السير الذاتية وسجالاتها عند ثلاثة كتاب عرب

السمة الأكثر وضوحاً تتجلى في التركيز على كشف السجالات والمواقف

السير الذاتية وسجالاتها عند ثلاثة كتاب عرب
TT

السير الذاتية وسجالاتها عند ثلاثة كتاب عرب

السير الذاتية وسجالاتها عند ثلاثة كتاب عرب

ما الذي يميز المثقفين العرب عن غيرهم من الشرائح الأخرى عند كتابتهم سيرهم الذاتية؟ أعتقد أن الإجابة عن ذلك لن تكون في قدرتهم على صياغة الأبنية السردية فحسب، وليست في اختيار الموضوعات الأكثر جدارة بالكشف، ولن تأتي في تبيان ما يمكن تأمله من تجاربهم الحياتية، إن السمة الأكثر وضوحا تتجلى في تركيز تلك الكتابات السيرية على كشف السجالات والمواقف التي لا مناص من وجودها، ولا عوض عن ذكرها؛ لتبدو مثل (إكسير الحياة) لتلك الكتابة المطبوعة بوعي ثقافي راق في التعامل مع الأقران دون إسفاف، اعتمادا على الإيمان بدور الاختلافات الفكرية لا الشخصية في صياغة الكتابة وترسيخ التلقي.
تستعيد ثلاث تجارب كتابية في السيرة الذاتية لمثقفين عرب ذلك البعد السجالي السابق ذكره، وهي «الذات بين الوجود والإيجاد» للمغربي بنسالم حميش عن المركز الثقافي للكتاب 2019. و«الشاهد المشهود: سيرة ومراجعات فكرية» للفلسطيني وليد سيف عن الأهلية للنشر 2016، و«سيرة الوقت: حياة فرد... حكاية جيل» للسعودي معجب الزهراني عن المركز الثقافي للكتاب 2019. ومع أهمية هذه الكتب الثلاثة في التعبير عن مشهد الكتابة السيرية العربية المعاصر، فإن تركيزنا سينصب على السجال بوصفه بؤرة اهتمامها وأبرز مصادرها، إلى جانب ذلك الاتفاق الواضح الذي تحمله عنواناتها على ربط الخاص بالعام والفردي بالجمعي.
يؤكد حميش في كتابه العلاقة المتلازمة بين مسارين اثنين: (الوجود)، المفردة المتكئة على أبعادها الصوفية والفلسفية تأثرا بعدد من روادهما، و(الإيجاد)، المفردة المفعِّلة ما تضطلع به الذات في صراعها مع الشؤون الحياتية والفكرية المختلفة، وتدعم الأول منهما إشراقات واسعة من المؤلف على شظايا الفكر الصوفي والفلسفة الوجودية المتمثلة في كتبه التي يتطرق إلى بعضها، أو الكتب الأكثر أهمية في تشكيل وعيه من كلا التيارين؛ ولذلك كان الكتاب يحمل من معظم الفنون طرائف مفيدة ومهمة.
تبلورت في الجزء الأول من العمل المتصل بتفاصيل مراحل العمر المبكرة الجوانب الإبداعية المتكئة على خبرة فنية للمؤلف، وفي الجزء الآخر المتصل بالقضايا الفكرية الأبعاد السجالية المكتسبة لدى الأكاديمي الناقد، واتسمت بصياغة مواقف قطعية واضحة لا تحتمل الشك، داعما ذلك بثقافة ومعرفة واسعتين، وبخبرة وحنكة في الإدارة. ونظرا لأهمية القضايا المعالجة فإن العمل يحمل العمق المعرفي، الذي يستدعي إعادة القراءة والتفاعل معه.
يستهل المؤلف بتفاصيل عن المكان وحياة أبويه، ومن ثم الانتقال إلى طفولته، وعلاقته بأسرته: الأب والأم والأخ الأكبر، وعلاقاته بفتيان الحي من حوله، ثم دراسته في المغرب وفرنسا، وزواجه، وأعماله التجارية. ويشكل هذا الجزء ثلث العمل تقريبا، غلبت عليه مرحلة الشباب الأولية. ويضم الجزء الآخر، وهو الأكثر أهمية، الجانب التكويني للمؤلف الممزوج بالفلسفة والتصوف ودرسي اللغة والهوية وغير ذلك، وتبدو السيرة هنا سيرة فكرية بامتياز شملت تناوله لأعماله الروائية وتسويغه الاشتغال على التوظيف التاريخي للرواية، وتناول شعرية الرواية وتقنياتها من زاوية نقدية.
كتب المؤلف بطريقتين تلائمان المسارين اللذين أشير إليهما أعلاه، في الأول غلب جانب السرد القصصي على العمل، وكان متباعدا فيه عن الخطية (الكرونولوجية)، ولكنه ظل في إطار السرد المتصل بالقضايا المعتادة: الطفولة، الشباب، الدراسة، الزواج، العمل. كانت اللغة هنا لغة كتابة روائية ميسرة، ومتباعدة عن التكثيف المجازي. أما الآخر فقد غلب عليه السجال الذي أرغم عليه نتيجة تناوله النقدي لأعمال غيره، وكذلك حواره مع مثقفين آخرين مثل: أدونيس ويوسف زيدان وغيرهما، وكانت اللغة هنا لغة كتابة مقالية خاضعة لمبدأ إعمال الفكر، ومطارحة السجال. ويميز هذا المسار من الكتاب احتواؤه على اقتباسات من مؤلفات أخرى آمن المؤلف بأهميتها ونجاعتها في حياته.
ومن سمات هذا الكتاب أنه يقدم رؤية فكرية لا تحتمل المواربة؛ فهو ممتلئ بوطنية عميقة، وقومية ناضجة، كان من أبرز أولوياته الدفاع عن حقوق الوطن والأمة المستلبة، ولذلك كانت ارتهاناته المتكررة إلى أطروحات إدوارد سعيد بوصفها مداخل منهجية لدعم أطروحته.
شُيدت سيرة سيف في خطاطات نقدية وفكرية متأثرة بشخصية كاتبها، وتكمن أهميتها في كونها تمثل تاريخا مهما للقضية الفلسطينية، وتمثيلا لمعاناة أحد أبنائها وترحلهم من مكان إلى آخر، كما تشمل التركيز على الصراع العربي الإسرائيلي ومراوحاته بين الهزائم والصلح، وكتبت في جانبها البنائي في قوالب سردية امتزجت برؤى نقدية تعالج قضايا متصلة بالشعر والقص والدراما، وأخرى فكرية سجالية تتصل بمراجعات تستند إلى التاريخ والدين والأنثروبولوجيا، وتطمح إلى معالجة مشكلات وجودية يعاني منها الإنسان العربي في واقعه وعلاقاته بالآخر، ولعل أبرز ملامح هذه السيرة في بنائها السردي عدم انتظام زمنها، وتنوع الضمائر وكثرة الاسترجاعات، وإشراكها القارئ بوصفه حاضرا في مقاطع منه، ومحاولة فرض حياديتها، من جانب المؤلف، في أقل تقدير، ويحسب لهذا العمل استحضاره الدائم للقارئ ومخاطبته مباشرة، بوصف ذلك أحد مداخل الإقناع لا سيما في القضايا السجالية المطروقة.
كتب العمل بلغة أدبية تستلهم روافد إبداعية أربعة، شكلت شخصية المؤلف وهي: الشعر، والدراما، والسينما، واللغة البحثية الأكاديمية؛ فكان الشعر متناسبا مع كتابات متصلة بموضوعات عاطفية كالحب والوطن، وكانت الأكاديمية مناسبة للكتابات المتصلة بالجانب العلمي والتحليلي، وكانت الدراما والسينما مؤثرتين في وصف الأماكن وتفاصيلها.
في كتابة شفافة يقدم الزهراني سيرته الذاتية؛ إذ لم يشغله البناء التقليدي فيها، ولكنه حرص على تقديم نفسه من نافذتين: إحداهما شخصية، والأخرى فكرية، وبدت الأخيرة أكثر حضورا؛ ويرتهن ذلك إلى أن المؤلف أراد أن يقدم نفسه من النافذة التي عُرف بها، وهي الغالبة على الكتاب، ولعل ما يميز هذه السيرة عن سابقتيها جرأتها على الكشف في كلتا النافذتين المستهدفتين. جاء العمل مزيجا من سيرة بسيطة وسيرة فكرية بدت أكثر عمقا، وفي كلتيهما تجلت محطات سجالية، استهلت بالشخصي ومن ثم الانتقال إلى حكاية جيله وسجالاته المعروفة مع التيارات المناوئة؛ على سبيل المثال: كان الجزء المتصل بالجامعة بيانا عن تجربة شهدها الزهراني مع أكاديميين بارزين ضد مواقف تيار متشدد حاول السيطرة على البيئة الأكاديمية وإخضاعها، إلى جانب إشارات وآراء نقدية متصلة بتجارب عربية معروفة، وقد ولدت تلك الإشارات نتيجة بذور سجالية سابقة؛ لكنها قُدمت في لغة أدبية سلسة لا تخلو من طرافة أحيانا.
ولعلنا هنا نعود لنؤكد أن الخطاب السجالي في سير المثقفين الذاتية كان حاضرا بقوة منذ القرن الماضي، إلا أن تلك الأعمال الثلاثة أوصلت ذلك الخطاب إلى ذروة مرحلة نضج تتباعد عن الادعاء والتمويه، وتنتمي إلى جيل استجاب لهموم الفكر وسلطة الإبداع.
- كاتب سعودي



مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended