هل هو صراع أحزاب تقليدي أم صراع ثقافي؟

انتخابات اتحاد أدباء العراق

ألفريد سمعان أمين عام سابق
ألفريد سمعان أمين عام سابق
TT

هل هو صراع أحزاب تقليدي أم صراع ثقافي؟

ألفريد سمعان أمين عام سابق
ألفريد سمعان أمين عام سابق

أتذكّر الآن، وأنا أشاهد جمع الأدباء العراقيين وهم يخوضون انتخاباتهم لاختيار قيادة جديدة لإدارة اتحاد الأدباء، وذلك يوم الجمعة المصادف 26/ 4/ 2019، تلك اللحظة التي دخلتُ فيها إلى اتحاد الأدباء، عام 1996، حيث لم يتجاوز عمري وقتذاك العشرين عاماً، وقد كانت لحظةً تداخلت فيها الرهبة والرغبة؛ الرهبة من المكان، ومن السطوة القاسية على كل شيء، والرغبة الجامحة لشاعر شاب يحلم بأن يقف على منصة الجواهري، الذي كان محرَّماً ذكرُه في ذلك الوقت.
وقد دارت هذه الأيام رحى صراعات باردةٍ وحاميةٍ في بعض المرات بين أدباء العراق، فيما بينهم، وذلك للسيطرة على إدارة وقيادة الاتحاد، ذلك الاتحاد الذي أسسه «الجواهري الكبير»، وكان كبار العراق معه من شعراء، ونقاد، ومفكرين، ولغويين، كمهدي المخزومي، وعلي جواد الطاهر، والسياب، وعبد الرزاق عبد الواحد، وسعدي يوسف، والغبان.
بقي الاتحاد خيمةً للأدباء العراقيين كما نسمع من أحاديث الكبار، إلا أن هذه الخيمة مزقتها فيما بعد عواصف الأحزاب، وعصفت بها الآيديولوجيا، فالقوميون يعتقدون أنّ اتحاد الأدباء في نهاية الخمسينات وبداية الستينات تابعٌ أو جزءٌ من منظومة الحزب الشيوعي العراقي، لذلك لجأ البعض من أدباء الستينات إلى تأسيس منتدى أدبي يقف بالضد من الاتحاد، وكان مقره في الأعظمية، وقد مرّت مسيرة الاتحاد بمجموعة من التوقفات والتعثرات، حيث الصراعات السياسية تقف في مقدمة تلك التوجهات، فلا أظن أن هناك صراعاً ثقافياً أو جدلاً معرفياً وفكرياً مهماً أدى إلى خلافات عميقة في الاتحاد، لا سابقاً ولا حالياً.
استعاد الاتحاد عافيته في السبعينات بعد عودة الجواهري من مغتربه في براغ، وبعد السيطرة شبه الشاملة لحزب البعث على مقاليد السلطة في العراق، توجهت أنظارهم لاتحاد الأدباء ليكون إحدى واجهات الدولة، حتى إنَّهم شرَّعوا قانوناً للاتحاد جعلوا من رئيسه (الجواهري) أشبه بالواجهة فقط، وحوَّلوا الصلاحيات إلى الأمين العام، الذي كان يشغله الشاعر شفيق الكمالي، وكأنَّ قانون الاتحاد فُصِّل على مقاس الشخصيات التي كانت موجودة في المشهد الثقافي والسياسي، وهي أشبه بالمحاصصة، الرئيس محسوب على اليسار بلا صلاحيات، والأمين العام بعثي بصلاحيات كاملة، وكان ذلك في عام 1972، وبهذا أحكم حزب البعث قبضته على اتحاد الأدباء، خصوصاً بعد عودة الجواهري إلى منفاه الجديد، نهاية السبعينات، وبهذا تخلص البعث من الجواهري، وبقي مهيمناً على إدارة الاتحاد، وعلى اختيار قيادته حتى لحظة 2003.
ربما حدثت بعض التشققات بالجدار الذي صنعه حزب البعث، حيث جعل من اتحاد الأدباء تابعاً للمكتب المهني في قيادة حزب البعث، ومسؤول المكتب المهني كان هو مَن يختار رئيس الاتحاد، وقيادته بشكل عام، من خلال توجيهات مباشرة، وغير مباشرة، وقد أورد عدد من قيادات الاتحاد ما قبل فترة 2003 تصريحات بهذا الشأن، والشاعر جواد الحطاب على سبيل المثال أورد في مدونته الشخصية على «فيسبوك» مقالاً يبين فيه هيمنة المكتب المهني لحزب البعث، وسطوته في اختيار مَن يرغبون به، وطرد من يختلف معهم ولو قليلاً.
أقول: حدث بعض الصدع في الاتحاد أيام الانتخابات فقط، وكان ذلك في بداية التسعينات، وصعود نجم عدي صدام حسين، ومحاولةً منه لمدّ أذرعه، والهيمنة على المفاصل غير الحكومية للدولة، كاتحاد الشباب، واتحاد الطلبة، واتحاد الكرة، واللجنة الأولمبية، ونقابة الصحافيين، وتأسيس التجمع الثقافي، للهيمنة على اتحاد الأدباء، ومع هذا كان حزب البعث أقوى من عدي صدام حسين، إذ لم يستطع عدي في آخر دورة للاتحاد، على ما أذكر 1998 أو 1999، من فرض الشخوص الذين كان يرغب عدي بتوليهم قيادة الاتحاد، ذلك أن حزب البعث كان ينظر إلى عدي وأتباعه بما يشبه النظرة العدائية، رغم خوفهم من بطشه، لهذا بقي حزب البعث قابضاً على قيادة اتحاد الأدباء، على الرغم من تولي جيل الثمانينات إدارة وقيادة الاتحاد في أواسط التسعينات، حيث تولى رعد بندر رئاسة الاتحاد، وجواد الحطاب الأمانة العامة، وبقية الشباب في ذلك الوقت المكتب التنفيذي، كخالد مطلك ومنذر عبد الحر وهادي ياسين وآخرين.
وعلى الرغم من صعود نجم رعد بندر وقربه من صدام حسين، فإن توليه رئاسة الاتحاد كان ضربة للمكتب المهني في ذلك الوقت، وصعوده جاء بخلاف إرادة حزب البعث، ولكن حزب البعث لملم أوراقه سريعاً، وهجم بقوة ليعيد سيطرته على الاتحاد ولدورتين أو ثلاث بعد تلك الدورة وحتى 2003، ولم تنجح كل محاولات الشعراء والأدباء في ذلك الوقت في كسر سطوة المكتب المهني على اتحاد الأدباء، كمحاولة الشاعر لؤي حقي المقرب من صدام حسين، ومحاولات أدباء آخرين نزلوا بقوائم مضادة لحزب البعث، لكنهم فشلوا في آخر المطاف، حتى حلت لحظة تحشيد الأميركان لاحتلال العراق، حيث أتذكر أن أحد أعضاء المكتب التنفيذي في ذلك الوقت، وكان شاعراً، كان يصرخ في باحة اتحاد الأدباء قبل دخول الأميركان بأيام: «لو ذهب صدام حسين لقُضي علينا جميعاً»، وكان يقول هذه العبارة: «وين نروح؟!»، وبالفعل بعد 2003 لم يبقَ أي من قيادات اتحاد الأدباء، بحيث ذاب الجميع، مما اضطر عدداً من الأدباء غير المنخرطين في أي مسؤولية في الاتحاد إلى الحضور لمبنى الاتحاد في أول أربعاء بعد 9/ 4/ 2003، والمحافظة على ما تبقى من الاتحاد، والدعوة لتشكيل مجلس إدارة مؤقت، لإدارة الاتحاد، وكان معظم تلك القيادات من الإسلاميين الذين لم يغادروا البلاد، ولم يدخلوا بصراع مع حزب البعث في الوقت ذاته، حيث طُلب من الشاعر محمد علي الخفاجي أنْ يترأس هذه الإدارة المؤقتة، فرفض وقتها، وأوكل الأمر إلى القاص حميد المختار ومجموعة من الأصدقاء لتسيير أمور الاتحاد، أذكر منهم الشاعر والناقد فائز الشرع، والشاعر حسن عبد راضي، والشاعر نعمان النقاش (رحمه الله)، الذي بذل جهداً كبيراً في تلك الفترة لإدارة الاتحاد.
وبقي الاتحاد تقريباً سنة تحت هذه الإدارة التي مرت بمشكلات، وبنجاحات أيضاً، حتى دُعي إلى انتخابات عامة حضرها معظم الأدباء العراقيين، وانتخب مجلس مركزي جديد، وانتخب الناقد عناد غزوان رئيساً للاتحاد، وبقي بحدود شهرين في رئاسة الاتحاد حتى وافته المنية، ومن بعدها انتخب فاضل ثامر رئيساً للاتحاد، وألفريد سمعان أميناً عاماً وبقوا حتى انتخابات 2016، حيث تغير المشهد، وانتخب ناجح المعموري رئيساً، وإبراهيم الخياط أميناً عاماً، وقد استطاعت هذه الدورة التواصل مع معظم الأدباء العراقيين، كما أنها اشتغلت على بنية الاتحاد التحتية من قاعات، وغرف، وحدائق، وبنية الاتحاد الثقافية من مؤتمرات، ومهرجانات، وندوات على مدار الأسبوع، بحيث لا يخلو يوم من الأسبوع إلا وكان هناك نشاط لاتحاد الأدباء من قبل أحد منتدياته، التي تنوعت بتنوع الثقافة ومفاصلها.
لستُ هنا بصدد محاكمة الاتحاد، أو سرد سيرته الذاتية، ومكانته في المجتمع العراقي، ولكن الواقع أن اتحاد الأدباء في العراق بقي صوتاً مختلفاً عن معظم النقابات والمنظمات، ذلك أن صوته النقدي المعارض للسياسة المتخبط لعراق ما بعد 2003 حرمته كثير من الامتيازات، وبقي مؤسسة محرومة من الدعم الحكومي، ومع هذا بقي الاتحاد يقاوم وبقوة لإدامة نشاطاته الثقافية، ولكن بقي متهماً طيلة فترة ما بعد 2003 بأن الحزب الشيوعي استطاع أنْ يهيمن على الاتحاد مرة أخرى، وهو اتهام قد يكون فيه شيء من الحقيقة، ولكن الهيمنة ليست من الحزب الشيوعي، كحزب، وإنما من الأدباء الشيوعيين النشطين في الساحة الثقافية، أما الأحزاب فلا تملك سطوة كبيرة يمكن أن تفرضها على مؤسسات عريقة كهذه، هذا إذا عرفنا أن الدولة سحبت أياديها من الاتحاد سلباً وإيجاباً، فلا رقابة، ولا سطوة، ولا سيطرة، ولا دعم مادي في الوقت نفسه، فالأحزاب الإسلامية تتوجس من علاقتها بالاتحاد، وتتصوره عبارة عن مشرب للخمر فقط، فيما ابتعدت بقية التنظيمات عن الدخول في معمعة الاتحاد، وصراعاته الثقافية، وبهذا حقق الاتحاد شيئاً مهماً من استقلاليته. وها هو فضاء الديمقراطية المعقول في هذه الفترة يفرز قيادات ثقافية دون وصايا سوى كبيرة وملزمة، إنما اختلطت الأسماء والاختيارات والتوجهات المتضاربة في عدد كبير من أوراق الناخبين الأدباء، وهذا في حد ذاته مكسب ثقافي مهم، قد يجيب عن السؤال الذي وضعناه عنواناً فرعياً لهذه المقالة.



جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.