأطفال النازحين، من هذا الباب. في المدينة الرياضية، بدا المشهد تحت الشمس وفي اتّساع الملعب، أقرب إلى استعادة مؤقتة لفكرة الحياة الطبيعية. أولاد يركضون في فضاء مفتوح، يضحكون، ويتنافسون، ويرتدون القمصان الصفراء التي يرتديها العدّاؤون في سباقات الماراثون، وينالون ميداليات قد تكون الأولى في حياتهم. في التفاصيل ما يكفي لفَهْم الفكرة كلّها. فالطفل يشعر ولو لساعات بأنه خرج من ضيق النزوح إلى فسحة أوسع. يومه لا يمرّ مثل الأيام العادية.

ما يلفت في هذه المبادرات أنها ليست استجابة ظرفية وطارئة فقط. مي الخليل تقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ مبادرة التبرُّع بالأحذية مثلاً تنتمي إلى نهج إنساني اعتمدته الجمعية منذ سنوات، في موازاة مبادرات أخرى مثل «حقي أركض» وتنظيم نشاطات رياضية في مناطق ذات دخل محدود. هذا البُعد مهم، لأنه يضع ما يجري اليوم في سياق تطلُّع أوسع يرى في الرياضة حقاً عاماً ومساحة يمكن أن تفتح في الإنسان منافذ قوّة وتماسُك، خصوصاً في لحظات الانكسار الجماعي.

أقدامٌ صغيرة تختبر أرضاً لا تضيق بها (الشرق الأوسط)

في حديثها عن الأحذية المُتبرَّع بها، تتوقَّف مي الخليل عند ما تُسمّيه «الاستمرارية»؛ فالحذاء في نظرها لا يُختَزل في شيء يُعاد استخدامه. ترى فيه فرصة لأن «يُكمِل الرحلة مع شخص آخر»، ويُعبّر عن قدرة المبادرات المتواضعة على إحداث فرق معنوي لدى مَن يتلقّاها. تحت وطأة اللجوء، تتغيَّر نظرتنا إلى المواد المحيطة بنا. ما كان عادياً في أيام السلم، قد يصير اليوم عنصراً من عناصر العناية، وإشارة إلى أنّ أحداً في مكان ما فكَّر في إنسان لا يعرفه وترك له ما يُساعده على الوقوف والركض والمُشاركة.

في العيون شيءٌ يقول إنّ هذا اليوم ليس عادياً (الشرق الأوسط)

الأهم من الحذاء هو ما يحدث عندما يبدأ النشاط. مي الخليل تستعيد أكثر من مشهد من زياراتها لمراكز الإيواء، لكنَّ اللحظة التي تبقى معها بعد المغادرة هي «لحظة الانطلاق». عندها، كما تقول، يتبدَّل شيء في ملامح الطفل... من ثقل النزوح إلى فرح اللحظة. وتتذكَّر صبياً «كان يركض وكأنه يهرب من كلّ شيء خلفه، ثم توقَّف وابتسم». في هذه الصورة ما يشرح كثيراً من الكلام عن أثر الحركة في النَّفس. الركض لا يمحو الصدمة والخليل واضحة في ذلك، لكنه «يفتح نافذة للتنفُّس». يُعيد وصل الإنسان بجسده ويمنحه مسافة عن الضغط الداخلي. ومع التكرار، قد يصير هذا المُتنفَّس جزءاً من مسار أهدأ نحو التعافي.

أقدامٌ صغيرة تختبر أرضاً لا تضيق بها (الشرق الأوسط)

يبدو الأطفال صغاراً أمام اتّساع مدرَّجات المدينة الرياضية والسماء. ومع ذلك، فإنّ هذا الاتساع قد يكون جزءاً من العلاج الصامت. النازح الذي اعتاد سقف الخيمة أو ضيق الصفّ أو قسوة المكان المؤقت، يجد أمامه مساحة تسمح له بأن يركض من دون أن يصطدم بشيء. ومَن يدري، ربما عاد هؤلاء الأولاد إلى الخيم التي صاروا فيها جيراناً، وتبادلوا الكلام عن ذلك النهار. عن السباق والميدالية والـ«تي شيرت» الأصفر، وعن مي الخليل التي غنَّت معهم النشيد الوطني وأعطتهم الميكروفون ليرفعوا أصواتهم قليلاً. هذه اللحظات لا تُنهي الحرب. يكفي أن تترك في الوجدان مادةً لتحمُّل القسوة اليومية.

بين يدٍ أعطت وقدمٍ ارتدت ثمة مسافة تختصر الكثير (الشرق الأوسط)

وربما اكتشف بعض هؤلاء الأطفال في ذلك النهار قدرةً لم ينتبهوا إليها من قبل. ربما شَعَر واحد منهم أنه سريع على نحو لافت، أو أنه يُحبّ المنافسة، أو أنّ جسده يستجيب للركض بفرح غامض كان ينتظر فرصة مناسبة ليظهر. المواهب كثيراً ما تُولد في ظروف عادية، لكنَّ بعضها يحتاج فقط إلى نافذة تُتيح له أن يخرج إلى العلن. وفي حياة يُهدّدها الانقطاع الدائم، يصبح العثور على مَيْل شخصي أو قدرة ما حدثاً له قيمة نفسية مُضاعفة، لأنه يعيد إلى الطفل إحساسه بنفسه ويوقظ في داخله إمكانات ورغبات ومستقبلاً ممكناً.

بين الضحك والركض يمرّ وقتٌ لا يُشبه سواه (الشرق الأوسط)

ما يجعل هذه المبادرات مؤثّرة هو أنها تلامس جوهر ما يساعد البشر على احتمال المرارة. الإنسان لا يعيش على الطعام والمأوى وحدهما، خصوصاً الطفل. هناك حاجة إلى اللعب والشعور بالإنجاز. إلى مَن يمرّ في يومه ويترك علامة. قد تبدأ هذه العلامة بابتسامة، ثم تتحوَّل إلى معنى في الداخل. وإلى قدر من الطمأنينة أو ذكرى تُستعاد عندما يشتدّ الخوف. في الحرب، لا تكون الأفعال الصغيرة صغيرة فعلاً. تُمثّل الحياة التي رغم كلّ شيء لا تزال قادرة على إرسال إشاراتها. وهذا أحياناً يكفي كي يُحتَمل يوم آخر.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


سيلين ديون تعلن عودتها إلى الجمهور بعد غياب سنوات

المغنية الكندية سيلين ديون في نيويورك عام 2024 (أ.ب)
المغنية الكندية سيلين ديون في نيويورك عام 2024 (أ.ب)
TT

سيلين ديون تعلن عودتها إلى الجمهور بعد غياب سنوات

المغنية الكندية سيلين ديون في نيويورك عام 2024 (أ.ب)
المغنية الكندية سيلين ديون في نيويورك عام 2024 (أ.ب)

أعلنت المغنية الكندية سيلين ديون، مساء أمس (الاثنين)، عبر فيديو ورسائل عُرضت على برج إيفل في يوم عيد ميلادها الثامن والخمسين، إحياءها عشر حفلات موسيقية خلال الخريف المقبل في باريس، لتمهّد بذلك لعودتها الرسمية بعد غياب عن الحفلات دام ست سنوات.

وقالت النجمة المتحدرة من مقاطعة كيبيك الكندية، في رسالة مصورة بُثت على مواقع التواصل الاجتماعي وقناة «فرانس 2» الفرنسية العامة: «هذا العام، سأحصل على أفضل هدية عيد ميلاد في حياتي. ستُتاح لي الفرصة لرؤيتكم، لأؤدي لكم مرة أخرى».

في الوقت نفسه، شاهد مئات المعجبين أمام برج إيفل عرضاً ضوئياً على أنغام بعض من أشهر الأغاني التي أدتها المغنية، بما يشمل أداءها أغنية إديت بياف الشهيرة «Hymne a l'amour» (نشيد الحب). وعُرضت رسائل بلغات عدة على البرج بينها «باريس، أنا جاهزة».

إضاءة برج إيفيل بعد إعلان المغنية الكندية سيلين ديون عودة حفلاتها (رويترز)

من المقرر إقامة عشر حفلات موسيقية في الفترة من 12 سبتمبر (أيلول) إلى 14 أكتوبر (تشرين الأول)، بواقع حفلتين أسبوعياً، يومي السبت والأربعاء. واختارت المغنية أن تعود إلى جمهورها بنمط حفلات شبيه بذلك الذي اعتمدته على مدى 16 عاماً في لاس فيغاس، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتُقام الحفلات العشر في قاعة «لا ديفانس أرينا» عند مداخل باريس التي تتسع لنحو 40 ألف متفرج. وستُقدم سيلين ديون خلال هذه الحفلات «أشهر أغانيها باللغتَين الفرنسية والإنجليزية»، وفق بيان.

كما ستُتاح لسيلين ديون فرصة أداء أغنية جديدة من تأليف أحد أبرز ملحني أعمالها، جان جاك غولدمان الذي تعاونت معه، خصوصاً في ألبوم «دو» (D'eux) الذي حقق لها شهرة واسعة.

ومن المقرر إطلاق الأغنية هذا الربيع، وفق ما صرح به مقربون من الفنانة لوكالة «الصحافة الفرنسية»، مؤكدين بذلك تقريراً نشرته صحيفة «لوباريزيان». وسيتولى المدير الفني ويلو بيرون الذي عمل أيضاً على جولة بيونسيه العالمية الأخيرة، تصميم ديكورات حفلاتها.

بعد بدء البيع المسبق للتذاكر لعدد مختار من الأشخاص في 7 أبريل (نيسان)، تُطرح تذاكر الحفلات للبيع العام في 10 أبريل.

«حماس شديد»

يأتي هذا الإعلان الذي أثار حماسة كبيرة لدى محبي النجمة العالمية، عقب حملة دعائية مُخطط لها بدقة للترويج لعودة سيلين ديون إلى الساحة.

وقالت المغنية: «أردتُ أن أخبركم أنني بخير حقاً، صحتي... أشعر بأنني بخير، أشعر بالقوة، أغني كثيراً، حتى إنني أرقص قليلاً»، مضيفةً أنها تشعر «بحماس شديد» و«بقليل من التوتر». وتابعت: «في السنوات الأخيرة، لم يمر يوم إلا وشعرتُ فيه بدعائكم ودعمكم، وبالطبع حبكم، حتى في أصعب الأوقات».

وأُلغيت جولتها «Courage World Tour» (كوردج) التي انطلقت في أواخر عام 2019، بعد أشهر قليلة من بدايتها بسبب جائحة «كوفيد»، ثم بسبب المشكلات الصحية للمغنية.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2022، كشفت المغنية عن تشخيص إصابتها بـ«متلازمة الشخص المتيبّس»، وهو أحد أمراض المناعة الذاتية الذي لا يوجد علاج شافٍ منه، واضطرت إلى إلغاء سلسلة من الحفلات إلى أجل غير مسمى.

وقد تسبب هذا المرض بإرجاء عودتها إلى الساحة الفنية مرات عدة، آخرها في 2025 حين كان مقرراً أن تستأنف حفلاتها قبل تأجيل هذه الخطوة مرة أخرى. لكن الأمل بالعودة ظل قائماً بعد أن ظهرت سيلين ديون مجدداً في حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية في باريس صيف عام 2024، حين قدمت الأغنية الشهيرة «إيمن آلامور» (نشيد الحب)، أيضاً من برج إيفل، خلال حفل ختامي مبهر.

تحظى سيلين ديون بشعبية كبيرة حول العالم، وقد باعت ما يناهز 260 مليون ألبوم باللغتين الإنجليزية والفرنسية خلال مسيرتها الغنائية الممتدة منذ نحو أربعة عقود.

Your Premium trial has ended