رجاء البقالي: هوية المغرب الأدبية تكاد تتحدد الآن بفن القصة القصيرة جداً

ترى أن الترجمة تعزز المشترك الإنساني مع الآخر

رجاء البقالي
رجاء البقالي
TT

رجاء البقالي: هوية المغرب الأدبية تكاد تتحدد الآن بفن القصة القصيرة جداً

رجاء البقالي
رجاء البقالي

ترى الكاتبة المغربية رجاء البقالي أن التكثيف شرط أساسي في القصة القصيرة، ويرتبط بطبيعتها، كما تنظر للترجمة باعتبارها جسراً مهماً للتواصل بين الذات العربية المبدعة ونظيرتها الأجنبية. وقد زارت القاهرة أخيراً لتوقيع عقد نشر مجموعتها القصصية «البعد الرابع» في نسختها المترجمة للإنجليزية مع «دار ميريت»، بعد أن أصدرت الدار المجموعة نفسها في يناير (كانون الثاني) الماضي.
هنا حوار معها حول تجربتها القصصية، وقضايا أدبية أخرى...
> كيف تنظرين إلى ترجمة مجموعتك «البعد الرابع» للإنجليزية؟
- برأيي، الترجمة تدخل في نسيج المثاقفة؛ حيث إن تعرف الآخر إلى نتاجنا الإبداعي هو تعرف إلى أهم سمة لهويتنا التي ضاعت في متاهات الإقصاء والصراع، وأحسب أن الطابع الحداثي للقص في مجموعتي يتيح إمكانية الترجمة، بل يحتمها كجسر يصل الذات العربية المبدعة بالذات الغربية المماثلة لها، وهذا يعزز المشترك الإنساني بيننا، خاصة في النظر للخير والجمال والحق.
> في بعض قصصك، تبدو هناك حالة من التناص بين عوالمها، وبعض الأعمال الدرامية والسينمائية، ما الذي تريدين أن تذهبي إليه بهذا التناص؟
- النظر إلى الإرث الثقافي الإنساني في تعدد وتنوع تجلياته الأسطورية، الفنية، الملحمة، الأدبية، والعلمية، لا ينفي النظر إليه أيضاً في تكامله وتفاعله عبر حوار يمتد زماناً ومكاناً إلى عصور سابقة، مشكِّلاً خطاباً إنسانياً متوجهاً إلى الإنسان في بعده الكوني، رغم تباين الحضارات واختلاف الثقافات عبر التاريخ. من هنا يأتي التناص باعتباره حوار نصوص، ومرجعيات ثقافية، وتفاعل إبداعات ورؤى. إنه آلية واعية أو لا واعية، يوظفها كاتب القصة القصيرة جداً تحقيقاً لذلك المسعى التفاعلي التحاوري. إنه تلوين لمعنى مماثل جديد. أما وضع التناص كآلية كتابية في مقابل الفيلم السينمائي «كفن» فأنا أفضل تحديد الآلية الأقرب، كالتوازي، وأقصد بهذا حدثين مختلفين يسيران في نفس الوقت، ويربطهما توجه مشترك، أو تقنية الفلاش باك التي تستدعي أحداثاً قديمة، وكل هذه الاستخدامات على اختلافها هي استثمار ورغبة في تحقيق أكثر من معنى واحد في نفس الوقت.
> تلجئين في قصصك بشكل عام للتجريد والتكثيف الشديد، فتبدو كأنها ومضات، هل هناك أرضية نفسية ومجتمعية لهذا النوع من الكتابة؟
- التكثيف شرط أساسي في هذا النمط من الكتابة الذي لا يعتمد الامتداد الروائي والتوسع في المكان والزمان والأحداث والشخصيات، فالبؤرية والسردية الميكروسكوبية هي علامته ودليله، وهذا التكثيف مرتبط أساساً بطبيعة هذا الفن الذي يختزل الزمن في لحظة. كاتب القصة القصيرة جداً، هنا، يقدس الذرية، ويرى فيها عالماً رحباً تضيعه التفاصيل غير المهمة التي تشوه جوهره الفذ المتمثل في البذرة الأم للأشياء، الحب والكره والانتقام والانتظار، من هذه الأشياء البسيطة يمكننا تكوين عوالم لا نهائية بتحفيز المخيلة وتنشيطها، لكن اللغة العادية لن تسعفنا لتحقيق هذا المطلب بالغ الصعوبة، لذا كان لا بد للجوء إلى التجريد والرمزية وبعض الغموض اللازم، المضاد للفجاجة، فالمعاني البسيطة يمكن التعبير عنها صراحة، أما الكهوف فتثير التساؤل عما فيها من خبايا.
> تحفل قصصك بغموض يجعلها قابلة لكثير من التأويلات التي قد تتناقض فيما بينها، هل ترين أن هذا الغموض يحقق رؤيتك في الكتابة القصصية والإبداعية؟
- أنا لا أتعمد الغموض، ولا أدرى أين يوجد بمظهره المضخم، الذي يبدو في السؤال، لكن المعنى المتسع متعدد الأبعاد في المساحة المحددة التي تفرضها طبيعة القصة القصيرة جداً كنمط قصصي شاعري مكثف، كإلماحة توحي بلغتها الرمزية ولا تفصح، هو ما يفرض حكياً لا تقليدياً، يحفز الوعي على طرق ميادين جديدة من التفكير الذي لم يُمارس من قبل، والقصة القصيرة جداً بزخمها هذا، وميادينها الشاسعة تلك، تتطلب نوعاً جديداً من القراءة، وتستدعي القارئ المدقق الذي يجب أن يمرّن نفسه على النظر إلى المستويات المتعددة في المبنى الواحد، والأوجه الأخرى للمرآة المتعددة الأسطح. حينها سيكتشف أن ما كان يراه غموضاً في السابق هي محض زوايا أخرى ودروب، عليه أن يختار بينها أو يسير فيها، كلها بالتوالي.
> لجأت نتالي ساروت إلى مثل هذا النوع من الكتابة القصصية في كتابها «انفعالات»، فظهرت شخصيات رمزت إليها بضمائر مختلفة، وبلا أسماء، مثلما يبدو في الكثير من قصصك... ما رأيك؟
- ناتالي ساروت رائدة في هذه الكتابة الجديدة، وكانت تقصد اقتناص الجوهر الكامن العميق في المشاهد التي يمكن أن نراها عادية، والقصة القصيرة جداً تركز على المشهد في بكارته المجردة الصافية، وهذا النوع من الكتابة ينتشر بقوة مقتحماً عالم الأدب بشكل يدعو للدهشة حقاً، وربما سينشأ صراع في المستقبل بين هذا النوع والقصة القصيرة، التي تعتمد بناءً مختلفاً يركز على الموقف «الكامل» مقدمة ووسط ونهاية، بينما القصة القصيرة جداً تقتصر على المشهد فقط، وترتكن إلى كل الأنظمة المحققة للدهشة والتشظي من شعرية وتناص ورمزية وإضاءة، تعكسها المرايا والإيحاءات.
> برأيك، من أي زاوية أدبية أو نقدية يمكننا أن ننظر لعنوان مجموعتك «البعد الرابع»؟
- عنوان المجموعة دال وموجه للمقصد، والغرض منه هو النبش في تراكمات عقلية ونفسية خبيئة داخل العقل البشري، أشارت إليها نظريات التحليل النفسي، وأيضاً البحث الدؤوب عن مستوى آخر من الوعي واستدعاؤه من الزوايا المهملة المهجورة.
الغموض والرمزية ستتلاشى هيبتهما إذا اقتحمنا بجرأة متناهية القلاع الحصينة للذهن البشري والأفكار التي حرصنا دوماً على تجنبها، وهذا الشكل من الكتابة يجعلنا نتمرن على مجابهتها، ومن هنا أرى أن مسعى القصة القصيرة جداً يكمن في مخاطبة بعد آخر من الوعي الإنساني، يحرك الفكر، ويثير الأسئلة العويصة، ولعل المأزق الأساسي هنا يرجع إلى النظر إلى القصة القصيرة جداً في مقابل غيرها من أنواع القص، ومطالبتها بحكي موقف محدد وواضح، ولو حدث هذا لما كان هناك جدوى من نشوء هذا الجنس الأدبي ذي المسار والمقصد الآخر المختلف.
> المتابع لقصصك يجد نفسه محاطاً بالأسئلة، ومحاصراً بالتصورات، والرموز، والإشارات... ما الذي يقف وراء مثل هذه الرؤية الإبداعية لديك؟
- تقف وراءها الرغبة الملحة في تحريك المخيلة وتنشيط روح المتلقي لطرق ميادين أخرى غير تلك التي يعايشها يومياً، والتي تتسم بنوع من السكونية المقيتة. أنا أسعى نحو تحقيق شكل من أشكال الديناميكية في النظر، وصبغ الرؤى بألوان أكثر تجسيداً لعوالم الروح الشاسعة.
> نصك مشرع على احتمالات تأويلية كثيرة، سواء أكنتِ تقصدينه، أم لم يَدُر في خيالك... هل تعتقدين أن هذا النوع من الكتابة يغني نصوصك، أو يخرجها من عثرات سياسية حتى إبداعية قد تقع فيها، حال كان الرمز واضحاً؟
- كل ما يكتبه الكاتب، وأتكلم عن نفسي بالدرجة الأولى، لا بد أن يقصده تخطيطاً أولياً، وإلا كانت العملية الإبداعية عشوائية لا تستند إلى تصور وقصدية. لكن هذا لا يعني أيضاً أنني أتحكم بمصائر شخصياتي، بل أترك لهم خيار تحقيق ذواتهم طبقاً لمجرى السياق الذي يحققون هم فيه أنفسهم بالدرجة القصوى. ما أعنيه هنا أنه لا يمكن أن تكون خيوط العمل في بكارتها الجوهرية بمعزل عن مجرى تصوراتي وتقديري الكامل، ولكن هذا لا يمنع تطور التفاعل الداخلي للنص أثناء الكتابة.
> ماذا عن المشهد القصصي في المغرب؟
- يعتبر المغرب من أهم رواد القصة القصيرة جداً عربياً، دون أن ننسى العراق وسوريا والسودان أيضاً. لكن ما يميز المغرب حقيقة أن هويته الإبداعية الأدبية الآن، تكاد تتحدد بهذا الجنس الأدبي القصصي المثير. وتوازى مع هذا الإشعاع الإبداعي خط النقد في مسار لافت تنظيراً وتقعيداً، ما منح القصة القصيرة جداً في المغرب ماهية لها خصوصية، لا تخلو مع ذلك من دينامية التجريب وإغوائه قصاً ونقداً أيضاً.



«مناوبة متأخرة»... فيلم ألماني يرد الاعتبار للممرضات في مهرجان «البحر الأحمر»

الفيلم يركزعلى الصعوبات التي تواجه الممرضات في عملهن (الشركة المنتجة)
الفيلم يركزعلى الصعوبات التي تواجه الممرضات في عملهن (الشركة المنتجة)
TT

«مناوبة متأخرة»... فيلم ألماني يرد الاعتبار للممرضات في مهرجان «البحر الأحمر»

الفيلم يركزعلى الصعوبات التي تواجه الممرضات في عملهن (الشركة المنتجة)
الفيلم يركزعلى الصعوبات التي تواجه الممرضات في عملهن (الشركة المنتجة)

بدت بيترا ڤولپي، مخرجة وكاتبة الفيلم الألماني - السويسري «مناوبة متأخرة»، وكأنَّها تدخل هذا المشروع وهي مُثقلة بوعيٍ طويل الأمد تجاه قطاع لا يحظى بالإنصاف الذي يستحقه، فموضوع العاملين في الرعاية الصحية كان يشغلها لسنوات، حتى قبل جائحة «كورونا». «أزمة نقص الممرّضين لم تكن وليدة اللحظة، بل كانت ظاهرةً متفاقمةً في سويسرا وأوروبا والعالم»، وفق قولها.

تضيف بيترا ڤولپي لـ«الشرق الأوسط» أن احتكاكها الشخصي بالمهنة، عبر تجربة سكنها مع ممرّضة لسنوات، جعلها تشهد يومياً حجمَ الضغوط التي يعيشها العاملون في هذا القطاع الحيوي، الأمر الذي دفعها إلى التفكير في تحويل هذا الهمّ إلى مادة سينمائية.

وتتابع: «على الرغم من أن جائحة كورونا أعادت الاعتبار للممرّضين بوصفهم العمود الفقري للمجتمع، فإن العالم سرعان ما نسي تضحياتهم بمجرد انتهاء الأزمة، وهو ما أثار لديَّ شعوراً بضرورة التذكير، عبر الفن، بما يتعرَّضون له يومياً؛ لذا رأيتُ في الفيلم فرصةً للتعبير عن موقفي السياسي، وعن اهتمامي بقضايا النساء، إذ إنهنَّ يشكّلن الغالبية الساحقة من العاملين في التمريض».

وتوضح المخرجة الألمانية أن «نقطة الانطلاق الحقيقية بدأت عندما قرأتُ روايةً توثيقيةً كتبتها ممرّضة ألمانية تتناول مناوبةً واحدةً فقط ضمن واقع مرهق، وقد شعرتُ بأن سرد نقطة زمنية واحدة يمكن أن يحمل طابعاً من الإثارة والتوتر، كأنها بنية فيلم تشويقي». لكن الرواية، كما تقول، لم تكن سوى شرارة الفكرة، إذ طوّرتْ ڤولپي الحكاية من خلال بحثٍ موسّع استند إلى عشرات المقابلات مع ممرّضات، وتقصّي تفاصيل المهنة من داخل المستشفيات، ومن ثَمَّ شرعت في كتابة السيناريو الذي استغرق عاماً كاملاً، قبل أن تبدأ التصوير الذي امتد لـ26 يوماً.

مخرجة الفيلم انطلقت من تجربة شخصية (الشركة المنتجة)

وعن مرحلة الإنتاج، تشير إلى أن الأمر لم يكن معقّداً كما يحدث عادةً مع مشروعات سينمائية أخرى، إذ سارعت الجهات المموّلة في سويسرا إلى دعم الفيلم، ربما لأن موضوعه واضح وملحّ، ولأن أزمة نقص العاملين في الرعاية الصحية باتت واقعاً ملموساً للجميع. لذلك لم تواجه المخرجة صعوبات في تأمين التمويل، بخلاف كثير من المشروعات التي تتطلّب مساراً طويلاً ومعقّداً.

أمّا على مستوى الإخراج، فتصف التحدي الأكبر بأنه «كيفية تمثيل 10 ساعات من العمل المتواصل في زمن سينمائي لا يتجاوز 90 دقيقة. فقد أردتُ للمشاهد أن يعيش الإحساس نفسه الذي تعيشه الممرّضة، وأن يشعر بالإنهاك نفسه الناتج عن الدوران المستمر بين المرضى، والركض خلف التفاصيل، والاستجابة للتنبيهات المتتابعة».

ولتحقيق هذا الإحساس، اعتمد الفريق لقطات طويلة غير مقطوعة في بداية الفيلم، ما استدعى تدريبات دقيقة وتنسيقاً صارماً بين الممثلين والفريق الفني، بحيث لا يُسمح لأيِّ عنصر بأن يتعثَّر خلال الحركة المستمرة للكاميرا.

وتشدّد على أن الفيلم، الذي يُعرَض ضمن فعاليات الدورة الخامسة من مهرجان «البحر الأحمر السينمائي»، لا يُعدّ اقتباساً مباشراً من الرواية الملهمة، بل هو استلهام لطريقتها في النظر إلى المناوبة الواحدة. فجميع الشخصيات والأحداث في الفيلم متخيَّلة، لكنها مستمَدة من حوارات كثيرة أجرتها مع العاملين في القطاع، ومن تجارب شخصية عايشتها. وتضرب مثالاً على ذلك قصة المريض الذي يقلقه مصير كلبه، وهي حالة استوحتها من حياتها الخاصة بوصفها صاحبة حيوانٍ أليف.

وحين ينتقل الحوار إلى البعد الإنساني للفيلم، توضّح ڤولپي أنها أرادت تقديم صورة شاملة لواقع المرضى داخل المستشفيات، «باعتبار أن الجميع مُعرَّضون لأن يكونوا في مكانهم مهما اختلفت طبقاتهم وأعمارهم وثقافاتهم. فالفيلم يعرض نماذج لشبابٍ وشيوخ ومرضى بحالات متفاوتة، في محاولة لعكس مجتمعٍ كامل داخل جناح واحد».

الفيلم يبرز جوانب تفصيلية في حياة الممرضات (الشركة المنتجة)

الأهم، من وجهة نظر المخرجة السينمائية، هو إبراز التعقيد النفسي والوجداني في مهنة التمريض؛ فالممرّضة ليست مسؤولةً فقط عن حالة طبية، بل مطالَبة بفهم ما يحتاج إليه كل مريض بوصفه إنساناً: هل يحتاج إلى دعم، أو كلمة طمأنة، أو لحظة صمت، أو لمسة حنان؟ هذا البعد، في رأيها، هو ما يجعل المهنة أكثر تعقيداً مما يظنه الجمهور.

وعن المقارنات التي يطرحها النقّاد بين فيلمها والمسلسلات الطبية التقليدية، ترى ڤولپي أن أغلب الأعمال التي تتناول بيئة المستشفيات تُقدِّم الأطباء بوصفهم الأبطال المركزيين، في حين يختفي دور الممرّض في الخلفية، رغم أنه الأقرب إلى المريض والأقدر على قراءة التحوّلات الدقيقة في حالته. لذلك حرصت على قلب هذا المنظور تماماً، فجعلت الممرّضة محور الحكاية، لا بوصفها بطلة خارقة، بل لكونها الإنسان الأكثر حضوراً وتأثيراً في مسار العلاج.

وتعود لتؤكّد أن اهتمامها بقضايا النساء حاضرٌ في كل عمل تقدّمه، «لأن التمريض مهنة تعتمد في الأساس على النساء، ومع ذلك لا يحظين فيها بما يليق من تقدير أو مكانة، سواء اجتماعياً أو مؤسّساتياً». ومن هنا جاء سعيها لتسليط الضوء على هذا التناقض، وعلى الجهد الهائل الذي تبذله ملايين النساء حول العالم من دون الاعتراف الكافي بقيمتهنّ الحقيقية.


من «المنطقة المميتة» إلى شاشات جدة... حين تتحوَّل القمم إلى مرآة للإنسان

بوستر الوثائقي السعودي «سبع قمم» (الشرق الأوسط)
بوستر الوثائقي السعودي «سبع قمم» (الشرق الأوسط)
TT

من «المنطقة المميتة» إلى شاشات جدة... حين تتحوَّل القمم إلى مرآة للإنسان

بوستر الوثائقي السعودي «سبع قمم» (الشرق الأوسط)
بوستر الوثائقي السعودي «سبع قمم» (الشرق الأوسط)

على امتداد 7 سنوات، عَبَر السعودي بدر الشيباني قارات العالم الـ7 ليعتلي أعلى قممها، لكنّ الفيلم الذي وصل إلى مهرجان «البحر الأحمر السينمائي» لم يكن روايةً عن الارتفاع الجغرافي بقدر ما كان رحلةً داخليةً نحو أكثر مناطق الذات عزلةً وصدقاً. هكذا قدَّم وثائقي «سبع قمم» سيرة رجل فَقَد ملامح المدير التنفيذي عند «المنطقة المميتة» في «إيفرست»، ليبقى أمام عدسة الكاميرا إنساناً يسأل نفسه: لماذا أواصل؟

بين رؤية المتسلّق، وصنعة المخرج أمير كريم، جاءت الحكاية بلغة سينمائية تمزج الثلج الذي يغطي العدسة بأنفاس ترتجف فوق ارتفاعات الموت، وبسكون البيوت السعودية التي عادت لتُفسّر دوافع المُغامِر حين يعود من القمم إلى العائلة.

قصة لا تُروى من القمة فقط

يقول بدر الشيباني لـ«الشرق الأوسط» إنّ اللحظة الفاصلة وقعت عند أحد المخيمات المرتفعة في «إيفرست». هناك، حين كان الأكسجين شحيحاً وصوت الريح أعلى من دقات القلب، اكتشف أنّ «ما يحدث داخلي أهم مما يحدث حولي». تلك اللحظة، كما يصف، «حوَّلت الرحلة من إنجاز رياضي إلى مشروع إنساني يستحق أن يُروى للعالم».

في الوثائق التي سجَّلها بنفسه، يظهر صوت متقطّع من البرد، وعدسة تُبللها الثلوج، ويد ترتجف وهي تثبّت الحبل قبل الخطوة التالية. لكن بدر يعترف: «كنت أظن أنّ الهدف هو الوصول إلى القمة، ثم اكتشفتُ أن القمة الحقيقية كانت داخلي». هذه اللقطات الخام التي لم تُصنع لأجل السينما بل لأجل النجاة، أصبحت أساس الفيلم، ومرآته الأصدق.

الجبال ليست قمماً بل مسرح للتحوّل الإنساني

حين تسلم المخرج أمير كريم المواد الأولى للقمم التي صوَّرها الشيباني، وجد نفسه أمام صعوبة من نوع مختلف. فاللقطات ليست مأخوذة بكاميرات سينمائية ولا بإضاءة مدروسة؛ إنها لحظات حقيقية لم تعد بالإمكان إعادة تمثيلها. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «لم أتعامل مع الفيلم على أنه مغامرة جغرافية، بل رحلة نفسية يسأل فيها بدر نفسه: مَن أنا؟ ولماذا أواصل؟ الجبال بالنسبة إليّ ليست قمماً، بل مسرح يتحوَّل فيه الإنسان».

ويضيف أن أصعب تحدٍّ لم يكن في البيئات الخطرة كما يُعتقد، بل في بناء جسر بصري بين عالمين: عزلة الجبال القاسية، ودفء البيت السعودي مع العائلة.

فرؤية المخرج اعتمدت على مفارقة مقصودة: الجبال خشنة، غير مصقولة، تترك المُشاهِد يشعر بالبرد والعزلة، والمَشاهِد المحلية دافئة، حميمة، تكشف عن الدوافع والإنسان خارج المغامرة.

يقول أمير: «تركت للجبال خشونتها، وللبيت دفئه. وهذه المفارقة هي روح الفيلم وخلاصته الدرامية».

متسلّق الجبال السعودي بدر الشيباني وعودة الروح إلى نقطة البدء (الشرق الأوسط)

لحظة مواجهة الذات في «المنطقة المميتة»

يتّفق كلّ من الشيباني والمخرج على أنّ المشهد المفصلي في الفيلم هو لحظة الصمت على ارتفاع يفوق 8 آلاف متر فوق سطح البحر، في «المنطقة المميتة» لـ«إيفرست»، خلال رحلة استغرقت 38 يوماً من الصعود.

هناك، كما يروي أمير، «تختفي ملامح المدير والقائد، ويظل الإنسان وحده أمام قراره: التراجع أو المضي قدماً». هذا المشهد لا يروي صراعاً مع الطبيعة فقط، بل يكشف الصراع البشري الداخلي: حين يصبح الانتصار الحقيقي هو رفض الاستسلام.

القصة السعودية خلف القمة

يُقدِّم الشيباني عبر الفيلم صورة أوسع من تجربة فردية؛ إنها كما يقول رمز للتجربة السعودية الجديدة. فالقيم التي حملته بين القارات الـ7، من الانضباط إلى الصبر وإدارة الخوف، ليست حكايته وحده، بل انعكاس لرحلة مجتمع كامل يُعيد تعريف طموحه.

يُعلّق كريم: «قصة بدر ليست عن الجبال فقط، بل عن الإنسان السعودي الذي يتخطَّى الحدود التقليدية ليصنع مستقبله».

أما الجوانب الخفية التي عمل المخرج على إبرازها، فهي لحظات الشكّ والتعب والخوف، تلك التي كان يُخفيها المُغامِر خلف الشخصية القوية. وقد ظهر بدر أمام الكاميرا شخصاً يبحث عن ذاته بقدر بحثه عن القمة.

قيمة فكرية تتجاوز التوثيق

يرى الشيباني أنّ الفيلم يتجاوز التوثيق البصري نحو «رحلة تحوّل ذهني وروحي». العزلة في الجبال حرّرته من ضجيج الحياة، ودفعته إلى التأمُّل وإعادة ترتيب حياته.

الفيلم، كما يشرح، يدعو المُشاهدين إلى اختبار حدودهم العقلية والجسدية، ويضعهم أمام سؤال: ما الذي يمكن أن يحدث عندما نخرج من منطقة الراحة؟ ويؤكد أن عرضه في مهرجان «البحر الأحمر» ليس مجرد مشاركة سينمائية، بل رسالة بأن السعودية الجديدة تحتفي بقصص أبنائها وتضع الإنسان في قلب تحوّلها الثقافي.

بين الدبلوماسية الثقافية وصناعة الفرص

يرى الشيباني، بخبرة رائد أعمال، أن الفيلم الوثائقي ليس مجرّد فنّ، بل أصل استثماري يُعزّز رواية المملكة دولياً. ويعتقد أنّ قوة الوثائقيات تتجاوز الحملات التقليدية لأنها تعتمد على السرد الواقعي العميق.

كما يشير إلى أنّ محتوى مثل «سبع قمم» يمكن أن يتحوَّل إلى نماذج أعمال في سياحة المغامرات والتدريب القيادي، وأيضاً المحتوى التعليمي والصناعات الإبداعية. وهو ما ينسجم مع أهداف «رؤية 2030» في تحويل القصص المحلّية إلى قيمة اقتصادية عالمية. «سبع قمم» ليس فيلماً عن الارتفاعات الشاهقة، بل عن الأعماق الإنسانية. وليس عن الوصول إلى القمة، بل عن القوة الذهنية التي تمنع السقوط. إنه عمل يعكس اللحظة السعودية الراهنة: وطن يواجه قممه الخاصة، ويصعد درجاتها بثقة، بحثاً عن نسخة أوضح وأقوى من ذاته.


في حفل استعراضي صُمم خصيصاً له... ترمب يحضر قرعة كأس العالم

عامل نظافة ينظّف السجادة الحمراء بجوار لافتة كُتب عليها: «قرعة كأس العالم 2026» في مركز كيندي بواشنطن (د.ب.أ)
عامل نظافة ينظّف السجادة الحمراء بجوار لافتة كُتب عليها: «قرعة كأس العالم 2026» في مركز كيندي بواشنطن (د.ب.أ)
TT

في حفل استعراضي صُمم خصيصاً له... ترمب يحضر قرعة كأس العالم

عامل نظافة ينظّف السجادة الحمراء بجوار لافتة كُتب عليها: «قرعة كأس العالم 2026» في مركز كيندي بواشنطن (د.ب.أ)
عامل نظافة ينظّف السجادة الحمراء بجوار لافتة كُتب عليها: «قرعة كأس العالم 2026» في مركز كيندي بواشنطن (د.ب.أ)

سيحضر الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرعة كأس العالم لكرة القدم اليوم (الجمعة)، في حفل مليء بالاحتفالات والاستعراضات والعروض الباذخة التي تليق بـ«فنان الاستعراض».

ويقام هذا الحدث في «مركز كيندي» بواشنطن، الذي تولى ترمب رئاسته في وقت سابق من هذا العام، في حين قام بتنصيب رئيس ومجلس إدارة جديدين.

وحضور ترمب قرعة كأس العالم يضعه في صدارة المشهد خلال واحد من أبرز الأحداث الرياضية على الإطلاق؛ إذ يبدو أن منظمي الحفل أخذوه في الاعتبار منذ مرحلة التخطيط لهذا الحدث.

وستؤدي فرقة «فيلدج بيبول» أغنيتها الشهيرة «واي إم سي إيه» التي أصبحت عنصراً أساسياً في تجمعات حملة ترمب الانتخابية، وحفلات جمع التبرعات في مارالاغو، حيث شوهد الرئيس السابق يرقص على أنغامها، في حين يخطط الاتحاد الدولي (الفيفا) للكشف عن «جائزة السلام» الخاصة به.

وقام ترمب بحملة علنية للحصول على جائزة «نوبل للسلام»، مستشهداً بمشاركته في إنهاء صراعات متعددة في الخارج، وأسفرت هذه الجهود عن نتائج متباينة.

ومن المقرر أيضاً أن يقدم مغني الأوبرا الشهير أندريا بوتشيلي عرضاً اليوم، وكذلك نجم البوب البريطاني روبي وليامز، وسفيرة الموسيقى في «الفيفا» المغنية الأميركية نيكول شيرزينغر.

واستغل ترمب مراراً امتيازات الرئاسة ليشارك في فعاليات رياضية وثقافية كبرى هذا العام. وحضر نهائي السوبر بول في فبراير (شباط)، وسط هتافات وصيحات استهجان من الجمهور، ويعتزم يوم الأحد حضور حفل تكريم «مركز كيندي»، الذي تجنبه خلال ولايته الأولى.

وستبرز الجغرافيا السياسية في نهائيات كأس العالم؛ إذ يشارك وفد إيراني في مراسم القرعة بعد أن كان أعلن سابقاً مقاطعة الحفل بسبب مشاكل في التأشيرات، وفقاً لتقارير إعلامية. ويأتي ذلك في ظل توتر العلاقات بعد أن قصفت الولايات المتحدة مواقع نووية إيرانية في يونيو (حزيران) الماضي.