تحليل إخباري: باريس تسعى لتوضيح سياستها في ليبيا... ودحض «مزاعم» دعمها لحفتر

تحليل إخباري: باريس تسعى لتوضيح سياستها في ليبيا... ودحض «مزاعم» دعمها لحفتر

قالت إن اتهامات وزير داخلية ليبيا لا تعبر عن موقف حكومة طرابلس
الأحد - 15 شعبان 1440 هـ - 21 أبريل 2019 مـ رقم العدد [ 14754]
باريس: ميشال أبونجم
بعد الضبابية التي خيمت على موقف باريس من حملة المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الليبي، للسيطرة على طرابلس، واتهامات وزير الداخلية الليبي لفرنسا بالوقوف وراءه، إضافة إلى الغموض الذي أحاط بتوقيف 13 فرنسيا مع أسلحتهم على الحدود التونسية ــ الليبية وهم من حملة الجوازات الدبلوماسية، كان على باريس أن تجلو «الغموض»، وتعبر عن موقف منسجم وواضح. وهذا ما قامت به الدبلوماسية الفرنسية خلال الأيام القليلة الماضية عبر اتصالات وبيانات، هدفت كلها إلى «كسر» الصورة التي تجعل فرنسا في صف حفتر.
وتقول مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس إن فرنسا «دعمت فعلا حفتر»، عسكريا وأمنيا واستخباريا منذ العام 2015. انطلاقا من مبدأ أنه الطرف القادر على محاربة الإرهاب، وتأمين الاستقرار، وخاصة الموارد النفطية. لكن مع وصول الرئيس ماكرون إلى السلطة، وبعد تشكيل حكومة الوفاق الوطني، بإدارة فائز السراج، «عدّلت» باريس موقفها، واعتبرت أنها قادرة على لعب دور أكبر من خلال دفع الرجلين (السراج وحفتر) إلى التفاهم. وقد برز ذلك في استفراد فرنسا بالدعوة إلى «قمة» جمعتهما في يوليو (تموز) 2017. ثم في قمة ثانية في مايو (أيار) من العام الماضي، بحضور ممثلين عن مجموعة دول، بينها إيطاليا، وغسان سلامة الموفد الجديد للأمم المتحدة. وقد كانت حصيلة القمة الثانية التفاهم على «خارطة طريق»، أبرز ما فيها الاتفاق على انتخابات تشريعية ورئاسية قبل نهاية 2018. وتوحيد المؤسسات بما فيها العسكرية. وكان لماكرون جملة «معبرة» بشأن التوفيق بين الرجلين، إذ اعتبر أن السراج يمثل «الشرعية السياسية»، بينما يمثل حفتر «الشرعية العسكرية».
عمليا، ساعدت باريس حفتر من خلال دفعه إلى الواجهة، وإسباغ نوع من الشرعية عليه، وتمكينه من أن يصبح «رقما صعبا» في المعادلة الليبية، و«جزءا من الحل وليس المشكلة». بيد أن باريس وضعت، عمليا، في صف حفتر إلى جانب دول عربية أخرى، إضافة إلى روسيا. وقد اتهمت باريس بعرقلة صدور بيان عن الاتحاد الأوروبي بشأن ليبيا. وساهمت الصحافة الإيطالية في تأجيج الحملة على باريس من خلال اتهامها بـ«إعطاء» الضوء الأخضر لحفتر لإطلاق عمليته العسكرية تجاه الغرب الليبي، الأمر الذي رد عليه قصر الإليزيه بالتأكيد على أنه «لم يكن على علم» بهجوم حفتر، وأنه ليس لباريس «أجندة سرية» في ليبيا.
من هنا كان واضحا للمسؤولين الفرنسيين أن عليهم التحرك لـ«توضيح» الصورة، وقد تم ذلك على مستويين: الرئاسة الفرنسية من جهة، والخارجية من جهة أخرى. كما قام مندوب فرنسا في الأمم المتحدة فرنسوا دو لاتر بجهود في مجلس الأمن. وهكذا، تواصل الرئيس ماكرون مع أمين عام الأمم المتحدة والسراج وحفتر لوضع الأمور في سياقاتها، واستفاد من القمم الأوروبية لتوضيح رؤية بلاده. أما وزير الخارجية فتواصل مع نظيره الأميركي مايك بومبيو، ومع غسان سلامة، ومع أطراف أوروبية وعربية معنية بالدرجة الأولى بالملف الليبي. ونتيجة لهذه الاتصالات فإن الموقف الفرنسي الرسمي يقوم اليوم على الدعوة لـ«وقف سريع لإطلاق النار»، والعودة من غير تأخير للمسار السياسي، ودعم الجهود التي تبذلها الأمم المتحدة.
وأول من أمس، جاء في بيان للخارجية الفرنسية أن باريس «أعلنت معارضتها» للحملة العسكرية، وأنها «تدعم حكومة الوفاق»، وهي «تقيم تعاونا أمنيا وثيقا، يتجسد خصوصا في تأسيس الحرس الرئاسي، وتعزيز القوات البحرية الليبية». لكن اللافت في رد باريس على اتهامات وزير الداخلية الليبي تساؤلها عما إذا كان كلامه «يعبر عن وجهة نظر كل حكومة الوفاق».
وردا على الذين يتهمون باريس، ضمنا، بعرقلة التوصل إلى موقف دولي لوقف إطلاق النار، أكدت الخارجية الفرنسية أنها «تعمل دون هوادة» مع شركائها في مجلس الأمن من أجل اعتماد قرار يدعو إلى وقف النار. وفي بيان سابق أعقب اتصال لو دريان بغسان سلامة أكدت باريس أنها «تعتزم مواصلة بذل جهودها إلى جانب الليبيين، وشركائها الأوروبيين، والبلدان المجاورة لليبيا من أجل التوصّل إلى تسوية قائمة على التفاوض حول هذا النزاع، إذ يمثّل إنهاؤه رهاناً بالغ الأهمية لأمن القارة الأوروبية، ولاستقرار حوض البحر الأبيض المتوسط ومنطقة الساحل، ولضبط موجات الهجرة».
لا يبدو أن هذه البيانات ستكون كافية لإبعاد باريس عن شبهات التحيز. لكن إطالة أمد المعارك يضع باريس في موقف «صعب» إزاء الضغوط التي تمارس على المستوى الدولي، والتي لا تستطيع أن تواجهها علنا. من هنا «تشيدها» على وقف سريع لإطلاق النار من غير أن يصل ذلك إلى «إدانة» خطط حفتر. وما يبدو شبه مؤكد هو أن باريس تريد دولة قوية في ليبيا، بالنظر لما لها من مصالح استراتيجية واقتصادية وسياسية في شمال أفريقيا وبلدان الساحل. فضلا عن ملف الهجرة، وما له من انعكاسات على الوضع السياسي الداخلي في فرنسا، وفي أوروبا، خصوصا أنها تقف على عتبة الانتخابات الأوروبية المقررة نهاية مايو القادم، والتي يريد اليمين المتطرف والشعبوي الاستفادة منها لبسط توازنات سياسية جديدة.
ليبيا الأزمة الليبية

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة