الجيش اليمني: الميليشيات أدخلت عشرات المقاتلين الأفارقة إلى الحديدة

رصد موقعين لتجميع الطائرات المسيّرة

TT

الجيش اليمني: الميليشيات أدخلت عشرات المقاتلين الأفارقة إلى الحديدة

كشف الجيش اليمني أن الميليشيات الانقلابية أدخلت خلال الأيام الماضية العشرات من المقاتلين الأجانب من القارة الأفريقية إلى مدينة الحديدة من الجهة الشمالية للمدينة، وذلك بهدف تكثيف تعزيزاتها العسكرية والقيام بأعمال قتالية في المدينة، في حين رصد الجيش موقعين سريين داخل مناطق سكنية لتصنيع وتجميع الطائرات المسيرة.
ولم يتم التحرك صوب تلك المواقع التي رصدها الجيش نظرا لصعوبة التعامل معها في هذه المرحلة عسكرية لقربها من مناطق مأهولة، إلا أنه يدرس جميع الخيارات المتاحة للتعامل مع تلك المواقع بما يتوافق مع قواعد الاشتباك.
وقال العميد ركن عبده عبد الله مجلي، المتحدث الرسمي للقوات المسلحة اليمنية لـ«الشرق الأوسط»، إن الميليشيات الانقلابية أجبرت عددا كبيرا من اللاجئين والمهاجرين القادمين من القرن الأفريقي للانخراط في معسكراتهم، ومن ثم الزج بهم في المواجهات العسكرية، ومن ذلك ما قامت به مؤخرا بدفع العشرات منه إلى مدينة الحديدة لتنفيذ مهام عسكرية صرفة.
الميليشيات باتت تستخدم القوة المفرطة في الترهيب بعد نفاد ورقة الترغيب المتمثلة بالموارد المالية التي كانت تقوم بها في السنوات الماضية، وأصبحت تنزع الرجال والأطفال، وفي الآونة الأخيرة، اللاجئين من جنسيات مختلفة بالقوة وتحت تهديد السلاح للانخراط في صفوفها، الأمر الذي يتطلب معه تحركا دوليا لوقف هذه التجاوزات بحق اللاجئين والأطفال.
وأكد متحدث الجيش أن إدخال الميليشيات لهؤلاء المقاتلين في هذه المرحلة يعود لما تقوم به الميليشيات من تحضير لعمليات عسكرية ضد المدنيين ومن يخالفها في الحديدة، كذلك الانقضاض على مواقع الجيش الوطني، إضافة إلى إعادة تموضعها في ظل انحصارها كي تثبت أنها ما زالت موجودة على الأرض.

- الوضع الراهن
يقول الجيش اليمني إن الوضع على الجبهات يسير وفق ما خطط له من قبل القيادة العليا، وهناك تقدم كبير في مختلف الجبهات القتالية، وتحديدا الرئيسية «صعدة، ونهم» لقربها من العاصمة اليمنية صنعاء، ونجح الجيش في بسط نفوذه على مساحات شاسعة خلال الشهرين الماضيين، الأمر الذي يتيح للجيش للانقضاض على ما تبقى من وجود للميليشيات في عمران وبعض المديريات في الساحل الغربي من البلاد، وهو ما يؤكده الجيش في تصريحاته الدائمة بأن هناك تراجعا كبيرا وملحوظا في صفوف الميليشيات، خاصة أنها تكبدت خسائر كبير في المعدات والأرواح في الفترة الماضية، وسقط كثير من قيادات الصف الثاني في قبضة الجيش.
وأفصح الجيش صراحة، أن سقوط الميليشيات أصبح قاب قوسين أو أدنى، مرجعا ذلك إلى عوامل عدة، من أبرزها تضييق الخناق على الميليشيات في الجبهات، وقطع وصول الإمدادات العسكرية سواء من الداخل أو تلك القادمة من إيران عبر عمليات التهريب، كما أن الصورة الذهنية لمن كان يعتقد في الميليشيات خيرا تغيرت بشكل واضح وخاصة بعد انعقاد مجلس النواب الأسبوع الماضي، ورفضها تنفيذ ما جرى التوقيع عليه من اتفاقات، وهو ما ساعد كثيرا في لفظ بعض المديريات التي كانت شبه حاضنة لهذه الجماعة في فترة سابقة، وتدريجيا بدأت بحسب العميد مجلي، تنحسر في الشق الغربي من البلاد وبدأت تفقد كل يوم موقعا في المواجهات المباشرة.

- مواقع تصنيع الطائرات
بحسب المواجهات العسكرية والمتعارف عليها دوليا، استخدام الطائرات المسيرة من أحد أطراف المواجهة مؤشر على ضعف هذا الطرف على المواجهات المباشرة، كما يقول خبراء عسكريون، لذا عمدت الميليشيات في الآونة الأخيرة إلى استخدامها وبشكل كبير بعد أن تمكنت من إدخالها عبر عمليات التهريب، أو تصنيعها في الداخل من قبل خبراء إيرانيين والذين بلغ عددهم بحسب الجيش اليمني قرابة 150 خبيرا موزعين على 3 مدن رئيسية «الحديدة، وصعدة، وصنعاء».
وتعتقد الميليشيات أن استخدامها بهذا الشكل في ظل ما تعيشه من عجز عسكري في المواجهات المباشرة، سيساعدها على كسب مساحة من الوقت، وهو ما استبعده العميد مجلي، الذي لفت إلى أن تأثير مثل هذه الطائرات لا يكون فعالا في الحروب، قد تكون له نتائج على مساحة لا تتعدى 300 متر مربع، إلا أن الميليشيات تستخدمها بهدف استهداف شخصيات أو مواقع حيوية تعتقد من خلالها تعطيل تقدم الجيش ووقف زحفه.
مؤخرا وقبل أيام عدة، رصد الجيش اليمني من خلال عمل استخباراتي موقعين كبيرين لتخزين وتجميع الطائرات المسيرة، وكانت الميليشيات تعتقد أن إخفاءها ووضعها بالقرب من المناطق السكنية لا يمكن رصده أو تتبعه، إلا أن الجيش تمكن من تحديد الموقعين، ويعتقد أن هذين الموقعين هما المغذيان لجميع العمليات التي نفذتها الميليشيات في الآونة الأخيرة ومنها محاولة استهدافها لموقع عقد مجلس النواب في محافظة «سيئون» والتي تمكن التحالف من اعتراضها قبل وصولها إلى الأهداف.
وهنا يؤكد العميد مجلي أنه جرى تحديد الموقعين ويصعب الإفصاح عنهما الآن لقربهما أولا من المناطق الآهلة بالسكان «ويصعب استهدافهما الآن ولكن نعمل على الوصول إليهما بشكل أو بآخر»، كذلك تحسبا من تحرك الميليشيات ونقل جميع محتويات هذين الموقعين إلى مواقع أخرى، لافتا إلى أن الحوثيين ومنذ أشهر عدة، عمدوا إلى نقل أسلحتهم الثقيلة إلى مواقع سكنية حتى يصعب استهدافها بشكل مباشر، خاصة بعد أن نجح طيران التحالف العربي وطيران الأباتشي في استهداف كثير من المواقع، التي كان آخرها استهداف 3 مواقع لتجميع الطائرات المسيرة والأسلحة المتوسطة في قاعدة الديليمي الجوية، ومقر الفرقة الأولى مدرع، وبيت عدنان، وهي حالات تتناسب مع قواعد الاشتباك.
ويأتي تحرك الميليشيات بهذه السرعة لنقل معداتها لمواقع سكنية وخاصة تصنيع وتجميع الطائرات المسيرة، بعد أقل من شهرين وتحديدا من مطلع فبراير (شباط) من إحباط تهريب كميات من الصواريخ، وطائرات من دون طيار، محملة على شاحنات متوسطة كانت في طريقها إلى صنعاء، والتي جاءت نتيجة عملية بحث وتحرٍ للمعلومات الواردة التي تعاملت معها أجهزة وزارة الداخلية اليمنية، عن كميات من الأسلحة وصلت عبر السواحل الشرقية التي تسيطر عليها الحكومة الشرعية، والتي تستوردها الميليشيات الانقلابية من خلال تجار الحروب الذي يقومون بنقلها وإيصالها إلى مواقع سيطرتهم.

- الحوثيون يتكتلون في الحديدة
لا ترغب الميليشيات الانقلابية في التفريط بمدينة وميناء الحديدة، حتى وإن كلفها ذلك الشيء الكثير، فهي المصدر الحقيقي لها بعد تضييق الخناق المالي ونقل البنك المركزي إلى العاصمة المؤقتة «عدن»، والعسكري بعد نشر الجيش وسيطرته على جميع المواقع، والسياسي الذي نجحت فيه الخارجية اليمنية في تصحيح كثير من المغالطات خاصة في الاتحاد الأوروبي، لذا فهي تلعب على كل المسارات بالموافقة تارة والرفض تارة، ولكن الأهم ما يحدث داخل المدينة من أعمال تؤكد أن الميليشيات لن تترك المدينة رغبة بل كرها.
الدفع بالتعزيزات العسكرية، كما يقول العميد مجلي، تأكيد أن الميليشيات لن تسلم المدينة طوعا، فهي قامت خلال الأيام الماضي بإرسال أسلحة ثقيلة ومتوسطة إلى الحديدة، كذلك دفعت بالمئات من المقاتلين، وسحبت بحسب ما جرى رصدها عناصر من جبهات مختلفة إلى الحديدة بهدف تقوية الموقف العسكري لهم في الداخل، مدللا على ذلك بأن الميليشيات الانقلابية قامت قبل يومين بزيادة حفر الخنادق ونقاط التفتيش ونشر العشرات من القناصة على المباني السكنية، قبل زيارة المبعوث الخاص لليمن.
ولفت متحدث القوات المسلحة إلى أن هذا يأتي بالتزامن مع إدخالها قبل شهر صواريخ باليستية ومعدات عسكرية ثقيلة إلى مدينة الحديدة من الجهة الشمالية للمدينة، محملة في شاحنات مخصصة لنقل قطع غيار المركبات والآليات، هذه الكميات من الصواريخ والمعدات الثقيلة دخلت عبر ميناءي الصليف ورأس عيسى قادمة من إيران، موضحا أن هذه الأعمال تبرهن للعامل أن هذه الميليشيات لا تلتزم ببنود وقف إطلاق النار وتسليم المدينة.

- الصمت الدولي
وضح الجيش اليمني أن الميليشيات الانقلابية أغراها صمت الأمم المتحدة التي لم تحدد المعرقل في تنفيذ بنود اتفاق السويد، وجعلها تزيد من أفعالها الإجرامية دون حساب، وهذا ما لا يقبله الجيش اليمني، الذي يحمل الأمم المتحدة كل المشاكل التي تحدث على الأرض من انتهاكات وضرب للبنية التحتية، مطالبين بأن يكون هناك إيضاح للعالم وللإعلام عن معطل العملية السلمية. ويبدو أن الجيش يتوافق مع العمل الدبلوماسي للخارجية اليمنية، التي تبذل مساعي لإصدار بيان من مجلس الأمن يفصح للمرة الأولى بأن الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران هي الطرف المعرقل لكل المساعي الرامية إلى دفع جهود السلام، وهنا قال العميد مجلي، إن الجيش الوطني لن يقف مكتوف الأيدي أمام تجاوز الميليشيات الحوثية، وما أخذ بالقوة فلن يسترد إلا بالقوة، إن لم يكن هناك حراك من المجتمع الدولي.
وقال إن الجيش دفع بتعزيزات عسكرية إلى 4 جبهات رئيسية، أبرزها محورا باقم وكتاف، إلا أنه لم يفصح عن حجم التعزيزات العسكرية، مؤكدا أن هذه التعزيزات تعد كبيرة ومجهزة بأحدث وسائل التسليح، وبها قوات خاصة لديها القدرة على تنفيذ مهام عسكرية محددة وتسلق الجبال وعمليات الاقتحام المباشر.


مقالات ذات صلة

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.