بريطانيا تعيد الحدود الشرقية إلى قبضة الجيش اللبناني

عبر مشروع أبراج المراقبة والمراكز المتقدمة... وتجهيز وتدريب أفواج الحدود البرية

بريطانيا تعيد الحدود الشرقية إلى قبضة الجيش اللبناني
TT

بريطانيا تعيد الحدود الشرقية إلى قبضة الجيش اللبناني

بريطانيا تعيد الحدود الشرقية إلى قبضة الجيش اللبناني

مع تسليط الضوء أخيراً على حدود لبنان الجنوبية والشرقية، أحكم الجيش اللبناني قبضته على عشرات الكيلومترات من الحدود اللبنانية الشرقية مع سوريا، وسط استمرار الجدل الداخلي حول إعادة اللاجئين السوريين إلى الأراضي السورية، ولو قبل التسوية السياسية، وأيضاً بعد سنوات من التفلّت الحدودي نشطت خلالها عمليات التهريب بكل أنواعها من سوريا، وتسرب منها مقاتلون متطرفون وصلوا إلى بلدة عرسال الحدودية في عام 2014، وأقاموا في جرودها وجرود القاع ورأس بعلبك في مراحل أخرى. ولقد تمكّن الجيش من تنفيذ مهمته، بعد تمكينه بدعم بريطاني ساهم في تدريب آلاف العناصر والضباط. وتم بناء 39 برجاً للمراقبة وعشرات المراكز العسكرية المتقدمة، كما أخضع كامل الشريط الحدودي الممتد من نقطة المصنع جنوباً، وحتى جرود القاع في أقصى شمال شرقي لبنان، للمراقبة الدائمة، بينما يعمل الجيش على وصل مراكزه بشبكة طرقات تسهّل التعمق في الجرود والتحرك فيها.
وفي حين بات القسم الأكبر من الحدود الشرقية بقبضة الجيش، وتحديداً في المنطقة الواقعة شمال نقطة المصنع الحدودية مع سوريا، وتمتد على أكثر من 100 كيلومتر، بقيت المنطقة الواقعة في جنوب نقطة المصنع بمنطقة البقاع الغربي، متفلتةً، بحسب ما تقول مصادر ميدانية، علماً بأن هذه المنطقة لم تُثبَّت فيها أبراج المراقبة البريطانية بعد. وتُوصَف المنطقة بأنها «خط التهريب الفاعل في هذا الوقت»، حيث يُستخدم لتهريب الأشخاص والتبغ من سوريا، وهو ما تتقصاه القوى الأمنية والعسكرية اللبنانية وتلاحق المهربين وتوقفهم، وتعمل لإغلاق الحدود بشكل نهائي فيها.

مع تدحرج الكرة السورية نحو الحرب، وتوسّعها، بدأت التحذيرات الغربية من تمدد الحرب إلى الداخل اللبناني، وبدأ العمل جدياً على تمكين الجيش اللبناني من ضبط الحدود. وشهدت تلك الفترة ظهوراً لتنظيمات متطرفة، استطاعت في عام 2013 التقدُّم إلى بلدة رأس بعلبك، واختطاف مواطنين مدنيين فيها.
يومها، بدأ تنفيذ خطة عملية لضبط الحدود، تقوم على عمل مواءمة بين الإجراءات العسكرية والحرب الاستباقية التي يمكن أن تكشف عمليات التسلل قبل وصول المتطرفين إلى المناطق الحضرية، وتجسّدت في بناء 12 برجاً للمراقبة جهزتها الحكومة البريطانية، واستخدمها الجيش اللبناني للدفاع عن الحدود الشرقية، وبدأ تثبيتها في عام 2013. ويقول مواكبون لتلك الحقبة إن السفير البريطاني الأسبق في بيروت توم فليتشر كان راعي مشروع لحماية المناطق الحدودية من هجمات محتملة إلى الداخل اللبناني.
ولقد أعلن عن المشروع بعد تنفيذه، وساهمت الأبراج التي تمتد من شمال الحدود الشرقية بمحاذاة منطقة البقاع الشمالي وصولاً إلى بلدة عرسال، في وقف تقدم تنظيمي «داعش» و«جبهة النصرة» اللذين وصلا إلى بلدة عرسال في أغسطس (آب) 2014. وتوسع العمل بالأبراج لضبط كامل الحدود، بموازاة تدريبات وتجهيزات بريطانية قُدمت للجيش اللبناني، ومن ضمنها إنشاء أفواج الحدود البرية التي انتشرت وتكفلت بحماية المنطقة.
بعد الإعلان عن المشروع، تبيّن أن هناك التزاماً بريطانياً بضبط الحدود الشرقية، وتمكين الجيش اللبناني من بسط سيطرته على كامل المنطقة. وجرى التعبير عن هذا الالتزام، من خلال زيارات لمسؤولين بريطانيين تعاقبوا إلى لبنان لمتابعة مشروع تشييد الأبراج وضبط الحدود. وحضر وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية هيو روبرتسون إلى لبنان حيث اطلع على سير عمل بناء 12 برج مراقبة للحدود.
يُذكر أنه سبق تشييد الأبراج، دعم بريطاني للجيش عبر تقديم تجهيزات ومعدات عسكرية جرى تسليمها إلى ألوية الحدود البرية، من ضمنها آليات ودروع للأفراد وأجهزة لا سلكية وسواتر دفاعية وكاميرات مراقبة بعيدة المدى، وذلك بهدف منع ورصد وضرب كل العمليات غير الشرعية عبر الحدود.

10 سنوات من الدعم

منذ عام 2012، تقدّم بريطانيا برنامجاً «لتدريب وتجهيز وتوجيه» أفواج الحدود البرية الأربعة للجيش اللبناني ولتقديم التدريب على العمليات في المناطق المأهولة في قاعدتي حامات ورياق الجوية، كما تقول مصادر دبلوماسية بريطانية في بيروت لـ«الشرق الأوسط». وتلفت هذه المصادر إلى أن هذه الأفواج «تقوم بمراقبة أنشطة العناصر المسلحة غير الشرعية في المناطق الحدودية، وتحديدها وردعها ومنعها، مما يضع الحدود اللبنانية تحت سلطة الدولة». وتضيف موضحة: «يهدف المشروع إلى السماح للجيش اللبناني بالسيطرة الكاملة على حدوده مع سوريا، وهذا يعني أن الحدود ستكون تحت إشراف متزايد، مما يسمح للجيش اللبناني باكتشاف وردع وطرد النشاط غير المشروع عبر الحدود».
وبالفعل، أثبتت هذه المساعدات نجاحاً في تمكين قدرات الجيش، إذ قالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن دعم بريطانيا للقوات المسلحة اللبنانية جعل الحدود اللبنانية تحت سلطة الدولة لأول مرة، لافتة إلى أن نجاح المعركة ضد «داعش» في «فجر الجرود» والدور الإيجابي الذي تلعبه الأبراج على الحدود السورية اللبنانية «ساهم في نجاح سيطرة الدولة على حدودها مع سوريا». وأشارت إلى أن بريطانيا دعمت أفواج الحدود البرية بالمعدات والتدريب والمراقبة. ومعلوم أن هذه المنطقة كانت تعاني من فراغ أمني بسبب التهديدات المسلحة على السلسلة الشرقية للبنان، قبل أن ينفذ الجيش اللبناني عملية عسكرية في أغسطس 2017 طرد إثرها مسلحي «داعش» من المنطقة نهائياً، وأطلق يومذاك على العملية اسم «فجر الجرود». وبعد طرد مسلحي التنظيم منها، انتشر الجيش اللبناني وعزز حضوره فيها. ومن المتوقع استكمال مشروع الأبراج لإغلاق كامل الحدود الشمالية مع سوريا.

أفواج الحدود البرية

إلى جانب أبراج المراقبة، أطلقت بريطانيا برنامجاً بعنوان «تدريب وتجهيز» لإنشاء وتعزيز أفواج الحدود البريّة. وبدأت أفواج الحدود البرية في الجيش اللبناني العمل عام 2013، مولجة مهام رصد أي هجمات محتملة على الحدود اللبنانية وردعها وإحباطها. وحقاً، أوقفت تلك الأفواج، إلى حد كبير، القصف من سوريا أو التلال الحدودية مع لبنان، كما تصدت لهجمات تنظيم «داعش». ومن ثم، نجحت أيضاً في عام 2014، بالتعاون مع ألوية التدخل، في صد هجوم كبير في عرسال مُحبطة بذلك كل مزاعم داعش بأنه «لا أحد يوقفها». وكانت بريطانيا تصف هذه الأفواج بأنّها عيون الدولة اللبنانية وآذانها والمدافع الأول عن 75 في المائة من الحدود اللبنانية السورية. ولذا، مولت بريطانيا تأسيس هذه الأفواج بأكثر من 50 مليون دولار أميركي.
وفي مطلع عام 2015، كان فوج الحدود البرية الثالث قد أُنشئ وباشرت بريطانيا بتجهيزه، وما هي إلا أشهر قليلة، حتى أعلن عن تشكيل فوج الحدود البرية الرابع، عندما أعلن السفير البريطاني هيوغو شورتر رسميّاً عن دعم بريطاني جديد بقيمة عشرة ملايين دولار لإنشاء وتجهيز فوج الحدود البرية الرابع في إطار آخر مرحلة من برنامج الشراكة مع الجيش اللبناني، بعنوان «تدريب وتجهيز». وبالفعل، جرى تجهيز فوج الحدود البرية الرابع بأحدث أجهزة الاتصالات والكاميرات ومنصّات المراقبة المتحركة وأبراج مراقبة الحدود وآليات من نوع «رانج روفر»، للمساعدة على حماية الحدود.
المصادر الدبلوماسية في بيروت أوضحت أن بريطانيا ساهمت في تدريب نحو 11000 جندي على العمليات العسكرية في المناطق المأهولة ونحو 7000 في العمليات الحدودية، ثم إنها أنفقت أكثر من 60 مليون جنيه إسترليني على «تدريب وتجهيز» فوج الحدود البرية التابع للجيش اللبناني، ويشمل ذلك بناء 39 برج مراقبة على الحدود، و37 قاعدة عمليات متقدمة على طول الحدود.
وتشدد المصادر على أنه «منذ عام 2019، سيكون للبنان سلطة كاملة على حدوده مع سوريا... بالإضافة إلى مرافق التدريب الداخلي، يوجد مرفق تدريب متخصص على الحدود البرية في قاعدة رياق الجوية»، لافتة إلى أن الفرق العسكرية البريطانية تزور لبنان بشكل روتيني لدعم القوات المسلحة اللبنانية».

ارتياح شعبي

التجهيزات البريطانية أساهمت في إحكام الجيش اللبناني السيطرة على خط حدودي يتجاوز المائة كيلومتر يمتد من نقطة المصنع جنوباً، ويصل إلى أقصى شمال شرقي لبنان، كما أن هناك أبراجاً مراقبة أخرى في شمال لبنان، بينها برج للمراقبة أنشئ في عام 2015 بمنطقة شدرا. وتقول مصادر ميدانية إن الضبط يمتد من البقاع الشمالي عبر جرود القاع ورأس بعلبك وعرسال، ويصل إلى جرد نحلة وجرد معربون وصولاً إلى المصنع.
في هذا الأثناء، تثني المصادر الدبلوماسية البريطانية على قدرات الجيش اللبناني في المهام الموكلة إليه لضبط الحدود. وتقول: «قامت القوات المسلحة اللبنانية بتحسين قدراتها التي تم تطويرها وتحديثها على مدى السنوات العشر الماضية لتصبح جيشاً محترفاً أظهر أنه قادر على حماية لبنان من الإرهاب، سواء على الحدود أو داخل لبنان». وتنقل جهات عليمة عن المقيمين في البيئات الحدودية وجود مزيد من الأمن وراحة البال بسبب نشر الجيش، وإحكام السيطرة على المنطقة الحدودية بأكملها. ومن ذلك أنه بات بمقدور المزارعين العودة إلى أراضيهم وزراعة محاصيلهم التي تعد حيوية لتلك القرى والبلدات القريبة من الحدود اللبنانية - السورية.
المصادر الدبلوماسية نفسها تشدد على أن لندن تدعم القوات المسلحة اللبنانية بصفتها المدافع الشرعي الوحيد عن لبنان «الذي نجح وبشكل منفرد في صد غزو (داعش) في عام 2014 ومرة أخرى في عام 2017، والذي يُعد حجر الزاوية للسيادة اللبنانية». وهي تؤكد أن «التزام لندن المستمر تجاه لبنان كشريك موثوق به للقوات المسلحة اللبنانية سوف يستمر على المدى الطويل، ويوفر قدرات مستدامة، بما في ذلك على الحدود».
يُذكر أن السفير البريطاني لدى لبنان كريس رامبلينغ تعهّد في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بمواصلة دعم الجيش اللبناني الذي يشرف على الحدود مع سوريا، والجرود بين عرسال والحدود، كما أكد أن دعم المشاريع الإنمائية سيستمر ويتطور، وذلك إبان زيارته بلدة عرسال في البقاع الشمالي والمناطق المجاورة، للمرة الأولى، للتعرف إلى سبل استفادة المجتمعات التي تعيش بالقرب من الحدود من الشراكة الأمنية والتنموية البريطانية اللبنانية.
وفي يونيو (حزيران) الماضي، وضع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط آليستر بيرت، حجر الأساس لمركز التدريب الحدودي الجديد للجيش اللبناني في بلدة رياق بمحافظة البقاع، الذي كان قد أعلن عن تمويله في «مؤتمر روما الثاني» في أبريل (نيسان) 2018، كما جال في الموقع واطلع على مرافق التدريب التي يجري إنشاؤها.

الدعم مستمر

أيضاً، قام رئيس هيئة الأركان العامة في الجيش البريطاني، الجنرال السير نيكولاس كارتر، أخيراً، بزيارة إلى لبنان التقى خلالها عدداً من المسؤولين. وشكره الرئيس اللبناني ميشال عون على الدعم الذي تقدِّمه بلاده للجيش، مشيراً بالخصوص إلى أن الأبراج ساهمت في تمكين الجيش من مراقبة الحدود، وضبط عمليات التسلل، كما لعبت دوراً خلال معركة «فجر الجرود» التي انتهت بـ«القضاء على الإرهابيين الذين احتلوا بعضاً من أراضينا». وكان الجنرال كارتر قد أطلع عون على أهداف زيارته إلى لبنان، مؤكداً استمرار الدعم الذي تقدمه بلاده للجيش. كما زار الوفد البريطاني رئيس الحكومة سعد الحريري، وجرى بحث في المساعدات العسكرية البريطانية للبنان وسبل التعاون العسكري بين البلدين.

التمكين البريطاني يصل إلى جهود نزع الألغام

> تساهم بريطانيا في «المركز اللبناني للأعمال المتعلقة بالألغام» LMAC)) المجدد والمجهز في الخريف الماضي، بالتعاون مع الجيش اللبناني و«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» و«المجموعة الاستشارية في شأن الألغام» Mine Advisory Group، بتمويل يزيد على مليوني جنيه إسترليني لدعم جهود إزالة كيلومترات عدة من الذخائر العنقودية في الجنوب وجبل لبنان وسهل البقاع. ويعد «المشروع المموّل من بريطانيا بقيمة 194000 جنيه إسترليني، من خلال (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي) و(المجموعة الاستشارية في شأن الألغام)، جزءاً من برنامج مساعدة لبنان على تنسيق الاستجابة في شكل أفضل للأراضي الملوثة، والتوعية من مخاطر الألغام لسكان المنطقة».

الجيش يوسع عملياته باتجاه ملاحقة البضائع

> وسع الجيش اللبناني مهامه أخيراً باتجاه ملاحقة مهربي البضائع من سوريا إلى لبنان، حيث أوقفت وحدات الجيش في الفترة الأخيرة عشرات الشاحنات والمستوعبات المحمّلة بالخضراوات والفاكهة والآليات والإلكترونيات التي كانت تحاول العبور إلى لبنان في منافذ البقاع الشمالي وفي شمال لبنان. ووفق مصادر عسكرية لبنانية لـ«الشرق الأوسط»، فإن الإجراءات «متواصلة ودائماً ما يتخذها الجيش، وهي ليست إجراءات استثنائية». كذلك تؤكد أن الجيش يعتبر أن ضبط الحدود من مسؤوليته لجهة ضبط إحباط تهريب الأشخاص والبضائع، ولقد أسهمت الأبراج في تشديد المراقبة، بيد أنها لفتت إلى أنه بالنظر إلى أن الحدود طويلة لا يمكن تغطيتها بالكامل، فإنه يصار إلى تكثيف الدوريات ونصب الكمائن لإحباط عمليات التهريب بمختلف أنواعها.
وتتزامن الإجراءات مع تشديد أمني، خوفاً من تسرّب مقاتلين متشددين من سوريا إلى لبنان. وتشير المصادر إلى أن الجيش يشدد إجراءاته على المعابر، وتنفذ مديرية المخابرات جهوداً أمنية في الداخل لمنع وجود أي خلية نائمة والحفاظ على الاستقرار وتعزيز الأمن.

خطوط تهريب مفتوحة جنوب نقطة المصنع الحدودية

> تحولت المنطقة الجغرافية الواقعة جنوب نقطة المصنع اللبنانية الحدودية مع سوريا، إلى معابر التهريب المعتمدة، انطلاقاً من ريف دمشق الغربي باتجاه مناطق البقاع الغربي، وهي المنطقة التي لم تصل إليها أبراج المراقبة البريطانية بعد.
وتقول مصادر ميدانية إن المنطقة تشهد فلتاناً أمنياً، رغم جهود الجيش اللبناني لإقفالها وملاحقة المهربين وإغلاق معابر التهريب غير الشرعي. تشير هذه المصادر إلى أن «الطبيعة الجغرافية سمحت بأن تكون هذه المنطقة مركزاً للتهريب»، لا سيما أنها منطقة جبلية يجري فيها تهريب الأشخاص من سوريا إلى لبنان، بالإضافة إلى البضائع والسجائر المهربة من السوق الحرة في سوريا.
وفي الأسبوع الأول من شهر أبريل الحالي، أعلنت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي - شعبة العلاقات العامة عن توقيف 22 شخصاً في إطار مكافحة عمليات تهريب الأشخاص من سوريا إلى لبنان، في محافظة البقاع، بينهم 16 شخصاً جرى تهريبهم، وناشطون لبنانيون وسوريون، في إطار تهريب الأشخاص. وكانت هذه العملية واحدة من عشرات العمليات التي نفذتها «قوى الأمن الداخلي» و«الأمن العام» و«الجيش اللبناني».
وما تجدر الإشارة إليه أن ملف تهريب الأشخاص والبضائع كان بنداً أساسياً على اجتماع «المجلس الأعلى للدفاع» الذي انعقد أخيراً في بيروت، ولقد طلب «المجلس» الذي التأم برئاسة رئيس الجمهورية، من الوزارات المختصة اتخاذ تدابير وإجراءات لضبط مسألة تهريب الأشخاص والبضائع عبر الحدود البرية، واليد العاملة غير المرخّص لها، وهذا إلى جانب عرض الأوضاع الأمنية في البلاد.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.