وعود مصرية بتقديم مساعدات للجيش الليبي ودعم البلاد إقليميا ودوليا

القاهرة تنفي مشاركتها في ضرب مواقع بطرابلس.. والخارجية الأميركية تعلن أنها «على علم بغارات جوية مصرية وإماراتية»

الرئيس السيسي خلال استقباله رئيس مجلس النواب الليبي أمس (المصدر: الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي خلال استقباله رئيس مجلس النواب الليبي أمس (المصدر: الرئاسة المصرية)
TT

وعود مصرية بتقديم مساعدات للجيش الليبي ودعم البلاد إقليميا ودوليا

الرئيس السيسي خلال استقباله رئيس مجلس النواب الليبي أمس (المصدر: الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي خلال استقباله رئيس مجلس النواب الليبي أمس (المصدر: الرئاسة المصرية)

قال البرلمان الليبي والجيش الوطني الذي يقود حملة عسكرية ضد المتطرفين في البلاد، إن القاهرة تعهدت لهما أمس بتقديم مساعدات للجيش ودعم الموقف الليبي إقليميا ودوليا، وذلك عقب استقبال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بالعاصمة المصرية، رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح قويدر. وجددت مصر نفيها أي تدخل بأي عمل عسكري مباشر في القصف الأخير لمواقع ميليشيات إسلامية في ليبيا، وذلك بعد ساعات من تصريحات منسوبة لمسؤولين أميركيين دون ذكر لأسمائهم، تشير إلى إقلاع طائرات من مصر لقصف هذه الميليشيات داخل ليبيا. وقال مسؤول مصري لـ«الشرق الأوسط»، إن هذا غير صحيح و«نتحدى أن تثبته أي جهة».
ومن جانبه، قال عقيلة، إن الرئيس السيسي أعلن خلال استقباله، أن مصر تؤيد الشعب الليبي وتقف معه لبناء مؤسساته، ولا سيما الجيش والشرطة، وأن مصر تحت تصرف الشعب الليبي في كل طلباته، كما أكد دعم الشرعية الليبية، مشيرا إلى تقدير ليبيا دعم الحكومة المصرية، وخصوصا وزارة الخارجية التي قال إنها تقوم بجهود كبيرة على المستوى الدبلوماسي لدعم ليبيا إقليميا ودوليا، وأيضا القوات المسلحة المصرية.
بينما أكد عبد الرازق الناظوري، رئيس أركان الجيش الليبي، عقب مشاركته في زيارة يقوم بها الوفد الليبي لمصر، أن الوفد التقى أمس الرئيس السيسي.. و«تلقى وعدا بإمدادات في كل المجالات في القوات المسلحة من تدريب واستشارات فنية». ويأتي هذا بعد يومين من اتصال هاتفي أجراه السيسي مع عقيلة أكد فيه دعم مصر الكامل لجهود البرلمان الليبي لتحقيق الاستقرار في ليبيا، ومساندتها لعودة استتباب الأمن للبلاد، بما يمكن الشعب الليبي من استكمال مسيرته الوطنية وتحقيق أهداف ثورته على الصعيدين السياسي والاقتصادي.
وكان أعضاء مجلس النواب فوضوا مكتب رئاسة المجلس (عقيلة ونائبيه) الليلة قبل الماضية بمهام القائد الأعلى للقوات المسلحة. وجرى قبل يومين تعيين مجلس النواب العقيد الناظوري، رئيسا جديدا لأركان الجيش الليبي، وتصنيف الميليشيات الرئيسة في البلاد، وهي قوات «فجر ليبيا»، وجماعة «أنصار الشريعة»، و«مجلس شورى ثوار بنغازي»، كمجموعات «إرهابية» على الجيش التصدي لها، لكن مصادر عسكرية مصرية قالت لـ«الشرق الأوسط»، إن القوات المسلحة الليبية ما زالت ضعيفة الإمكانات مقارنة بقوات الميليشيات التي يبلغ عدد العناصر المنخرطين فيها في قوات «فجر ليبيا» وحدها، من 20 إلى 30 ألف مقاتل مسلحين بشكل جيد.
وتتمركز قوات «فجر ليبيا» في محيط العاصمة الليبية طرابلس وتمكنت من حسم معركتها مع القوات الموالية للجيش الوطني، باقتحام مطار العاصمة، وإعادة المؤتمر الوطني (البرلمان) المنتهية ولايته للانعقاد، وتشكيل حكومة موازية لحكومة عبد الثني التي تعمل مع البرلمان المنتخب حديثا.
وتعرضت مواقع لميليشيات «فجر ليبيا» لهجمات بطائرات مجهولة خلال الأسبوع الأخير، مما دفع قادة من تلك الميليشيات، الموالية أيضا لجماعة الإخوان المسلمين، لاتهام كل من مصر بالوقوف وراء تلك الهجمات، وهو ما جرى نفيه من القاهرة مجددا أمس. وتناقلت وسائل إعلام غربية تصريحات نسبتها صحيفة «نيويورك تايمز» لدبلوماسيين أميركيين لم تجر تسميتهم، زعموا فيها وجود احتمال بمشاركة مصر في قصف أهداف في طرابلس، لكن مصادر مصرية رسمية، من بينها مصادر عسكرية، قالت لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه «المزاعم غير صحيحة، وسبق قيام كبار قيادات الدولة بنفيها في حينه».
وفي زيارة لافتة للوفد الليبي، بدأت بعد ظهر أمس جلسة مباحثات بين وزير الخارجية المصري سامح شكري، وكل من عقيلة والناظوري اللذين يزوران مصر للمرة الأولى وهما في منصبيهما الجديدين. وناشد شكري، في مؤتمر صحافي مع عقيلة والناظوري، وشارك فيه وزير الخارجية الليبي محمد عبد العزيز، جميع وسائل الإعلام توخي الدقة فيما تطلقه من أخبار. وقال أمس، إن «مصر ليست متورطة في أي عمل عسكري وليس لها أي وجود عسكري على الأراضي الليبية». وأضاف: «ليس لنا أي اتصال مباشر بأي عملية عسكرية» في ليبيا، غير أنه أكد أن مصر «تدعم القوات المسلحة الليبية من خلال (منحها) المهمات والتدريبات» التي تحتاج إليها. وردا على سؤال حول التعاون بين مصر والإمارات لقصف الميليشيات الإسلامية في ليبيا، قال: «لم أطلع على أي تصريح رسمي أميركي بهذا الشأن، وهناك بعض الإشاعات في وسائل الإعلام، وليس كل ما يأتي في وسائل الإعلام، مع احترامي لها، يتميز بالمصداقية والدقة».
وأضاف شكري، أن مصر تدعم تحقيق مصلحة الشعب الليبي بكل طوائفه ودعم الشرعية الليبية وما تمثله إرادة الشعب الليبي في اختيار من يمثله. وقال إن مصر تعمل دائما على الاستقرار ووحدة الأراضي الليبية وتسعى لتحقيق ذلك من خلال إطار سياسي ومن خلال فعاليات دول الجوار والشركاء الدوليين والإقليميين من أجل دعم الاستقرار في ليبيا.
من جهته، قال وزير الخارجية الليبي، إنه فيما يتعلق بالشأن الليبي الداخلي فهذه مشكلة تحل داخليا، موجها رسالة لكل الليبيين: «هناك ما يسمى الشرعية وحينما تمت الانتخابات كانت هناك إرادة شعبية». وأشار إلى أنه حينما تشكل الحكومة خلال أسبوع فإنها ستكون شرعية، حيث يحظى المجلس الوطني باعتراف دولي ظهر من بيان الاتحاد الأوروبي أمس الذي اعترف بشرعية المجلس، وكذلك الاتحاد الأفريقي.. و«الآن كل المؤتمرات الدولية بما فيها الأمم المتحدة تعترف بالشرعية».
على صعيد متصل، أعرب مصدر في الرئاسة المصرية في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» عن استغرابه لإصرار «بعض وسائل الإعلام على إشاعة قصة محبوكة عن مشاركة مصر في ضرب طرابلس»، إلا أنه أضاف أن «هذه القصة تفتقر للدليل، في وقت تجري فيه مراقبة كل شيء بالأقمار الصناعية». وقال إن ما نشر «لا يستحق الرد عليه»، بينما قال مصدر عسكري آخر، فيما يتعلق بسؤال عما إذا كان الجيش المصري قام بعمليات داخل ليبيا، إنه «ليس من سلطة وزير الدفاع في مصر أن يقوم بأمر كهذا منفردا، ولكن لا بد من قرار من القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو رئيس البلاد، وهو أمر لم يحدث»، مشيرا إلى أن كلا من رئيس الدولة ووزارة الخارجية، نفيا هذا الكلام «الذي يفتقر للمنطق، لكن لا نريد أيضا أن نكون مصدرا للرد على مزاعم لا أساس لها من الصحة والتي نشرت أخبارا عن مصادر مجهولة أيا كان مستواها».
وزاد المصدر العسكري الذي كان يتحدث صباح أمس، إن الاتهام الموجه لمصر لم يرد على لسان أي مسؤول حكومي رسمي أميركي حتى نرد عليه بشكل رسمي.. و«نحن لا نرد على ما هو منسوب لشخصيات مجهولة. هذا الكلام ليست له قيمة. نحن لا ندخل في تلاسن مع صحيفة، لو طلع مسؤول أميركي وقال هذا الكلام سنرد عليه. المواضيع الخطيرة التي تمس سيادة الدول وأمنها القومي لا يصح أن يقال فيها أي كلام غير مسؤول».
وحتى عصر أمس، لم تكن الإدارة الأميركية قد صرحت رسميا عن الضربات العسكرية. ولكن أقرت وزارة الخارجية الأميركية أمس، وللمرة الأولى، بأنها على علم بضربات جوية نفذتها مصر والإمارات في ليبيا في الأيام الأخيرة.
وقالت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية جين ساكي أمس: «نعلم أن الإمارات ومصر نفذتا في الأيام الأخيرة ضربات جوية» في ليبيا.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.