تأثيرات العولمة المعاصرة على الدول الوطنية

أحدثت تغيرات ملموسة على مضامين الفكر السياسي الناظم لحركة اليمين المتطرف

تأثيرات العولمة المعاصرة على الدول الوطنية
TT

تأثيرات العولمة المعاصرة على الدول الوطنية

تأثيرات العولمة المعاصرة على الدول الوطنية

هناك كثرة من الكتابات والدراسات التي تتحدث عن السلبيات الاقتصادية للعولمة بصيغتها الرأسمالية على الدولة الوطنية في البلدان العربية، وكثيراً ما تهمل هذه الدراسات التأثيرات السياسية التي غالباً ما تعتبرها تأثيرات إيجابية، باعتبارها تعطي أهمية لليبرالية السياسية التي يحاول مفكروها الترويج لها، لما تحمله من أفكار ديمقراطية يؤدي تطبيقها إلى تعزيز كفاح القوى السياسية التي تسعى إلى تفتيت الأنظمة الاستبدادية عبر الاستعانة بالقوى الخارجية.
إن الوقائع الفعلية لا تعطي مصداقية لهذا التحليل، وهذا ما يحاول الباحث لطفي حاتم تناوله في كتابة الجديد، المعنون بـ«العولمة الرأسمالية والكفاح الوطني الديمقراطي». ومن أجل عطاء ملموسية لرؤيته، قسم الباحث كتابه إلى محورين: الأول، يبحث فيه التأثيرات السياسية والاجتماعية للعولمة المعاصرة على البلدان الرأسمالية الكبرى؛ والثاني، نتائج تطبيق توجهات العولمة على الدول الوطنية.
ويبدأ الباحث المحور الأول بتحديد سمات المرحلة التاريخية للرأسمالية المعاصرة بنقاط عدة: الأولى منها سيادة الليبرالية الجديدة، كفكر سياسي اقتصادي يجري الترويج له لخدمة المصالح الأساسية للشركات الاحتكارية والدول الرأسمالية الكبرى، والثانية تنامي حدة المنافسة الرأسمالية بين الدول الكولونيالية والدول الرأسمالية الناهضة (كالصين وروسيا والهند)، والثالثة تركز الليبرالية الجديدة، باعتبارها آيديولوجية الرأسمال المعولم، على إلغاء الوظائف الاقتصادية والخدمية والإنتاجية للدولة الوطنية، وعرقلة انتقالها إلى هيئة سياسية قادرة على تطوير بلدانها اقتصادياً.
وبخصوص التأثيرات الفكرية للطور المعولم من الرأسمالية، يرى الباحث أن ظهور اليمين المتطرف في العالم كان من أبرز هذه التأثيرات، الذي يعرفه «بأنه منظمة سياسية اجتماعية تعتمد الوطنية المترابطة، وروح عنصرية توسعية، وفكراً أيديولوجياً محركاً لفعاليتها السياسية، تتشكل قاعدته الاجتماعية من شرائح طبقية متعددة، يشدها الإحباط الناتج عن الأزمات الاقتصادية الملازمة لتنازع مسار تطور بنية الاقتصاد الرأسمالي».
ويشير الباحث إلى أن التطور الرأسمالي في عصر العولمة أدى إلى إحداث تغيرات ملموسة على مضامين الفكر السياسي الناظم لحركة اليمين المتطرف، حيث جرى إغناء تلك المضامين بسمات جديدة، منها خشية الرساميل الوطنية من تحجيم فعاليتها الاقتصادية بسبب هيمنة الشركات الكبرى على مصادر القرارات الاقتصادية والسياسية الوطنية. وأدى تعزيز الميول الأممية للعولمة الناتجة عن حركة بين الشركات الاحتكارية الكبرى إلى تراجع موقع الدولة الوطنية، الأمر الذي يتناقض ومفهوم إعلاء شأن الدولة الوطنية في العلاقات الدولية في فكر اليمين المتطرف.
وبخصوص وسائل العولمة الرأسمالية لتحقيق أهدافها، يشير الباحث إلى أن قادة اليمين المتطرف يصرحون بها علناً؛ على سبيل المثال، يذكرها رامسفيلد، وزير الدفاع الأميركي الأسبق، في مقالته الموسومة «ما بعد هذه الحرب على الإرهاب»، التي تضمنت كثيراً من المبادئ، منها تأكيد الولايات المتحدة الأميركية للحلفاء والأصدقاء على الالتزام بتعهداتها الأمنية، وحمل الخصوم المحتملين على التخلي عن برامج أو عمليات قد تهدد المصالح الأميركية، ومصالح حلفائها وأصدقائها، وردع العدوان بواسطة تطوير القدرات المتعلقة بالتصدي الحازم للهجمات، وبفرض عقوبات شديدة على الذين يهددون المصالح الأميركية (ص 28).
أما المحور الثاني من الكتاب، فخصصه الباحث لتناول تأثيرات العولمة المعاصرة على الدول العربية، خصوصاً فيما يتعلق بنمو اليمين العربي المتطرف، مستشهداً بما حدث خلال العقدين الأخيرين، حيث اقترنت سياسية الدولة الغربية تجاه الدول الوطنية باستخدام القوة، سواء بالتدخل العسكري أو الغزو، كوسيلة للتدخل في النزاعات الوطنية، وتوجيهها بما يخدم استراتيجية الدولة الغربية في منطقة الشرق الأوسط. وهذا حصل في عدد من البلدان العربية والإسلامية، كأفغانستان والعراق وليبيا وسوريا واليمن. وقد ساعدت هذه السياسة على تصاعد نشاط اليمين العربي - الإسلامي المتطرف، بشقيه «تيار الليبرالية الجديدة» والسلفية الجهادية. فالتيار الأول، تيار الليبرالية الجديدة، الذي يدعي أنه يعبر عن أهداف القوى الجديدة التي ترفض الأنظمة الاستبدادية، في حين سياسته تلتقي مع توجهات العولمة الهادفة إلى نقل البلدان العربية من التبعية السياسية - الاقتصادية إلى الاندماج بصيغة الإلحاق، تمشياً والمصالح الاستراتيجية للدول الكبرى. أما تيار السلفية الجهادية الإرهابي، فإنه يلتقي مع التيار الأول في قبول الحماية الدولية، باعتبارها إحدى وسائل الدول الكبرى للتدخل في الدول الوطنية، تحت ذريعة حماية حقوق الإنسان وتحقيق الديمقراطية. فقد أيد التياران، الليبرالية العربية الجديدة والسلفية الجهادية، التدخل العسكري الغربي في عدد من البلدان العربية التي شهدت احتجاجات شعبية في الفترة الأخيرة. ورغم اتفاق التيارين بخصوص الحماية الدولية، فإنهما يختلفان من حيث المرتكزات الفكرية، ونهجهما السياسي، فتيار الليبرالية الجديدة يعتمد الأسلوب السلمي لتحقيق أهدافه ونهجه الفكري، وهو يرتكز على فكر الليبرالية الجديدة الغربي. أما تيار السلفية الجهادية، فإنه نهجه السياسي يقوم على العنف الإرهابي، حيث شكل فكر «الخلافة الإسلامية»، والبناء السياسي المرتكز على تعدد الإمارات الإسلامية، مرجعية للمنظمات السلفية الإرهابية في نشاطها المسلح.
وبخصوص هيمنة قوى أحزاب الإسلام السياسي الطائفي على الحياة السياسية، يرى الباحث أنها تقود إلى نتائج سياسية واجتماعية واقتصادية ضارة بتطور الدول العربية، ويجملها الباحث بثلاث نقاط: الأولى، يؤدي غياب الرؤية السياسية لدى أحزاب الإسلام السياسي لموضوع الشرعية الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة إلى صراعات اجتماعية سياسية؛ والثانية، تفضي سيادة أحزاب الإسلام السياسي الطائفي في الحياة السياسية إلى إعاقة تطور النزاعات الاجتماعية، بعد تحولها من صراعات طبقية إلى صراعات طائفية، وحصرها بآليات ضبط آيديولوجية طائفية؛ والثالثة، إن ارتكاز النشاط الاقتصادي لمؤسسات أحزاب الإسلام السياسي الطائفي على التجارة، بشقيها العيني والمالي، وتركيزها على قطاعي الخدمات والعقار، يؤدي إلى التجاوب مع أهداف المرحلة الجديدة من التوسع الرأسمالي، التي تتسم بتحويل القوى الاقتصادية المتنفذة في البلدان العربية إلى قوى وكيلة للشركات الرأسمالية الدولية.
إن سياسة قوى اليمين المتطرف، الرسمي والشعبي، في الدولة الرأسمالية الكبرى، تجاه البلدان الدول العربية والإسلامية، لم تكن السبب الوحيد لنمو اليمين العربي المتطرف الذي أصبح أكثر نشاطاً في العقود الثلاثة الأخيرة، بل هناك أسباب رئيسة أخرى: منها، أدى انهيار خيار التطور الاشتراكي، وسيادة وحدانية التطور الرأسمالي، إلى عدد من الإشكاليات السياسية والاقتصادية، واختلال النظم الفكرية المتحكمة في نشاط وفعالية الحركات اليسارية - الديمقراطية والقومية. ومنها، استمرار التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للدول الوطنية بعد تكوينها. ومنها، سيادة البرامج الفكرية المثالية لدى النخب السياسية، التي لا تعبر عن الحاجات الفعلية للبنية الاجتماعية للدولة الوطنية. ومنها، تمتع منظمات المجتمع الأهلي بهيبة اجتماعية كبيرة، على الرغم من تبلور الحياة السياسية، وارتكازها على أحزاب سياسية. وأخيراً، عززت الصراعات الإيديولوجية والسياسية الحادة بين الأحزاب السياسية الروح الانقلابية لدى النخب الحاكمة، وكذلك دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية.
إن عجز التغيرات التي أحدثها التطور في البلدان العربية خلال العقود الأخيرة، خصوصاً غياب الشرعية الوطنية للدولة الوطنية، وانتشار الفقر والتهميش، وانهيار الفكر الوطني الديمقراطي، بسبب انحسار التيار الليبرالي الناتج عن ضعف المكانة الاجتماعية للبرجوازية الوطنية، أدت إلى عجز الدولة الوطنية في البلدان العربية، وعبر مراحل تطورها، عن إنتاج مرجعية وطنية لضبط مسار تطورها، الأمر الذي أدى إلى الصراع الحاد بين التيارين الرئيسين في البنية السياسية العربية: التيار القومي والتيار اليساري. وفي الختام، يتطرق الباحث إلى بعض الاستنتاجات التي يمكن أن تشكل مساهمة فكرية لمنع الدول الوطنية من التفكك، منها:
1- الحفاظ على الدولة الوطنية، باعتبارها الرافعة الأساسية للتحولات الاجتماعية، وصيانة حقوق الإنسان، وتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي.
2- بناء الدولة الوطنية على قاعدة الديمقراطية، وما يتطلبه ذلك من رسم نهوج وطنية من قبل الأحزاب الوطنية، تتضمن الكفاح من أجل تطور البلاد الاقتصادي والسياسي.
3- تعزيز الوحدة الوطنية، من خلال التفاهمات الطبقية والاجتماعية التي تقوم على الاستجابة للحقوق القومية والمذهبية لمكونات التشكيلة الاجتماعية كافة، إضافة إلى تحقيق قدر معقول من العدالة في توزيع الثروات الوطنية.
4- ينبغي أن تستند التوازنات الاجتماعية إلى التعاون الوطني بين الطبقات الاجتماعية الوطنية المنتجة، عبر إلغاء مبدأ الأقصاء والتهميش بعضها لبعض.
5- التعامل مع الظروف التي تخلقها العولمة الرأسمالية، من خلال إقامة العلاقات الدولية على أساس الاحترام المتبادل والمساواة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً