أعلن رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس، أمس، تشكيلته الحكومية الجديدة، بعد الاستقالة المدوية لحكومته السابقة بسبب خلافات عميقة حول سياسة التقشف التي ينتهجها الرئيس الاشتراكي فرنسوا هولاند الذي يواجه أزمة سياسية جديدة.
وتحدثت الصحف في شبه إجماع أمس عن «أزمة نظام»، بعد إعلان تعديل وزاري، وانسحاب ثلاثة وزراء من أنصار السياسة الاجتماعية بعد أقل من خمسة أشهر من تعيين مانويل فالس على رأس حكومة جديدة. وكتبت صحيفة «لوفيغارو» المحافظة: «على خلفية انعدام ثقة كبير وكارثة اقتصادية، كيف لا نرى في هذه الحكومة التي أصابها الجنون وهذا الحزب الاشتراكي المحطم وهذه الأغلبية الممزقة، كل معطيات أزمة نظام لا يمكن في الوقت الحاضر تقييم تداعياتها». وفي حدث نادر عنونت صحيفة «ليبيراسيون» اليسارية مثل «الفيغارو» «أزمة نظام» فوق صورة الرئيس وحيدا. أما صحيفة «لوموند» فكتبت أن الاستراتيجية الرئاسية القاضية بالاستمرار في سياسة مثيرة للجدل، وإقصاء الوزراء المحتجين تعد «الفرصة الأخيرة أمام الرئيس لإنقاذ ولايته» من خمس سنوات.
وفاجأ مانويل فالس وفرنسوا هولاند الجميع، أول من أمس، بإقدامهما على حسم الخلاف بشكل قاطع بين أنصار الخط الحكومي الداعي إلى استعادة تنافسية البلاد بمساعدة الشركات والاقتطاع من النفقات العامة، والمدافعين عن سياسة بديلة ترفض «خفض العجز العام بوتيرة سريعة»، وعدت غير مفيدة للنمو ونتائجها وخيمة على الطبقات الشعبية.
وعمل فالس على تشكيل حكومة تكون أكثر انسجاما غاب عنها وزير الاقتصاد ارنو مونتبور الذي جرى تعويضه بالسياسي إيمانويل ماكرون، كما غاب وزير التربية الوطنية بونوا هامون، ووزيرة الثقافة أوريلي فيليبيتي، لكنها تعكس بشكل خطير تراجع الدعم الذي لا يزال يحظى به الرئيس الاشتراكي المنتخب في مايو (أيار) 2012. وضمت لائحة الحكومة الجديدة اسم نجاة بلقاسم وزيرة للتربية، وكريستيان توبيرا وزيرا العدل، ووزير الداخلية برنارد كازينوف، ووزير الفلاحة ستيفان لوفول، ووزير الدفاع جون إيف لودريان.
ودعت فيليبيتي مجددا، أمس، في تصريح إذاعي إلى أن ينتهج اليسار «سياسة اقتصادية بديلة، وإلا فإن الفرنسيين سيشعرون في نهاية الأمر أن السياسة نفسها تنتهج في كل أنحاء أوروبا، وهذه السياسة تقودنا اليوم إلى مأزق».
وجاء قرار الرئيس ورئيس الحكومة، الرامي إلى فرض سلطتهما، في وقت تدهورت فيه شعبية فرنسوا هولاند، وكذلك مانويل فالس لدى معظم الفرنسيين وفق بعض استطلاعات الرأي، خاصة في ظل انكماش اقتصادي مستمر، مع نمو معطل في النصف الأول من السنة الجارية ونسبة بطالة عالية جدا. ومن بين كل حكومات الجمهورية الخامسة، أي منذ 1958، فإن حكومة مانويل فالس الأولى هي التي كانت الأقصر عمرا، باستثناء الحكومات التي تشكلت بين انتخابات رئاسية وتشريعية.
ولم يصدر أي تصريح حتى الآن سواء عن مانويل فالس أو عن فرنسوا هولاند حول هذه الأزمة الشديدة والمفاجئة في قمة هرم الدولة. كما أعلنت الرئاسة أن خيار استقالة مجمل الحكومة بدلا من تعديل وزاري محدود «يهدف إلى ضمان انسجام الحكومة الجديدة بشكل كامل وفعلي مع الخط الذي حدده رئيس الدولة».
وبعد الخطوة التي خطاها هولاند وفالس لفرض سلطتهما، كان من المتوقع، حسب بعض السياسيين، أن يغيب عن الحكومة الجديدة «المحتجون» من الحزب الاشتراكي الذين كثفوا خلال الأشهر الأخيرة انتقاداتهم لسياسة الحكومة الاقتصادية والاجتماعية، ما سيؤدي إلى تشتت خطير للأغلبية البرلمانية التي تستند إليها الحكومة.
وبعد أن انتخب بفضل دعم المدافعين عن البيئة وقسم من اليسار المتطرف، لم يعد بوسع فرنسوا هولاند أن يعول على اليساريين المتطرفين الذين أصبحوا معارضين، ولا على الخضر الذين لم يشاركوا في الحكومة المستقيلة واستعادوا حريتهم في التصويت. وقال مونتبور الأحد الماضي إنه طلب من فرنسوا هولاند «تغييرا كبيرا» في سياسة فرنسا الاقتصادية بعد أن دعا السبت إلى «تصعيد اللهجة» حيال ألمانيا، لكن فرنسوا هولاند أعلن أنه لا يريد «مواجهة» مع برلين. ورأى مقربون من مانويل فالس أن مونتبور «تجاوز خطا أحمر»، وطرح عدد من المسؤولين السياسيين من مختلف الانتماءات، بينهم رئيسة الجبهة الوطنية (يمين متطرف) مارين لوبن، أول من أمس، حل البرلمان كنتيجة للأزمة الحكومية.
وفي الشارع الفرنسي لم تكن الآمال عالية أمس بين الناخبين الفرنسيين بشأن قدرة التغييرات في الحكومة، بعد استقالة مجلس الوزراء، على إنعاش الاقتصاد المتعثر وخلق فرص عمل، في الوقت الذي كان يعكف فيه رئيس الوزراء مانويل فالس على إجراء مشاورات بشأن تشكيل وزاري جديد يدعم الإصلاحات الحكومية، بدلا من الوزراء المعارضين لسياساته من الجناح اليساري في الحزب الاشتراكي الحاكم.
وقال سيلفان كرير، وهو مؤيد سابق للرئيس فرنسوا هولاند في باريس: «للأسف أنا لا أتوقع الكثير من تعديل وزاري آخر». وأضاف: «أرى أن التغيير لن يأتي وأن السياسات لا تتناغم مع احتياجات الشعب أو مشاكل الاقتصاد». وقدم فالس استقالة حكومته أول من أمس بعدما رأى الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند أن وزير الاقتصاد ارنو مونتبور ابتعد عن سياسات الحكومة بمهاجمة سياساته الاقتصادية.
وسيسعى فالس لكسب أكبر تأييد ممكن لحكومته الثانية خلال خمسة أشهر قبل مفاوضات صعبة في الداخل، ومع النظراء في الاتحاد الأوروبي على ميزانية فرنسا لعام 2015.
فرنسا تستقبل حكومة جديدة وسط مخاوف من عجزها إنعاش الاقتصاد
الشارع الفرنسي لا يثق كثيرا بقدرة التغييرات على خلق فرص عمل
السكرتير العام لقصر الإليزيه جان بيير جوي يعلن تشكيلة الحكومة الفرنسية الجديدة أمس .. وفي الإطار صورة أرشيفية لوزير الاقتصاد الفرنسي الجديد إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
فرنسا تستقبل حكومة جديدة وسط مخاوف من عجزها إنعاش الاقتصاد
السكرتير العام لقصر الإليزيه جان بيير جوي يعلن تشكيلة الحكومة الفرنسية الجديدة أمس .. وفي الإطار صورة أرشيفية لوزير الاقتصاد الفرنسي الجديد إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
