بريطانيا تعيد الحدود الشرقية إلى قبضة الجيش اللبناني

عبر مشروع أبراج المراقبة والمراكز المتقدمة... وتجهيز وتدريب أفواج الحدود البرية

بريطانيا تعيد الحدود الشرقية إلى قبضة الجيش اللبناني
TT

بريطانيا تعيد الحدود الشرقية إلى قبضة الجيش اللبناني

بريطانيا تعيد الحدود الشرقية إلى قبضة الجيش اللبناني

مع تسليط الضوء أخيراً على حدود لبنان الجنوبية والشرقية، أحكم الجيش اللبناني قبضته على عشرات الكيلومترات من الحدود اللبنانية الشرقية مع سوريا، وسط استمرار الجدل الداخلي حول إعادة اللاجئين السوريين إلى الأراضي السورية، ولو قبل التسوية السياسية، وأيضاً بعد سنوات من التفلّت الحدودي نشطت خلالها عمليات التهريب بكل أنواعها من سوريا، وتسرب منها مقاتلون متطرفون وصلوا إلى بلدة عرسال الحدودية في عام 2014، وأقاموا في جرودها وجرود القاع ورأس بعلبك في مراحل أخرى. ولقد تمكّن الجيش من تنفيذ مهمته، بعد تمكينه بدعم بريطاني ساهم في تدريب آلاف العناصر والضباط. وتم بناء 39 برجاً للمراقبة وعشرات المراكز العسكرية المتقدمة، كما أخضع كامل الشريط الحدودي الممتد من نقطة المصنع جنوباً، وحتى جرود القاع في أقصى شمال شرقي لبنان، للمراقبة الدائمة، بينما يعمل الجيش على وصل مراكزه بشبكة طرقات تسهّل التعمق في الجرود والتحرك فيها.
وفي حين بات القسم الأكبر من الحدود الشرقية بقبضة الجيش، وتحديداً في المنطقة الواقعة شمال نقطة المصنع الحدودية مع سوريا، وتمتد على أكثر من 100 كيلومتر، بقيت المنطقة الواقعة في جنوب نقطة المصنع بمنطقة البقاع الغربي، متفلتةً، بحسب ما تقول مصادر ميدانية، علماً بأن هذه المنطقة لم تُثبَّت فيها أبراج المراقبة البريطانية بعد. وتُوصَف المنطقة بأنها «خط التهريب الفاعل في هذا الوقت»، حيث يُستخدم لتهريب الأشخاص والتبغ من سوريا، وهو ما تتقصاه القوى الأمنية والعسكرية اللبنانية وتلاحق المهربين وتوقفهم، وتعمل لإغلاق الحدود بشكل نهائي فيها.

مع تدحرج الكرة السورية نحو الحرب، وتوسّعها، بدأت التحذيرات الغربية من تمدد الحرب إلى الداخل اللبناني، وبدأ العمل جدياً على تمكين الجيش اللبناني من ضبط الحدود. وشهدت تلك الفترة ظهوراً لتنظيمات متطرفة، استطاعت في عام 2013 التقدُّم إلى بلدة رأس بعلبك، واختطاف مواطنين مدنيين فيها.
يومها، بدأ تنفيذ خطة عملية لضبط الحدود، تقوم على عمل مواءمة بين الإجراءات العسكرية والحرب الاستباقية التي يمكن أن تكشف عمليات التسلل قبل وصول المتطرفين إلى المناطق الحضرية، وتجسّدت في بناء 12 برجاً للمراقبة جهزتها الحكومة البريطانية، واستخدمها الجيش اللبناني للدفاع عن الحدود الشرقية، وبدأ تثبيتها في عام 2013. ويقول مواكبون لتلك الحقبة إن السفير البريطاني الأسبق في بيروت توم فليتشر كان راعي مشروع لحماية المناطق الحدودية من هجمات محتملة إلى الداخل اللبناني.
ولقد أعلن عن المشروع بعد تنفيذه، وساهمت الأبراج التي تمتد من شمال الحدود الشرقية بمحاذاة منطقة البقاع الشمالي وصولاً إلى بلدة عرسال، في وقف تقدم تنظيمي «داعش» و«جبهة النصرة» اللذين وصلا إلى بلدة عرسال في أغسطس (آب) 2014. وتوسع العمل بالأبراج لضبط كامل الحدود، بموازاة تدريبات وتجهيزات بريطانية قُدمت للجيش اللبناني، ومن ضمنها إنشاء أفواج الحدود البرية التي انتشرت وتكفلت بحماية المنطقة.
بعد الإعلان عن المشروع، تبيّن أن هناك التزاماً بريطانياً بضبط الحدود الشرقية، وتمكين الجيش اللبناني من بسط سيطرته على كامل المنطقة. وجرى التعبير عن هذا الالتزام، من خلال زيارات لمسؤولين بريطانيين تعاقبوا إلى لبنان لمتابعة مشروع تشييد الأبراج وضبط الحدود. وحضر وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية هيو روبرتسون إلى لبنان حيث اطلع على سير عمل بناء 12 برج مراقبة للحدود.
يُذكر أنه سبق تشييد الأبراج، دعم بريطاني للجيش عبر تقديم تجهيزات ومعدات عسكرية جرى تسليمها إلى ألوية الحدود البرية، من ضمنها آليات ودروع للأفراد وأجهزة لا سلكية وسواتر دفاعية وكاميرات مراقبة بعيدة المدى، وذلك بهدف منع ورصد وضرب كل العمليات غير الشرعية عبر الحدود.

10 سنوات من الدعم

منذ عام 2012، تقدّم بريطانيا برنامجاً «لتدريب وتجهيز وتوجيه» أفواج الحدود البرية الأربعة للجيش اللبناني ولتقديم التدريب على العمليات في المناطق المأهولة في قاعدتي حامات ورياق الجوية، كما تقول مصادر دبلوماسية بريطانية في بيروت لـ«الشرق الأوسط». وتلفت هذه المصادر إلى أن هذه الأفواج «تقوم بمراقبة أنشطة العناصر المسلحة غير الشرعية في المناطق الحدودية، وتحديدها وردعها ومنعها، مما يضع الحدود اللبنانية تحت سلطة الدولة». وتضيف موضحة: «يهدف المشروع إلى السماح للجيش اللبناني بالسيطرة الكاملة على حدوده مع سوريا، وهذا يعني أن الحدود ستكون تحت إشراف متزايد، مما يسمح للجيش اللبناني باكتشاف وردع وطرد النشاط غير المشروع عبر الحدود».
وبالفعل، أثبتت هذه المساعدات نجاحاً في تمكين قدرات الجيش، إذ قالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن دعم بريطانيا للقوات المسلحة اللبنانية جعل الحدود اللبنانية تحت سلطة الدولة لأول مرة، لافتة إلى أن نجاح المعركة ضد «داعش» في «فجر الجرود» والدور الإيجابي الذي تلعبه الأبراج على الحدود السورية اللبنانية «ساهم في نجاح سيطرة الدولة على حدودها مع سوريا». وأشارت إلى أن بريطانيا دعمت أفواج الحدود البرية بالمعدات والتدريب والمراقبة. ومعلوم أن هذه المنطقة كانت تعاني من فراغ أمني بسبب التهديدات المسلحة على السلسلة الشرقية للبنان، قبل أن ينفذ الجيش اللبناني عملية عسكرية في أغسطس 2017 طرد إثرها مسلحي «داعش» من المنطقة نهائياً، وأطلق يومذاك على العملية اسم «فجر الجرود». وبعد طرد مسلحي التنظيم منها، انتشر الجيش اللبناني وعزز حضوره فيها. ومن المتوقع استكمال مشروع الأبراج لإغلاق كامل الحدود الشمالية مع سوريا.

أفواج الحدود البرية

إلى جانب أبراج المراقبة، أطلقت بريطانيا برنامجاً بعنوان «تدريب وتجهيز» لإنشاء وتعزيز أفواج الحدود البريّة. وبدأت أفواج الحدود البرية في الجيش اللبناني العمل عام 2013، مولجة مهام رصد أي هجمات محتملة على الحدود اللبنانية وردعها وإحباطها. وحقاً، أوقفت تلك الأفواج، إلى حد كبير، القصف من سوريا أو التلال الحدودية مع لبنان، كما تصدت لهجمات تنظيم «داعش». ومن ثم، نجحت أيضاً في عام 2014، بالتعاون مع ألوية التدخل، في صد هجوم كبير في عرسال مُحبطة بذلك كل مزاعم داعش بأنه «لا أحد يوقفها». وكانت بريطانيا تصف هذه الأفواج بأنّها عيون الدولة اللبنانية وآذانها والمدافع الأول عن 75 في المائة من الحدود اللبنانية السورية. ولذا، مولت بريطانيا تأسيس هذه الأفواج بأكثر من 50 مليون دولار أميركي.
وفي مطلع عام 2015، كان فوج الحدود البرية الثالث قد أُنشئ وباشرت بريطانيا بتجهيزه، وما هي إلا أشهر قليلة، حتى أعلن عن تشكيل فوج الحدود البرية الرابع، عندما أعلن السفير البريطاني هيوغو شورتر رسميّاً عن دعم بريطاني جديد بقيمة عشرة ملايين دولار لإنشاء وتجهيز فوج الحدود البرية الرابع في إطار آخر مرحلة من برنامج الشراكة مع الجيش اللبناني، بعنوان «تدريب وتجهيز». وبالفعل، جرى تجهيز فوج الحدود البرية الرابع بأحدث أجهزة الاتصالات والكاميرات ومنصّات المراقبة المتحركة وأبراج مراقبة الحدود وآليات من نوع «رانج روفر»، للمساعدة على حماية الحدود.
المصادر الدبلوماسية في بيروت أوضحت أن بريطانيا ساهمت في تدريب نحو 11000 جندي على العمليات العسكرية في المناطق المأهولة ونحو 7000 في العمليات الحدودية، ثم إنها أنفقت أكثر من 60 مليون جنيه إسترليني على «تدريب وتجهيز» فوج الحدود البرية التابع للجيش اللبناني، ويشمل ذلك بناء 39 برج مراقبة على الحدود، و37 قاعدة عمليات متقدمة على طول الحدود.
وتشدد المصادر على أنه «منذ عام 2019، سيكون للبنان سلطة كاملة على حدوده مع سوريا... بالإضافة إلى مرافق التدريب الداخلي، يوجد مرفق تدريب متخصص على الحدود البرية في قاعدة رياق الجوية»، لافتة إلى أن الفرق العسكرية البريطانية تزور لبنان بشكل روتيني لدعم القوات المسلحة اللبنانية».

ارتياح شعبي

التجهيزات البريطانية أساهمت في إحكام الجيش اللبناني السيطرة على خط حدودي يتجاوز المائة كيلومتر يمتد من نقطة المصنع جنوباً، ويصل إلى أقصى شمال شرقي لبنان، كما أن هناك أبراجاً مراقبة أخرى في شمال لبنان، بينها برج للمراقبة أنشئ في عام 2015 بمنطقة شدرا. وتقول مصادر ميدانية إن الضبط يمتد من البقاع الشمالي عبر جرود القاع ورأس بعلبك وعرسال، ويصل إلى جرد نحلة وجرد معربون وصولاً إلى المصنع.
في هذا الأثناء، تثني المصادر الدبلوماسية البريطانية على قدرات الجيش اللبناني في المهام الموكلة إليه لضبط الحدود. وتقول: «قامت القوات المسلحة اللبنانية بتحسين قدراتها التي تم تطويرها وتحديثها على مدى السنوات العشر الماضية لتصبح جيشاً محترفاً أظهر أنه قادر على حماية لبنان من الإرهاب، سواء على الحدود أو داخل لبنان». وتنقل جهات عليمة عن المقيمين في البيئات الحدودية وجود مزيد من الأمن وراحة البال بسبب نشر الجيش، وإحكام السيطرة على المنطقة الحدودية بأكملها. ومن ذلك أنه بات بمقدور المزارعين العودة إلى أراضيهم وزراعة محاصيلهم التي تعد حيوية لتلك القرى والبلدات القريبة من الحدود اللبنانية - السورية.
المصادر الدبلوماسية نفسها تشدد على أن لندن تدعم القوات المسلحة اللبنانية بصفتها المدافع الشرعي الوحيد عن لبنان «الذي نجح وبشكل منفرد في صد غزو (داعش) في عام 2014 ومرة أخرى في عام 2017، والذي يُعد حجر الزاوية للسيادة اللبنانية». وهي تؤكد أن «التزام لندن المستمر تجاه لبنان كشريك موثوق به للقوات المسلحة اللبنانية سوف يستمر على المدى الطويل، ويوفر قدرات مستدامة، بما في ذلك على الحدود».
يُذكر أن السفير البريطاني لدى لبنان كريس رامبلينغ تعهّد في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بمواصلة دعم الجيش اللبناني الذي يشرف على الحدود مع سوريا، والجرود بين عرسال والحدود، كما أكد أن دعم المشاريع الإنمائية سيستمر ويتطور، وذلك إبان زيارته بلدة عرسال في البقاع الشمالي والمناطق المجاورة، للمرة الأولى، للتعرف إلى سبل استفادة المجتمعات التي تعيش بالقرب من الحدود من الشراكة الأمنية والتنموية البريطانية اللبنانية.
وفي يونيو (حزيران) الماضي، وضع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط آليستر بيرت، حجر الأساس لمركز التدريب الحدودي الجديد للجيش اللبناني في بلدة رياق بمحافظة البقاع، الذي كان قد أعلن عن تمويله في «مؤتمر روما الثاني» في أبريل (نيسان) 2018، كما جال في الموقع واطلع على مرافق التدريب التي يجري إنشاؤها.

الدعم مستمر

أيضاً، قام رئيس هيئة الأركان العامة في الجيش البريطاني، الجنرال السير نيكولاس كارتر، أخيراً، بزيارة إلى لبنان التقى خلالها عدداً من المسؤولين. وشكره الرئيس اللبناني ميشال عون على الدعم الذي تقدِّمه بلاده للجيش، مشيراً بالخصوص إلى أن الأبراج ساهمت في تمكين الجيش من مراقبة الحدود، وضبط عمليات التسلل، كما لعبت دوراً خلال معركة «فجر الجرود» التي انتهت بـ«القضاء على الإرهابيين الذين احتلوا بعضاً من أراضينا». وكان الجنرال كارتر قد أطلع عون على أهداف زيارته إلى لبنان، مؤكداً استمرار الدعم الذي تقدمه بلاده للجيش. كما زار الوفد البريطاني رئيس الحكومة سعد الحريري، وجرى بحث في المساعدات العسكرية البريطانية للبنان وسبل التعاون العسكري بين البلدين.

التمكين البريطاني يصل إلى جهود نزع الألغام

> تساهم بريطانيا في «المركز اللبناني للأعمال المتعلقة بالألغام» LMAC)) المجدد والمجهز في الخريف الماضي، بالتعاون مع الجيش اللبناني و«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» و«المجموعة الاستشارية في شأن الألغام» Mine Advisory Group، بتمويل يزيد على مليوني جنيه إسترليني لدعم جهود إزالة كيلومترات عدة من الذخائر العنقودية في الجنوب وجبل لبنان وسهل البقاع. ويعد «المشروع المموّل من بريطانيا بقيمة 194000 جنيه إسترليني، من خلال (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي) و(المجموعة الاستشارية في شأن الألغام)، جزءاً من برنامج مساعدة لبنان على تنسيق الاستجابة في شكل أفضل للأراضي الملوثة، والتوعية من مخاطر الألغام لسكان المنطقة».

الجيش يوسع عملياته باتجاه ملاحقة البضائع

> وسع الجيش اللبناني مهامه أخيراً باتجاه ملاحقة مهربي البضائع من سوريا إلى لبنان، حيث أوقفت وحدات الجيش في الفترة الأخيرة عشرات الشاحنات والمستوعبات المحمّلة بالخضراوات والفاكهة والآليات والإلكترونيات التي كانت تحاول العبور إلى لبنان في منافذ البقاع الشمالي وفي شمال لبنان. ووفق مصادر عسكرية لبنانية لـ«الشرق الأوسط»، فإن الإجراءات «متواصلة ودائماً ما يتخذها الجيش، وهي ليست إجراءات استثنائية». كذلك تؤكد أن الجيش يعتبر أن ضبط الحدود من مسؤوليته لجهة ضبط إحباط تهريب الأشخاص والبضائع، ولقد أسهمت الأبراج في تشديد المراقبة، بيد أنها لفتت إلى أنه بالنظر إلى أن الحدود طويلة لا يمكن تغطيتها بالكامل، فإنه يصار إلى تكثيف الدوريات ونصب الكمائن لإحباط عمليات التهريب بمختلف أنواعها.
وتتزامن الإجراءات مع تشديد أمني، خوفاً من تسرّب مقاتلين متشددين من سوريا إلى لبنان. وتشير المصادر إلى أن الجيش يشدد إجراءاته على المعابر، وتنفذ مديرية المخابرات جهوداً أمنية في الداخل لمنع وجود أي خلية نائمة والحفاظ على الاستقرار وتعزيز الأمن.

خطوط تهريب مفتوحة جنوب نقطة المصنع الحدودية

> تحولت المنطقة الجغرافية الواقعة جنوب نقطة المصنع اللبنانية الحدودية مع سوريا، إلى معابر التهريب المعتمدة، انطلاقاً من ريف دمشق الغربي باتجاه مناطق البقاع الغربي، وهي المنطقة التي لم تصل إليها أبراج المراقبة البريطانية بعد.
وتقول مصادر ميدانية إن المنطقة تشهد فلتاناً أمنياً، رغم جهود الجيش اللبناني لإقفالها وملاحقة المهربين وإغلاق معابر التهريب غير الشرعي. تشير هذه المصادر إلى أن «الطبيعة الجغرافية سمحت بأن تكون هذه المنطقة مركزاً للتهريب»، لا سيما أنها منطقة جبلية يجري فيها تهريب الأشخاص من سوريا إلى لبنان، بالإضافة إلى البضائع والسجائر المهربة من السوق الحرة في سوريا.
وفي الأسبوع الأول من شهر أبريل الحالي، أعلنت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي - شعبة العلاقات العامة عن توقيف 22 شخصاً في إطار مكافحة عمليات تهريب الأشخاص من سوريا إلى لبنان، في محافظة البقاع، بينهم 16 شخصاً جرى تهريبهم، وناشطون لبنانيون وسوريون، في إطار تهريب الأشخاص. وكانت هذه العملية واحدة من عشرات العمليات التي نفذتها «قوى الأمن الداخلي» و«الأمن العام» و«الجيش اللبناني».
وما تجدر الإشارة إليه أن ملف تهريب الأشخاص والبضائع كان بنداً أساسياً على اجتماع «المجلس الأعلى للدفاع» الذي انعقد أخيراً في بيروت، ولقد طلب «المجلس» الذي التأم برئاسة رئيس الجمهورية، من الوزارات المختصة اتخاذ تدابير وإجراءات لضبط مسألة تهريب الأشخاص والبضائع عبر الحدود البرية، واليد العاملة غير المرخّص لها، وهذا إلى جانب عرض الأوضاع الأمنية في البلاد.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.