قتلى وجرحى في غارات ضد معسكرات الميليشيات في طرابلس

حكومة السراج تتهم الجيش الوطني باستخدام الطيران الأجنبي... ومؤسسة النفط تنتقد عسكرة منشآتها

مسلحان من المجموعات الموالية للسراج في ضاحية عين زارة بطرابلس أمس (رويترز)
مسلحان من المجموعات الموالية للسراج في ضاحية عين زارة بطرابلس أمس (رويترز)
TT

قتلى وجرحى في غارات ضد معسكرات الميليشيات في طرابلس

مسلحان من المجموعات الموالية للسراج في ضاحية عين زارة بطرابلس أمس (رويترز)
مسلحان من المجموعات الموالية للسراج في ضاحية عين زارة بطرابلس أمس (رويترز)

كثّف الجيش الوطني الليبي، الذي يقوده المشير خليفة حفتر، من وتيرة ضرباته الجوية على مواقع وتمركزات تابعة للميليشيات المسلحة الموالية لحكومة الوفاق الوطني، برئاسة فائز السراج، في العاصمة طرابلس، التي تعرضت لسلسلة غارات جوية في ساعة متأخرة من مساء أول من أمس، ما أسفر عن مقتل 4 وإصابة 20 آخرين. وقالت مصادر عسكرية وشهود عيان إن هذه الغارات استهدفت مخازن الأسلحة والذخيرة لمقرات قوة النواصي، بالقرب من فندق باب البحر، ومعسكر القعقاع، وقوة الردع في منطقة أبو سليم، ومواقع أخرى في منطقتي الرياضية والفلاح؛ حيث عمت الأدخنة الكثيفة أجواء طرابلس، التي يعانى سكانها منذ 4 أيام لانقطاع الكهرباء والمياه.
وتحدث سكان محليون عن اشتعال حريق كبير في معسكر 7 أبريل (نيسان) في طريق السواني، الشهير بالقعقاع جنوب العاصمة، ما يؤكد أن الجيش استهدف مخزنه للذخيرة والآليات المسلحة بالقصف.
وأوضح سكان أنهم سمعوا صوتاً يشتبه بأنه لطائرة مسيرة لمدة ساعة ونصف ساعة تقريباً، كانت توجه صواريخ، وأعقب ذلك دوي 8 انفجارات ضخمة على الأقل، أمكن سماعها بوسط العاصمة، ترافقت مع هدير طائرات في السّماء. ونقلت وسائل إعلام محلية عن فوزي أونيس، رئيس لجنة الأزمة والطوارئ، أن الحصيلة الأولية للقصف تضمنت 4 قتلى و20 جريحاً، وهو ما أكده أمين الهاشمي المسؤول الإعلامي في وزارة الصحة، الذي قال أيضاً إن «العدد مرشح للارتفاع بعد الانتهاء من حصر الضحايا».
ووزعت حكومة السراج، أمس، قائمة تضم 64 من كبار قيادات وضباط الجيش الوطني، قالت إنهم مسؤولون عن قصف طرابلس وتهجير المواطنين، فيما طلب السراج باعتباره وزير الدفاع من المدعى العسكري التابع له اعتقال هؤلاء واتخاذ الإجراءات القانونية حيالهم. كما اعتبرت الحكومة، في بيان منفصل أصدره الناطق باسمها، أن «قصف العاصمة جريمة لن تسقط بالتقادم»، وهددت بأن كل من شارك فيها سيكون مطلوباً للعدالة، كما حمّل البيان البعثة الأممية ومجلس الأمن مسؤولية سكوتهم عن قصف العاصمة باستخدام طيران أجنبي.
وسارعت أيضاً «قوة الردع» الموالية للسراج، لاتهام المشير حفتر بالاستعانة بطيران أجنبي لقصف العاصمة، ما تسبب في إصابات مدنيين وتدمير ممتلكات عامة وخاصة، على حد تعبيرها في بيان مقتضب عبر صفحتها الرسمية على موقع «فيسبوك». وقال فتحي باش أغا، وزير الداخلية بحكومة السراج، في مؤتمر صحافي، عقده أمس في تونس التي يزورها حالياً، إن لدى حكومته دلائل حول مشاركة طائرات أجنبية، والأمم المتحدة تشارك في التحقيق.
في المقابل، قصفت طائرات تابعة لحكومة السراج محيط مطار طرابلس العالمي وبلدية قصر بن غشير، كما تعرضت منطقة سبيعة لقصف عشوائي بصواريخ غراد، وفقاً لما نقلته وكالة الأنباء الليبية، الموالية للجيش الوطني، عن شهود عيان، أكدوا وقوع بعض الإصابات بين المدنيين، واشتعال النيران في مقر السرية الخامسة، التابعة لآمر «قوة الردع السريع» غنيوة الككلي، بالقرب من كوبري حي دمشق.
تزامنت هذه التطورات مع إرسال الجيش الوطني سفينة حربية إلى ميناء رأس لانوف بمنطقة الهلال النفطي الرئيسية بشرق البلاد، بعد شائعات غير مؤكدة عن مشاهدة سفينة تابعة لبحرية أجنبية؛ حيث قال أحمد المسماري، المتحدث باسم الجيش الوطني، إن السفينة في مهمة تدريب لزيارة غرفة العمليات وتأمين المنشآت النفطية. لكن مؤسسة النفط الموالية لحكومة السراج سارعت إلى إدانة ما وصفته بعسكرة المنشآت النفطية الوطنية في ليبيا، مشيرة في بيان لها إلى قيام عدد من الأفراد المسلحين، الذين لم تحدد الجهة التابعين لها، باقتحام مهبط طائرات تابع للمؤسسة والاستيلاء عليه، واستخدام بعض السفن الحربية والعسكرية للموانئ النفطية.
وبعدما أعربت عن رفضها القاطع لاستخدام المنشآت النفطية لأغراض عسكرية أو سياسية، أعلنت أنه تم إخطار النائب العام الذي سيتخذ جميع الخطوات القانونية اللازمة لحماية الموظفين والمنشآت.
ونقل البيان عن رئيس المؤسسة مصطفى صنع الله، قوله: «لا يمكن لهذا التصرف غير المشروع وغير المسؤول، الذي يمثل انتهاكاً صارخاً لمهمتنا المدنية، أن يستمرّ»، واعتبر أن «مثل هذه الأعمال تعرض حياة العاملين للخطر، وتزعزع ثقة شركائنا، وتقلّل من قدرتنا على الحفاظ على استمرار عملياتنا».
واستنكر صنع الله كل المحاولات الرامية إلى استخدام معدّات المؤسسة ومنشآتها لأهداف عسكريّة، لافتاً إلى أنّ «المؤسسة تُعدّ بمثابة شريان الحياة للاقتصاد الليبي، وتجب حمايتها من أي شكل من أشكال الصراع».
ولفت البيان إلى جملة أحداث، من بينها الاستيلاء على مهبط الطائرات بالسدرة، بهدف استخدامه لأغراض عسكرية، ودخول عسكريين لميناء السدرة، ومحاولة الاستيلاء على قوارب تابعة للمؤسسة، بالإضافة إلى رسو سفن حربية في ميناء راس لانوف واستخدامه من قبل عدد من السفن العسكرية الليبية.
وسعت حكومة السراج إلى الترويج لوجود مساعٍ لإبرام هدنة لوقف إطلاق النار بين قواتها وقوات الجيش الوطني، لكن مصادر عسكرية في الجيش الوطني أكدت في المقابل لـ«الشرق الأوسط» أن عملية «الفتح المبين» التي أطلقها المشير حفتر في الرابع من الشهر الحالي لتحرير طرابلس، ستنتهي فقط بعد تحقيق أهدافها، وهي القضاء على كل التنظيمات الإرهابية والميليشيات المسلحة في المدينة.
وكان مهند يونس، الناطق الرسمي باسم الحكومة، أعلن أنها من خلال السراج باعتباره القائد الأعلى للجيش الليبي، ورئاسة الأركان، ووزارة الدفاع، تؤكد رفضها لأي وقف لإطلاق النار، ما لم تنسحب القوات الغازية وتعود إلى الرجمة، في إشارة إلى مقر الجيش الوطني في شرق البلاد.
وهدد يونس بأن «كل من يحاول استغلال مناخ الأمن والحرية في العاصمة للتأثير على سير العمليات العسكرية سيتم التعامل معه بكل حزم»، لافتاً إلى أن المجلس الرئاسي للحكومة كان قد أعلن حالة النفير العام.
وأضاف: «نحن نراقب عن قرب بعض الدعوات المشبوهة لوقف إطلاق النار، التي تطلقها جهات هدفها ضرب قواتنا في الجبهات من الخلف».
بدوره، أكد اللواء أحمد المسماري، الناطق الرسمي باسم الجيش، تقدم القوات البرية مدعومة من القوات الجوية في محاور طرابلس بشكل كبير، خصوصاً المحورين الشرقي والأوسط، مشيراً إلى أن الطيران التابع لحكومة السراج شنّ في المقابل 6 غارات استهدفت الجيش الوطني قرب طرابلس.
وطالب المسماري، في مؤتمر صحافي عقده مساء أول من أمس، رئيس البعثة الأممية في ليبيا غسان سلامة، ومجلس الأمن، بإطلاع الليبيين على محتويات شحنة السفينة الإيرانية المضبوطة في ميناء مصراتة، لافتاً إلى أن هذه السفينة مملوكة لشركة تتبع «الحرس الثوري» الإيراني، وهي مدرجة على قائمة العقوبات الدولية.
وكانت وزارة الداخلية بحكومة السراج أعلنت ضبط السفينة، التي قالت إنها مدرجة بقائمة عقوبات أميركية أوروبية، قبالة سواحل مدينة مصراتة، على بعد نحو 200 كيلومتر شرق طرابلس، وقالت إن السفينة «SHAHR E.KORD» الإيرانية الجنسية محتجزة لحين استيفاء التحقيقات في حمولتها التي تضم 144 حاوية.
من جانبه، ندّد مجلس ترهونة البلدي بقصف طائرات السراج للمدينة، الذي تسبب في مقتل 3 أطفال وسقوط كثير من الجرحى.
وقال المجلس، في بيان له معزز بصور لآثار القصف، إن الطيران انطلق من الكلية الجوية في مصراتة، وتعهد بأن «هذا العمل الإرهابي لن يمر دون عقاب من قبل أهالي المدينة وبقية الليبيين».
إلى ذلك، تأجلت الانتخابات البلدية التي كان مقرراً إجراؤها أول من أمس في 3 بلديّات في غرب ليبيا، إلى أجل غير مسمّى، بسبب الوضع الأمني و«الانقسامات السياسيّة» في البلاد.
وطبقاً لما أعلنته اللجنة المركزية لانتخابات المجالس البلدية، فإن عدة بلديات، من بينها صرمان وصبراتة، لم تتمكن من استكمال العملية الانتخابية، نظراً للظروف الأمنية الراهنة، مشيرة في بيان لها إلى أن الانتخابات التي تمت في بلدية سبها عبر 25 مركزاً انتخابياً، جرى تأمينها من مواطني البلدية.
بدوره، قال محمد الدباشي، رئيس اللجنة الفرعيّة لانتخابات بلديّة صبراتة، لوكالة الصحافة الفرنسية: «أُبلغنا بعدم الجاهزية الأمنيّة و(بأسباب) أخرى متعلّقة بالانقسام السياسي، أدّت إلى عدم فتح مراكز الاقتراع في المدينة وتأجيلها لأجل غير مسمّى»، وأضاف: «الوضع العام في البلاد تسبب كثيراً في التأثير على جاهزية المدينة لانتخاب مجلسها البلدي». ونقلت الوكالة عن حامد الخيالي، عميد بلديّة سبها، أن «إقامة الانتخابات في مثل هذه الظروف والانقسام تجعل نتائجها عرضة للطعن والتشكيك»، مشيراً إلى أنّ الحكومة الموازية المنبثقة عن البرلمان، برئاسة عبد الله الثني، في شرق البلاد، أبلغت بعدم إقامة الانتخابات لأسباب أمنيّة وإداريّة.
ورحّب مبعوث الأمم المتّحدة إلى ليبيا غسّان سلامة، في تغريدة مقتضبة على «تويتر» بإجراء الانتخابات في سبها؛ حيث قال: «انتخابات بلدية على الرغم من هذه الأيام المؤلمة، تحية من القلب».
ووفقاً لقانون انتخاب المجالس البلديّة في ليبيا، فإنّ ولاية المجالس تمتدّ على 4 سنوات غير قابلة للتجديد، ما يعني أنّ المجالس البلديّة، البالغ عددها 125 مجلساً في ليبيا والتي تمّ انتخابها في العام 2014، قد تجاوزت مدّة ولايتها إلى حدّ كبير.



بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.


«محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تشهد مصر جولة محادثات جديدة بين وفد «حماس» الذي وصل إلى القاهرة، السبت، والممثل الأعلى لقطاع غزة في «مجلس السلام» والوسطاء، من أجل بحث المضي قدماً في تنفيذ وقف إطلاق النار المتعثر من قبل حرب إيران، وفق مصدر فلسطيني مطلع تحدث لـ«الشرق الأوسط».

وبينما تطالب «حماس» بإنهاء المرحلة الأولى قبل البدء في نظيرتها الثانية، وضمانات لتنفيذ الاتفاق كاملاً، تتمسك إسرائيل بـ«نزع السلاح»، فليس أمام الوسطاء سوى التحرك نحو سد الفجوات، وفق المصدر ذاته.

ويعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الجولة الحالية من المحادثات تأتي بعد تباينات عديدة بشأن إطار ميلادينوف، وتعول فيها «حماس» على ضمانات واضحة، «وإلا فسنكون أمام مرحلة خطيرة تسعى لها إسرائيل لشن هجمات جديدة على القطاع تحت ذريعة نزع السلاح، وهو ما يتطلب تدخل الوسطاء بمقاربة وحلول وسط سريعاً».

ويُعدُّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ميلادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمَّن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام أميركية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقُّق النهائي من خلو غزة من السلاح». وتقول إسرائيل إنَّها لن توافق على الانسحاب من غزة ما لم يُنزَع سلاح «حماس» أولاً.

وقبيل انطلاق المحادثات أثيرت روايات بشأن محددات ومخرجات محتملة للمحادثات، لا سيما من إسرائيل الغائبة عن الاجتماع والمحادثات التي تتكرر للمرة الثانية خلال أسبوع بالقاهرة.

وأفادت قناة «كان» الإسرائيلية، الجمعة، بأن «حماس» تشترط لأي حديث عن السلاح إنهاء الاحتلال بشكل كامل، وانسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة ورفع الحصار، رافضة الربط بين الملفات الإنسانية وإعادة الإعمار وبين المطالب الأمنية الإسرائيلية والدولية.

وبالتزامن، نقلت وكالات عن مصدر قيادي في «حماس» قوله إن «الحركة ستعرض على الوسطاء قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة، والتي تريد فيها إسرائيل و(مجلس السلام) نزع سلاح المقاومة في غزة، تنفيذ كامل البنود التي وردت في اتفاق المرحلة الأولى، وفي مقدمتها وقف الهجمات والخروقات ودخول المساعدات».

امرأة تجلس مع طفلين في حين يزحف رضيع بالقرب من خيمتهم بمخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في منطقة نهر البارد بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور حسام الدجني، قال إن الفترة الماضية شهدت فجوة لا تزال كبيرة بين الرؤى الدولية ومطالب الفصائل الفلسطينية، والزيارة الحالية تأتي لردم الفجوة الكبيرة التي نتجت منذ تسليم ميلادينوف ورقته التي سُربت لوسائل الإعلام، مؤكداً أن «رؤيته تحقق رغبات تل أبيب بشكل كامل عبر ربط كافة الملفات بنزع السلاح، دون التطرق لأي مقاربة سياسية أو أفق للانسحاب الإسرائيلي».

وأشار إلى أن «التحركات الفلسطينية الحالية تسعى لإيجاد حالة منطقية ومقبولة ضمن رؤية متكاملة تنسجم مع تطلعات السلام، دون جعل سلاح المقاومة شماعة لإفشال المبادرات، خاصة مع إصرار الجانب الإسرائيلي على اقتران تسليم السلاح بإنهاء الصراع دون مقابل سياسي حقيقي».

وشدد الدجني على ضرورة وضع رؤية متكاملة تربط حل معضلة السلاح بحل القضية الفلسطينية ككل، مع توفير ضمانات دولية لحماية الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة في ظل الانتهاكات الإسرائيلية اليومية، مؤكداً أنه «لا يمكن القبول ببدء المرحلة الثانية دون تطبيق المرحلة الأولى، كما لا يمكن قبول صورة الانتصار التي ينشدها نتنياهو والمتمثلة في تسليم المقاومة سلاحها مقابل إعادة الإعمار فقط، فهذا طرح لا يمكن قبوله فلسطينياً».

وحول غياب إسرائيل عن هذه الاجتماعات، أكد الدجني أن إسرائيل «تغيب عن الصورة، لكنها موجودة في جوهر الأحداث، وواضح تأثيرها على إطار ميلادينوف الذي لا يحمل أي التزام جاد للانسحاب».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، المختص بشؤون «حماس»، إبراهيم المدهون، أن ما يُثار في الإعلام الإسرائيلي حول اجتماع ميلادينوف مع الفصائل الفلسطينية، وحركة «حماس» تحديداً، والحديث عن رفض الحركة لما طُرح، هو طرح غير صحيح، وهو جزء من إعلام إسرائيلي يجب الانتباه له وعدم الانسياق معه.

ويرى أن حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية قدّمت رؤية واضحة لتنفيذ خطة السلام بشكل سليم، وأبدت استعداداً للالتزام بما تم الاتفاق عليه، لكن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم بالمرحلة الأولى، وهو ما يعرقل الانتقال إلى المراحل التالية، لافتاً إلى أن ميلادينوف لم يُقدّم أي خطة جديدة، بل طرح محاولات للالتفاف على جوهر «خطة السلام»، في إطار حالة من التهييج والتضليل الإعلامي.

فلسطينيون بجوار جثث ذويهم الذين قُتلوا خلال غارة جوية إسرائيلية شرق مخيم المغازي للاجئين (أ.ف.ب)

ويأتي هذا الاجتماع دون موقف معلن من «حماس» سوى حديث الناطق باسم «القسام»، أبو عبيدة، الذي أكد قبل أيام أن «طرح ملف السلاح بهذه الطريقة الفجة ما هو إلا سعي مفضوح من قبل الاحتلال لمواصلة القتل والإبادة بحق شعبنا، وهو ما لن نقبله بأي حال من الأحوال. وما لم يستطع العدو انتزاعه منا بالدبابات والإبادة، لن ينتزعه منا بالسياسة وعلى طاولة المفاوضات».

وحسب صحيفتَي «يديعوت أحرونوت»، و«إسرائيل هيوم»، فإنه حال كان رد «حماس» سلبياً فسيكون القرار بيد إسرائيل، وسيتعيَّن عليها نزع سلاح «حماس» بالقوة.

وفيما يخص إمكانية موافقة «حماس» على إطار نزع السلاح، أوضح الدجني أن الحركة قد توافق فقط في حال وجود رؤية سياسية واضحة، أما تسليم السلاح كمدخل للاستسلام فهو أمر مستبعد. وأضاف أنه «في قضية السلاح، لا قرار لـ(حماس) ولا لـ(فتح) ولا لأي فصيل بعينه، هذا قرار وطني يتحمل مسؤوليته الجميع؛ لأنه يخص أجيالاً قادمة وليس مرحلة تاريخية، والمقاومة المسلحة مشروعة بالقانون الدولي»، داعياً إلى «معالجة جذر المشكل المتمثل في الاحتلال هي السبيل الوحيدة للوصول إلى سلام عادل وشامل».

ويعتقد المدهون أن «حماس» ما زالت معنية بالحفاظ على وقف إطلاق النار، وهو ما يتطلب تدخلاً جاداً من الوسطاء، ودوراً عربياً أكثر لمنع أي تصعيد بهذه المرحلة الخطيرة، محذراً من أن أي عدوان على غزة في هذه المرحلة يُعد جريمة وتصعيداً خطيراً بحق شعب أعزل التزم بالتهدئة، وخاصة أن «حماس» فعلت ما عليها لتجنب استئناف الحرب.


حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
TT

حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)

شهد اليمن خلال الربع الأول من عام 2026 حراكاً تنموياً لافتاً يعكس تحوّلاً تدريجياً نحو مقاربة أكثر شمولية في إدارة ملف التعافي وإعادة البناء، مدعوماً بجهود السعودية، حيث لم يقتصر على تنفيذ مشروعات خدمية آنية، بل اتخذ طابعاً استراتيجياً يوازن بين تلبية الاحتياجات العاجلة وبناء أسس تنمية مستدامة، من خلال التركيز على البنية التحتية، ودعم المؤسسات، وتمكين الإنسان، وتعزيز الشراكات الدولية.

وقد جاءت الحزمة التنموية التي أُعلنت في يناير (كانون الثاني) 2026 بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي (أكثر من 500 مليون دولار) لتؤكد هذا التوجه، حيث شملت 28 مشروعاً ومبادرة نوعية موزعة على قطاعات حيوية تمسّ الحياة اليومية للمواطنين، من الكهرباء والنقل إلى الصحة والتعليم والمياه، في امتداد لجهود أوسع نفّذ من خلالها البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن 268 مشروعاً منذ عام 2018. ووفق ما أوردته تقارير الإنجاز الخاصة بالبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، كان قطاع الطاقة إحدى أبرز ركائز هذا الحراك التنموي، حيث أسهمت منحة المشتقات النفطية في تشغيل أكثر من 70 محطة توليد كهرباء في مختلف المحافظات. ولم يقتصر أثر هذه المنحة على تحسين توفر الكهرباء فحسب، بل امتد ليشمل تعزيز استقرار منظومة الخدمات العامة بوجه عام.

الدعم السعودي لليمن شمل المجالات كافّة (إكس)

فاستقرار التيار الكهربائي أسهم في تحسين أداء القطاعات الحيوية مثل الصحة والمياه والتعليم. كما ساعد في تقليل فترات الانقطاع، ورفع كفاءة المحطات التوليدية، وتحسين موثوقية الشبكة. هذا التحسن انعكس بشكل مباشر على جودة الحياة اليومية، خصوصاً في ظل الطلب المتزايد على الطاقة. كما أن انتظام إمدادات الوقود لمحطات التوليد مكّن المؤسسات الخدمية من العمل بوتيرة أكثر استقراراً، وهو ما يُعدّ عاملاً أساسياً في دعم صمود المجتمعات المحلية وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية والمعيشية.

تعزيز الاستقرار المالي

على الصعيد الاقتصادي، شكّل دعم الموازنة اليمنية بقيمة 1.3 مليار ريال سعودي (أكثر من 345 مليون دولار) خطوة محورية في تعزيز الاستقرار المالي، حيث أسهم في تغطية النفقات التشغيلية ورواتب الموظفين، وهو ما ساعد في تخفيف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. ويأتي هذا الدعم ضمن منظومة أوسع من المساعدات الاقتصادية التي تجاوزت قيمتها 12.6 مليار دولار منذ عام 2012 وحتى 2026، شملت ودائع ومنحاً لصالح البنك المركزي اليمني، بهدف تحقيق التوازن المالي ودعم استقرار الاقتصاد الكلي. هذا النوع من التدخلات يعزّز ثقة المؤسسات المحلية، ويدعم قدرتها على الاستمرار في تقديم الخدمات، كما يُسهم في خلق بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار والنمو الاقتصادي. وفي ظل التحديات التي يواجهها الاقتصاد اليمني، يمثّل هذا الدعم ركيزة أساسية في مسار التعافي التدريجي.

عشرات المشروعات في اليمن أُنشئت بتمويل سعودي (إكس)

كما شهد قطاع البنية التحتية تطورات مهمة من خلال مشروعات استراتيجية مثل استكمال مراحل جديدة من طريق العبر، ورفع كفاءة مطار عدن الدولي. وتبرز أهمية هذه المشروعات في تعزيز الربط الجغرافي لليمن مع محيطَيه الإقليمي والدولي، وهو ما يُسهم في تنشيط الحركة التجارية وتسهيل التنقل. فالطرق والمطارات لا تُعدّ مجرد مشروعات خدمية، بل تمثّل شرايين اقتصادية تُسهم في تحريك عجلة التجارة، وتدعم التكامل مع الأسواق الإقليمية والدولية. كما أن تحسين البنية التحتية يُسهم في جذب الاستثمارات، وخلق فرص عمل، وتعزيز النمو الاقتصادي على المدى الطويل.

الاستثمار في الإنسان

إلى جانب البنية التحتية، يحظى الاستثمار في الإنسان بأولوية واضحة، حيث شهد قطاع الصحة دعماً نوعياً شمل بناء المستشفيات وتشغيلها، وتوفير الأجهزة الحديثة، وتأهيل الكوادر الطبية. ومن أبرز هذه التدخلات التشغيل الكامل لمستشفيات سقطرى وشبوة والمخا، ما أسهم في تحسين جودة الخدمات الطبية وتوسيع نطاق الوصول إليها. كما عزّزت هذه الجهود جاهزية المؤسسات الصحية للتعامل مع الحالات الطارئة والحرجة، وهو ما يُعد عنصراً حيوياً في ظل الظروف الإنسانية المعقدة التي تشهدها البلاد.

وفي قطاع التعليم، برزت مبادرات تهدف إلى دعم استقرار العملية التعليمية والتوسع في التعليم الفني والتدريب المهني، بما يتماشى مع احتياجات سوق العمل. وشملت هذه الجهود توقيع اتفاقيات لبناء مدارس نموذجية في عدد من المحافظات، بالإضافة إلى مشروعات تستهدف تعزيز تعليم الفتيات في المناطق الريفية. وقد أسهمت هذه المبادرات في تقليص فجوة المهارات، وتمكين الشباب، ورفع معدلات الالتحاق بالتعليم، خصوصاً بين الفتيات، مما يعزّز من فرص التنمية البشرية على المدى الطويل. إلى ذلك، لم تغفل الجهود التنموية الجانب المجتمعي، حيث شملت دعم قطاع الرياضة والشباب من خلال تنظيم بطولات رياضية في عدد من المحافظات، ما أسهم في تنشيط الحركة الرياضية واكتشاف المواهب.

كما تضمّنت المبادرات حملات لتحسين المشهد الحضري، ودعم الأنشطة الثقافية، مثل الاحتفاء بيوم اللغة السقطرية، وهو ما يعزّز الهوية الثقافية ويقوي الروابط الاجتماعية.

ويُظهر هذا البعد اهتماماً ببناء مجتمع متماسك وقادر على المشاركة في عملية التنمية، حيث يُعدّ الشباب محوراً أساسياً في أي مشروع تنموي مستدام.

الشراكات الدولية

يُلاحظ بوضوح تصاعد دور الشراكات الدولية في دعم الجهود التنموية، من خلال التعاون مع منظمات دولية، مثل «اليونيسكو» والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي. وتعكس هذه الشراكات تكاملاً في الأدوار، حيث تُسهم في تعزيز قدرات المؤسسات اليمنية وتوسيع نطاق التدخلات التنموية.

ومن أبرز هذه الشراكات مشروع تعزيز الأمن المائي في محافظة مأرب، الذي يأتي بوصفه أول ثمرة للتعاون بين البرنامج السعودي والاتحاد الأوروبي، ويستهدف تحسين الوصول إلى المياه في عدد من المناطق، بما يُسهم في تعزيز الأمن المائي وتحسين سبل العيش. كما امتدت التدخلات لتشمل القطاع الزراعي، من خلال مشروعات تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي وتحسين دخل الأسر، إلى جانب دعم مشروعات المياه والإصحاح البيئي، وهو ما يعكس نهجاً متكاملاً في معالجة التحديات التنموية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended