الرقص الشرقي... «العشق السري» للمثقفين

من مصر إلى كولومبيا فنّ واحد شغل الكثيرين

صلاح عبد الصبور  -  سعاد حسني  -  تحية كاريوكا  -  إدوارد سعيد
صلاح عبد الصبور - سعاد حسني - تحية كاريوكا - إدوارد سعيد
TT

الرقص الشرقي... «العشق السري» للمثقفين

صلاح عبد الصبور  -  سعاد حسني  -  تحية كاريوكا  -  إدوارد سعيد
صلاح عبد الصبور - سعاد حسني - تحية كاريوكا - إدوارد سعيد

تفتقد المكتبة العربية لمؤلفات جادة مخصصة للرقص الشرقي، رغم أن هذا الفن يشغل حيزاً مهماً من الأفلام والحفلات وأعمال الفن التشكيلي، ولا يتعفف عنه المثقفون والكتاب والشعراء ورجال السياسة، بل إن علاقة الراقصات المعروفات بالسياسة والساسة هي بحد ذاتها موضوع يمكن أن يكتب عنه الكثير. ومع ذلك، ترك الموضوع منذ زمن طويل للمستشرقين يقرأونه ويقدمونه للقراء من وجهة نظرهم. كتاب الأديب الصحافي محمد الحجيري «العشق السري.. المثقفون والرقص الشرقي»، الصادر عن «دار رياض الريس» في بيروت، هو بحث شيق رصين، يطارد معلومات قليلاً ما شغلتنا، ليكشف كيف أن الرقص الشرقي بقدر ما همش وعومل بازدراء، كانت في المقابل حياة نجماته تتمفصل مع أحداث تاريخية، ويشكل جزءاً حيوياً من الحياة اليومية للناس.
يسير الكتاب في عدة اتجاهات؛ من جهة يحاول أن يتخذ منحى أنثروبولوجياً، مع إطلالة على الجانب التاريخي، في مقدمة مسهبة. ثم يذهب إلى حياة أبرز الراقصات العربيات المعاصرات، ليطلعنا على مساراتهن، وبعض خفاياهن التي توضح المستور وتكشف بعض المسكوت عنه.
يتساءل الكاتب: لماذا لم يتحول الرقص الشرقي إلى «علامة وطنية» أو «رمز قومي»؟ فالمنتخب الأرجنتيني لكرة القدم يحمل اسم «منتخب التانغو»، الرقصة الشهيرة في تلك البلاد، وكذلك الحال بالنسبة لـ«منتخب السامبا» البرازيلي، و«منتخب الفلامنكو» الإسباني. وبرزت فرقة «البولشوي» في روسيا حتى لتكاد تصبح من أهم المعالم الوطنية التي يباهى بها. ويذكّر المؤلف بأن وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كسينجر كان يتقصد زيارة مصر ليشاهد رقص نجوى فؤاد، معتبراً إياها «أحد أهم الأشياء الجميلة التي عرفها في العالم العربي، إن لم تكن الأمر الوحيد». ومع أن الرقص الشرقي بقيت تعج به الملاهي الليلية، فإنه وضع في خانة «أعمال الشيطان»، وابتذل على اعتباره فحشاً وإغراء، ولم تنج الراقصات من ظلم الآراء الجاهزة. ونقرأ في الكتاب أن والي مصر محمد علي باشا منع الرقص الشرقي، وقمع الراقصات. كما يشير الكتاب بأصابع الاتهام إلى السينما المصرية التي قدمت الراقصات بصور سلبية، وساهمت في تكوين أفكار حولهن فيها دونية ليست بالقليلة.
الكاتب، في مقدمته، يحاول أن يحيط بتاريخ الرقص الشرقي وأصوله والمواقف الثقافية منه، ليقول: «ليس الرقص الشرقي لشعب بعينه، بل هو موجود في ذاكرة كل شعوب الدنيا»، عائداً إلى الزمن الوثني، والنقوش التي وجدت على المعابد الفرعونية، معتمداً على استشهادات تعود إلى المسعودي وابن خلدون وغيرهما.
وحين نصل إلى تحية كاريوكا، نقرأ أنها كانت «أيقونة المثقفين» و«فاكهة الرقص» و«نقيبة الفنانين»، التي حصلت على أصوات لم ينلها أشهر الممثلين من الرجال في زمنها، وتنازلت عن منصبها طوعاً. وقع في غوايتها، وسحر بشخصيتها، عدد كبير من الكتاب، بينهم سلامة موسى، وأشهرهم إدوارد سعيد، حتى حين كانت قد كبرت في السن، وقال فيها: «لم تكن تحية كاريوكا راقصة جميلة فحسب، وإنما كانت فنانة لعبت دوراً مهيمناً في تشكيل الثقافة المصرية»، بل يستنتج صاحب كتاب «الاستشراق» أن تحية كاريوكا تقف في قلب النهضة المصرية، إلى جانب نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وطه حسين وأم كلثوم وعبد الوهاب ونجيب الريحاني.
ومن الصعب تلخيص الصفحات الطوال، وذكر التفاصيل الكثيرة الشيقة التي سطرها محمد الحجيري عن تحية كاريوكا، لكن لا بد من المرور على دورها السياسي، وتحدرها من أسرة مناضلة، حيث تأتي سيرتها السياسية قرينة لمسارها الفني. هي «أم اليسار» وابنة ثورة 1919 في تمردها الشخصي. عام 1948، ساعدت الفدائيين، وخزنت السلاح في مزرعة أختها. كما اعتقلت عام 1954 بتهمة العمل ضد النظام. وقالت وهي في السجن عن عهد جمال عبد الناصر: «ذهب فاروق، وجاء فواريق». كان لها مواقف جريئة دفاعاً عن فلسطين. وفي مهرجان كان عام 1956، وبخت الوفد الإسرائيلي، وطلبت من رئيس الوفد المصري الانسحاب، لكنه رفض. وطنية كاريوكا تجاوزت موقفها من النظام الناصري عند الشدة، وجمعت التبرعات للجيش المصري بعد هزيمة 1967، مما دفع بعبد الناصر، رغم خلافها معه، لأن يقول لها: «إنت ست بألف راجل، يا تحية».
الكتاب أقرب إلى أبحاث متتابعة تعتمد على مراجع واستشهادات، وتوثق المعلومات، ومن جميل ما يمكن أن يطلع عليه القارئ قصاصات من صحف عتيقة، وصور نادرة. ففي الصفحات المخصصة لبديعة مصابني صورة لهذه الراقصة جمعتها إلى تحية كاريوكا ومحمد فوزي، وأخرى في قسم آخر من الكتاب تجمع عبد الحليم حافظ مع الشاعر صلاح عبد الصبور. مصابني المولودة من أم شامية وأب لبناني حاربت حد الجنون إلى أن وصلت إلى مصر، وبقيت هناك وعملت ما كانت تحلم به. بين الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، كانت مصابني سيدة أعمال كبيرة في مجال تقديم العروض الراقصة واستثمار المسارح. وبعد أن تزوجت نجيب الريحاني وتركته، صار لها مسرح باسمها، وغيره بأسماء أخرى. وغزلت علاقات قوية خلال تلك الفترة مع رجال سياسة ومسؤولين كبار. وفي سن الرابعة عشرة، بعد موت والدها وتفرق أفراد عائلتها، وهرباً من فقر كبير، وصلت إلى مصر مع والدتها، لكنها سرعان ما هربت منها. حاولت أن تنهي تلك الأيام العجاف بالمال والسلطة، لكن مع وصول الضباط الأحرار إلى الحكم، تغيرت الأحوال، وانطفأت أنوار شارع محمد علي، وطولبت بضرائب لم تتمكن من دفعها، وعادت هاربة إلى وطنها لبنان بحيلة وصفت بأنها تشبه الخيال، بعد أن تزعمت المسرح الاستعراضي (الفودفيل) أكثر من ثلاثين عاماً في مصر.
لكل راقصة قصة تستحق فيلماً بمفردها، فهل المهنة هي التي كانت تدفع بهؤلاء النساء إلى عيش تفاصيل مثيرة، وإقامة علاقات تؤمن لهن حمايتهن من مجتمع يضطهدهن، أم أن النساء اللواتي اخترن هذه المهن هن اللواتي يجلبن لأنفسهن المتاعب؟ قد تكون الجدلية قائمة. فسامية جمال، التي حملت لقب «حافية القدمين»، أطلق الشاعر نزار قباني على أدائها تسمية «رقص الخيول». وهي لم تفتن الشعراء فقط، بل كانت معشوقة السياسيين ونجوم الشاشة. وهي، كغالبية اللواتي احترفن الرقص الشرقي، آتية من طفولة قهر وحرمان وفقر أيضاً. ربطت هذه الفلاحة البسيطة التي صارت نجمة الصحافة قصة حب كبيرة مع فريد الأطرش، سليل العائلة الكبيرة. وفي عهد الملك فاروق، تم اختيارها لتكون الراقصة الرسمية للقصر. ويبدو أنها تحولت إلى سبب للصراع بين المطرب الشهير والملك. وقد كتب الشاعر إبراهيم ناجي قصيدة في سامية جمال، يقول فيها: «يا من تمنيت شعراً يكون كفء جمالك، وليس في الكون شعر أراه كفئاً لذلك»، بينما اعتبر الروائي خيري شلبي أن رقصها «نوع من الأدب»، وأنها تعتمد على «الإبداع الصرف».
نجمة أخرى في الكتاب خصصت لها الصفحات الطوال، مع أنها غير محسوبة على الراقصات الشرقيات، ألا وهي سعاد حسني. رقصها الذي لم يُنسَ في بعض أفلامها، ولا بد أن أشهرها «خلي بالك من زوزو»، ومن ثم الضبابية التي لفت حياتها بسبب موتها الغامض؛ كلها عوامل منحت هذه النجمة بعداً أسطورياً، وإن كانت علاقة سعاد حسني بالسياسة قد بقيت موضع أسئلة، إلا أن صلتها بالأدباء أكثر وضوحاً، فقد وصفها صلاح جاهين بأنها «زي الفراشة»، وهي من أبرز الممثلات اللواتي أدين أدوراً في الأفلام المأخوذة عن روايات نجيب محفوظ. غنت لأحمد فؤاد نجم، وقال الشاعر السوري محمد الماغوط ذات يوم في حوار له: «ليس هناك في مصر سوى سعاد حسني»، وهي المقولة التي جلبت له كثيراً من المتاعب. ويقال إن الماغوط كان يحتفظ لها بصورة في بيته، إلى جانب صورة لجمال عبد الناصر. وقصتها الأشهر مع الأدباء هي مع الشاعر الرائد صلاح عبد الصبور، وهي التي قالت بعد وفاته إنها من خلاله قرأت وفهمت وعاشت بالقرب من الشاعر حين يهبط عليه الوحي، وإنها كانت «الملهمة التي تستمتع بدورها في جمع زهور الإلهام لتقدمها للشاعر». وفي الكتاب أيضاً سهير زكي التي اشتهرت بالرقص أمام السياسيين، والسيرة العجائبية للراقصة من أصول هندية في أوروبا ماتا هاري التي تحولت إلى مادة أدبية وسينمائية بسبب سيرتها الغامضة، وهي التي قرنت الجاسوسية بالرقص الشرقي والهندي والسالومي، وقد أطاحت برؤوس كبار لتدفع الثمن في النهاية رأسها الشخصي. وكذلك نقرأ عن شاكيرا وما كتبه عنها غابريل غارسيا ماركيز من أنها «الوردة النارية» و«أجمل مجنونات العالم». الرقص الشرقي من مصر إلى كولومبيا، مروراً بأوروبا، ليس فناً هامشياً، كما يقول الكتاب، بل هو من أكثر الفنون تمفصلاً مع يوميات الناس، ومن أكثر ما اجتذب رجال السياسة، وكان له الأثر الكبير في المثقفين.



صادق الصايغ يرحل بعيداً عن «وطن الروح»

صادق الصايغ
صادق الصايغ
TT

صادق الصايغ يرحل بعيداً عن «وطن الروح»

صادق الصايغ
صادق الصايغ

نعى «اتحاد الكتاب العراقيين»، والوسط الثقافي العراقي، الشاعر صادق الصايغ، الذي رحل مساء الجمعة في العاصمة البريطانية. ومن المعروف عن الصايغ أنه مارس عدة مجالات إبداعية، إذ جمع بين الشعر والفن التشكيلي والخط والصحافة والسينما والمسرح، وكان من أبرز المصممين والخطاطين الذين عملوا على تطوير الخط العربي. بدأت تجربة الصائغ الشعرية في مناخ الخمسينات والستينات في العراق، وأصدر ديوانه الأول «نشيد الكركدن» في عام 1978، وهو من أبرز دواوينه الشعرية. ومن مجموعاته الأخرى: «وطن للروح»، و«حيث هو القلب»، و«أنا التراب»، و«حجر يبكي»، و«قصائد الحب»، و«قصائد الوحدة». غادر الصايغ العراق عام 1961 إلى تشيكوسلوفاكيا لاستكمال دراسته، قبل أن يعود إلى بغداد عام 1967. واضطر، مرة أخرى، للهجرة حاله حال مئات المثقفين العراقيين عام 1979، بعد اشتداد حملة القمع البعثي. عاش لفترة طويلة في بيروت، حيث شارك في تأسيس «رابطة الكتّاب والصحافيين والفنانين العراقيين»، وأصبح سكرتير تحرير مجلة «البديل» التي أصدرتها الرابطة. ثم هاجر إلى براغ، وأخيراً استقر وعائلته في لندن.هنا استذكارات من بعض زملائه وأصدقائه:

أتذكر اليوم الأول الذي عرفت به صادق الصايغ في مقهى بـ«شارع أبو نواس» يلعب النرد مع سركون بولص. معطف رمادي يخط الأرض وخصلة شعر فالتة ووسامة ممثلي السينما. كان قد عاد من براغ التي تغلي إلى بغداد التي أحبها. أراد صادق أن ينظم إلى جيلنا الستيني، يأتي إلى مقاهينا ويكتب مثلنا ويحمل الكتب التي أدمنّاها، لكنه وجد الباب موصداً «كنتم منغلقين عليّ، ربما لأنني جئت متاخراً، وربما بسبب شكلي وشعري الطويل المحرج».

لا أتذكر صادق الصايغ إلا وبيروت معه.

وصلت بيروت بجواز سفر مزور في يوليو (تموز) عام 1979 سبقني إليها صادق الصايغ وسعاد الجزائري بأشهر. سكنت معهم في بيت يعود لعضو اللجنة التنفيذية عبد الجواد صالح، رئيس بلدية البيرة، الذي انتزعته السلطات الإسرائيلية من مدينته وتركته على حدود بلاده. نادراً ما يتردد أبو صالح على هذا البيت، وعندما يأتي للاجتماعات يتعارك مع ياسر عرفات، ويعود للبيت مقاطعاً الاجتماعات. يخرج للشرفة ليشرب قهوته ويدخن غليونه وهو يدردش مع نفسه كأنه ما زال في الاجتماع. آنذاك نصمت جميعاً ونسكّت أطفالنا احتراماً لغضب الرجل الذي لا يجيد المهادنة ولا السكوت عن الأخطاء.

أمام العمارة تجويف هائل غائر في الأرض كان ذات يوم مرآباً لعمارة. دخله مهندس الموت وربط أعمدة العمارة بمائتي كيلوغرام «تي إن تي» ووضع عقرب التفجير على الساعة 12.30 وغادر دونما خيال: كل شيء جاهز!

نقف صادق وأنا على الشرفة، ننظر إلى التجويف الفاغر ونفكر في لحظات الغفلة التي سبقت الانفجار: الطفل النائم يمصّ إبهامه ويحلم بأنه يطير مثل ريشة، كف العريس المرتجفة توقظ الشهوات في جسد زوجته الشابة، أبخرة العرق تزحف على قلب الكهل وهو يراقب فيلم السهرة... ننظر وننظر حتى تقشعر أجسادنا من هاجس أن شيئاً كهذا سيحدث لبنايتنا في اللحظة التي سيخطر فيها هذا الهاجس النحس.

في هذا البيت توقفنا صادق وأنا عن الكتابة والقراءة، أردنا فسحةً من الوقت لنقرأ حياتنا بين البلد الذي تركناه وهذا المكان الذي كنا فيه لاجئين عند اللاجئين. المكان مشحون بالأحداث، أحداث تبتر ما قبلها فلا تترك لذاكرتنا أن تحتويها. بعد العاشرة صباحاً تمر الطائرات الإسرائيلية عالية مثل إبر تبرق في الشمس وتترك في السماء المنذرة خيطاً من الغمام... آنذاك تدوي المضادات المنتشرة في زواريب الفاكهاني لتبعدها عنّا، ولا ندري في أي لحظة ستنقض الطائرات علينا. سألنا ولم نجد جواباً غير هزة الرأس: من يعرف؟ وهكذا نسينا الطائرات ونسينا سؤالنا.

في كل يوم تتجدد حيطان المنطقة بصور شهداء سيحلون مكان القدامى، نسير بينهم ونشعر بأنهم يراقبوننا، لوماّ أو انتظاراً؟ لم يكن صادق الشاعر مشغولاً بالمكان ولا أحداثه. ذاكرته وخياله تفلت منه، من المكان الحالي والحدث الحالي لتذهب إلى مكان آخر وربما اللامكان. في منافيه لم يكن المنفى من انشغالات صادق، إنما المكان المفقود. في براغ قضى أجمل سنوات حياته، ومع ذلك لم تترك المدينة ختمها على دفتره. فيما عدا كتاباته المهمة عن «ربيع براغ» لم أجد ما يمت للمدينة. ليس للمنفى من ذاكرة. مرة كان يفرّجني على براغ التي يعرف كل أزقتها وحاناتها ونساءها. وقفنا على نهر فلتافا نراقب انعكاسات الأضوية على الماء فامتدحت جمال المشهد والمدينة. التفت إليّ صادق: هل تصدق يا زهير، أحب هذا المشهد لأنه يذكرني ببغداد؟ بغداد تسكن صادق وهو يكرر دائما «أحب حتى مزابلها».

الوطن الذي يناجيه صادق في قصائده هو وطن مجرد، وحتى حين يسميه العراق أو «العراق الجميل» يبقى مجرداً لا تفاصيل فيه، وطن للروح، أهرب منه ويهرب مني، هو وطن مستحيل أكثر منه ممكن.

تقدمت عكس الرياح، عبرت بك المدن الموصدة

عبرت الحرائق، جبت الجبال، رحلت مع النازحين

بكيت على حائط الحمزة

وكنت ورائي، ورائي

لقد كنت يا وطني

ليدهشني أخرج لي صادق الصايغ شيئاً غريباّ عليه، مسدس «كلوك»، أخذ يقلّبه أمامي بين التباهي والاستغراب وقليل من خجل المفارقة. بعد أن أمّنَ المسدس سمح لي بأن أقلب هذا الجسم الغريب الذي سيصاحبنا في تجوالنا. كلانا كان يضحك في داخله ونحن نقلب هذا الحديد البارد... نعرف أن الوقت لن يتاح لنا لاستعماله لأننا سنعرف القاتل بعد أن يطلق الرصاصة.

كنت أسير مع صادق في الشارع القصير بين البيت ومركز الفاكهاني، أنظر إليه وإلى نظرته الساهية الصاعدة قليلاً فوق الموجودات وتحت السماء الضيقة فوقه. يجر خطواته بتثاقل غير معني بالمكان الذي هو فيه ولا المكان الذاهب اليه، غافلاً عن المخاطر حوله، أنظر وأسأل نفسي: كيف سيعرف قاتله؟

يخاطب صادق نفسه وهو يمشي:

سمعت الخطى والرصاص

وأضوية القاطرات

ولم تلتفت

رأيتهم يعبرون حواشي المساء حفاةً

ولم تلتفت

قتلت، قتلت

ولم تلتفت

كنت أستمع لأحاديث صادق وتجاربه المدهشة وأشرب كلماته مع العرق باستمتاع... عن محلة الأزرملي التي عاش فيها فرسمت طفولته وشبابه، هناك عرف صادق الشيوعية من شقاوات المحلة، عن خاله المنولوغست الشهير عزيز علي، وكان صادق واحداً من الكومبارس، ورافقه في أول تسجيلاته، عن بداياته في جريدة «البلاد»، وفي الإذاعة بعد ثورة تموز، حيث كان يعد برنامج «المايكرفون وراء الحقيقة» الذي أحبه رئيس محكمة الشعب فاضل المهداوي ووزير الإعلام فيصل السامر، عن اللقاء المخيف والمثير بينه وبين أحمد حسن البكر... حين أخطئ وأسأل صادق: لم لا تكتب هذه الذكريات؟ يتوقف الحديث وينقطع حبل الذكريات، في داخله إحساس بلا جدوى الكتابة فيترك الذكريات للريح. الكل يحسد صادق على وسامته، على كثرة مواهبه، حظوته عند النساء، إلا صادق نفسه «لم أعش أبداً حياة ترضيني» لا بيئة عائلية ولا بيت ولا وطن مستقر.

البيت الثاني في بيروت شقة في الطابق الثامن من عمارة «النجمة» عند نزلة أبي شاكر. في هذا البيت يجلس صادق تاركاً ضيوفه في الغرفة الأخرى ليخط حين تستعصي القصيدة. خلال الممارسة الطويلة تعلم صادق قواعد الخط وطبقها بسلاسة، يرسم الحرف بمقدار ما يخطه، ويطوعه باحثاً عن أبعاد غير معهودة، مازجاً بين الخطوط ليجد هارموني مختلفاً. يجلس صادق ليخط وظهره إلى الشباك. ينحني على الطاولة حين يخط الألف، ويرفع رأسه حين يضع الهمزة فوقها. من بعيد، من وراء «برج أبي رزق» بَرَكَ قناص ضجراً من فترة الهدنة القلقة. بالناظور رأى هذا الرأس الذي يصعد وينزل في إطار النافذة. سدد الفرضة والشعيرة إلى مكمن القصيدة ثم سحب الزناد. طارت الرصاصة على طول كورنيش المزرعة واخترقت النافذة داخلة الغرفة وقد تاه عليها الرأس في اللحظة التي انحنى فيها صادق ليضع النقطة. لم يعرف صادق بالرصاصة التي استهدفته إلا بعد مدة حين فتحت سعاد دولاب الملابس واكتشفت، ويا للهول، مظروف الرصاصة نائماً مثل فأر نحاسي وديع بين صوف الملابس الشتائية.

حين تهدأ الجبهات الكبيرة تندلع داخل الجبهة الواحدة حروب النفوذ داخل الجبهة، آنذاك علينا أن نغيّر أماكن جلوسنا. ذات يوم كنا نسهر في سطح هذا البيت حين قفز فوق بيتونة الفراش مقاتل مع رشاشته المتوسطة وطلب منّا، بكل أدب، أن ندخل إلى البيت وبدأ يطلق صليات متواترة نحو منظمة جارة تنافسهم على زعامة الحارة.

عند مدخل العمارة التي يسكنها صادق رأينا، فالح عبد الجبار وأنا، قاتلين أنيقين داخل سيارة «فولكسفاغن» منحنيين قليلاً وعيونهما باتجاه المصعد الذي سيخرج منه صادق. لم يخرج صادق رغم صعود المصعد وعودته. مرة، مرة ثانية، ثالثة... يأسَ القاتلان وتركا مكانهما وقد اعتقدا أن الحذر الشديد أعلم الطريدة بوجودهما. لم يخطر النسيان ببالهما، ونحن نعلم أنه ما من مرة غادر صادق بيته إلا وعاد ثانية وثالثة، مرة نسي المفتاح، وثانية أن ياخذ معه كيس الزبالة، وثالثة نسي المسدس في رف الحمام... واحدة من فلتات النسيان أنقذت صادق من قتلته.

ذات يوم أبلغت منظمة التحرير بأن مجموعة من حملة الكواتم وصلت بيروت ومعها قائمة أسماء محددة، هي صادق وقاسم حول وزهير وربما أسماء أخرى. وأوصتنا بالحذر! أعرف وأنا أسير مع صادق أن جذوة القصيدة تأتيه حين يمشي وتتقطر في داخله بوجود الآخرين فينفصل عنهم ويذهب إلى غرفته ليكتبها قبل أن تفلت وتضيع كما ضاعت منه قصائد كثيرة.

وصادق بيننا نموذج للضياع... ضائع بين مواهبه المتعددة وهو موهوب في كل منها. بدأ مشهوراً منذ بداية عشرينياته كنجم إذاعي وخطاط. ثم انفرشت مواهبه... شاعر ورسام ونجم تلفزيوني وناقد وكاتب أطفال وخطاط... ضائع بين كل هذه المواهب لا يعرف أيها هو وقد ترك في كل واحدة منها قطرة من روحه. وفي داخل القصيدة ضائع بين التفعيلة والنثر، قصيدته ضيعت مكانها وزمانها إلى عوالم سريالية مجهولة، لا تنتمي لتجربته الحياتية، إنما إلى الشعر نفسه وإلى حساسية ميتافيزيقية دفينة، يكتب عما يفقده وعما سيفقده وليس عما يجده. ضائع بين جيلين مثل صديقه يوسف الصائغ، فهو يقف داخل دائرة الشعر الستيني دون أن ينتمي إليها فنياً. ضائع بين منافيه وبين حنينه إلى وطن ضائع. بين ذاته كداندي، وبين الآخرين في الحزب، بين النهم إلى اللحظة الحاضرة، والخوف من المجهول القادم، ضائع بين جمال المظهر وعتمة الروح، بين الحسية والإقبال على متع الحياة وبين السهولة التي يضيع فيها ما حصل عليه، بين خوفه من الموت وحب الحياة، بين ذكريات تجتاحه فجأة وتملي قصيدته وبين مستلزمات الحياة الحاضرة التي تفلت منه إلى هاوية النسيان. كلما جلسنا معاً أمام الكأس وصحون المزة يأخذ صادق الرشفة الأولى وينسى كأسه حين يشرب من كأس الأحاديث.

أفكر بصادق وأكتشف، وأنا أكتب، أن صادق هو نحن، ما ننتقده عليه وما نحسده عليه وما نحبه فيه.

الصايغ عاش أجمل سنيّ حياته في شارع الثقافة العراقي

علي حسين

عانى صادق الصائغ، مثل الكثير من المثقفين العراقيين، من مرارة المنفى، فقد كُتب عليه أن يتنقل من غربة إلى غربة؛ تارةً هارباً من القمع وقسوة التسلط، وتارةً من جحود الوطن الذي أغلق الباب بوجهه في السنوات الأخيرة:

كلما صرخت:

النجدة!!

أغلق الباب.

عندما أسترجع في ذهني الآن صورة صادق الصائغ، الفتى الوسيم المتعدد الاهتمامات: الشعر، الرسم، الخط، السينما، الصحافة، أتذكر أبيات قصيدته الشهيرة "هنا بغداد":

مَدينَةٌ من أجْمَل مُدُن العَالَمِ

وَمَعَ أنَّهَا، للتَّوِّ، ضُربَت بالقنابل

وسُحِقَتْ تَحتَ الأقْدام،

كما تُسْحَقُ سَاعةٌ مُعَطَّلةْ

لكنَّها،

وكَما لَو لتَّوهَا وُلِدَتْ.

وأسترجع معها صورة الفتى الوسيم الذي يغوص في أزقة بغداد، يحمل الأوراق والحبر ليخط عناوين مجلة السينما التي أصدرها كاميران حسني في خمسينيات القرن الماضي، وتلوح لي صورته وهو يطل من على شاشة تلفزيون العراق في السبعينيات، يقدم قصائد عراقية وعربية بطريقة سينمائية، ونظراته الفاحصة تتابع يوسف العاني يؤدي شخصية البيك في المسرحية الشهيرة "البيك والسايق" التي أعدها الصادق عن إحدى مسرحيات بريشت، أو حواراته التي كانت تنتهي بالخصام أحياناً مع جعفر علي الذي كتب له سيناريو فيلم "المنعطف"، أو حالة الوجع التي تتلبسه وهو يتذكر معاناة خاله فنان الشعب "عزيز علي". عندما أسترجع في ذهني الآن كل هذه الصور التي شكلت شخصية صادق الصائغ، سأكتشف أن هناك صورة واحدة سنظل نتذكرها؛ صورة المثقف الوطني المتمرد الذي قال ذات يوم: "لا أنافس أحداً سوى نفسي". .

عاش صادق الصائغ أجمل سني حياته في شارع الثقافة العراقي الحديث، تجول في كل أزقته، مسكوناً بالجمال والمعرفة والحب والمغامرة، ليصبح بحق واحداً من آباء الحداثة العراقية، إلا أن الشعر ظل هاجسه الرئيسي منذ أن أصدر ديوانه الأول "نشيد الكركدن" ليكشف لنا عن تفرد مشروعه الشعري وحيوية قصائده التي لم تنل منها سنوات الغربة والمطاردة، بل زادته إصراراً على الكتابة التي كانت جنته ورؤياه التي أتاحت له سفراً دائماً نحو التمرد والحرية، ولتكتسب تجربة التمرد قيمة كبيرة في معظم قصائده، فالشاعر يواصل رحلة الوقوف في وجه العالم، يشاكس حتى اللحظة الأخيرة من حياته أصحابه الذين يشاركونه الحلم بعراق معافى، يشاركهم همومه وأحلامه ومشاريعه المؤجلة، متطلعاً إلى الغد الذي يتمناه أن يكون جميلاً، ولم يكن يدري أن الموت يتربص به ليرحل وحيداً على أمل أن يتحقق الوعد الذي قطعه للأصدقاء:

إذا طَلَبـُتُ المَوْت

فَلأنِي أعْرف

أنِّي سَأسْتَيْقِظُ عَلى حُلُمٍ آخر

سأتحلل فيه إلى ماء وظل

ومع قطرات المطر

أنزل إلى جذور الأرض أنزل

كَموسِيْقا

الصائغ... المعلم في مدرسة «طريق الشعب»

إبراهيم البهرزي

يشكل العام 1978 بالنسبة للثقافة العراقية جرحا سريا ظلت آثاره المؤلمة حاضرة كلما رحل اديب عراقي في المنفى ،

فهو العام الذي شن فيه النظام السياسي حملته الوحشية ضد اليسار العراقي وترك مثقفيه رهائن المنافي او الاعتزال والصمت .

كان صادق الصائغ المثقف الموسوعي : الشاعر الفنان الخطاط المصمم الطباعي كاتب السيناريو السينمائي الناقد السينمائي كاتب المسرح والمعد والمقدم التلفزيوني يشكل مع اخرين وجها جديدا للثقافة العراقية كان يتمظهر من خلال مطبوعات الحزب الشيوعي التي سمح لها بالظهور انذاك : طريق الشعب والفكر الجديد ومجلة الثقافة الجديدة اضافة لمطبوعات متفرقة كانت تصدرها دار الرواد الزاهرة .

كانت هذه الصحف وطريق الشعب بالذات في صفحاتها الثقافية تشكل بؤرة لثقافة مختلفة عن تلك الثقافة الرسمية التي تتمثل في الإصدارات الثقافية الرسمية وكان لمثقفي ( طريق الشعب ) شيبهم وشبابهم مزاجا أدبيا وفنيا متميزا .

ولإعطاء صورة مبسطة عن الجو العام انذاك يمكننا الإشارة إلى صفحة ثقافية يتعاون على إصدارها شعراء مثل سعدي يوسف ويوسف الصائغ وصادق الصائغ وجليل حيدر وفوزي كريم وياسين النصير وفاطمة المحسن ومخلص خليل ومصطفى عبد الله وأسماء مضيئة اخرى وكنا نحن الشباب من جيل السبعينات نحظى برعاية هذه الأسماء الفذة ما شكل تيارا ثقافيا له خصائصه الفكرية والأسلوبية الذي سرعان ما حطمته قبضة الجلاد بهجماتها الشرسة على اليسار العراقي ودفع باغلب هذه الرموز الثقافية إلى المنافي .

كان الراحل صادق الصائغ واحدا ممن أخذته دروب المنفى إلى تلك القطيعة الثقافية القسرية مع جذوره الاولى حيث كانت قسوة النظام السياسي قامعة لحد حجب ( الاسم الثقافي ) عن اي إصدار في الداخل او ما يمكن تسريبه من الخارج .

اجيال جديدة نشأت وهي لا تعرف هذه الرموز المنفية وحين عادوا من المنفى بعد ٢٠٠٣ كانوا - ويا للأسى - بحاجة إلى اعادة تعريف او تنشيط لذاكرة الجمهور الثقافي .

مع التقدم في السن لم يجد صادق الصائغ تلك الفتوة التي تتيح له التدافع بالمناكب لتصدر مشهد ثقافي جديد تغير كثيرا عن نكهة السبعينات السالفة وصار له وجها آخر افرزته الثقافة الحكومية الرسمية بعجرها وبجرها وله ما له وعليه ما عليه فلم يجد صادق الصائغ المثقف الموسوعي القادر لوحده بحكم امكانياته على إصدار مطبوع بخطوطه وتصميماته ومواده من الغلاف إلى الغلاف ، لم يجد غير غرفة فارغة في وزارة الثقافة بحكم وظيفته كمستشار ثقافي وهو منصب شرفي غير حيوي فما كان له إلا العودة لمنفاه ثانية .

في الثقافة العراقية وبحكم خروجها من عباءة الأنظمة السياسية في اكثر الأوقات فان استذكار المنسيين لا يحدث إلا عند موتهم وذلك لاجل رفع العتب لا غير .

وحسب علمي فان صادق الصائغ لم يحصل حتى على حق تقاعدي مشروع جراء خدمته الوظيفية ما قبل سنوات المنفى بحكم البيروقراطية المستحكمة في الدولة العراقية ، لم يجد صادق الصائغ ما يتيح له العيش في شيخوخة كريمة يمنحها له بلده فعاد للمنفى اضطرارا .

كان الراحل من متعددي المواهب الذين يتركون اثرا مميزا في اي مجال يعملون فيه فلا تزال خطوطه وترويساته بائنة في صحف ومطبوعات كثيرة وكان له مع زميله الراحل محمد سعيد الصحار جهود في مجال تطوير الحرف الطباعي العربي وهي جهود ضيعت بين المنفى والبلاد .

شاعرا كان صادق الصائغ صوتا متفردا ما انصفه النقاد فما حسبوه على الخمسينيين ولا على الستينيين رغم ان ديوانه نشيد الكركدن وهو ديوان مميز كتبت قصائده اغلبها في الستينات ورغم انه عمل في حقل النقد السينمائي مبكرا منذ الخمسينات وسافر في الستينات إلى اوربا منغمسا في حياته مع الهيبيين وحركات الثورة الطلابية نهاية الستينات وعمل في التلفزيون العراقي كمعد ومقدم لبرنامج سينمائي أثار في احدى إطلالاته التلفزيونية حفيظة الرئيس احمد حسن البكر الذي انزعج لطول شَعره ! ما أدى إلى إبعاده عن التلفزيون ، رغم كل مواهبه المتعددة فإنه كان زاهدا بطبع مؤلفاته او جمعها ، لقد كان يعتقد ان مهمته هي كتابة الأفكار : شعرا او نثرا او نقدا وإيصالها للقاريء بطريقة ما فظل نتاجه المتنوع منجما بين صحف ومجلات ظهرت في أمكنة وأزمنة مختلفة بطريقة يصعب جمعها .

برحيل صادق الصائغ تفتقد الثقافة العراقية نكهة مختلفة ، تلك النكهة الأنيقة المتأنية التي تتوزع بين مختلف أجناس الادب والفن مؤمنة بوحدة الابداع وسعة امكانياته ،

كان موهوبا لافتا ضيعت المنافي الكثير من آثاره الادبية والفنية وسيظل علامة لجيل تتلمذ على يديه يوم كان واحدا من معلمي مدرسة ( طريق الشعب ) في سبعينات العراق .


وثائق جمالية تستعيد ذاكرة الشرق

لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".
لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".
TT

وثائق جمالية تستعيد ذاكرة الشرق

لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".
لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".

بينما كانت أجراس فعاليات لندن الربيعية تعلن عن انطلاق أسبوع الفن في قلب مايفير، وفي ظل صخب شارع «نيو بوند ستريت» الذي لا يهدأ، هيأت دار «سوذبيز» العريقة ردهاتها لاستقبال نوع مختلف من الضوء؛ ضوء الشرق الذي أسَرَ مخيلة الرحالة الغربيين قبل قرنين من الزمان، ويعود اليوم ليأسر قلوب كبار المقتنين في مزاد «فن الاستشراق» لموسم ربيع 2026. لم يكن المعرض الذي افتتح أبوابه للجمهور قبل موعد المزاد مجرد عرض لمقتنيات فنية عابرة، بل كان أشبه باستعادة بصرية لذاكرة جغرافية وتاريخية تشكل وجدان المنطقة الممتدة من ضفاف النيل إلى أسوار القسطنطينية.

في هذه النسخة من المزاد، تبدو الأعمال المختارة، وكأنها تتجاوز الجدل التقليدي حول الاستشراق، بوصفه نظرة خارجية، لتتحول إلى وثائق جمالية بالغة الدقة. نحن أمام مشهد يتسم بنضج استثماري لافت؛ حيث لم يعد المقتني العربي أو العالمي يبحث عن الغرائبية فحسب، بل ينشد الأصالة والدقة التاريخية التي برع فيها فنانون من طراز جان ليون جيروم ولودفيك دويتشه. كما أن الأعمال المعروضة تؤكد أن فن الاستشراق لم يعد مجرد صنف منسيّ في تاريخ الفن، بل هو عملة ثقافية صعبة تزداد قيمتها كلما زاد الحنين إلى الجذور.

لوحة" المستعمون" لنصرالدين دينيه

عبقرية الظل والضوء

تتصدر مشهد المزاد لوحة الفنان الأميركي فريدريك آرثر بريدغمان (1847 - 1928) المعنونة بـ«في قرية الأبيار الجزائر» (In a Village at El Biar, Algiers)، والأبيار إحدى ضواحي الجزائر كانت ملاذاً للفنانين بسبب إطلالتها وهوائها العليل، وكان بريدغمان مفتوناً ببيوتها المترابطة. وهي عمل يجسد ذروة النضج في أسلوب بريدغمان الاستشراقي. في هذه اللوحة، لا يكتفي الفنان بنقل مشهد مكاني، بل يحبس أنفاس الزمن في لحظة جزائرية خالصة.

تتجلى عبقرية بريدغمان في تعامله مع «الضوء المتوسطي الساطع»؛ حيث تضرب أشعة الشمس الجدران البيضاء لقرية الأبيار، لتعكس وهجاً يكاد يشعر المشاهد بحرارته. لكن القيمة الحقيقية للعمل تكمن في التباين الدرامي بين هذا البياض الناصع وظلال الزقاق الضيق التي تمنح اللوحة عمقاً هندسياً مذهلاً.

بالنظر إلى التفاصيل الدقيقة، يبدو أن بريدغمان رسم الشخوص بلمسة إثنوغرافية غاية في الأمانة؛ من طيات الملابس التقليدية إلى حركة أيدي النساء وتموجات المياه في بركة الحوش، مما يمنح العمل قيمة توثيقية تتجاوز البعد الجمالي. إن اختيار «سوذبيز» لهذه القطعة تحديداً يعكس ذكاءً في تقدير ذائقة المقتني المعاصر، الذي يبحث عن أعمال بريدغمان ليس فقط لجماليتها، بل لقدرتها على نقل روح المكان وهدوء الحياة اليومية بعيداً عن التكلف أو المبالغة الدرامية. ومن المتوقع أن تشهد هذه اللوحة منافسة شرسة (القيمة التقديرية للوحة بين 150 - 200 ألف جنيه إسترليني)، نظراً لندرة أعمال بريدغمان التي تتميز بهذا المستوى من الحيوية في الألوان والتماسك في التكوين. هذا التقدير المرتفع لا يعكس فقط براعة بريدغمان التقنية، بل يشير إلى ندرة وجود أعمال بهذا الحجم والجودة في السوق حالياً. إن تجاوز حاجز الـ150 ألف باوند كقيمة افتتاحية يبعث برسالة واضحة للمقتنين: «نحن أمام قطعة ليست للعرض الجمالي فحسب، بل هي استثمار تاريخي رصين في أحد أكثر فصول الفن الاستشراقي صدقاً وعمقاً».

تبدو الأعمال المختارة وكأنها تتجاوز الجدل التقليدي حول الاستشراق بوصفه نظرة خارجية، لتتحول إلى وثائق جمالية بالغة الدقة

عمالقة الاستشراق والقيمة التجارية

لا يقتصر زخم مزاد «سوذبيز» لهذا الموسم على لوحة بعينها، بل يمتد ليشمل كوكبة من «أساطير الاستشراق» الذين جابوا الشرق بحثاً عن الضوء والحقيقة. يتصدر المشهد رواد المدرسة الفرنسية والنمساوية والأميركية، حيث تُعرض أعمال لأسماء لا تخطئها عين المقتني المحترف، مثل جان ليون جيروم ولودفيج دويتشه ورودولف إرنست ونصر الدين دينيه (اسمه الأصلي ألفونس). وتتراوح القيم التقديرية لهذه الأعمال في المزاد الحالي ما بين خمسين ألف جنيه إسترليني للتخطيطات والدراسات الزيتية الصغيرة، وصولاً إلى أرقام تتجاوز 300 ألف جنيه إسترليني للوحات الزيتية الكبيرة التي تتميز بتفاصيل معمارية معقدة. هذا التنوع في الأسعار والمستويات الفنية يعكس استراتيجية «سوذبيز» في استقطاب شريحتين من المقتنين: «المستثمر الجديد» الذي يبحث عن موطئ قدم في عالم الفن، و«المقتني النخبوي» الذي يطارد القطع المتحفية النادرة التي قلما تظهر في الأسواق، مما يجعل القيمة الإجمالية للمزاد تُقدر بملايين الجنيهات الإسترلينية.

استعادة الشرق بريشة الحداثة

يظل السؤال القائم في أروقة «سوذبيز» يتجاوز حدود الأرقام القياسية والمنافسات المالية؛ هل ما زال فن الاستشراق قادراً على محاورة إنسان القرن الحادي والعشرين؟ الإجابة تكمن في تلك التفاصيل التي خلدها فنانون مثل بريدغمان وإرنست؛ فهي ليست مجرد توثيق لزمن مضى، بل هي استعادة لجماليات كادت تمحوها الحداثة المتسارعة. إن الاهتمام المتزايد من قبل المقتنين والمؤسسات الثقافية في منطقة الخليج والعالم العربي بهذه الأعمال، يحولها من «نظرة غربية للشرق» إلى «إرث شرقي مستعاد» تُعاد قراءته اليوم بعيون أصحاب الأرض أنفسهم.

في نهاية المطاف، سيهدأ ضجيج المزايدات وتستقر لوحة «في قرية الأبيار» وغيرها في مجموعات خاصة أو متاحف عالمية، لكن القيمة الحقيقية لهذا المزاد تظل في قدرته على مد الجسور بين ضفتي المتوسط، وفي تذكيرنا بأن الفن هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة لتنقل سحر الضوء الجزائري أو روحانية جوامع القاهرة إلى قلب لندن. وبغض النظر عن أسعار المزاد، يبقى اليقين الوحيد هو أن الشرق بروعته وتفاصيله سيظل دائماً بوصلة الجمال التي لا تخطئ في سوق الفن العالمي.

 


نصب ملكي لهشام بن عبد الملك من قصر الحير الغربي

 نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
TT

نصب ملكي لهشام بن عبد الملك من قصر الحير الغربي

 نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي

يشكل النقش التصويري ركناً أساسياً من مكوّنات الفن الأموي المدني، وتشهد لذلك مجموعات من اللقى الأثرية، عُثر عليها بين أطلال منشآت عمرانية تتوزّع على صحاري بلاد الشام، وتُعرف بـ«قصور البادية». تبرز في هذا الميدان مجموعة كبيرة تتميّز بثرائها وتنوّعها، خرجت من قصر يقع جنوب غرب تدمر، أطلق عليه علماء الآثار اسم «قصر الحير الغربي». تحوي هذه المجموعة قطعاً متعدّدة الأحجام، أكبرها قطعة على شكل نصب آدمي يحاكي ارتفاعه طول قامة الإنسان، تمثل صورة لصاحب القصر، الخليفة هشام بن عبد الملك.

وصلت هذه القامة المنحوتة مهشّمة ومجزّأة، وباتت ثلاث قطع منفصلة، منها قطعة تمثّل الرأس، وقطعة تمثّل الجزء الأعلى من الصدر، وقطعة تمثّل الساقين. تمّ وصل الرأس بأعلى الصدر من خلال عنق مضافة صُنعت من مادة مغايرة، وفقاً للطرق العلميّة المتبعة، وشكّل هذا الوصل تمثالاً نصفياً يمثّل الجزء الأعلى من هذه القامة. في المقابل، بقيت كتلة الساقين على حالها، نظراً لغياب القطعة التي تمثّل الجزء الأسفل من الصدر. هكذا يحضر هذا النصب في قطعتين متجاورتين عمودياً، ويُعرض ضمن جناح من المتحف الوطني في دمشق، خُصّص بأكمله لأهم القطع الأثرية التي خرجت من قصر الحير الغربي.

تبدو هذه القطعة المنحوتة للوهلة الأولى أشبه بتمثال ثلاثي الأبعاد، غير أن ظهرها أملس ومسطّح، ويخلو من أي نقش، ممّا يعني أنّها صُنعت لتُثبّت على جدار، وتعتمد طرازاً من طرز النقش الناتئ، يُقارب النحت بنتوئه الشديد. يعود موقع هذا المجسّم الضخم في الأصل إلى واجهة قصر الحير الغربي، حيث ثُبّت على سطح القوصرة المقوّسة التي تعلو باب مدخل القصر الكائن في وسط القسم الأسفل من هذه الواجهة، على ما افترض دانيال شلومبرجير، الخبير الذي قاد البعثة الفرنسية التي استكشفت هذا الموقع الأموي بين عام 1936 وعام 1938. حسب هذه القراءة، حظي هذا النصب بموقع رئيسي في الحلة الزخرفية التي كست هذه الواجهة، ويشير طرازه الملكي التقليدي إلى أنّه يمثّل صاحب البناء، وهو حسب نقش عُثر عليه في الموقع «عبد الله هشام أمير المؤمنين»، أي الخليفة هشام بن عبد الملك.

اعتُمدت هذه القراءة بشكل واسع في الأوساط العلميّة، غير أنّ تحديد هوّية صورتها فنياً بشكل جازم وقاطع ظلّ موضع بحث، وذلك بسبب انتهاجها أسلوباً يبتعد عن محاكاة المثال الشخصي الفردي، وتبنّيها مثالاً نموذجياً جامعاً. في الخلاصة، يشكّل هذا النصب صورة نموذجية مثالية للخليفة هشام بن عبد الملك، كما يشكّل صورة رمزية تختزل مقام هذه الخلافة فحسب. يحلّ رأس هذا المجسّم في كتلة بيضاوية سقط منها الجزء الأسفل للأسف، وما بقي منه يشير إلى لحية مستديرة تتّصل بشاربين طويلين. انمحت العين اليمنى، وسلمت العين اليسرى، وهي لوزية، ويعلوها حاجب مقوّس، وفي وسطها بؤبؤ طُلي باللون الأسود. الأنف عريض وناتئ. الأذن اليسرى ظاهرة، وتتميّز بحلق دائري يتدلّى من طرفها الأسفل. الشعر كثيف، وما بقي منه يشير إلى خصل تلتف حول الوجه، يعلوها تاج يحدّه إكليل مكوّن من شريطَين رفيعَين متلاصقَين. يكشف رداء الصدر عن ثوب فضفاض ذي ثنايا مقوّسة متجانسة، يفصل بينها في الوسط شريط عمودي عريض، زُيّن بسلسلة من الأقراص الدائرية الصغيرة.

تتّضح هوية هذا اللباس في الجزء الأسفل من المجسّم، وهو الجزء الخاص بالساقين. يظهر الملك في وضعيّة الجلوس، ويرتدي بزّة طويلة تلتف حول الركبتين المتباعدتين، تزيّنها كذلك ثنايا مقوّسة متجانسة، يفصل بينها في الوسط خيط عمودي، مستقيم وغائر. تحت هذه البزّة سروال فضفاض، يحدّ كلّ طرف من طرفيه شريط عمودي مزخرف، يماثل في زخرفته الشريط الذي يتوسط البزّة. تأخذ الساقان المتباعدتان والمتواجهتان شكل مثلث تدلّى منه طرف القدم اليسرى. يتبنّى هذا المجسّم الأموي في الواقع نموذجاً ملكياً تقليدياً خاصاً، عُرف به أكاسرة الفرس الساسانيون. دخل هذا النموذج العالم المتوسّطي بشكل واسع، وانتقل إلى العالم الأموي حيث تبنّته الخلافة التي ورثت مجد الأكاسرة، وفقاً لرؤية حضارية، اختزلها قول مأثور اشتهر به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان».

يظهر الخليفة الأموي في هذا المجسمّ الضخم مرتدياً حلّة كسرى الفرس، ويظهر كما يبدو مرتدياً حلّة قيصر الروم في قطعة أخرى من قطع قصر الحير الغربي، ضاع منها النصف الأعلى للأسف. دخلت هذه القطعة متحف دمشق الوطني، وتشكّل في الأصل جزءاً من زينة البهو الداخلي للقصر. تتبع هذه القطعة تقنية النقش الناتئ التقليدية، ويبلغ طول ما تبقّى منها نحو متر، ممّا يوحي بأنها كانت تحاكي في الأصل حجم الإنسان. يمثّل هذا النقش شخصاً يجلس على عرش ملكي، مرتدياً معطفاً يعلو رداءً طويلاً ينسدل حتى أسفل القدمين، كاشفاً عن قدمين تستقران فوق قاعدة فخمة تحدّها سلسلة من العواميد المرصوصة.

شاع هذا النموذج في العالم الروماني، وعُرف باسم «العرش الإمبراطوري»، وهو العرش الذي جعل منه الفن البيزنطي عرشاً للمسيح. ودخل هذا العرش قاموس الفن الأموي، كما يشهد هذا النقش بشكل جليّ. تقابل هذه الصورة المنحوتة لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن، تحضر في الركن المعروف بـ«ركن العرش»، وفيها يظهر «ولي عهد المسلمين والمسلمات» متربّعاً على مقعده الوثير، كما تقول الكتابة المرافقة. وهذا الولي هو الوليد بن يزيد، كما تؤكد كتابة ترافق جدارية أخرى من جداريات هذا القصير.