خبير عسكري: دمشق عاجزة عن مواجهة السلاح الأميركي.. وتهديدها بالرد «مكابرة سياسية»

المعارضة تطالب بأن تشمل الضربات الجوية «داعش» و«النظام» لإنهاء ظاهرة المجموعات المتطرفة

مقاتلون سوريون يتجولون في شوارع حلب التي دمرت بعد تعرضها لقصف النظام السوري(أ.ف.ب)
مقاتلون سوريون يتجولون في شوارع حلب التي دمرت بعد تعرضها لقصف النظام السوري(أ.ف.ب)
TT

خبير عسكري: دمشق عاجزة عن مواجهة السلاح الأميركي.. وتهديدها بالرد «مكابرة سياسية»

مقاتلون سوريون يتجولون في شوارع حلب التي دمرت بعد تعرضها لقصف النظام السوري(أ.ف.ب)
مقاتلون سوريون يتجولون في شوارع حلب التي دمرت بعد تعرضها لقصف النظام السوري(أ.ف.ب)

تترقب المعارضة السياسية والعسكرية الخطوات التنفيذية للتحرك العسكري الأميركي المرتقب ضد تنظيم «داعش» في سوريا، مجددة مطالبتها «المجتمع الدولي بمحاربة كل التنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها نظام الرئيس بشار الأسد و«داعش». واعتبر الائتلاف أن النظام «أكبر راع وداعم للتنظيمات الإرهابية»، واصفا تهديد دمشق بالرد على الطيران الأميركي إذا شن ضربات من دون التنسيق معها بـ«استعراض لا قيمة له».
وفيما لم تكن المعارضة تشكك بموقف واشنطن الرافض للتنسيق مع النظام، تتوقع، ووفق المعطيات التي تملكها أنها لن تكون هي بعيدة عن أجواء أي ضربة عسكرية ضد التنظيم في سوريا، لا سيما أن الخارجية الأميركية كانت قد طلبت من الائتلاف الوطني، إطلاق مناشدة لمساعدته في مواجهة الإرهاب، قبل أيام وفق ما كشف عضو الائتلاف الوطني أحمد رمضان.
وقال رمضان لـ«الشرق الأوسط» سبق أن طلبت الخارجية الأميركية من الائتلاف الوطني لقوى الثورة، أن يطلق مناشدة للتدخل ومواجهة الإرهاب، وهو ما حصل في 16 أغسطس (آب) الماضي، بعقد مؤتمر صحافي في غازي عنتاب بتركيا، دعا فيه رئيس «الائتلاف الوطني السوري» هادي البحرة المجتمع الدولي لـ«مساعدة الجيش السوري الحر»، مناشدا العالم إنقاذ سوريا من «داعش». واعتبر البحرة حينها أن «عدم رحيل نظام الرئيس بشار الأسد يعني مزيدا من الإرهاب»، متهما النظام بـ«التنسيق غير مباشر مع «داعش».
وقال رمضان: «التوقعات تشير إلى أن الجانب الأميركي سيعمل بداية، على دعم الجيش الحر لمواجهة (داعش)»، مشيرا إلى أن تحركا قد بدأ في حلب بعد تشكيل غرفة عمليات بإمكانات ذاتية، تضم عددا من الكتائب العسكرية، وقد نجحت لغاية الآن في إبعاد خطر «داعش» عن بلدات عدة في الشمال.
وتوقع عضو الائتلاف أن يحصل تنسيق أميركي مع المعارضة والجيش الحر لضرب «داعش» لتفادي التعرض للثوار، وأن تأخذ الوعود بدعم الجيش الحر عسكريا، طريقها نحو التنفيذ، ولا سيما أن 90 في المائة من المناطق التي سيطر عليها تنظيم «داعش» كانت في يد المعارضة، مضيفا: «من الطبيعي أن تعود هذه المناطق إلى المعارضة». وفيما لفت إلى أن معلومات من قبل الإدارة الأميركية كانت تؤكد أنه لن يكون هناك اتصال أو تنسيق أمني أو عسكري مع النظام، أشار إلى أن وزير الخارجية السوري وليد المعلم حاول في كلامه الأخير عرض خدمات أمنية، وهي الممارسات التي اعتاد القيام خلال عشرات السنوات، في سوريا ودول عدة.
وفي هذا الإطار، اعتبر عضو الائتلاف الوطني عبد الرحمن الحاج أنه في حال قامت واشنطن بالتنسيق مع النظام لتنفيذ ضربة عسكرية فسيكون هذا الأمر مكافأة له، مضيفا في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «كما أن ضرب (داعش) من دون اتخاذ أي قرار بشأن النظام، لن يؤدي إلى إنهاء ظاهرة المجموعات المتطرفة، بل على العكس من ذلك، فالنظام سيعمد إلى العمل على إنشاء تنظيمات أخرى».
ورأى الحاج أن دمشق تحاول استغلال الفرصة المناسبة لتكون جزءا من الحل، معتبرا أن دعوتها لا يبدو أنها تلقى آذانا صاغية من الغرب بشكل عام وواشنطن بشكل خاص، وهي التي تعلم جيدا دور النظام في ظهور هذه التنظيمات المتطرفة في سوريا. وأكد رمضان أن المعارضة تطالب بتقديم الدعم العسكري لها لمواجهة خطر الإرهاب المتمثل بـ«النظام السوري»، و«داعش»، مشيرا إلى أن هناك رأيين اليوم في الإدارة الأميركية، أحدهما يؤيد فكرة التدخل المباشر والآخر يفضل التريث قليلا.
وسأل الحاج، ردا على قول المعلم إن سوريا سترد إذا لم يتم التنسيق معها بشأن الضربات الجوية ضد «داعش»، قائلا: «لو كان لها القدرة لفعلت قبل ذلك، هذا الكلام ليس أكثر من استعراض لا قيمة ولا معنى له».
وفيما أكد الحاج أنه لا يوجد أي تواصل مع الائتلاف والمعارضة من قبل أي جهة غربية بشأن الضربة العسكرية ضد «داعش» في سوريا، قال: «المعارضة مستمرة في عملها لتحرير المناطق وإذا أبعدت داعش فستتولى المعارضة السيطرة على الأرض».
ومن وجهة النظر العسكرية، قلل العميد المتقاعد نزار عبد القادر من قدرات النظام السوري العسكرية لمواجهة الطيران الأميركي، وقال في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «ليس لدى سوريا القدرة على المواجهة إذا قررت واشنطن تنفيذ غارات ضد (داعش)، كما أنها خسرت كل قواعدها الجوية في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم». وأضاف: «ما تملكه أميركا من تكنولوجيا عالية قادرة على شل مختلف الوسائل الإلكترونية التي تملكها سوريا في نظام دفاعها الجوي». وقال: «لم يسبق للنظام السوري أن تصدى للطيران الإسرائيلي الذي لا يصل إلى قدرة الطيران الأميركي، بل على العكس من ذلك، التزم الصمت». وأضاف: «القول إن النظام سيتصدى للطيران الأميركي ليس إلا عرض مجاني للغرب وكلام سياسي في مجال المكابرة».
وفيما رأى عبد القادر أنه من غير الواضح حتى الآن، ما هي المقاربة التي تفكر بها أميركا في الحرب بسوريا، رأى أن الضربات الجوية ضد التنظيم ستضعف قدراته، لكنها لن تكون حاسمة، لا سيما أن المناطق التي يسيطر عليها تسمح له باستقدام مئات المقاتلين. وأضاف: «إنه لا بد من القيام بعمل بري واسع وأن تشمل العمليات العسكرية المسرحين السوري والعراقي في الوقت عينه لكسر ظهر التنظيم بالكامل». وكان للائتلاف الوطني، موقف من كلام وزير الخارجية السوري، استهجن خلاله ما وصفه بـ«مجموعة الأكاذيب».
ورأى في بيان له، أن نظام الأسد، عبر تاريخه كله، هو أكبر راع وداعم للتنظيمات الإرهابية، والأمثلة أكثر من أن تحصى، وليس شاكر العبسي وتنظيم فتح الإسلام في لبنان هو المثال الوحيد، فرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، في عشية تفجيرات بغداد الإرهابية في أغسطس 2009، وجه أصابع الاتهام إلى الأسد المتعاون مع تنظيم «داعش» في العراق بتدبيرها، ومن ثم أكد المالكي أن معظم التفجيرات الإرهابية التي تقع على أرض العراق تأتي من قبل النظام.
ولفت البيان إلى أن تركيز «المعلم» على ضرورة تعاون المجتمع الدولي مع نظام الأسد في ضرب تنظيم «داعش» يتناقض مع تاريخ هذا النظام بصنع الإرهاب وحقيقة امتناعه عن ضرب مواقع التنظيم وقتا طويلا من الزمن. واعتبر إن النظام الذي يريد أن يستثمر القرار الدولي 2170 لمصلحته، ويوحي للعالم باستعداده ومقدرته على ضرب الإرهاب، كان تواطأ في الأمس القريب، في تسليم (مطار الطبقة) لتنظيم «داعش».
ودعا الائتلاف المجتمع الدولي لمحاربة كل التنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها نظام الأسد وتنظيم «داعش» وميليشيات «حزب الله» والميليشيات الإيرانية والعراقية التي تعتدي على الأراضي السورية والشعب السوري.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.