قوى التغيير السودانية تلوح بعصيان مدني شامل للمطالبة بحكم مدني

القضاة على خط الاحتجاجات... والقائم بالأعمال الأميركي يقترح مرحلة انتقالية بين 12 إلى 18 شهراً

قادة «تحالف الحرية والتغيير» خلال مؤتمر صحافي عقدوه أمس (إ.ب.أ)
قادة «تحالف الحرية والتغيير» خلال مؤتمر صحافي عقدوه أمس (إ.ب.أ)
TT

قوى التغيير السودانية تلوح بعصيان مدني شامل للمطالبة بحكم مدني

قادة «تحالف الحرية والتغيير» خلال مؤتمر صحافي عقدوه أمس (إ.ب.أ)
قادة «تحالف الحرية والتغيير» خلال مؤتمر صحافي عقدوه أمس (إ.ب.أ)

توعد تحالف «قوى الحرية والتغيير» السوداني المعارض، بخطوات تصعيدية، وتسيير مسيرات مليونية اعتبارا من اليوم، تتصاعد لتبلغ مرحلة العصيان المدني الشامل: «حال استمر تعنت المجلس العسكري الانتقالي»، ورفضت قبول توصية الاتحاد الأفريقي بإمهال المجلس العسكري الانتقالي ثلاثة أشهر لتسليم السلطة للمدنيين. ودخل القضاة في السودان لأول مرة على خط الاحتجاجات بإعلان انضمامهم للمعتصمين أمام مقر الجيش.
وفي مؤتمر صحافي عقد أمس، أقر قادة تحالف قوى التغيير، أن اللجنة السياسية التابعة للمجلس العسكري الانتقالي، باتت عقبة أمام التغيير، وأداة من أدوات الالتفاف على الثورة، وتوعدوا بتسيير مسيرات مليونية، وتنظيم عصيان مدني شامل لممارسة المزيد من الضغوط على المجلس العسكري لتسليم السلطة لحكومة مدنية.
وأعلنوا رفضهم لما سمي الوصاية على الشعب، وتوصية الاتحاد الأفريقي الموضوعة أمام مجلس السلم والأمن الأفريقي، بإمهال المجلس العسكري ثلاثة أشهر لتسليم السلطة لحكومة مدنية، بعد أن كان قد هدد في وقت سابق بإمهاله 15 يوماً، يعلق بعدها عضويته في الاتحاد.
وجددت قوى الحرية والتغيير تمسكها بقرارها الخاص بتعليق التفاوض مع المجلس العسكري، لعدم جديته في التعامل معها باعتبارها ممثلاً للثورة والجماهير، لكنها عادت وأعلنت في وقت سابق موافقتها على الحوار، وتم عقد اجتماع ليلة أمس، مع قادة المجلس العسكري.
وقطع عضو الحرية والتغيير الفاتح حسين محمد علي، بأن التحالف المعارض لا يرغب في التعامل مع اللجنة السياسية مستقبلا، وأن الاجتماع السابق معها لم يكن «مثمراً»، وأنه أصدر قرار تعليق الحوار بقصد إصلاح الأوضاع.
وشدد الفاتح على أهمية: «تسليم السلطة للمدنيين وتحقيق مزاعم المجلس بزهده في السلطة وعزمه على نقلها للمدنيين، والاعتراف بقوى التغيير ممثلا للثوار، وتملك الحق في تشكيل السلطة خلال الفترة الانتقالية».
وقال رئيس حزب المؤتمر السوداني، عضو قوى إعلان الحرية والتغيير عمر الدقير، إنهم يؤكدون على وحدة قوى التغيير، بما فيها القوات المسلحة، ونفى المزاعم بأن المعارضة دعت الجيش لتسليم السلطة، بل دعته للانحياز للشعب.
وأوضح صديق فاروق الشيخ، وهو أحد قادة «الحرية والتغيير» للصحافيين، أن قوى الحرية والتغيير متفقة على الحد الأدنى في ترتيبات الفترة الانتقالية، دون أن يمنع ذلك أن تكون لها رؤاها الخاصة كقوى اجتماعية. ودعا تحالف «إعلان قوى الحرية والتغيير» إلى ما أطلق عليه موكب «مليونية السلطة المدنية»، الذي ينتظر تتحرك مجموعاته لتلتئم أمام القيادة العامة للجيش صباح اليوم.
وردا على سؤال عن الخطوات التي سيتخذها قادة الاحتجاجات في حال لم يسلم المجلس العسكري السلطة لإدارة مدنية، قال صديق فاروق الشيخ: «لدينا خطوات تصعيدية. سنسيّر مواكب مليونية كما أننا نحضر لإضراب شامل». من ناحيته ذكر أحمد الربيع القيادي البارز في التجمع «نحن ندعو إلى مسيرة مليونية الخميس».
وبعيد المؤتمر الصحافي بقليل، وجه المجلس العسكري الانتقالي، الدعوة لقوى «إعلان الحرية والتغيير» إلى اجتماع عاجل في القصر الجمهوري، على الرغم من إعلانها تعليق التفاوض معه.
وبحسب بيان صادر عن الإعلام العسكري، فإن «أبواب التواصل مفتوحة لبحث رؤية قوى الحرية والتغيير التي قدمتها إلى المجلس»، وتعهد المجلس بالسعي لتحقيق طموحات الشعب والشباب وتحقيق مطالب الثورة.
وعلقت قوى الحرية والتغيير، وهي القوة الرئيسية التي تولت قيادة وتنظيم الاحتجاجات التي أدت لإطاحة الرئيس السابق عمر البشير، الحوار مع المجلس العسكري، بسبب دعوته لقوى سياسية كانت ضمن حكومة المنحلة حتى سقوطها.
من جهة أخرى، أعلن قضاة السودان انضمامهم للمعتصمين أمام مقر الجيش، وبحسب بيان فإن القضاة سيتوجهون في موكب ينطلق من أمام المحكمة الدستورية عصر اليوم، إلى القيادة العامة لدعم عملية التغيير لسيادة حكم القانون واستقلال القضاء.
وتواصلت وفود المعتصمين القادمين من مدن الولايات إلى مقر الاعتصام قبالة القيادة العامة للجيش، ودخل الميدان آلاف المحتجين القادمين من مدينة «ود مدني» وسط البلاد للمشاركة في الاعتصام ودعم المليونية، وذلك بعد يوم واحد من وصول «قطار النيل» الذي حمل آلاف المحتجين القادمين من مدينة عطبرة التي انطلقت منها شرارة الاحتجاجات، وأعلنوا البقاء في الميدان مع معتصمي الخرطوم حتى تحقيق مطالب الثوار.
وذلك لممارسة المزيد من الضغوط على المجلس العسكري الانتقالي لقبول مطالب قوى التغيير في مجلس سيادة مدني بتمثيل عسكري، ومجلس وزراء مدني من كفاءات بكامل الصلاحيات، ومجلس تشريعي انتقالي متوافق عليه.
وانطلقت المظاهرات والاحتجاجات في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018 ضد الزيادات الضخمة في أسعار الخبز، بيد أنها تطورت سريعاً لتطالب بتنحي البشير وحكومته، وانتقلت من عطبرة وبورتسودان شمال وشرق البلاد، إلى عدد من المدن بما فيها العاصمة الخرطوم.
وتواصلت الاحتجاجات حتى تحولت لاعتصام شارك فيه مئات الآلاف أمام قيادة الجيش ابتداء من 6 أبريل (نيسان)، ما اضطر الجيش لعزل البشير وتكوين مجلس عسكري انتقالي في الحادي عشر من الشهر الجاري.
بيد أن المعتصمين رفضوا تعيين وزير الدفاع الأسبق عوض بن عوف رئيساً للمجلس العسكري الانتقالي، واعتبروا وجوده استمراراً للنظام القديم، فاضطر الجيش لإجباره على الاستقالة بعد ساعات من تنحية البشير، وتسمية الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيساً للمجلس الانتقالي.
ويرفض المعتصمون أمام قيادة الجيش السوداني مغادرة مكان الاعتصام، قبل أن تحقق مطالبهم بتصفية النظام القديم ورموزه وتسليم السلطة لحكومة مدنية بكامل الصلاحيات.
من جهته ناشد القائم بالأعمال الأميركي في الخرطوم، ستيفن كوتسيس، قوى «الحرية والتغيير» تقصير المرحلة الانتقالية إلى فترة تتراوح بين شهراً، داعياً عدم تعليق المفاوضات مع المجلس العسكري الانتقال، حسب ما نقل عنه وزير الخارجية الأسبق والقيادي حالياً في قوى «الحرية والتغيير»، إبراهيم طه أيوب.
وقال أيوب لـ«الشرق الأوسط»، إن المبعوثة الأميركية للسودان، ماكيلا جيمس، اجتمعت مع ممثلي الحراك الشعبي مساء أول من أمس في مقر السفارة الأميركية بالخرطوم عقب لقائها في صباح اليوم نفسه برئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان.
وأضاف أيوب أن «القائم بالأعمال الأميركي كوتسيس، ونائبه ألين ثوربورن، اقترحا علينا تقصير المرحلة الانتقالية إلى ما بين 12 إلى 18 شهراً، بحجة أن العالم ينتظر أن يرى حكومة منتخبة ديمقراطياً لكي يساند السودان بشكل كامل».
من جهته قال عصام عبد الماجد، عضو لجنة العلاقات الخارجية في «قوى الحرية والتغيير» الذي حضر اللقاء مع المسؤولين الأميركيين، إن المبعوثة الأميركية ماكيلا جيمس، وهي نائبة رئيس إدارة شرق أفريقيا في وزارة الخارجية: «أبلغتنا أنها التقت المجلس العسكري في وقت سابق من نفس اليوم، ووجدت تفهماً لمطلب القوى المدنية، وحثتنا على التفاهم مع المجلس العسكري وانتهاز الفرصة لتشكيل حكومة مدنية». وأضاف عبد الماجد أن «جيمس، أيدت مقترح القائم بالأعمال ونائبه بشأن مدة المرحلة الانتقالية، التي في رأيها أكثر كافية لعملية الانتقال إلى حكم ديمقراطي».
وعبرت واشنطن أول من أمس، عن تأييدها «المطالب الشرعية» للمتظاهرين السودانيين. وقالت ماكيلا جيمس: «نحن نؤيد المطلب الشرعي للشعب السوداني بحكومة يقودها مدنيون، نحن هنا لتشجيع الطرفين على العمل معا لدفع هذا المشروع قدما في أسرع وقت ممكن». وجيمس غادرت الخرطوم أمس، في طريقها إلى جوبا عاصمة جنوب السودان في إطار جولتها الأفريقية حاليا.
وتابعت المسؤولة الأميركية: «لقد عبر الشعب السوداني بشكل واضح عما يريده». وأضافت: «نريد أن ندعمه على هذا المستوى، وهي أفضل طريقة للتقدم نحو مجتمع يحترم الحقوق الإنسانية، ودولة القانون، ويكون قادرا على معالجة المشاكل الخطيرة التي تواجهها البلاد».
في سياق ثان، قال المجلس العسكري الانتقالي في السودان، في بيان، إنه علق عقدا مع الشركة العالمية لموانئ الحاويات الفلبينية المتخصصة في إدارة الموانئ لحين استكمال إجراءات إلغاء العقد. وكان عمال في مرفأ الحاويات الجنوبي بميناء بورسودان دخلوا في إضراب في فبراير (شباط) احتجاجا على امتياز مدته 20 عاما جرى توقيعه في يناير (كانون الثاني) مع وحدة تابعة للشركة الفلبينية لتشغيل وإدارة وتطوير مرفأ الحاويات الجنوبي في بورسودان.
وقال البيان: «أصدر المجلس العسكري الانتقالي في اجتماعه قرارا بتعليق عقد الشركة الفلبينية العاملة بميناء بورسودان الجنوبي لحين استكمال الإجراءات القانونية اللازمة لإلغاء العقد». ولم يذكر البيان المزيد من التفاصيل.



ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.


قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
TT

قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)

يراقب الشارع اليمني انخراط الجماعة الحوثية في الحرب لدعم إيران عسكرياً في مواجهة أميركا وإسرائيل بقلق متزايد؛ خشية أن تتحول البلاد المنهكة بالحرب والأزمات الاقتصادية ساحةً جديدةً لصراع إقليمي أوسع. ويتساءل قطاع واسع من اليمنيين عن الفارق الذي ستحدثه هذه الخطة الحوثية، وسط آمال بانتهاء انقلاب الجماعة المتحالفة مع طهران.

وعلى الرغم من الخطاب التعبوي للجماعة عن «معركة كبرى» مزعومة ضد إسرائيل وحلفائها، يبدي السكان في صنعاء ومدن أخرى، مخاوف متنامية من تداعيات هذا الانخراط، بدءاً من احتمال تعرض البلاد لضربات عسكرية، وصولاً إلى مزيد من الضغوط المعيشية على مجتمع يواجه بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ومنذ الساعات الأولى لإعلان الجماعة إطلاق صواريخها باتجاه إسرائيل، بدأت ردود فعل متنوعة في أوساط السكان ما بين التهكم والقلق والغضب والاستعداد للنزوح وشراء مواد تموينية ضرورية، خصوصاً الوقود والغاز المنزلي، إلا أن هناك من رأى أن ما أقدمت عليه الجماعة قد يكون سبباً في حل الأزمة اليمنية، أو منحها بعداً جديداً.

يقول، مراد أحمد، وهو موظف عمومي، لـ«الشرق الأوسط» إنه وعائلته يتابعون التطورات بقلق متزايد، ويفكرون في خياراتهم إذا ما وجدوا أنفسهم مضطرين إلى مواجهة مزيد من أعباء الحياة اليومية إذا أصبحت البلد في قلب حرب إقليمية جديدة قد يدفع ثمنها المدنيون أولاً.

عنصر حوثي في صنعاء يحرس مظاهرة للجماعة تأييداً لإيران (رويترز)

وتتردد في أوساط اليمنيين تعليقات متكررة تنتقد أولويات الجماعة الحوثية في ظل الأزمة المعيشية، فبينما ينتظر غالبية الموظفين العمومين الرواتب منذ سنوات، تتحول النقاشات توقعات ردود الفعل بعد إطلاق الصواريخ بعيدة المدى التي يستنكر الغالبية حضورها بينما تنقطع الكهرباء ويختفي الغاز وغالبية الخدمات ويتأجل الحديث عن الرواتب المنقطعة منذ قرابة عقد.

يشير جمال مصطفى، وهو موظف عمومي آخر ممن انقطعت رواتبهم منذ سنين، إلى أن التهكم في حد ذاته أصبح قاسياً ومريراً. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن اليمنيين، وبينما يخشون من التأثيرات الاقتصادية للحرب وتداعيات استهداف منشآت الطاقة، يجدون أنفسهم عُرضة لأن يكونوا أكثر من يدفع ثمن صراع أكبر منهم.

مغامرة غير محسوبة

وتتفاوت تقديرات المتابعين لمدى فاعلية ومساهمة المشاركة الحوثية في المواجهة الجارية في المنطقة، خصوصاً أن صواريخها ومسيّراتها التي استهدفت إسرائيل سابقاً لم تكن مؤثرة عسكرياً، مقابل هجماتهم السابقة في البحر الأحمر التي عطلت الملاحة الدولية وتسببت بخسائر كبيرة في الاقتصاد والتجارة العالميين ورفعت تكلفة النقل والتأمين البحري.

الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتفعّل خطاباً تعبوياً للتصعيد رغم مخاوف السكان على معيشتهم (رويترز)

يذهب فارس البيل، الأكاديمي والباحث السياسي اليمني، إلى أن التدخل الحوثي المؤجل منذ بداية المواجهة كان مفروضاً على الجماعة، لكنه جاء في توقيت غير محسوب، فبعد أن كانت إيران تتوقع أن يؤثر الحوثيون في المعركة، فإن الضربات الأميركية - الإسرائيلية فككت قدرات النظام الإيراني وجعلت المساهمة الحوثية هشة وبلا مبرر، خلافاً للشروط التي وضعتها الجماعة قبل هجماتها.

ويضيف البيل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن لا تأثير لدخول الحوثيين في حماية إيران أو تهديد إسرائيل عسكرياً، سوى أنه سيجلب على اليمنيين دمار بنيتهم التحتية، لكنه في الآن ذاته كتب على الحوثي النهاية، وسيفتح الباب لدخول أطراف جديدة لحماية الملاحة في البحر الأحمر؛ ما سيكون سبباً لخلاص اليمن والمنطقة من الجماعة.

المزاج الشعبي

ويبدو المزاج الشعبي في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية معزولاً عن خطابها التعبوي، فبينما يخشى كثيرون من تبعات مغامراتها، ينتظر غيرهم أن تعجّل جميع ممارساتها بإنهاء نفوذها.

يقول باحث يمني أكاديمي في السياسة والإعلام، إن قطاعاً من السكان باتوا يتوقعون أن تكون نهاية الأزمة اليمنية مرتبطة بالتصعيد الذي تشهده المنطقة، وإن مشاركة الجماعة الحوثية في المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يمكن أن تؤدي إلى حل غير متوقع للصراع في اليمن.

الشارع اليمني متخوف من تبعات دخول الحوثيين في الحرب إلى جانب إيران (غيتي)

وحسب ما ينقله الباحث، الذي تتحفظ «الشرق الأوسط» على هويته لإقامته في صنعاء، فإن أصحاب هذا الرأي لا ينتمون إلى طبقة أو فئة اجتماعية محددة، وإنهم موجودون في كل المستويات الاجتماعية والعلمية والثقافية. ويفسر آراءهم بأنها تأتي نتيجة الضبابية والغموض في مستقبل الأزمة اليمنية، وصعوبة توقع حل سلمي لها، خصوصاً مع تعنت الجماعة الحوثية، واستعداداتها الدائمة لمعارك لا تنتهي.

استنزاف داخلي

يتفق كثير من المراقبين على أن ارتباط الأزمة اليمنية بالحرب الإقليمية الحالية من التدخل الحوثي، سيمنحها مساراً جديداً، لكنهم يختلفون في طبيعته وتفاصيله.

فوقاً لما يورده الباحث، هناك من يرى أن الحوثيين - بقدر ما يعرّضون البلد للمزيد من الخراب وتدمير البنية التحتية ويهدّدون حياة وسلامة السكان، إذا ما قررت الولايات المتحدة وإسرائيل الرد على هجماتهم - يعرّضون أنفسهم بالمقابل لاستنزاف كبير، خصوصاً إذا طالت المواجهة، وهذا يسهِم في إضعافهم، ويعزز من إمكانية التمرد عليهم.

دخان غارة إسرائيلية وسط صنعاء في سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)

وعلى جانب آخر، يرجّح آخرون أن يؤدي إضعاف الجماعة عسكرياً واستنزافها اقتصادياً إلى قبولها مستقبلاً بعملية سلام فعلية، بعد أن يجري تجريد النظام الإيراني من أدواته ووسائل دعم أذرعه في المنطقة، وفي هذه الحالة ستتعاطى بانتهازية لتجنب نفسها الانهيار الداخلي وصراع الأجنحة الذي ستتسبب به محدودية الموارد والنفوذ.

وطبقاً لتوقعات أخرى، فإن مغامرة الجماعة قد تؤدي إلى زيادة حظوظها في السيطرة والنفوذ في حال خروج إيران من المواجهة دون هزيمة كاملة تنهي قدرتها على التدخل في شؤون دول المنطقة؛ وهو ما سيعزز من خطاب الجماعة الذي يزعم قدرتها على فرض نفسها كقوة إقليمية، وسيقابله تفاقم معاناة السكان تحت سيطرتها.

ويرى أصحاب هذا التوقع أن ذلك سيفرض على اليمنيين مواجهة مباشرة وحاسمة مع الجماعة التي ستتوقع أنها فرضت نفوذها إلى الأبد، بينما هي عرضت نفسها لاستنزاف قدراتها وإمكانات سيطرتها، وضاعفت من غضب السكان عليها، كما حدث لنظام الأسد في سوريا أواخر العام قبل الماضي.