توتنهام حاول محاكاة آرسنال 13 عاماً... والآن حان الوقت لفعل العكس

توتنهام حاول محاكاة آرسنال 13 عاماً... والآن حان الوقت لفعل العكس

انتقل إلى استاده الجديد الرائع واحتفظ بمدربه الطموح من دون الاعتماد على ميزانية ضخمة لبناء الفريق
الأربعاء - 19 شعبان 1440 هـ - 24 أبريل 2019 مـ رقم العدد [ 14757]
لندن: بارني روناي
في الوقت الحالي، يجد آرسنال نفسه في موقف شديد الشبه بموقف توتنهام هوتسبير. ومع هذا، لا يرغب الأخير في السير على النهج ذاته الذي اتبعه غريمه منذ عام 2006.

والملاحظ أنه منذ الفوز الممتع والمثير الذي حققه توتنهام هوتسبير بعيداً عن أرضه أمام مانشستر سيتي في إطار بطولة دوري أبطال أوروبا، ثمة ميل قوي على نطاق واسع نحو عقد مقارنات بين الناديين: من حيث التمويل والهيكل والدرجات المتباينة والتواضع الزائف والخداع الذي يمارسه مدربا الفريقين. وفي كثير من جوانبها، تبدو تلك مقارنة دون أدنى عائد حقيقي، ذلك لأنها تجري بين كيانين منفصلين ومتباينين أشد التباين ويتبعان طريقين مختلفتين للوصول إلى المقصد ذاته. وبالتأكيد تحمل هذه المقارنة دلالات إيجابية بالنسبة لتوتنهام هوتسبير، بينما تؤلم بالتأكيد المدرب الإسباني جوسيب غوارديولا ومشروعه الكروي الطموح في مانشستر سيتي.

اليوم، أصبحت الحقائق معروفة للجميع، فقد أنفق مانشستر سيتي 150 مليون جنيه إسترليني على استقدام مدافعين خلال الموسمين الماضيين. في المقابل، أنجز توتنهام هوتسبير المباراة التي جرت على أرض استاد الاتحاد معقل سيتي دون إبرام أي صفقات، وبلاعبين متوسطي التكلفة في مراكز الجناح الأيسر وخط الوسط الدفاعي.

إضافة إلى ذلك، يبدو أن مدربي الفريقين نفسيهما يمثلان مدرستين مختلفتين. والمؤكد أن ثمة شعوراً بالفخر والزهو يسيطر على جنبات وأداء مانشستر سيتي وطموحه الكبير المرتبط ببطولة دوري أبطال أوروبا. واللافت أنه أثناء المؤتمر الصحافي الذي عقد قبل انطلاق المباراة في إطار البطولة، استخدم غوارديولا كلمة «أنا» 23 مرة بين إجمالي 250 كلمة. وبذلك يتضح أنه رغم ولعه المعروف بالنظام والعمل الجماعي، تشكل بطولة دوري أبطال أوروبا بالنسبة لغوارديولا شغفاً يحمل طابعاً شخصياً عميقاً.

في المقابل، بدأ تركيز ماوريسيو بوكتينيو مدرب توتنهام على مدار مباراة الإياب منصباً على الفريق والمباراة والجهود المشتركة بين أفراد الفريق. وكانت هناك لحظة في نهاية المباراة، بدا خلالها المدرب قد فقد السيطرة على مشاعره، وقفز من مقعده وظل يتحرك ذهاباً وإياباً على طول خط التماس مرتدياً قميصاً وبنطالاً بلون أسود لامع، بينما ظل يحرك يديه في الهواء بانفعال ويرسم صوراً وأشكالاً عشوائية بصورة متعجلة، وبدا أشبه برجل من رجال المافيا يلوح بيديه في ذعر لآخر حافلة في الليل لتقله خارج قلب مدينة مانشستر. وفي وقت لاحق، عندما عاد اللاعبون إلى غرف تغيير الملابس، بدت حالة من الإثارة والفرحة العارمة مسيطرة على بوكتينيو الذي أخذ يصيح ويصرخ فرحاً.

ويبدو مثل هذا السلوك الرجولي جزءًا لا يتجزأ من الكاريزما التي يتميز بها بوكتينيو، فهو يعشق احتضان لاعبيه. ويبدو كأنه على استعداد لاحتضان كل من يظهر في طريقه، لو أمكنه ذلك. ويعزز هذا الشعور بوجود طرفي نقيض، حيث يبدو توتنهام هوتسبير مشروعاً بشرياً، يقف في مواجهة مشروع آلي ضخم. ومع ذلك، تبقى المقارنة خادعة، أو على الأقل خاطئة في الوقت الحالي.

الواقع أن نموذج مانشستر سيتي القائم على الاستثمارات الهائلة والهيكل الهرمي على غرار النظام المميز لنادي برشلونة، لا يحمل دروساً تذكر يمكن لتوتنهام هوتسبير الاستفادة منها في هذه المرحلة، ولا دلالات تتعلق بالمزايا الدائمة التي يمكنه حصدها من وراء الفوز المثير الذي حققه في دور ربع النهائي.

الواضح أن توتنهام هوتسبير بمقدوره تحمل خسارة غياب هدافه هاري كين، بل وربما بوكتينيو نفسه، لكنه يعجز عن تحمل تبعات خسارة رئيس النادي دانييل ليفي. يذكر أن توتنهام هوتسبير سيخوض المواجهة المقبلة أمام أياكس الهولندي، وهي مباراة يمكن أن يخسرها بسهولة شديدة. ولا يعود السبب وراء ذلك لنقاط قصور لدى توتنهام هوتسبير، وإنما لكون أياكس فريقاً بارعاً للغاية. ولم يكن غريباً رؤية توتنهام يخسر أمام مانشستر سيتي على أرض استاد الاتحاد السبت، في الدوري، ليجد نفسه يصارع من أجل حجز مكان بالمربع الذهبي يؤهله للعودة إلى دوري أبطال أوروبا الموسم المقبل.

وهنا تحديداً تكمن خطورة حقبة بوكتينيو داخل نادي توتنهام هوتسبير؛ أن المستقبل لم يصنع بعد، ومع هذا يبدو في بعض الأحيان قاب قوسين أو أدنى. أما النادي الأقرب إلى توتنهام هوتسبير من حيث الظروف الحالية بحيث يمكن عقد مقارنة معه، فيقع في الحقيقة على مسافة جغرافية أقرب إلى النادي؛ وهو آرسنال.

الواقع أن الحقبة الجديدة في مسيرة آرسنال تحمل كثيراً من العبر والدروس التي يمكن لتوتنهام هوتسبير الاستفادة منها. وهنا، ثمة نقاط التقاط، وكذلك تباين، بين الناديين. الملاحظ أنه على مدار الأعوام الـ13 الماضية، حاول توتنهام هوتسبير محاكاة جيرانه. الآن، ربما حان الوقت المناسب كي يبدأ في فعل العكس، بمعنى أن يحاول ألا يصبح شبيهاً لآرسنال.

عند إمعان النظر، تبدو التشابهات بين الناديين مذهلة، فمنذ 13 عاماً، تحديداً في صيف 2006. أنجز آرسنال الانتقال إلى استاده الجديد (الإمارات). ومنذ 13 عاماً كذلك، قدم آرسنال أفضل موسم له في إطار بطولة دوري أبطال أوروبا، الذي انتهى بخسارته أمام برشلونة في النهائي، وحالياً أمام توتنهام هوتسبير فرصة لمحاكاته في غضون 6 أسابيع من الآن.

في ذلك الوقت، ساد صفوف آرسنال شعور بالقوة، لكنها كانت قوة هشة سريعة التلاشي. أيضاً، كان يضم في صفوفه مهاجماً من النجوم الدوليين ظهرت أقاويل من وقت لآخر حول انتقاله إلى إسبانيا. كما حظي آرسنال في تلك الفترة بمدرب صاحب شخصية كاريزمية، كان يعمل في ظل ظروف تقشف شديد بسبب مشروع بناء الاستاد الجديد. علاوة على ذلك، حظي آرسنال بنائب رئيس يتمتع برؤية ملهمة كان له تأثير ملموس في كل تفصيلة من تفاصيل النادي. ويرى كثيرون أن رحيل ديفيد دين، بعد عام من الانتقال إلى الاستاد الجديد، كان له أثر كبير في تحول مسار النادي. ورغم استمرار أرسين فينغر في منصب المدرب لفترة طويلة، فإنه برحيل دين فقد النادي القوة الحيوية للقيادة. وشيئاً فشيئاً، بدأ الجمود يسيطر على مستقبل النادي، وأسهم في ذلك قدوم مليارديرات أجانب يحدوهم الطموح.

والسؤال الآن: ما الدرس المستفاد من حالة الجمود البطيء التي زحفت على أوصال آرسنال في تلك السنوات التي شهدت بداية انتقاله إلى الاستاد الجديد، وشعور التعاسة الذي سيطر نهاية الأمر على جنبات الاستاد الفاخر الجديد؟ ربما أن المدربين ليسا العنصر البشري الأهم في الهيكل الحديث لكرة القدم. لقد تمكن توتنهام هوتسبير من الاستمرار بعد إصابة هاري كين. وعلى النقيض من الاعتقاد الشائع، فإنه باستطاعته كذلك تحمل تبعات رحيل بوكتينيو. إلا أنه لا يستطيع تحمل خسارة دانييل ليفي، المشارك في ملكية النادي والمدير الفعلي لشؤون كرة القدم فيه وربما أهم شخصية على صعيد الكرة الإنجليزية داخل نادٍ كروي إنجليزي في الوقت الراهن، إضافة لكونه الوحيد منذ دين الذي عاون في بناء نادٍ كبير ناجح على أسس عصرية.

بمرور الوقت، ستستمر ملامح مستقبل توتنهام هوتسبير في التكشف مع تعاقب فصول الدراما الدائرة حول بوكتينيو والفكرة الخاطئة الجوهرية القائمة على أن مجهوده العظيم لن يصبح حقيقة مؤكدة إلا بفوز فريقه ببطولة. أما مانشستر سيتي، فسيظل المعيار الذي يجري القياس عليه في تقييم جميع الفرق الأخرى، بينما سيبقى مانشستر يونايتد وتشيلسي أقرب غريمين. في الواقع، يكمن التحدي القائم أمام توتنهام هوتسبير في التعلم من التجارب التي خاضها جيرانه في آرسنال، وأن يقبل حقيقة أن النادي تحول اليوم إلى آلة تجارية، وأن السبيل الفضلى لإدارته هي تركه يسير تبعاً لتصور ليفي، مع الحرص على عدم الاقتراب من نموذج آرسنال.
المملكة المتحدة الدوري الإنجليزي الممتاز

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة