برهم صالح لـ {الشرق الأوسط}: نتطلع إلى دور عربي فاعل لتدارك الأزمة الحالية

المرشح السابق لرئاسة العراق حذر من «الاقتصاد السياسي الذي نشأ على العنف» في البلاد

برهم صالح لـ {الشرق الأوسط}: نتطلع إلى دور عربي فاعل لتدارك الأزمة الحالية
TT

برهم صالح لـ {الشرق الأوسط}: نتطلع إلى دور عربي فاعل لتدارك الأزمة الحالية

برهم صالح لـ {الشرق الأوسط}: نتطلع إلى دور عربي فاعل لتدارك الأزمة الحالية

عندما يسير الدكتور برهم صالح، رئيس حكومة إقليم كردستان السابق والمرشح الذي كان يعد الأوفر حظا لرئاسة جمهورية العراق، بشوارع مدينته السليمانية، بلا مرافقين أو أفراد من حمايته، تتجمهر حوله أعداد كبيرة من الشباب والمواطنين بمختلف الأعمار لالتقاط الصور التذكارية معه. وفي أربيل التي يقيم فيها مقاسمة مع مدينته السليمانية، يستقبل النائب الأسبق لرئيس وزراء العراق العديد من الشخصيات السياسية ومن كل الكتل العراقية، عربية وكردية، سنية وشيعية ومسيحية وإيزيدية، كما يستقبل الشباب من طلبة الجامعات والكتاب والفنانين والصحافيين، ودبلوماسيين غربيين، يتحدث معهم حول «ما هو خير للعراق» مثلما يعلق.
صالح يؤكد أنه «ماض في الطريق الصحيح»، فهو الذي يوصف بأنه إذا تحدث للإعلام أثار الأسئلة، وإن صمت أثار الأسئلة الأهم. وقد تحدث في حوار مطول لـ«الشرق الأوسط» بمنزله في عاصمة إقليم كردستان العراق، وهو الحديث الأول إعلاميا منذ أزمة عدم ترشحه لرئاسة الجمهورية. وفي هذا الحوار يتحدث عن أبرز المشاكل التي تعصف بالبلد، محددا نقاطا مهمة يجب أن تحققها الحكومة العراقية القادمة. وفي ما يلي أبرز ما جاء في الحوار:
* كنت المرشح الأوفر حظا لرئاسة الجمهورية.. ما هي المداخلات التي حدثت لإبعادك عن هذا المنصب؟
- دعنا من هذا الموضوع.. البلد يمر بمرحلة صعبة، وأنا أتمنى للرئيس فؤاد معصوم النجاح في مهمته، كما أتمنى أن يتم التوصل لتشكيل حكومة منسجمة كفؤة قادرة على انتشال العراق من هذه الأزمات التي تحيط به.
* هل تشعر بأنه تم الغدر بك على خلفية منصب رئاسة الجمهورية؟
- أنا أؤمن بأن في الحياة ما هو أغنى من ذلك، وقلت لأصدقائي الذين كانوا منزعجين بشكل كبير مما جرى، وأقول لنفسي وأذكرها، بأن احترام الناس وثقتهم بي ومحبتهم لي أهم بكثير من أي موقع أو منصب، هناك الكثير من المواقع التي قد تؤدي بالسياسي أو المسؤول إلى الهاوية، وأملي ودعائي أن أكون عند حسن ظن الناس، وما لقيته منهم من دعم ومحبة خلال الأحداث الماضية جعلني أشعر بمسؤولية أكبر بكثير تجاه المواطنين الذين يشاطرونني المفاهيم تجاه مشروع ديمقراطي يعيد للعراق ولإقليم كردستان المكانة المرموقة التي يستحقها.
* إذا تحدث برهم صالح يثير الكثير من الأسئلة والسجالات، وإن صمت صارت الأسئلة أكثر تعقيدا!
- أنا لست بصامت، أنا مساهم، وأعمل ومعني بمستقبل هذا البلد، وهناك من يرى لي مساهمة في هذا الوضع وليس بالضرورة أن تكون من الموقع الرسمي، لكن هناك الكثير من السياقات التي أعمل ضمنها.
* عندما نشرت «الشرق الأوسط» جزءا من مذكراتك سميناه «في مفترق الطرق»، هل لا يزال برهم صالح في مفترق الطرق؟
- أنا بالتأكيد في الطريق الصحيح.. مؤمن بمفاهيم سياسية، وأعتبر نفسي ملتزما بمشروع ديمقراطي مدني يؤمن الحريات وتكافؤ الفرص للمواطنين، وأنوي المثابرة في متابعة هذا المشروع، وتقديري أن ما عملته في السنوات الماضية يتضمن تجارب مفيدة وإنجازات لي أن اعتز بها مع زملائي الآخرين، ولكن أتطلع إلى تحقيق المزيد. وهذا هو ديدن الحياة. نحن نعيش في لحظات تاريخية كبرى، فهناك تجاذبات وحراك تاريخي سيحدد ملامح منطقتنا لأمد بعيد، وكذلك هناك ولادة وضع سياسي جديد في العراق، وأتشرف بأن أكون جزءا ولو متواضعا من هذا الحراك السياسي والاجتماعي والثقافي.
* ما دمتم قد استهللتم حديثكم عن الأزمات، دعنا نتحدث عن أزمة إقليم كردستان الراهنة..
- الآن يجب أن نعمل من أجل استنفار واستنهاض كل قوانا لمواجهة المخاطر الإرهابية التي تهددنا، ولا شك أنه بعد اندحار «داعش» واستئصال وجوده إن شاء الله يجب أن يكون هناك حوار جدي وهادئ في ما بيننا للوقوف على المشاكل والثغرات التي أدت إلى الأحداث في الفترة الماضية، والاستجابة لاستحقاقات الإصلاح السياسي في كردستان ومحاربة الفساد، لكنني أؤكد أن مهمتنا الأساسية الآن هي دعم قوات البيشمركة والقوات العراقية في مواجهة ومحاربة «داعش»، والتأكيد على حل المشكلة السياسية في بغداد بما يضمن اصطفافا وطنيا عريضا وواسعا لمجابهة خطر الإرهاب. أملي أن هذه الكارثة قد بددت الطروحات النفعية الضيقة والتي تبنت مفهوم «مصائب قوم عند قوم فوائد»، فقد تبين للقاصي والداني أن مصيبة كردستان هي مصيبة للعراق ومصيبة بغداد مصيبة لكردستان، ومشاكلها وإخفاقاتها تلقي بتداعياتها على كردستان. شئنا أم أبينا نحن نشترك مع بغداد في مصالح أساسية تتجسد في مجابهة التطرف والإرهاب وضرورة تسخير موارد هذه البلاد لخدمة المواطنين وإنهاء دوامة العنف والأزمات المستدامة في العراق.
* هل تعتقدون أن قصة سحب الجيش العراقي من الموصل وفتح أبواب المدينة أمام «داعش» كانت مؤامرة ضد العرب السنة وإقليم كردستان؟
- هذا الموضوع يتحمل الكثير من المناقشة ويستوجب الكثير من التقصي والتحقيق. لا يمكن أن نمر مرور الكرام على ما جرى في الموصل وسنجار وسبايكر ومسجد مصعب ابن عمير بديالى، وما جرى في سهل نينوى، ولا سمح الله ما قد يجري في بلدة امرلي المحاصرة إذا تمكنت «داعش» من دخولها، وما سيحدث من مذابح حقيقية في الموصل. فبكل المقاييس هذه كوارث وجرائم خطيرة يتحملها الإرهاب ومساندوه، لكن المقصرين والمدعين القيام بحماية الناس يتحملون مسؤولية الثغرات الأمنية والسياسية والتقصير الإجرامي الذي أدى إلى السماح بهذه الكوارث. وفي أي بلد يحترم نفسه لا يمكن القبول بالاستمرار بهذا الوضع وإدامة النهج الخاطئ. ربما أن هناك مؤامرات، لكن المؤامرة لا تنجح إن لم تكن هناك منافذ لها. مع الأسف في العراق اليوم شروخ في المنظومة السياسية والأمنية ومنافذ عدة، فالمسؤولية هي مسؤولية القيادات العراقية القائمة على أمر هذه البلاد والتي سمحت وتسمح لهذه المؤامرات بأن تنفذ إلينا، فكفى تبرير التقصير والفشل باسم المؤامرة وتحويل الأنظار عن الواقع السياسي والأمني الفاشل، ذلك الفشل الذي تتم إدامته على مدى السنوات العشر الماضية بسبب الأسعار العالية للنفط وأيضا بسبب عدم الاكتراث بحياة الناس.
* قيادة إقليم كردستان تقول إن الحكومة الاتحادية السابقة همشتنا، والإقليم قبل بالابتعاد عن بغداد وعدم المشاركة في القرارات المهمة..
- كانت هناك اتهامات كثيرة ضد الإقليم في الفترة الماضية، ومنها أن «البيشمركة خارجة عن منظومة الدفاع الوطني»، و«الإقليم قاعدة للمؤامرات ضد بغداد»، وغير ذلك، لكن تبين أن البيشمركة هم مقاتلون أصلاء في الدفاع عن أمن الناس وسلامة الوطن، كما أن كردستان كان دوما ملاذا للأحرار العراقيين وملجأ ومنطلقا لهم من أجل تحرير العراق وتحقيق أهدافهم الخيرة، وهذه المرة أيضا برهنت كردستان على أنها تقاتل من أجل استئصال «داعش» ومواجهة خطر الإرهاب، وبيشمركة كردستان هم في طليعة هذا الجهد الوطني المطلوب لإنهاء «داعش» وخطر الإرهاب، وأتمنى على الحكومة الجديدة والوضع الجديد وكل الأطراف السياسية في العراق استيعاب الدروس مما جرى، فمشاكل بغداد تلقي بظلالها على كردستان والعكس صحيح، ويجب أن ننتصر لما هو مشترك بيننا، وأن نتوصل لحلول تنهي هذه الحالة، وكأن خسارة بغداد هي ربح لإقليم كردستان أو العكس. يجب أن نصل لإطار يؤمن لنا ربحا ونموا لعموم البلد، فاستقرار إقليم كردستان وازدهاره مرهون بازدهار البصرة والعمارة والنجف والأنبار والموصل وبغداد واستقرار جميع مناطق العراق. نحن نعيش في بلد واحد مترابطين ومتلازمين شئنا أم أبينا، وأمننا ومصالحنا الاقتصادية مشتركة وغير قابلة للانقسام.
* ما طرح من قبل قيادة إقليم كردستان وقبل أزمة «داعش» من قبل رئيس الإقليم مسعود بارزاني، حول انفصال الإقليم عن العراق وإجراء استفتاء شعبي بذلك، هل أنتم جادون فيه؟
- أريد أن أؤكد، كما أفعل دوما، أن الشعب الكردي كغيره من الشعوب له الحق في تقرير مصيره بما في ذلك الاستقلال وتشكيل دولته. الأكراد العراقيون كانوا قبل 2003 منفصلين ومستقلين عن المركز وارتضينا أن نبقى ضمن العراق الموحد وأن يكون الدستور فيصلا لمشاكلنا وقانونا لتعايشنا. في تقديري انفصال إقليم كردستان أو بقاؤه مرهون بالوضع السياسي ببغداد، والنظام الاتحادي الديمقراطي يمكن العراق من البقاء موحدا، لكن انهيار الوضع في بغداد والتوجه الديكتاتوري والاقتتال الطائفي، لن تبقي للوحدة العراقية شيئا. إن مصلحة الكرد هي في نجاح المشروع الديمقراطي بالبلد، ونرى أن المصلحة تكمن في دعم الأخ حيدر العبادي، رئيس الوزراء المكلف، لتشكيل حكومة فعالة منسجمة وكفؤة وقادرة على تجاوز مشاكل المرحلة الماضية، والتأكيد على أن العراق كي يبقى موحدا فإن الأمر يتطلب التمسك بمفاهيم أساسية وعملية، أولها شراكة حقيقية بين المكونات في الحكم. الدولة العراقية لا يمكن أن تقوم على تهميش أي طرف، وكما رأينا فإن تهميش الكرد والسنة أو أطراف أساسية في الطيف الشيعي، له تبعات خطيرة كما رأينا. ولو منذ البداية كان هناك تنسيق سياسي وأمني بين الحكومة الاتحادية والإقليم ربما لم يحدث ما حدث في الموصل أو في سنجار.
العراق بات محكوما بدوامة من الأزمات التي تلد أزمات أعمق وأشد، أزمات مستدامة بالأموال السهلة المتأتية من الأسعار العالية للنفط والمسخرة لشراء الذمم والولاء وترقيع فشل المنظومة الأمنية، ولكن أملي أن «داعش» قد يلزم إنهاء هذه الدوامة وإلزام الأطراف الدولية والإقليمية بالمعاونة، أو بالأحرى إلزام الأطراف العراقية على الإتيان بحلول جذرية للمشكلة العراقية. في تقديري ليس هناك خيار لاستقرار العراق إلا بتطبيق روح الدستور العراقي، وبالذات تحديد صلاحيات الحكومة الاتحادية في السياقات الحصرية المثبتة في الدستور وتحديد سقف لميزانيتها كي لا تتنمر على العراقيين، وإعادة التجربة التاريخية المتكررة في هذه البلاد، حكومة محدودة الصلاحيات والتصرف المالي، وما عدا ذلك يتوزع على الأقاليم والمحافظات. هذا ضروري للاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية وأيضا للأمن العراقي ومنع عودة المستبد المتحكم في المال السهل المتأتي من النفط. فأهل الموصل والأنبار والعمارة هم الأجدر بالدفاع عن مدنهم وأهلهم، وهذا أفضل من الإتيان بأبناء الناصرية أو السليمانية للقتال والدفاع عن الموصل أو الأنبار، كما أن أهل إقليم كردستان، أبناء السليمانية وأربيل، أكثر قدرة على الدفاع عن الإقليم، وهذا لا يعني إلغاء منظومة الدفاع الوطني المكلفة بالدفاع عن البلد، نعم نحن بحاجة إلى هذه المنظومة لكننا يجب أن نعطي لأهالي المناطق شعورا حقيقيا بإدارة شؤونهم والدفاع عن مدنهم بأنفسهم، وأن يتمتعوا بخيرات وطنهم ليكون عندهم الإحساس بأنهم يدافعون عن أهلهم وأنفسهم وليس عن الحاكم ببغداد.
وفي الوقت نفسه، نحن بحاجة إلى حليف سني قوي يشارك في العملية السياسية، ويجب دعم السنة لدحر الإرهاب. أهالي الأنبار وعشائرهم هم الأدرى بكيفية دحر الإرهاب في مناطقهم. إن لم نحل المشكلة اليوم فسوف نبقى في مواجهة خطر «داعش» وأبناء «داعش» وأحفادهم، وستبقى دوامة الأزمات التي تغذيها أموال النفط، وسيبقى الأبرياء ينزفون الدم. يجب القرار بأن تجربة إقليم كردستان وعلى الرغم من كل شيء تجربة ناجحة وتشكل عمودا من أعمدة الاستقرار الذي نبتغيه للعراق، وكنا نتمنى أن ينعم أهالي جميع المحافظات بمثل ما موجود في إقليم كردستان من حالة أمن وخدمات، وإن كان الكرد قادرين على فعل ذلك فما المانع لأهل البصرة والناصرية والنجف وبغداد من أن يحققوا الشيء ذاته؟
ومن المهم أن نشترك ببغداد لإدارة البلد على مبدأ المشاركة الحقيقية وتحقيق المبادئ الدستورية، ومن الضروري التأكيد على الباب الثاني الذي يتعلق بالحقوق الأساسية للعراقيين، وقلما تتم الإشارة إلى مثل هذه المواد المهمة والتي تم التجني عليها بصورة بشعة.
* تحدثت عن هدر الأرواح والفساد المالي وضياع أموال النفط والأزمات والشروخ السياسية والأمنية للسنوات التي مضت، هل تعتقدون أنه يجب السكوت على ما جرى؟
- لا، أنا لست من دعاة ترك الأمور تمضي بصمت، وبعد تشكيل الحكومة الجديدة ستكون هناك حاجة لحوار وطني حقيقي حول ما جرى من استباحة لحرمات الأرواح والأموال. نتحدث كثيرا عن الشراكة في السلطة والخروقات الدستورية وعن المشاكل السياسية والأمنية، لكننا لا ننسى أننا ناضلنا ضد نظام صدام حسين وبنينا مشروعنا السياسي على أساس مفهوم احترام حقوق الإنسان، وثبتنا في الباب الثاني من الدستور العراقي الحقوق والحريات الأساسية للعراقيين، وخلال السنوات العشر الماضية الباب الثاني من الدستور منتهك في أعماقه وفي صلبه ومعناه، وهذه الاستباحة لحقوق الناس لا يقبلها شرع الله ولا ترضى بها القيم السياسية والإنسانية، نحن في مشكلة كبيرة ومخجلة بكل المقاييس.. وربما الوضع السياسي الجديد يشكل فرصة أخيرة لأن يستعيد العراق شيئا من مساره الصحيح وننتهي من دوامة الأزمات، وإلا فإن مشكلة خطيرة تحيق بالبلد.
* هل أنت متفائل بالوضع السياسي الجديد؟
- أنا واقعي، لكنني دائما متفائل، ومؤمن بأننا قادرون على تجاوز هذه المحن، لكن لا أستخف بحجم المصالح الكبيرة التي تولدت من خلال دوامة الأزمات خلال السنوات العشر الماضية، والاقتصاد السياسي الذي نشأ عن العنف في العراق ولد مراكز قوة أكبر من المؤسسات المثبتة في الدستور، وهذه المصالح منعت فرص تقدم العراق ورفاهية العراقيين، لكن أملي في الخيرين من أبناء هذا البلد ومن جميع المكونات من أجل التبصر لما نعانيه من مشاكل حقيقية، وأيضا متفائل بأن هناك إقرارا دوليا بأهمية العراق ودوره وبضرورة حل هذه المشاكل.
* الآن تجري المفاوضات لتشكيل الحكومة الجديدة.. هل تعتقدون أن للأكراد شروطا صعبة من أجل المشاركة في هذه الحكومة؟
- كانت لنا تجربة مريرة في ما مضى. الإقرار بأخطاء الماضي وتجاوزها أمر مهم، وهناك تفاصيل تجب مناقشتها. ويجب إقرار ضمانات لكل الإطراف. وإنصافا أقول يجب على كل الأطراف دعم رئيس الوزراء المكلف، العبادي، للقيام بواجباته، لأن هناك مهام عسيرة ملقاة على عاتقه في هذه الظروف، وأحد أهم أساليب الدعم هو أن تكون جميع الأطراف واضحة وصريحة في ما تريده وفي التزاماتها تجاه الحكومة كي لا تتكرر الأزمات الماضية. ولا شك أنه ستكون هناك مطالب أساسية، مثلا الطرف الكردي عنده إشكالات مع الحكومة السابقة وأبرزها قضايا الميزانية وقانون النفط والبيشمركة والمناطق المتنازع عليها، هذه التفاصيل مهمة للجانب الكردي، لكن وحسب رأيي المسألة الأهم في العملية السياسية بالعراق هي مبدأ المشاركة الحقيقية، وهذا لا يعني الحقوق المكتسبة من الحكومة فقط، بل أيضا الالتزام بالبرنامج الحكومي والاصطفاف في مواجهة الإرهاب.
مشكلة الحكم في العراق هي ظاهرة التفرد، وهي ممكنة ومتكررة في العراق بسبب المال الذي يأتي بصورة سهلة من تسويق النفط وغياب المؤسسات الدستورية الرقابية. المشكلة ليست قضية شخصية، الضمانات الحقيقية والجدية في المشاركة الحقيقية لصنع القرار السياسي والأمني لكل المكونات مهمة جدا، وهذا الموضوع يمثل جوهر مشكلة الحكم في العراق، ولو كانت هناك مشاركة فاعلة لكل الأطراف في صنع القرار ربما لم تكن الكثير من هذه المشاكل قد حدثت. ثم ضرورة الإقرار بالمبادئ الدستورية الأساسية ألا وهي تشكيل حكومة ديمقراطية اتحادية، وعدم حصر الصلاحيات بالحكومة بل توزيعها على المحافظات والإقليم لأن الحكومة بتركيبتها الحالية وبسبب الأزمات الأمنية غير قادرة على النهوض بهذه المهمة.
* لكن بوادر حوارات تشكيل الحكومة تشير إلى نفس ما جرى في الحكومات السابقة: توزيع المناصب والحقائب الوزارية على أساس النقاط والمذاهب والقوميات؟
- أتمنى ألا تتكرر التجارب الماضية، فلا يمكن للكرد مثلا أن يقولوا أعطني حصتي وأنا لا علاقة لي بالباقي، بل يجب يتغير المفهوم في عمقه، فنحن معنيون بما يجري ببغداد من وضع سياسي وقرارات أمنية واقتصادية، وبتسويق النفط في عموم العراق. وأريد أن ننتج ونصدر النفط بأضعاف مضاعفة لما هو عليه اليوم، لأن في ذلك فائدة لكل العراقيين. فلا يمكن عزل الحصة الكردية، أو السنية أو الشيعية عن العام العراقي، فإن لم تتغير العقلية فسوف تستمر الدوامة. وفي السياق نفسه أقول إن من كان يرى ويتهم إقليم كردستان باعتباره مصدر تهديد لوحدة العراق فإن الأحداث أثبتت عكس ذلك تماما حيث يحتضن الإقليم أكثر من مليون ونصف المليون من النازحين ومن كل المناطق والأديان والمذاهب والقوميات، بينما تتصدى قوات البيشمركة لإرهاب «داعش»، وبرهنت الأيام أن كردستان في الواقع، وبعيدا عن السجالات والشعارات، حريص على وحدة العراق وجمع شمل أهله، وأصبح واضحا الفساد والفشل السياسي والأمني وهذا هو ما يهدد الوحدة العراقية، وشعارات التغني بالوحدة العراقية لا تجدي نفعا. العمل من أجل إصلاح بنيوي لمنظومة سياسية وأمنية واقتصادية فاشلة هو الطريق لحماية وحدة العراق وسلامة مواطنيه. ومن دون تمكين أهلنا في المناطق الساخنة فإن العراق غير قادر على تفادي الدوامة، ومع أهمية الإسراع بتشكيل الحكومة الجديدة فإنه من المهم وضع برنامج زمني عاجل للعمل لإيجاد حلول جذرية للمشاكل الحقيقية. بعد عشر سنوات لا بد من أن ندرس المشاكل التي بدأت قبل وبعد 2003.
* هل تعتقدون أن الأزمة الحقيقية بين بغداد وأربيل هي موضوع قيام حكومة الإقليم بتصدير النفط؟
- لا.. الأزمة أعمق من هذا الموضوع وأقدم منه، ولو توافرت الثقة والإرادة السياسية لجعلنا من موضوع النفط في كردستان مكسبا للعراق وموردا إضافيا للخزينة يستفيد منه كل العراقيين. وأتمنى على الحكومة القادمة حل هذه الإشكالات. لكن الأخطر من كل شيء هو قطع رواتب الموظفين في الإقليم من قبل الحكومة الاتحادية، وهذا ما يهدد وحدة العراق ويدعو إلى تصدعها وليس تصدير النفط، وأتمنى استئناف منح رواتب الموظفين بأسرع ما يمكن وعدم استخدام أرزاق الناس ورقة ضغط في السجال السياسي.
* عدم اشتراك أو إشراك أسماء سياسية عراقية كبيرة ومهمة مثل إياد علاوي وعادل عبد المهدي وأحمد الجلبي وبرهم صالح ألا يسهم في استمرار الأوضاع على ما هي عليه؟
- يجب الاستفادة من دروس الماضي، وأعني الطبقة السياسية. الكل تضرروا من العملية السياسية، وقد استفادت شريحة من المتنفذين السياسيين من الامتيازات المالية والفساد، لكن سمعة الطبقة السياسية في الحضيض. الآن العراق في مفترق طرق، قاب قوسين أو أدنى إما من الانهيار الكامل أو النجاح إن شاء الله. الاستمرار في الوضع الحالي غير ممكن. لننظر إلى الأحداث اليوم، هناك الآلاف المؤلفة من الضحايا في سنجار وسبايكر والموصل والأنبار والحويجة وجامع مصعب بن عمير، وما ينتظر أهلنا في بلدة آمرلي، فإذا لم يتم التدخل ستكون هناك مذبحة مروعة، وما يجري من تفجيرات في بغداد وكركوك ومناطق أخرى من العراق. أي بلد يجري فيه كل هذا لا يحترم نفسه؟ هل ثمن البقاء على كرسي السلطة هو موت الآلاف من الأبرياء؟ في تقديري هذا غير ممكن على الإطلاق. المال السياسي المتأتي من النفط خلق طبقة من المنتفعين سمعتهم اليوم في الحضيض.
* ماذا عن الموقف الإقليمي وكيف تقيمون الموقف العربي؟
- المنطقة معنية بما يجري في العراق، وهناك تفهم إقليمي متنام لضرورة دعم الحكومة المقبلة برئاسة الأخ عبادي. هناك استنفار دولي وإقليمي للتمكن من خطر «داعش». الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يساعدان أكثر فأكثر، وإيران تساعد الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان في مواجهة «داعش»، وفي هذا السياق يجب أن نذكر بتقدير مساهمة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز لمساندة النازحين العراقيين، ونتطلع إلى دور عربي فاعل لتدارك الأزمة الحالية.
* كيف ترون خطورة «داعش» على العراق؟
- «داعش» أصبح مشروعا خطيرا، متأتيا من المشاكل الكبيرة ومن الثغرات السياسية في العراق، وأيضا من الوضع الإقليمي ومن تداعيات الأحداث في سوريا. ربما وقبل فترة قريبة كان هناك من يتصور أن «داعش» ضد حكومة المالكي في العراق أو ضد بشار الأسد أو ضد هذا الطرف دون ذاك، لكن تمدد الإرهاب اليوم بوضعه الحالي خلق وعيا دوليا وإقليميا جديدا بأن هذا الخطر الإرهابي ليس محصورا بجبال سنجار أو الموصل أو الرقة، وإنما له تداعيات كبيرة على دول كل المنطقة، تداعيات على الأمن الدولي بما فيه أمن الولايات المتحدة وروسيا أيضا، ونعرف أن العديد من الشيشان ومواطنين أوروبيين وأميركان متورطون في هذه التنظيمات الإرهابية من أمثال «داعش». وعلى الرغم من الصراعات الدولية والإقليمية الخطيرة التي يتم لعبها على الساحتين العراقية والسورية، فإنه لعل وعسى أن يتم التعامل مع هذا الخطر الذي تجاوز محدوديته الجغرافية من خلال توحيد القوى الدولية والإقليمية لاستئصال خطر الإرهاب.
هناك مقاربة بين وضع أفغانستان ووضعنا، فالدول التي ساعدت المجاهدين في أفغانستان للتخلص من الوجود السوفياتي آنذاك، وقدمت لهم المال والسلاح جعلتهم ينجحون في دحر القوات السوفياتية، لكنها في الوقت ذاته خلقت وحشا اسمه «القاعدة»، وقد استخفت القوى العالمية بهذا الوحش المتخفي في كهوف أفغانستان لكنه ظهر إليهم وفجر مركز التجارة العالمي في نيويورك، والشيء ذاته حدث عندما تم دعم بعض القوى في سوريا والتي انشقت عن «القاعدة» لإيقاف النفوذ الإيراني في المنطقة، واستفاد المتطرفون من هذا الدعم وليس القوى المعتدلة، وخرج إلى الوجود «داعش». والآن أصبح الخطر أكبر بكثير مما كانت عليه «القاعدة» آنذاك. ليس هناك خيار إلا بتفاهم أميركي روسي سعودي إيراني تركي لدعم العراق للتخلص من «داعش» وحل الأزمة السورية سياسيا، وإلا سيكون هذا السرطان وبالا على الجميع.
* أخيرا.. أين هو برهم صالح اليوم مما يجري؟
- أنا هنا أعمل بالمتيسر لي من أجل دعم الجهود الرامية للانتصار على الإرهاب وحل المعضلة العراقية ومساندة مشاريع الإصلاح عندنا.



العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».


هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
TT

هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)

بالتزامن مع التحركات العسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، والضربات العسكرية المحتملة على إيران، تواصل الجماعة الحوثية في اليمن استعداداتها العسكرية وحشد المقاتلين واستحداث مواقع جديدة لأسلحتها، في وقت يُنظر لها فيه بأنها إحدى أهم الأذرع الإقليمية للرد الإيراني.

وعلى الرغم أن الجماعة المدعومة من إيران لم تصدر أي بيان رسمي يعلن موقفها من تعرض إيران لهجوم أميركي، فإن قادة فيها حذَّروا الولايات المتحدة من أي عمل عسكري، وتحمُّل المسؤولية الكاملة عن التصعيد وتداعياته، ولمحوا إلى أن تعاطيهم معه سيتم وفق ما تراه القيادة العليا بعد تقييم الموقف وتداعياته المحتملة.

وبقدر ما توحي هذه التلميحات، إلا أن ثمة تفسيرات لها بعدم الرغبة في لفت انتباه الإدارة الأميركية الحالية بقيادة دونالد ترمب إلى ضرورة التعامل مسبقاً مع الرد المقبل من قِبل الجماعة، خصوصاً وأن هذه الإدارة قد شنت حملة عسكرية سابقة ربيع العام الماضي على الجماعة وتسببت لها بالكثير من الخسائر.

ويرى إسلام المنسي، الباحث المصري في الشؤون الإيرانية، أن إيران قد لا تذهب إلى إحراق أوراقها كافة في حال لم يكن هناك داعٍ لذلك، خصوصاً مع التهديدات الأميركية بارتفاع سقف التصعيد في حال إقدام أي أذرع عسكرية إيرانية على التدخل والمشاركة في المواجهة.

مدمرة أميركية تصل إلى ميناء إيلات جنوب إسرائيل ضمن الحشد العسكري الأميركي في المنطقة (رويترز)

ولم تلجأ إيران لاستخدام أذرعها العسكرية خلال مواجهتها مع إسرائيل والضربة الأميركية المحدودة لها صيف العام الماضي؛ لكونها لم تشعر بخطر وجودي، وهو ما قد يتغير في المواجهة المرتقبة، ويمكن أن يدفع إلى تدخل الجماعة الحوثية، بما يشمل استهداف حلفاء ومصالح الولايات المتحدة وقواتها العسكرية، وفقاً لحديث المنسي لـ«الشرق الأوسط».

وإذا كانت إيران قد سبق لها وعرضت، في إطار تفاوضي، التخلي عن أذرعها العسكرية في المنطقة، بما في ذلك الحوثي، فإن ذلك يجعل من المؤكد أنها ستستخدمها في الرد، خصوصاً وأنها أنشأتها للدفاع عن أراضيها في جغرافيا بعيدة عنها، حسب المنسي.

وترجح الكثير من التقارير الاستخباراتية أن يكون «الحرس الثوري» الإيراني قد بحث مع الحوثيين تفعيل ساحات دعم بديلة خلال المواجهة الأميركية الإيرانية المنتظرة، واستخدام خلايا وأسلحة لم يجرِ استخدامها من قبل.

تأهب مكشوف

ومنذ أيام نقلت وسائل إعلام صينية عن قيادي عسكري حوثي، لم تسمّه، أن الجماعة رفعت فعلاً حالة التأهب، ونفذت عمليات تفتيش لمنصات إطلاق الصواريخ في مناطق عدة داخل اليمن، من بينها منطقة البحر الأحمر ذي الأهمية الاستراتيجية.

صورة نشرها الحوثيون لما زعموا أنه موقع تحطم طائرة أميركية مسيّرة في أبريل الماضي (غيتي)

في هذا السياق، يؤكد صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن الجماعة الحوثية ستشارك في الدفاع عن إيران ضد أي هجمات أميركية، مستنداً إلى خطابها الإعلامي المرافق لحشود أنصارها في الساحات والميادين، والذي يؤيد بشكل واضح حق إيران في الدفاع عن نفسها.

ورغم المواربة التي يتخذها هذا الخطاب بشأن إيران؛ فإنه يعيد التذكير بحرب غزة، ويجدد التعهدات الحوثية بالعودة إلى التصعيد العسكرية للدفاع عن سكان القطاع المحاصر، كما يوضح صلاح لـ«الشرق الأوسط»، منوهاً إلى أن إيران لم تشارك الحوثيين كل تلك التقنيات العسكرية المتطورة والنوعية، إلا بسبب ثقتها العالية بهم وقدرتهم على استخدامها لصالحها.

وخلال الفترة الماضية، وبعد استهداف إسرائيل حكومة الجماعة غير المعترف بها وعدداً من قياداتها، برز عدد من القادة الحوثيين المتشددين في ولائهم لإيران، بينما يجري على الأرض استحداث مواقع عسكرية ونقل معدات وأسلحة إلى مناطق جديدة في المناطق الساحلية والقريبة منها، إضافة إلى إمكانية استخدام خلايا أمنية في خارج حدود اليمن.

ويرجح صلاح أنه، ومع تهديدات الضربة العسكرية على إيران كبيرة، فإن الرد الإيراني سيأخذ منحى متقدماً قد يصل إلى السعي لإغلاق المضائق؛ وهو ما يجعل مضيق باب المندب في دائرة الاستهداف الحوثي.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

ويبدي الكثير من المراقبين قلقاً من أن تكون الجماعة الحوثية نقلت خلال السنوات الماضية عدداً من مقاتليها وخلاياها الاستخباراتية إلى خارج اليمن لاستهداف مصالح أميركية وغربية في المنطقة.

خيارات مفتوحة

وفقدت الجماعة الحوثية عند إعلان وقف إطلاق النار في غزة أحد أهم مبررات حشد المقاتلين وجمع الأموال، وبدأت بمواجهة تصاعد الغضب الشعبي ضد ممارساتها والحالة الإنسانية المتدهورة بخطاب إعلامي يحاول إقناع المتلقين بأن المعركة لم تنتهِ، وأن هناك جولات قادمة منها.

وفي موازاة استمرار الجماعة بحشد أنصارها أسبوعياً في مظاهرات تشمل مختلف مناطق سيطرتها تحت شعارات مناصرة قطاع غزة، لجأت إلى تنفيذ هجمات في جبهات المواجهة مع الحكومة الشرعية في اليمن، خصوصاً في محافظة تعز، في حوادث يصفها بعض الخبراء العسكريين بمحاولات جس النبض، بينما يرى آخرون أنها تهدف لصرف الانتباه عن ممارسات أخرى.

في هذا السياق، يذكّر وليد الأبارة، رئيس مركز اليمن والخليج للدراسات، بأن الجماعة واجهت مرحلة حرجة بعد وقف الحرب في غزة، بعد أن فقدت أحد أبرز مبررات هجماتها على الملاحة في البحر الأحمر، وإزاء ذلك فقد تلجأ إلى استحداث مبررات جديدة، بمزاعم العقوبات المفروضة عليها للحفاظ على زخمها الإعلامي ودورها الإقليمي.

أنصار الحوثيين في وقفة لهم بمدينة حجة تحت شعار الاستعداد للمواجهة المقبلة (إعلام حوثي)

إلى جانب ذلك، فهناك خياران آخران، حسب توضيحات الأبارة لـ«الشرق الأوسط»، يتمثل الأول بإعادة توجيه نشاطها نحو الداخل؛ بهدف تعزيز ميزان القوى العسكري والاقتصادي لمصلحتها، أو لفرض شروطها في أي تسوية مقبلة، بينما يتمثل الآخر بالرضوخ للضغوط الدولية والإقليمية والانخراط في مسار تفاوضي، خصوصاً في حال تصاعد العقوبات أو تراجع قدرتها الاقتصادية والعسكرية.

وحسب تقدير موقف لمركز اليمن والخليج الذي يديره الأبارة، فإن المعطيات تشير إلى أن الاحتجاجات الواسعة في إيران باتت تضغط على قدرة النظام على إدارة نفوذه الإقليمي بالوتيرة السابقة، دون أن تصل إلى تفكيك شبكة وكلائه.

وهذا الواقع يدفع طهران إلى مقاربة أكثر حذراً، تحكمها أولويات الداخل وحسابات التكلفة والعائد، مع الحفاظ على الحد الأدنى من النفوذ الخارجي دون تصعيد واسع.

ويُرجَّح الأبارة في هذا الإطار استمرار العلاقة مع الحوثيين ضمن استمرارية منضبطة، بدعم انتقائي يضمن بقاء الجماعة فاعلة، إلا أن اتساع الاحتجاجات أو تعرض إيران لضربة عسكرية مباشرة قد يفتح سيناريو إعادة تموضع حوثية أعمق، تشمل تنازلات سياسية وأمنية أوسع مقابل ضمانات إقليمية.