معطيات متضاربة في موسكو حيال تسلم رفات كوهين من دمشق

أنباء عن توفير أميركا غطاء جوياً لغارات إسرائيل على موقع في مصياف

TT

معطيات متضاربة في موسكو حيال تسلم رفات كوهين من دمشق

تضاربت المعطيات الروسية حول احتمال أن تكون موسكو لعبت دوراً في تسليم تل أبيب رفات الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين الذي أُعدم في دمشق عام 1965، في وقت نشرت فيه شركة إسرائيلية صوراً للمواقع التي قُصفت في سوريا ليلة السبت – الأحد الأخيرة وكشفت مصادر في تل أبيب أن سلاح الجو الأميركي قام بتوفير غطاء جوي لحماية الطائرات الإسرائيلية خلال غاراتها الأخيرة في حماة، وأن هذه الخطوة اتُّخذت بأوامر مباشرة من الرئيس دونالد ترمب.
وإذ التزم المستوى الرسمي الروسي الصمت حيال أنباء تسربت حول احتمال أن تكون موسكو لعبت دوراً في تسليم تل أبيب رفات الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين، شككت أوساط إعلامية في صحة التسريبات التي تناقلتها مصادر إسرائيلية، ولفتت إلى أن الحكومة السورية كانت قد أكدت لموسكو أكثر من مرة خلال العامين الماضيين أنها لا تعرف مكان دفن الجاسوس الإسرائيلي.
وتجنبت الأوساط الرسمية الروسية، الرد على أسئلة الصحافيين حول هذا الملف، ولم يصدر حتى مساء أمس، تعليق رسمي من وزارة الدفاع أو الخارجية الروسية على الأنباء التي رددتها مصادر إسرائيلية، علماً بأن موسكو كانت قد تكتمت أيضاً في وقت سابق على عمليات مماثلة، ولم تعلن عنها إلا بعد صدور معطيات تفصيلية عن الجانب الإسرائيلي.
لكن الأوساط الإعلامية الروسية شككت في صحة الرواية الإسرائيلية حول قيام وفد روسي بنقل تابوت فيه رفات كوهين من دمشق إلى موسكو أخيراً، ولفتت إلى أن موسكو كانت قد مارست ضغوطاً خلال العامين الأخيرين على دمشق من أجل تسليمها رفات كوهين، لكن الحكومة السورية كانت ترد دائماً بأنها «لا تملك معلومات عن مكان دفنه».
وأفادت المعطيات الإعلامية بأن تل أبيب حضّت أكثر من مرة خلال العامين الماضيين الجانب الروسي على «ممارسة نفوذه» على حكومة الرئيس بشار الأسد، وأن الرئيس الإسرائيلي ورئيس الوزراء طلبا بشكل شخصي من الرئيس فلاديمير بوتين التدخل لحسم هذا الموضوع، كما أن إسرائيل عادت لطرح الملف خلال زيارة قام بها رئيس الوزراء ديمتري مدفيديف إلى تل أبيب، لكن هذه المحاولات «باءت بالفشل» واصطدمت في كل مرة بتأكيد دمشق أنها لا تعرف مكان دفن كوهين.
ووفقاً للمعطيات فإن موسكو تعهدت، رغم ذلك، بمحاولة تقديم المساعدة. وطلبت من مسؤولين سوريين وضع احتمالات لدراستها وإطلاق حملة بحث.
وبرر السوريون صعوبة تحديد مكان دفن كوهين بأنه تم نقل رفات الجاسوس الإسرائيلي ثلاث مرات في ستينات وسبعينات القرن الماضي، خشية قيام إسرائيل بعملية خاصة لاستعادة رفاته، وأنه دُفن في المرة الأخيرة في منطقة مأهولة، تغيرت معالمها كثيراً منذ ذلك الحين.
وعلى الرغم من ذلك لم يستبعد بعض وسائل الإعلام أن تكون موسكو ودمشق أطلقتا حملة مشتركة خلال العامين الماضيين لمحاولة تحديد مكان دفنه، مع احتمال أن يكون البحث أسفر عن انتشال رفات عدد من الأشخاص لإجراء فحوص الحمض النووي عليهم، كما حصل عندما حدد الخبراء الروس والإسرائيليون موقع رفات الجندي الإسرائيلي زاخاريا باومل إثر عملية معقدة قام بها الجيش الروسي بالتعاون مع الجيش السوري، وفقاً لتأكيد الرئيس فلاديمير بوتين. وقامت موسكو بتسليمه للإسرائيليين أخيراً. وكان جهاز «الموساد» الإسرائيلي قد أعلن في وقت سابق أن موسكو ساعدت في تسليم تل أبيب بعض متعلقات الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين وبينها ساعة يده، لكن موسكو لم تعلق في حينها على تلك الأنباء.
إلى ذلك، قالت مصادر إسرائيلية إن ترمب بعث برسالة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عبر قنوات سرية مباشرة وأبلغه بقراره توفير الغطاء للطائرات الإسرائيلية، قبل نحو أسبوعين. وعندما التقى بوتين في موسكو، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الخميس الماضي، تعمد كلاهما تجاهل الموضوع. ولم يتطرقا إليه، مع أنهما تكلما حول تدوير التنسيق الأمني بين جيشيهما، حول النشاط الإسرائيلي في سوريا.
ومع أن الإسرائيليين لم يؤكدوا أو ينفوا أنهم هم الذين قصفوا في حماة، فإن مصادر غير رسمية قالت إن الغطاء استُخدم لأول مرة في هذا القصف. والدليل أن بطاريات الصواريخ المتطورة المضادة للصواريخ، واحدة خاضعة للجيش السوري لصواريخ «إس 300» وأخرى للجيش الروسي «إس 400»، لم تُستخدم للرد على القصف. وكان نتنياهو قد لمّح إلى القصف الإسرائيلي، خلال كلمة ألقاها مساء أول من أمس (الأحد)، فقال: «نحن نواصل العمل على جميع الجبهات بما في ذلك الجبهة الشمالية، لأننا لسنا على استعداد للسماح لأي شخص بالتأسيس لقوة عسكرية تعرِّض دولة إسرائيل للخطر، فالقوة هي ضمان وجودنا، وهي الشرط الأساسي والحيوي لتحقيق السلام مع جيراننا». وأضاف: «لن يردعنا رادع، خصوصاً أننا نحارب أولئك الذين يسعون للنيل من أرواحنا، نحن لا نتسرع في المعركة. مَن يعرف أكثر منا الثمن الباهظ للحرب؟ ولكن لا أحد سينجح في تضليلنا، عندما يكون أمن إسرائيل على المحكّ، نعمل بلا هوادة. من يعرّضنا للخطر يعرّض نفسه لخطر أكبر».
المعروف أن القصف نُفذ ضد مبانٍ قائمة داخل قاعدة عسكرية في سوريا، لم يُعرف إنْ كانت بإدارة جيش النظام السوري أو الإيراني، ولكن المؤكد أن جنوداً إيرانيين وسوريين كانوا داخلها ونحو عشرين منهم قُتلوا أو أُصيبوا. وقد نشرت وسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية، مساء الأحد، صوراً التُقطت عبر الأقمار الاصطناعية لشركة «ImageSat International» الإسرائيلية (isi)، رصدت من خلالها حجم الدمار في الموقع العسكري في مدينة مصياف في محافظة حماة السورية جراء القصف. وذكر الموقع الإلكتروني لصحيفة «يديعوت أحرونوت» (واي نت)، أن المنشآت في الموقع كانت جزءاً من المشروع الإيراني لتطوير صواريخ أرض - أرض دقيقة. وحسب تقرير الشركة الإسرائيلية المتخصصة في صور الأقمار الصناعية، فإنه «إذا افترضنا بالفعل أن الموقع المستهدف هو مصنع صواريخ، فيمكن استخدامه أيضاً لتصنيع وتجميع قطع مختلفة وتعديلات محسنة لصواريخ أرض - أرض أو لتحسين دقتها». واستبعدت الشركة أن يكون الموقع يستخدم لتصنيع محركات الصواريخ أو لإنتاج الرؤوس الحربية، «نظراً إلى عدم وجود هياكل ومستودعات محمية». وأضاف أنه «لم يتم العثور على صواريخ أو قاذفات في المنطقة».
وأضاف التقرير أن «المصنع» أُنشئ بين الأعوام 2014 و2016 في الجزء الغربي من قاعدة عسكرية لقوات النظام السوري، وأنه في مراحل لاحقة شُيّد جدار أحاط بالمصنع المزعوم لفصله عن باقي القاعدة العسكرية السورية، فيما ادّعى توثيق بعض الأضرار في منشآت إنتاج مجاورة. وقال التقرير إن المنشأة مكوّنة من مستودع كبير طوله 60 متراً وعرضه 25 متراً، بالإضافة إلى بنايات صناعية أصغر حجماً تحيط بها. وأن مدخل المصنع يمر عبر القاعدة العسكرية التابعة لقوات نظام الأسد في سوريا، «ولكن، لا يمكن تحديد هوية الجهة التي تسيطر على هذه المنشآت، القوات الإيرانية أو القوات الموالية لها أو قوات النظام السوري».



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.