الانتخابات التشريعية الهندية تتزامن مع الذكرى المئوية لمجزرة «أمريتسار»

لندن وصفتها بـ«وصمة عار في تاريخ بريطانيا»... لكنها تجنبت الاعتذار

المفوض السامي البريطاني لدى الهند دومينيك أسكويث (يمين) شارك أمس السبت في إحياء الذكرى المئوية للمجزرة (أ.ف.ب)
المفوض السامي البريطاني لدى الهند دومينيك أسكويث (يمين) شارك أمس السبت في إحياء الذكرى المئوية للمجزرة (أ.ف.ب)
TT

الانتخابات التشريعية الهندية تتزامن مع الذكرى المئوية لمجزرة «أمريتسار»

المفوض السامي البريطاني لدى الهند دومينيك أسكويث (يمين) شارك أمس السبت في إحياء الذكرى المئوية للمجزرة (أ.ف.ب)
المفوض السامي البريطاني لدى الهند دومينيك أسكويث (يمين) شارك أمس السبت في إحياء الذكرى المئوية للمجزرة (أ.ف.ب)

تزامنت الذكرى المئوية لمجزرة أمريتسار، التي تعد من أسوأ الفظاعات التي ارتكبت خلال الحكم الاستعماري البريطاني للهند، هذا العام مع الانتخابات التشريعية الهندية التي يخوضها حزب بهاراتيا جاناتا القومي الهندوسي تحت زعامة ناريندرا مودي أمام منافسه حزب المؤتمر بقيادة راهول غاندي. لكن لا تزال لندن تتجاهل تقديم اعتذار عنها.
وأعلنت الحكومة البريطانية آنذاك أن عدد القتلى وصل إلى 379 ضحية، ولكن المقاتلين من أجل الحرية في الهند أكدوا أن ألف بريء لقوا حتفهم عندما أطلق الجنود البريطانيون النار على آلاف الرجال والنساء والأطفال العزّل في مدينة أمريتسار الواقعة في شمال الهند.
ووصف رئيس الوزراء الهندي مودي المنتهية ولايته المأساة بـ«المروعة» مشيرا إلى أن تذكّر القتلى «يلهمنا لتكثيف جهودنا لبناء الهند بطريقة تشعرهم بالفخر». وحضر زعيم المعارضة راهول غاندي المراسم في أمريتسار ووصف يوم المجزرة عبر «تويتر» بـأنه «عار صدم العالم بأكمله وغيّر مسار الكفاح الهندي من أجل الحرية».
وفي يوم المجزرة تجمّع نحو 10 آلاف رجل وامرأة وطفل في حديقة جليانوالا باج العامة المسوّرة في أمريتسار بتاريخ 13 أبريل (نيسان) 1919. وكان كثيرون منهم يشعرون بالغضب جراء تمديد إجراءات اعتبرت قمعية وعملية اعتقال قياديين محليين تسببت باندلاع مظاهرات عنيفة قبل ثلاثة أيام. كان 13 أبريل يصادف كذلك يوم مهرجان كبير بمناسبة فصل الربيع. وشمل الحشد الذي يقدره البعض بعشرين ألفا حجاجا قدموا لزيارة معبد قريب مقدّس بالنسبة للسيخ. ووصل العميد ريجنالد داير مع عشرات الجنود فحاصروا الحديقة وبدأوا بإطلاق النار على المتجمعين دون سابق إنذار. وحاول كثيرون الفرار عبر التسلّق على الأسوار المرتفعة المحيطة بالمكان بينما قفز آخرون إلى داخل بئر عميقة في الموقع فيما واصل الجنود إطلاق النار.
وتعد المجزرة التي أعقبت احتجاجات في المدينة الشرارة التي أطلقت حركة الاستقلال في الهند. وكررت الصحف الهندية هذا الأسبوع دعواتها لبريطانيا للاعتذار عن المجزرة التي وصفها ونستون تشرشل، الذي كان وزير الدولة لشؤون الحرب حينها، بـ«الوحشية». والأربعاء، قالت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي أمام مجلس العموم إن المجزرة كانت «وصمة عار في تاريخ بريطانيا في الهند». وبينما قالت ماي «نشعر بأسف بالغ لما حصل» إلا أنها تجنبت كذلك الاعتذار.
وجاء في افتتاحية صحيفة «هندوستان تايمز» «حتى مع حلول مئوية المجزرة، رفضت بريطانيا (...) اتخاذ هذه الخطوة المهمة» والاعتذار. وبينما أقرت الصحيفة بأن بيان ماي «لربما أقوى بدرجة ما (...) لكنه غير كافٍ على الإطلاق».
وفي رد فعله على تصريحاتها، قال رئيس وزراء ولاية البنجاب أماريندر سينغ إن كلمات ماي غير كافية. وقال إنه من الضروري أن يقدم البريطانيون «اعتذارا رسميا واضحا» على «الوحشية الهائلة» التي تصرّف بها جنودهم حينها. وأشار إلى أن الآلاف حضروا مسيرة بالشموع الجمعة لتكريم الضحايا قبيل حفل تأبيني نظم أمس السبت. ووفقا لتقارير إعلامية هندية، وصف عدد من الساسة وأحفاد الضحايا هذه التعليقات بأنها لم ترق إلى اعتذار عام.
وفي زيارة أجراها عام 2013 إلى الموقع، وصف رئيس الوزراء البريطاني آنذاك ديفيد كاميرون ما حصل بالأمر «المخزي للغاية» لكن دون أن يقدم اعتذاراً رسمياً. وعام 1997. وضعت الملكة إليزابيث الثانية إكليلا من الزهور على الموقع لكن زوجها الأمير فيليب الذي لطالما عرف بزلّاته خطف عناوين الصحف التي نقلت عنه قوله إن تقديرات الهند لعدد القتلى «مبالغ فيها بشكل كبير».
وانضم المفوض السامي البريطاني لدى الهند أمس السبت إلى عشرات من الساسة والشخصيات العامة في المدينة لإحياء الذكرى المئوية للمجزرة. وكتب المندوب البريطاني دومينيك أسكويث في دفتر تذكاري بمناسبة الذكرى: «إن أحداث جليانوالا باج (أمريتسار) التي ارتكبت قبل مائة عام، هي عمل مشين في تاريخ الهند البريطانية». وقال أسكويث السبت عند حديقة جليانوالا باج المسوّرة حيث لا تزال علامات طلقات الرصاص ظاهرة «وددنا لو أن بوسعنا إعادة كتابة التاريخ، كما قالت الملكة، لكن ذلك غير ممكن». وأضاف «ما يمكن فعله كما قالت الملكة هو التعلّم من عبر التاريخ. أؤمن أننا نقوم بذلك. لا شك بأننا سنتذكر ذلك على الدوام. لن ننسى إطلاقا ما حصل هنا». ووصف أسكويث، وهو من سلالة هربرت أسكويث الذي تولى رئاسة وزراء بريطانيا من 1908 إلى 1916. في السجل التذكاري المخصص للزوار الأحداث التي وقعت في أمريتسار بـ«المخزية». وكتب «نشعر ببالغ الأسف لما حصل والمعاناة التي تسببت بها» الحادثة.
ومن الشهادات العديدة التي جمعها مؤرخان ونشرتها صحيفة «إنديان إكسبرس» هذا الأسبوع، شهادة راتان ديفي التي قتل زوجها في الهجوم والتي قالت حينها: «هناك أكوام من الجثث، بعضهم على ظهورهم والبعض الآخر وجوههم مرفوعة إلى الأعلى. عدد كبير من بينهم أطفال أبرياء لا ذنب لهم. لن أنسى هذا المشهد في حياتي». وأما داير، الذي لقّب بـ«سفاح أمريتسار»، فأشار لاحقا إلى أن الهدف من إطلاق النار لم يكن «تفريق الحشد بل معاقبة الهنود على العصيان».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...