سنوات نظام «الإنقاذ»... أخطاء جسيمة وحروب وعزلة دولية

ناصر «الجزار» على الضحية في حرب الخليج الأولى واستضاف بن لادن وكارلوس وحاول اغتيال مبارك... وأم الكبائر فصل الجنوب وحرب الإبادة في دارفور

البشير والترابي قادا الانقلاب بتحالف عسكري ــ سياسي (أ.ف.ب)
البشير والترابي قادا الانقلاب بتحالف عسكري ــ سياسي (أ.ف.ب)
TT

سنوات نظام «الإنقاذ»... أخطاء جسيمة وحروب وعزلة دولية

البشير والترابي قادا الانقلاب بتحالف عسكري ــ سياسي (أ.ف.ب)
البشير والترابي قادا الانقلاب بتحالف عسكري ــ سياسي (أ.ف.ب)

بعزل الرئيس عمر حسن أحمد البشير، بثورة شعبية عارمة، مستمرة حتى الآن، طُويت صفحة نظام «الإنقاذ الوطني»، الذي جثم على صدور السودانيين لثلاثة عقود، ذاقوا خلالها الأمرين، من تقتيل ودمار للاقتصاد، وعزلة دولية وحروب لا تنتهي.
ولا يزال الثوار في الشارع، بعد عزلهم الرئيس البشير في 11 أبريل (نيسان) الحالي، يصارعون من أجل اجتثاث بقايا النظام، واقتلاع جذوره.
وبرحلة سريعة عبر سنوات نظام «الإنقاذ الوطني»، الذي جاء إلى الحكم عبر انقلاب عسكري، في 30 يونيو (حزيران) 1989. نجد أن العنوان الأبرز هو إقصاء الآخرين، وشن الحروب الداخلية، واتخاذ القرارات الخاطئة تجاه القضايا الدولية، ما أدخل السودان في عزلة دولية قاسية استمرت لسنوات. وأدرج السودان في قائمة الإرهاب، لاستضافته أسامة بن لادن، والإرهابي الدولي إلييتش راميريز سانشيز، المعروف باسم «كارلوس».
رأس النظام عمر البشير، هو أول رئيس على السلطة، تُوجه إليه اتهامات بارتكاب جرائم حرب والإبادة الجماعية، بسبب حرب دارفور التي راح ضحيتها أكثر من 300 ألف مواطن. وارتكب البشير «أم الكبائر»، حين أدت سياساته إلى فصل جنوب السودان، الغني بإنسانه وثرواته، واستقلاله بدولته، وفقد بسببه السودان ثلث سكانه، وثلث أراضيه، و85 في المائة من صادراته الخارجية، وعلى رأسها «البترول».

خطة الانقلاب

خطط الإسلاميون، للوصول إلى الحكم منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، عبر ما يسمى بمشروع «الحركة الإسلامية» لاستلام السلطة، ونجح عراب الحركة الإسلامية حسن عبد الله الترابي، منذ انشقاقه عن جماعة «الإخوان المسلمين» بداية السبعينات، في بناء تنظيم قوي، وفي خلق قاعدة جماهيرية وسط الطلاب والمهنيين؛ نافس بها فيما بعد تحت مسمى «الجبهة الإسلامية»، الأحزاب التقليدية، ومن بينها حزبا «الأمة» بقيادة الصادق المهدي، و«الاتحادي الديمقراطي» بقيادة محمد عثمان الميرغني.
في انتخابات 1986 حصلت «الجبهة الإسلامية» على 51 مقعداً في البرلمان عن دوائر الخريجين؛ إلا أنها سارعت إلى الانقلاب على الحكم الديمقراطي في نهاية عقد الثمانينات.
بدأت «ثورة الإنقاذ» متشددة آيديولوجيا؛ ومبرراتها آنذاك أنها استولت على السلطة بانقلاب عسكري، وتواجه مخاطر محلية ودولية كبيرة، ولم تعترف بالتداول السلمي للسلطة؛ واستمرت سيطرتها على السلطة بعسف القوة الأمنية.

عهد التمكين

قام نظام الإنقاذ بفصل الآلاف من الموظفين في كل القطاعات، وصاغ لذلك قانوناً أطلق عليه «قانون الصالح العام»، بموجبه أدخل عناصر «الجبهة الإسلامية» إلى كل المناطق الحساسة في الدولة، دون مراعاة للكفاءة أو المؤهلات، وفي ذات الوقت شرد مئات الآلاف من الخبراء والكفاءات، ما أفسد جهاز الدولة، بل أصبحت الدولة هي «الجبهة الإسلامية»، والجبهة هي الدولة، فضعفت الخدمة المدنية، وسهل الاعتداء على المال العام، الذي أصبح يوزع بين المحاسيب بـ«لا هدى ولا سلطان».
وفي هذا يقول القيادي الإسلامي المقرب من الترابي، المحبوب عبد السلام؛ إن قيادة الحركة الإسلامية مارست ما أسماه «التخطيط الاستراتيجي»؛ وفي الوقت نفسه حرصت على أن تكون لها رؤية وفكرة.
لكنها حين تسلمت السلطة، وجّهت مشكلة «إدارة الدولة والمجتمع»؛ وهنا جاء «مقتل الحركة الإسلامية»، فقد كانت تظن أنها مستعدة؛ لكن تحديات الدولة كانت ضخمة جداً. ويضيف عبد السلام، أن «الحركة الإسلامية» اعتمدت منهجاً أحادياً، ولم تعترف بالتنوع والتعدد في البلاد؛ واستولت على كل المسؤوليات وعزلت الآخرين؛ ما جعلها تواجه وحدها المشكلات المتراكمة، فانتقلت المشكلات من الدولة إلى داخلها، فانقسمت، وبذلك فقدت المرجعية الفكرية والتخطيط الاستراتيجي.
ومع استخراجها البترول، غرقت في الفساد، الذي قضى على آخر القيم الأخلاقية؛ لتعيش طويلاً كحكومة أمر واقع، بلا فكرة ولا تخطيط استراتيجي.
ويرى المحبوب أن أفراد النظام بحكم استمرارهم في الحكم لفترة طويلة، امتلكوا مقدرة كبيرة على المناورة والتكتيك والحصول على المكاسب؛ وظل موضوع الديمقراطية لديهم «مجرد تكتيك». ويقول: «انتهت (الإنقاذ) كما وصفها أحد كبار الإسلاميين، مثل غيرها من الأنظمة الديكتاتورية، بحكم طول المدة وثبات الوجوه والغرق في الفساد».

المفاصلة وعزل الترابي

بعد 10 سنوات من حكم «الإنقاذ»؛ انقلب البشير على شيخه الترابي؛ وأدت «مذكرة العشرة» الشهيرة إلى المفاصلة في العام 1999؛ التي انقسمت بموجبها الحركة الإسلامية إلى حزبين؛ وقف خلالها كثير من تلاميذ الترابي إلى جانب البشير؛ فذهب الترابي ومعه «القلة» ليؤسس حزب الضرار «المؤتمر الشعبي».
برّر البشير قراره بأن ازدواجية القرار (البشير – الترابي) داخل الدولة، هي التي دفعته للإطاحة بالترابي، بينما كان سعي التلاميذ الآبقين للمناصب الأعلى هو دافعهم الفعلي للتخلي عن «شيخهم» وعرّاب الحركة الإسلامية. بعد التخلص من الترابي؛ بدأت حقبة ثانية لحكم «الإنقاذ»، انفرد فيها البشير بالحكم المطلق؛ وساعده على ذلك «علي عثمان محمد طه» في الجهاز التنفيذي للدولة، و«نافع علي نافع» في حزب المؤتمر الوطني الحاكم.

الموقف من حرب الخليج الثانية

نشبت «حرب الخليج» الثانية، واحتل العراق دولة الكويت 1990. فاختار نظام البشير الموقف الخطأ من التاريخ؛ «مناصرة الجزار على الضحية». ووقتها كان كل العالم ضد «الغزو العراقي للكويت»، لكن نظام البشير اختار الوقوف إلى جانب «صدام حسين». بهزيمة صدام حسين، فقد السودان كل شيء، حلفاءه في الخليج وفي العالم، وحوّلت حكومة البشير بقراراتها الخاطئة، البلاد إلى دولة معزولة من كل العالم، ما اضطرها للارتماء في الحضن الإيراني السوري والجماعات الإرهابية المتطرفة جميعها، فأصبحت دولة «مجذومة» لا يقترب منها أحد، خوف العدوى والاتهام بالإرهاب.

استضافة بن لادن

كان نظام «الإنقاذ» على أيام عرّابه حسن الترابي، يملك أحلاماً وطموحات أكبر من حجم بلاده وقدراتها، كان الترابي يطمع في حكم «العالم الإسلامي»، أو على الأقل أن يكون مركز قراره، لذلك فتح البلاد للجماعات المغضوب عليها والمطاريد، وزعامات المنظمات الجهادية المتطرفة في السودان، وأتاح لها إمكانات البلاد.
استضافت حكومة الترابي - البشير، زعيم القاعدة «أسامة بن لادن»، خلال الفترة بين عامي 1990 - 1996. فحوّل الرجل بإمكاناته المالية الكبيرة السودان إلى ساحة لممارسة أنشطة منظمته الإرهابية، وفي ذات الوقت، وفّر دعماً مالياً مقدراً لحكومة الخرطوم.
استضافة بن لادن وغيره من الإرهابيين في السودان، كانت نتيجتها فرض عقوبات دولية وأميركية على السودان، بقيت حتى بعد أن أجبرت الخرطوم على الطلب من الرجل مغادرتها، بعد أن رفضت واشنطن مقايضته بصفقة لكسب ودّها، وترحيله إلى أميركا في 1996، على عهد إدارة الرئيس «بيل كلنتون».
وبسبب استضافة بن لادن، ما يزال السودان على رأس «قائمة وزارة الخارجية الأميركية للدول الراعية للإرهاب»، التي أدرج فيها عام 1993، وما زال يعاني من آثار وجوده ضمن تلك القائمة سيئة الصيت، اقتصادياً وسياسياً ودبلوماسياً.

استضافة «كارلوس»

بلغت ذروة استهتار نظام البشير بالقيم العالمية، باستقدامه للإرهابي الدولي الشهير «كارلوس»، والسماح له بالإقامة في السودان، على أمل أن توظفه في حروبها العبثية حول العالم الإسلامي، قبل أن يضطر إلى تسليمه إلى المخابرات الفرنسية «مخدراً» في عام 1994؛ ليدون في سجله فضيحتين، إحداهما فضيحة بيع حليفه بن لادن والتخلي عنه، وفضيحة الخروج من لعبة الاستخبارات الدولية خاسراً.

محاولة اغتيال الرئيس مبارك

أتت الطامة الكبرى حين حاول متطرفون إسلاميون «اغتيال» الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، برعاية وتمويل وتدريب سوداني، حمّل عرّاب الإسلاميين الترابي وقتها المسؤولية عنه لنائبه «علي عثمان محمد طه».
جرت المحاولة الفاشلة، أثناء مشاركة مبارك في القمة الأفريقية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا عام 1995، لكنها فشلت، وتحملت الخرطوم المسؤولية الجنائية والأخلاقية والسياسية والدبلوماسية الناتجة عنها، واتُّهم بذلك مسؤولون سودانيون بارزون في حكمه بالضلوع في الجريمة غير المسبوقة.
وتعدّ محاولة الاغتيال واحدة من «الأخطاء الغبية» المسجلة في دفاتر نظام البشير، فلم يحدث في تاريخ العالم أن حاولت دولة اغتيال رئيس دولة أخرى في أراضي دولة ثالثة، وكان الثمن السياسي الذي دفعه السودان عليها كبيراً.

حرب دارفور

يواجه الرئيس المخلوع اتهامات من قبل الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية، بسبب الحرب الأهلية التي أشعلها في الإقليم عام 1994، بسبب إصداره قراراً بتقسيم الإقليم إلى عدة ولايات. منذ تلك اللحظة، اندلع تمرد مسلح قامت به «حركة تحرير السودان»، قبل أن تنقسم إلى عدة حركات مسلحة، ووجد التمرد وقوده بسبب «عقود مستمرة من التهميش والفقر المدقع».
تصدّت حكومة البشير للاحتجاجات المسلحة، بعنف هائل، نتج عنه نحو 300 ألف قتيل، جُلّهم من المدنيين، ونزوح نحو 3 ملايين آخرين، وفق البيان الذي صدر عن الأمم المتحدة عام 2008.
حكومة البشير رفضت التقرير، وقالت إن عدد القتلى لا يتعدى 10 آلاف شخص. وفي مارس (آذار) 2009، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أول مذكرة اعتقال بحقّ الرئيس السوداني عمر البشير وعدد من معاونيه، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لتضاف في عام 2010 تهمة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في مذكرة قبض ثانية، ليصبح البشير بذلك أول رئيس على السلطة يواجه أوامر قبض من محكمة لاهاي.

عهد النفط

استغل نظام «الإنقاذ» الإنتاج النفطي الذي بدأ من العام 1998، بـ«600» ألف برميل في اليوم، لدعم عملياته الحربية في دارفور والجنوب، وفي تمويل ميليشياته المنتشرة في أجزاء السودان، ومن أشهرها «الدبابين»، و«الدفاع الشعبي»، و«كتائب الظل»، و«الأمن الشعبي»، و«الأمن الطلابي» التابعة له ولحزبه (المؤتمر الوطني).
كما استخدم أموال النفط في إنشاء مؤسسات اقتصادية وصناعية لتمويل عملياته الحربية، وتكريس السلطة لديه. وأشهرها «مصنع جياد للأسلحة». ووزع ما تبقى من المال على من أطلق عليهم في آخر أيامه «القطط السمان» من قادته وعملائه.

فصل جنوب السودان

زادت «الإنقاذ» الحرب الأهلية في جنوب السودان وقوداً بتحويلها من حرب بين الحكومة المركزية وحركة تمرد إلى «حرب جهادية»، وصراع بين الإسلام والمسيحية والكفر، ما أدى إلى قتل أكثر من مليوني شخص، ونزوح أعداد مثيلة إلى داخل البلاد، ولجوء أعداد كبيرة إلى خارج البلاد.
وبسبب ضغوط دولية وتهديدات وإغراءات، وقّعت الخرطوم اتفاقية عرفت باتفاقية «السلام الشامل» مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، التي يقودها الراحل جون قرنق دمبيور في العام 2005. منحت تلك الاتفاقية حقّ تقرير المصير، بموجب استفتاء أجري في العام 2011. وصوّت بموجبه أكثر من 98 في المائة من سكان الجنوب لصالح الانفصال، وتكوين دولتهم المستقلة. وبانفصال جنوب السودان، فقد السودان ثلث مساحته، وثلث سكانه، وأكثر من 85 في المائة من عائدات النفط التي أصبحت من حصة الدولة الوليدة.
وبسبب انفصال جنوب السودان، واجه حكم البشير أزمة اقتصادية خانقة؛ لأنه فقد نحو 85 في المائة من الإيرادات التي كانت ترد إلى خزينة الدولة؛ ما أسهم بشكل كبير في تضعضع حكمه. ويعد فصل جنوب السودان، واحداً من أكبر كبائر النظام، وسيدون التاريخ في سيرة الإسلاميين والبشير، أنه الرئيس الذي «قسّم بلاده»، في ظاهرة مخجلة نادرة عالمياً في التاريخ. انفصل الجنوبيون، لأن البشير حوّل الحرب ضدهم من حرب على مطالب سياسية وتهميش اقتصادي، إلى حرب «جهادية» وإلى حرب «عرقية»، استمرت طويلاً.

انتفاضة سبتمبر (أيلول) 2013

لم تتوقف الاحتجاجات الشعبية ضد نظام البشير، فمنذ أيامه الأولى واجه تمرداً في الجيش، ومحاولة انقلابية قمعها بقسوة شديدة، وأعدم من دون محاكمات أكثر من نحو 30 ضابطاً من خيرة ضباط الجيش السوداني. توالت الإعدامات والتصفيات والقتل غدراً للمعارضين، لتبلغ ذروتها في الاحتجاجات الشعبية التي شهدت البلاد في سبتمبر 2013، وكادت تطيح حكومته.
اضطر النظام إلى زيادة أسعار الخبز والسلع الرئيسية، فاندلعت مظاهرات هادرة شملت معظم المدن الرئيسية في البلاد، وتمركزت بشكل أساسي في العاصمة الخرطوم، فواجهها النظام بعنف مفرط، ما أدى إلى مقتل نحو 100 شهيد، ولم تقدم الجهات التي قتلت المتظاهرين لمحاكمات حتى قيام ثورة أبريل التي أسقطته، وينتظر أن تفتح ملفات هؤلاء القتلى، وتقديم الجناة للمحاكمات.

الحوار الوطني

استخدم البشير «الحوار» وسيلة لتمديد أمد حكمه، ولذلك قاد حوارات مطولة مع الحركات المتمردة بادئ الأمر، توصل خلالها لاتفاقيات كثيرة، لكنه كان يتنصل عنها، ولا يوفي بوعوده ومواثيقه، لكن مع ذلك جابت وفود التفاوض مع الحركات المسلحة مدناً وعواصم عالمية كثيرة؛ أبوجا، أديس أبابا، نيروبي، القاهرة، الدوحة، دون الوصول لسلام حقيقي. حين فشل البشير في خلق الاستقرار في البلاد، وضاق عليه الخناق، لجأ إلى حيلة مكرورة، أطلق عليها الحوار الوطني، استمر سنين مع أحزاب وحركات مسلحة صغيرة أو منشقة عنه. لكن المعارضة الرئيسية والحركات المسلحة الكبيرة، قاطعته ورأت فيه «حواراً داخلياً» بين النظام والموالين له، ومع هذا، فإن النظام لم يوفِ بما تم التوصل إليه في هذا الحوار، على الرغم من أن ضامنه الفعلي كان البشير شخصياً.
بقيت البلاد على حالها، إلى أن اضطر البشير لحل الحكومة التي تشكلت وفقاً للحوار الوطني وعرفت باسم حكومة «الوفاق الوطني» في 22 فبراير (شباط) 2019، وإلى إعلان حالة الطوارئ في البلاد على إثر الاحتجاجات التي اندلعت منذ 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018.
يقول أستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية، بروفسور حسن الساعوري؛ إن انقلاب «الإنقاذ» مرّ بأربعة تقلبات مهمة؛ حاول فيها الانتقال من حكم عسكري إلى ديمقراطي، بدأ ذلك باللجان الشعبية؛ والتوالي السياسي؛ ومن ثم اتفاقية «نيفاشا» للسلام، التي حدث فيها توافق بين القوى السياسية، حتى انتخابات 2010. ويضيف أن المرحلة الرابعة كانت الحوار الوطني؛ الذي قاطعته القوى السياسية المدنية والمسلحة؛ وهي التي رفضت من قبل مشروع التوالي السياسي، وواجهت محاولات «الإنقاذ» في التحول من نظام عسكري إلى حكم مدني؛ بسبب رفض الكيانات السياسية الرئيسية لها في البلاد.
ويشير الساعوري إلى أن الحركة الإسلامية كانت الحاكمة والموجهة للنظام والمسيطرة على القرار في الدولة حتى العام 1992؛ لينفرد بعدها الدكتور حسن الترابي بالحكم حتى العام 1999. حين حدث الفصال بين الحركة الإسلامية وتفرقت إلى حزبين؛ ولم تنجح محاولات إعادة الحركة الإسلامية في إعادة توجيه الأمور.

انتشار الفساد

سخّرت «الإنقاذ» إيرادات البلاد لمنسوبيها، واستخدمت المال العام أداة للبقاء في الحكم، ما أدى في النهاية إلى حالة «الإفلاس الشامل» التي تمثلت في عجز الحكومة وشللها الكامل، خاصة في السنين الأخيرة.
وتقدر إحصاءات غير رسمية إيرادات النفط وحدها بنحو 90 مليار دولار، الرقم الفعلي غير معروف بسبب تكتم النظام عليه، لكنها لم تستخدم في تنمية البلاد، بل ذهبت إلى تمويل الأجهزة الأمنية والعسكرية للنظام، وإلى جيوب ذوي الحظوة منه.
أثرى رموز النظام ثراء فاحشاً، وبنوا القصور الشامخات، وتزوجوا النساء ثلاث ورباع، وربما «خماس وسداس»، في الوقت الذي عاش غمار الناس في فقر مدقع. حتى المشروعات «الفاشلة» مثل مشروعات السدود والطرق والجسور التي يباهي بها النظام، لم تستثمر فيها أموال البترول، بل شيدت بـ«قروض مجحفة» تركها على عنق السودان، ما زاد ديون البلاد من 12 مليار دولار أميركي حين تسلم السلطة تقريباً، إلى أكثر من 50 ملياراً تقريباً.
ويتردد أن مليارات الدولارات وضعت في حسابات شخصية لرموز النظام، وعلى رأسهم المعزول عمر البشير، الذي كشفت «ويكيليكس» في واحدة من تحقيقاتها أن أرصدته في بريطانيا وحدها بلغت 9 مليارات دولار، فضلاً عن مليارات الدولارات التي يستثمرها أو أودعها رجال النظام في ماليزيا، لدرجة أن صحيفة محلية ماليزية نقلت أن «أموال السودانيين المودعة في بنوك ماليزيا»، تجعلها في المرتبة الثانية للأموال الأجنبية في البلاد.
حصاد الفساد الإنقاذي كانت نتيجته الفعلية سقوطه المدوي في 11 أبريل الحالي، في الثورة الشعبية التي استمرت 4 أشهر، وبدأت احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد، قبل أن تتحول للمطالبة بتنحية البشير وحكومته. سقط نظام البشير وترك البلاد بلا سيولة، وعجزت البنوك والمصارف عن تلبية حاجة عملائها للنقد، فيما خلت خزائنها من النقد الأجنبي، وتدهور سعر صرف الجنيه السوداني ليصل في عام واحد من 6.8 جنيه للدولار إلى نحو 80 جنيه للدولار الأميركي الواحد.

حكم الفرد

أما في المرحلة الأخيرة لحكم «الإنقاذ»؛ فقد انفرد البشير في الأشهر الستة الأخيرة بالحكم؛ وأصبح هو الناهي والآمر؛ ولم يعد هناك وجود لحزب المؤتمر الوطني؛ ما أدى إلى ارتباك النظام، فسقط منذ تلك الفترة؛ وليس في 11 أبريل الحالي، لحظة أن أجهزت عليه ثورة الأشهر الأربعة الأخيرة.
يقول المحبوب عبد السلام، إن الوجه الأخير لثورة «الإنقاذ الوطني» كان عنوانه «حكم الفرد»، وهو شيء شبيه بما حدث في الاتحاد السوفياتي؛ فقد بدأت «الإنقاذ» وهي ترفع شعار «حكم الشعب»، وانتقلت لحكم الحزب، لتنتهي بحكم الفرد؛ الذي لم يدمر الإسلاميين وحدهم، بل دمر السودان نفسه.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.