مصور مصري يحتفي بوجوه قبائل «وادي أومو» في إثيوبيا

مصور مصري يحتفي بوجوه قبائل «وادي أومو» في إثيوبيا

الاثنين - 24 شعبان 1440 هـ - 29 أبريل 2019 مـ رقم العدد [ 14762]

قطع مسافات طويلة، وعبر أنهاراً ومخيمات، وتنقل بسيارات مجهزة للطرق الوعرة، في مغامرة تعرض خلالها للحظات صعبة في أجواء غريبة وفريدة. إنه الفوتوغرافي المصري عمر هيكل الذي خاض رحلة استكشافية محفوفة بالمخاطر في قلب إثيوبيا، وتحديداً في «وادي أومو» الذي صُنّف موقعاً للتراث العالمي لليونيسكو في عام 1980. حيث العديد من القبائل التي لاتزال تحتفظ بحياتها البدائية منذ آلاف السنين.

سجل عمر الكثير من تفاصيل هذه الحياة التي قد نظنّ أنّها اندثرت، ولم يعد لها وجود في عصرنا الحالي، ليخرج بتجربة جديدة ومجموعة كبيرة من الصور الاحترافية النّادرة التي توثّق عادات وتقاليد وطقوس تلك القبائل، من ثمّ استبعد كل تلك الصور في معرضه المقام حالياً بغاليري «ArtTalks» «أرت توكس» في حي الزمالك بالقاهرة، تحت عنوان «رحلة إلى قلب وادي أومو في أفريقيا»، ليقدم لنا صوراً تتماهى مع رؤيته الفلسفية للعالم وشعوبه.

فقد انتقى عمر بعناية وعن عمد من بين كل الصور التي التقطها مجموعة تعكس روح أبناء هذه القبائل ومشاعرها، وتؤكد أنّه مهما بلغ اتساع مساحة الاختلاف والخلافات بين شعوب العالم فإنّ ثمة رابط قوي وأبدي يجمعها، وهذا الرابط هو إنسانيتها، ثم قرر أن يشارك الجمهور الإحساس الجميل بهذه الإنسانية عبر معرضه المستمر حتى 5 مايو (أيار) المقبل، بعنوان «رحلة إلى قلب وادي أومو في أفريقيا».

يصف الفنان رحلته إلى منطقة نهر أومو الملتوي كالثعبان من فوق مرتفع مسطح محاط بوادٍ ضخم يحمل الاسم ذاته، وتحيط به من جميع الجهات أراض شاسعة ذات مناظر طبيعية خلابة، بأنّها «ليست أقل من رحلة سحرية إلى الماضي في الوقت المناسب».

ويوضح في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «يقع الوادي في جنوب غربي إثيوبيا، وأثبتت الأبحاث العلمية أنّه يساهم بشكل كبير في الدراسات الأثرية والجيولوجية، والأنثروبولوجية، والبيولوجية والبيئية، وأهميته في دراسة التطور البشري».

ويتابع: «تقطنه مجموعة قبائل، عندما عشت بينها لمدة 12 يوماً، شعرت من فرط بدائية الحياة عندهم وخلوها من ملامح الحضارة، وكأنّني عدت إلى الوراء آلاف السنين»، ويقول: «خلال الزيارة تأكّد لي، أنّ الوقت كان ملائماً تماماً للزيارة، لأنّ هناك مخاوف من اندثار هذه الحياة حيث يتعرض الوادي لتهديد عمليات الاستيلاء على الأراضي الضخمة، ومخاطر بناء 3 سدود جديدة على النهر».

لا ينكر عمر خبير التسويق وإدارة الأعمال الذي عشق التصوير الفوتوغرافي، وحصل على دورات متخصّصة إلى جانب دراسته الأكاديمية في جامعة بوسطن الأميركية، تأثره بالطقوس والتقاليد المذهلة في المنطقة، من أبرزها طقوس البلوغ والقفز، إذ يقوم الفتى الذي يستعد لمرحلة توديع الطفولة والدّخول لعالم الرجال بالقفز على أكثر من 15 إلى 20 ثوراً أو جاموساً، وعندما ينجح في قفزته تقوم الفتيات بإعطائه أعواداً من الخيزران، ليضربهن بها حتى الإدماء، بينما تتوافد حوله فتيات القبيلة الرّاغبات في الزواج منه، فيضرب من تستهويه منهن على ظهرها ليبين حبه لها أو رغبته في الزواج منها».

لكن رغم غرابة هذه الطّقوس وغيرها، وتحفيزه على التقاطها كفوتوغرافي، فإنّ اهتمامه الأكبر بقي للوجوه وأصحابها، فعبر الصور التي يضمها المعرض نلتقي بوجوه تنطق بنظرات ذات نفحات غنية لأفراد ينتمون إلى قبائل مختلفة، منها «كارو» «وهامر» و«أربور»، و«المورسي».

لا تخرج صور المعرض عن «الشق الإنساني» الذي يحرص عمر على إظهاره في أعماله، فهي تأتي لتؤكد رؤيته بأنّ كل البشر يشبهون بعضهم بعضاً. يقول: «في أي منطقة في العالم لدى النّاس كلها المشاعر نفسها... الصدق والسعادة والحزن والسيطرة والحب والحنان، والأمل واليأس، وغير ذلك، كما أنّ هناك الأب والأم والأبناء والأصدقاء والجيران، ويضيف: «نعم هناك الكثير من التعدد بين الشّعوب في العادات والتقاليد والثقافات، لكن في النهاية هناك شيء يربطنا جميعاً، وهذا الشيء هو إنسانيتنا، وهو ما أردت أن أعبّر عنه من خلال الصور الفوتوغرافية». ولذلك تستدعي الصور تلك التعابير الإنسانية المختلفة مثل الكرامة والكبرياء والرضا والتحدي والرّفض، وأحياناً يصلك من خلالها صدق مقولة الأديب الأميركي ويليام هنري «العيون قد تهتف بما تخشى الشّفاه أن تتفوه به».

وتستوقفك لدى غالبية الشّخصيات المصورة، نظراتهم فائقة التركيز، ومن الواضح أنّ الفنان تعمّد أن يوقف الأشخاص في وضعية التصوير التقليدية، في تقليد فني عتيق يعتمد على التصوير بشكل مواجهٍ للكاميرا، كجزء من التقاليد الكلاسيكية لفن البورتريه، وكنوع من التقدير والتكريم الاحتفالي للشّخوص، فرغم اختلافهم الشّاسع عن سائر الشّعوب فإنهم يستحقون الاحترام ذاته.

يقول عمر: «عندما تصور شخصاً وجهاً لوجه وينظر إلى عينيك عن قرب، تستطيع أن تشعر به وبإنسانيته، وكان ذلك هدفي منذ البداية». ويتابع: «أردت أن أنقل ذلك، وأن أحقّق الاتصال بيني وبين الأفراد، لأنقل ذلك كله إلى المتلقي، ليشعر بروحهم الحاضرة بقوة في الصور رغم بعد المسافات».

وإلى جانب المشاعر الدفينة تقدم الصور خلسة ما يشبه الأرشيف المرئي والعوالم الجمالية للقبائل، التي يخشى عليها الفنان من الاختفاء، مثل طلاء أبناء قبيلة المورسي أجسادهم بألوان تستخرج من الطين والمواد الطبشورية المستخرجة من الجبال، وقص شعر رؤوسهم بطرق غير مألوفة، كما تشتهر نساؤهم بوضع قرص دائري في الشفة السفلية، والتزين بقلائد حديد ثقيلة يعلقنها في الأذن، بينما يقوم المنتمون لقبيلة «الكارو» بتزيين وجوههم وأجسادهم ببعض التصاميم المعقدة بالطبشور الأبيض، وبعض المواد ذات اللون كنوع من التجمل للنساء، وليشعر أيضاً أبناء القبائل المعادية بالخوف والرهبة تجاه الرجال، بينما تظهر أجساد شخوص قبيلة «الهامر» باللون الأحمر القاني المستمد من الطين الطبيعي الممتزج بشحوم ودهون نباتية وحيوانية ومواد طبيعية أخرى.


مصر Arts

اختيارات المحرر

فيديو