الرقص الشرقي... «العشق السري» للمثقفين

من مصر إلى كولومبيا فنّ واحد شغل الكثيرين

صلاح عبد الصبور  -  سعاد حسني  -  تحية كاريوكا  -  إدوارد سعيد
صلاح عبد الصبور - سعاد حسني - تحية كاريوكا - إدوارد سعيد
TT

الرقص الشرقي... «العشق السري» للمثقفين

صلاح عبد الصبور  -  سعاد حسني  -  تحية كاريوكا  -  إدوارد سعيد
صلاح عبد الصبور - سعاد حسني - تحية كاريوكا - إدوارد سعيد

تفتقد المكتبة العربية لمؤلفات جادة مخصصة للرقص الشرقي، رغم أن هذا الفن يشغل حيزاً مهماً من الأفلام والحفلات وأعمال الفن التشكيلي، ولا يتعفف عنه المثقفون والكتاب والشعراء ورجال السياسة، بل إن علاقة الراقصات المعروفات بالسياسة والساسة هي بحد ذاتها موضوع يمكن أن يكتب عنه الكثير. ومع ذلك، ترك الموضوع منذ زمن طويل للمستشرقين يقرأونه ويقدمونه للقراء من وجهة نظرهم. كتاب الأديب الصحافي محمد الحجيري «العشق السري.. المثقفون والرقص الشرقي»، الصادر عن «دار رياض الريس» في بيروت، هو بحث شيق رصين، يطارد معلومات قليلاً ما شغلتنا، ليكشف كيف أن الرقص الشرقي بقدر ما همش وعومل بازدراء، كانت في المقابل حياة نجماته تتمفصل مع أحداث تاريخية، ويشكل جزءاً حيوياً من الحياة اليومية للناس.
يسير الكتاب في عدة اتجاهات؛ من جهة يحاول أن يتخذ منحى أنثروبولوجياً، مع إطلالة على الجانب التاريخي، في مقدمة مسهبة. ثم يذهب إلى حياة أبرز الراقصات العربيات المعاصرات، ليطلعنا على مساراتهن، وبعض خفاياهن التي توضح المستور وتكشف بعض المسكوت عنه.
يتساءل الكاتب: لماذا لم يتحول الرقص الشرقي إلى «علامة وطنية» أو «رمز قومي»؟ فالمنتخب الأرجنتيني لكرة القدم يحمل اسم «منتخب التانغو»، الرقصة الشهيرة في تلك البلاد، وكذلك الحال بالنسبة لـ«منتخب السامبا» البرازيلي، و«منتخب الفلامنكو» الإسباني. وبرزت فرقة «البولشوي» في روسيا حتى لتكاد تصبح من أهم المعالم الوطنية التي يباهى بها. ويذكّر المؤلف بأن وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كسينجر كان يتقصد زيارة مصر ليشاهد رقص نجوى فؤاد، معتبراً إياها «أحد أهم الأشياء الجميلة التي عرفها في العالم العربي، إن لم تكن الأمر الوحيد». ومع أن الرقص الشرقي بقيت تعج به الملاهي الليلية، فإنه وضع في خانة «أعمال الشيطان»، وابتذل على اعتباره فحشاً وإغراء، ولم تنج الراقصات من ظلم الآراء الجاهزة. ونقرأ في الكتاب أن والي مصر محمد علي باشا منع الرقص الشرقي، وقمع الراقصات. كما يشير الكتاب بأصابع الاتهام إلى السينما المصرية التي قدمت الراقصات بصور سلبية، وساهمت في تكوين أفكار حولهن فيها دونية ليست بالقليلة.
الكاتب، في مقدمته، يحاول أن يحيط بتاريخ الرقص الشرقي وأصوله والمواقف الثقافية منه، ليقول: «ليس الرقص الشرقي لشعب بعينه، بل هو موجود في ذاكرة كل شعوب الدنيا»، عائداً إلى الزمن الوثني، والنقوش التي وجدت على المعابد الفرعونية، معتمداً على استشهادات تعود إلى المسعودي وابن خلدون وغيرهما.
وحين نصل إلى تحية كاريوكا، نقرأ أنها كانت «أيقونة المثقفين» و«فاكهة الرقص» و«نقيبة الفنانين»، التي حصلت على أصوات لم ينلها أشهر الممثلين من الرجال في زمنها، وتنازلت عن منصبها طوعاً. وقع في غوايتها، وسحر بشخصيتها، عدد كبير من الكتاب، بينهم سلامة موسى، وأشهرهم إدوارد سعيد، حتى حين كانت قد كبرت في السن، وقال فيها: «لم تكن تحية كاريوكا راقصة جميلة فحسب، وإنما كانت فنانة لعبت دوراً مهيمناً في تشكيل الثقافة المصرية»، بل يستنتج صاحب كتاب «الاستشراق» أن تحية كاريوكا تقف في قلب النهضة المصرية، إلى جانب نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وطه حسين وأم كلثوم وعبد الوهاب ونجيب الريحاني.
ومن الصعب تلخيص الصفحات الطوال، وذكر التفاصيل الكثيرة الشيقة التي سطرها محمد الحجيري عن تحية كاريوكا، لكن لا بد من المرور على دورها السياسي، وتحدرها من أسرة مناضلة، حيث تأتي سيرتها السياسية قرينة لمسارها الفني. هي «أم اليسار» وابنة ثورة 1919 في تمردها الشخصي. عام 1948، ساعدت الفدائيين، وخزنت السلاح في مزرعة أختها. كما اعتقلت عام 1954 بتهمة العمل ضد النظام. وقالت وهي في السجن عن عهد جمال عبد الناصر: «ذهب فاروق، وجاء فواريق». كان لها مواقف جريئة دفاعاً عن فلسطين. وفي مهرجان كان عام 1956، وبخت الوفد الإسرائيلي، وطلبت من رئيس الوفد المصري الانسحاب، لكنه رفض. وطنية كاريوكا تجاوزت موقفها من النظام الناصري عند الشدة، وجمعت التبرعات للجيش المصري بعد هزيمة 1967، مما دفع بعبد الناصر، رغم خلافها معه، لأن يقول لها: «إنت ست بألف راجل، يا تحية».
الكتاب أقرب إلى أبحاث متتابعة تعتمد على مراجع واستشهادات، وتوثق المعلومات، ومن جميل ما يمكن أن يطلع عليه القارئ قصاصات من صحف عتيقة، وصور نادرة. ففي الصفحات المخصصة لبديعة مصابني صورة لهذه الراقصة جمعتها إلى تحية كاريوكا ومحمد فوزي، وأخرى في قسم آخر من الكتاب تجمع عبد الحليم حافظ مع الشاعر صلاح عبد الصبور. مصابني المولودة من أم شامية وأب لبناني حاربت حد الجنون إلى أن وصلت إلى مصر، وبقيت هناك وعملت ما كانت تحلم به. بين الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، كانت مصابني سيدة أعمال كبيرة في مجال تقديم العروض الراقصة واستثمار المسارح. وبعد أن تزوجت نجيب الريحاني وتركته، صار لها مسرح باسمها، وغيره بأسماء أخرى. وغزلت علاقات قوية خلال تلك الفترة مع رجال سياسة ومسؤولين كبار. وفي سن الرابعة عشرة، بعد موت والدها وتفرق أفراد عائلتها، وهرباً من فقر كبير، وصلت إلى مصر مع والدتها، لكنها سرعان ما هربت منها. حاولت أن تنهي تلك الأيام العجاف بالمال والسلطة، لكن مع وصول الضباط الأحرار إلى الحكم، تغيرت الأحوال، وانطفأت أنوار شارع محمد علي، وطولبت بضرائب لم تتمكن من دفعها، وعادت هاربة إلى وطنها لبنان بحيلة وصفت بأنها تشبه الخيال، بعد أن تزعمت المسرح الاستعراضي (الفودفيل) أكثر من ثلاثين عاماً في مصر.
لكل راقصة قصة تستحق فيلماً بمفردها، فهل المهنة هي التي كانت تدفع بهؤلاء النساء إلى عيش تفاصيل مثيرة، وإقامة علاقات تؤمن لهن حمايتهن من مجتمع يضطهدهن، أم أن النساء اللواتي اخترن هذه المهن هن اللواتي يجلبن لأنفسهن المتاعب؟ قد تكون الجدلية قائمة. فسامية جمال، التي حملت لقب «حافية القدمين»، أطلق الشاعر نزار قباني على أدائها تسمية «رقص الخيول». وهي لم تفتن الشعراء فقط، بل كانت معشوقة السياسيين ونجوم الشاشة. وهي، كغالبية اللواتي احترفن الرقص الشرقي، آتية من طفولة قهر وحرمان وفقر أيضاً. ربطت هذه الفلاحة البسيطة التي صارت نجمة الصحافة قصة حب كبيرة مع فريد الأطرش، سليل العائلة الكبيرة. وفي عهد الملك فاروق، تم اختيارها لتكون الراقصة الرسمية للقصر. ويبدو أنها تحولت إلى سبب للصراع بين المطرب الشهير والملك. وقد كتب الشاعر إبراهيم ناجي قصيدة في سامية جمال، يقول فيها: «يا من تمنيت شعراً يكون كفء جمالك، وليس في الكون شعر أراه كفئاً لذلك»، بينما اعتبر الروائي خيري شلبي أن رقصها «نوع من الأدب»، وأنها تعتمد على «الإبداع الصرف».
نجمة أخرى في الكتاب خصصت لها الصفحات الطوال، مع أنها غير محسوبة على الراقصات الشرقيات، ألا وهي سعاد حسني. رقصها الذي لم يُنسَ في بعض أفلامها، ولا بد أن أشهرها «خلي بالك من زوزو»، ومن ثم الضبابية التي لفت حياتها بسبب موتها الغامض؛ كلها عوامل منحت هذه النجمة بعداً أسطورياً، وإن كانت علاقة سعاد حسني بالسياسة قد بقيت موضع أسئلة، إلا أن صلتها بالأدباء أكثر وضوحاً، فقد وصفها صلاح جاهين بأنها «زي الفراشة»، وهي من أبرز الممثلات اللواتي أدين أدوراً في الأفلام المأخوذة عن روايات نجيب محفوظ. غنت لأحمد فؤاد نجم، وقال الشاعر السوري محمد الماغوط ذات يوم في حوار له: «ليس هناك في مصر سوى سعاد حسني»، وهي المقولة التي جلبت له كثيراً من المتاعب. ويقال إن الماغوط كان يحتفظ لها بصورة في بيته، إلى جانب صورة لجمال عبد الناصر. وقصتها الأشهر مع الأدباء هي مع الشاعر الرائد صلاح عبد الصبور، وهي التي قالت بعد وفاته إنها من خلاله قرأت وفهمت وعاشت بالقرب من الشاعر حين يهبط عليه الوحي، وإنها كانت «الملهمة التي تستمتع بدورها في جمع زهور الإلهام لتقدمها للشاعر». وفي الكتاب أيضاً سهير زكي التي اشتهرت بالرقص أمام السياسيين، والسيرة العجائبية للراقصة من أصول هندية في أوروبا ماتا هاري التي تحولت إلى مادة أدبية وسينمائية بسبب سيرتها الغامضة، وهي التي قرنت الجاسوسية بالرقص الشرقي والهندي والسالومي، وقد أطاحت برؤوس كبار لتدفع الثمن في النهاية رأسها الشخصي. وكذلك نقرأ عن شاكيرا وما كتبه عنها غابريل غارسيا ماركيز من أنها «الوردة النارية» و«أجمل مجنونات العالم». الرقص الشرقي من مصر إلى كولومبيا، مروراً بأوروبا، ليس فناً هامشياً، كما يقول الكتاب، بل هو من أكثر الفنون تمفصلاً مع يوميات الناس، ومن أكثر ما اجتذب رجال السياسة، وكان له الأثر الكبير في المثقفين.



وثائق غير منشورة تُعيد كتابة سيرة مارك توين

مارك توين
مارك توين
TT

وثائق غير منشورة تُعيد كتابة سيرة مارك توين

مارك توين
مارك توين

صدر مؤخراً عن دار «بنغوين» للنشر كتاب لافت من توقيع المؤرخ الأميركي رون تشيرنو، الحائز جائزة «بوليتزر»، يُعيد النظر في سيرة الروائي الأميركي الكبير مارك توين. ويكتسب العمل أهميةً استثنائية لكونه يستند في معظمه إلى وثائق لم تُنشر من قبل منها دفاتر يومية، ومراسلات خاصة، ومخطوطات ظلّت حبيسة الأدراج أكثر من قرن، وقد أمضى تشيرنو سنوات في مركز أبحاث مارك توين بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، يتصفح ما يزيد على خمسين دفتراً يومياً سجّل فيها الكاتب الأميركي أفكاراً وانطباعات لم تجد طريقها إلى أعماله المنشورة، إضافةً إلى آلاف الرسائل التي تبادلها مع زوجته وأصدقائه وخصومه، ومئات الصفحات من مسّودات لم تكتمل. وقد أفضى هذا الكم الهائل من المواد الأولية إلى كتابٍ يقع في نحو ألف ومائتي صفحة، يقدّم صورةً مغايرة لكاتب «مغامرات توم سوير» تعكس بجلاءٍ صراعه الداخلي العنيف مع قضايا العرق والدين والسياسة الأميركية، بعيداً عن الأسطورة المصقولة التي رسّختها عقود من الدراسات الأكاديمية.

ومنذ الصفحات الأولى، يُدرك القارئ أن تشيرنو لم يكتب عن مارك توين بقدر ما أقام معه حواراً عابراً للقرون، حيث تبدأ السيرة من مولد صامويل لانغهورن كليمنس عام 1835 في قرية «فلوريدا» بولاية ميسوري المُطلة على ضفاف نهر المسيسيبي. في تلك الجغرافيا المائية اللانهائية تكوّنت الروح الأدبية الأولى لتوين. فالنهر لم يكن مجرد ماءٍ يجري، بل كان معلماً ووطناً ومرجعاً فلسفياً، وقد انعكس ذلك كله في طريقة كتابته التي جعلت من النهر شخصيةً روائية بامتياز وهو ما تجلّى في «مغامرات هكلبري فين» و«توم سوير». ثم يتتبع الكتاب رحلة الشاب الفقير الذي جرّب مهناً عدة قبل أن يستقر على الكتابة؛ من الطباعة، إلى ربانة السفن النهرية، إلى التنقيب عن الذهب في مدينة نيفادا. كما يقف طويلاً أمام سؤال الهوية الذي شغل توين طوال حياته، وكيف تحوّل الصبيُّ الفقير صامويل كليمنس إلى أيقونة عالمية باسم مستعار؟ وهنا يكشف الكتاب عن أن اختيار اسم «مارك توين» لم يكن مجرد نزوة أدبية، بل كان فعلاً تأسيسياً، إذ استعار المصطلح من لغة الملاحة النهرية. وفي ذلك الاختيار رمزيةٌ عميقة، كأن توين أراد أن يقول إنه يسبر دائماً الأعماق الكافية كي لا يجنح قارب القارئ على الصخور. وقد استعان تشيرنو بعشرات الرسائل والمقابلات النادرة ليُثبت أن توين كان أول «مشهور» بالمفهوم الحديث للكلمة، حيث نجح في إدارة صورته العامة بالدقة نفسها التي يدير بها قلمه، فكان يعتني ببدلاته البيضاء الصارخة، وتسريحة شعره المميزة، كما كان يحرص على نوع سيجاره ونبرة صوته وطريقة دخوله إلى القاعة، وكان يُراجع ما تكتبه الصحف عنه ويتدخل في صياغة صورته أمام الجمهور بأسلوب لا يختلف كثيراً عما يفعله نجوم القرن الحادي والعشرين على منصات التواصل الاجتماعي.

من أبرز ما تكشف عنه هذه الوثائق الجديدة حجمُ مشاغل توين المالية وهوسه الدائم بالثروة، وهو ما يخصص له تشيرنو مساحةً واسعة. فقد أنفق توين مبالغ ضخمة على استثمارات فاشلة، كان أسوأها المبالغ الطائلة التي ضخّها في آلة «بايج» للطباعة التي أفلست شركته وأجبرته عام 1894 على مغادرة بيته في هارتفورد والشروع في تنظيم جولات ومحاضرات مضنية حول العالم لجمع المال وسداد ديونه. وقد كشفت رسائله في تلك المرحلة عن قلقٍ عميق وإحساس بالإخفاق لم يَبُح به في العلن، قبل أن ينجح في النهاية في تسوية جميع ديونه دون أن يُعلن إفلاسه الرسمي، وهو ما أضفى عليه احترام معاصريه.

يُفرد تشيرنو مساحةً واسعة لتطور موقف توين من قضية العرق والعبودية، وهي الخيط الأعمق الذي ينسج الكتاب حوله. والمعروف أن توين كان قد وُلد في منطقة تُجيز العبودية، ونشأ في بيئة رأى فيها الرقيق حقيقةً يومية مألوفة لا تُثير استنكاراً. بل إن أقاربه امتلكوا العبيد، غير أن توين شهد تحولاً عميقاً وتدريجياً في نظرته إلى هذه المسألة حتى أصبح من أشدّ الأصوات المدافعة عن المساواة والكرامة الإنسانية في زمنه. وقد ترجم ذلك في كتاباته الأدبية، أبرزها «مغامرات هكلبري فين» الشهيرة، حيث وضع توين على فم طفلٍ أبيض هارب من مجتمعه الفاسد قصيدةً إنسانية عن الصداقة مع «جيم»، الرجل الأسود الفار من العبودية. يحلل تشيرنو بدقةٍ نادرة كيف استطاع توين أن يستخدم السخرية اللاذعة سلاحاً أدبياً للكشف عن تناقضات المجتمع الأميركي، وكيف كان الضحك في كتاباته في أحيان كثيرة وسيلةً للإدانة لا للتسلية. وكان تشيرنو قد كشف عن أن عائدات هذا الكتاب قد أسهمت في التكفل بالمصاريف الدراسية لأحد الطلاب السود في كلية الحقوق، وهو ما عده الكاتب شاهداً ملموساً على عمق هذا التحول.

وعلى صعيد حياته الشخصية، تكشف هذه المذكرات الجديدة عن رجلٍ عاش سلسلة من الأحداث المأساوية، حيث فقد توين زوجته أوليفيا التي كانت حب حياته ومحرّرته الأولى وشريكته على مدى أربعة عقود. كانت «ليفي» تقرأ مخطوطاته قبل النشر وتُشير إلى ما قد يُثير إشكالاً، وكان توين في الغالب يأبه لرأيها حتى وإن تذمّر ظاهرياً. وقد تسببت وفاتها عام 1904، في إشعال نيران حزنٍ لم تنطفئ حتى رحيله. كما فقد ابنه لانغدون في طفولته المبكرة، ثم رحلت ابنته سوزي بداء التهاب السحايا عام 1896، ثم ودّع ابنته جين قبل أشهرٍ قليلة من وفاته في 1910، لتمثّل تلك الوفاة الأخيرة ضربةً قاضيةً أسدلت على أيامه الأخيرة ظلاماً من اليأس والتشاؤم. وقد وصف توين ذاته في تلك المرحلة بأنه «يعيش في مخزن المصانع» حيث كل شيءٍ عتيق وبارد ومحاط بأشباح من يحبهم. وقد انعكس هذا الحزن المتراكم على انتمائه الغريب إلى ما عُرف بـ«نادي السمكة الملاك»، وهو ذلك النادي الذي أسّسه في سنواته الأخيرة من فريق من الفتيات الصغيرات اللواتي كان يتبادل معهن الرسائل ويُسمّيهن حفيداته الروحيات، وهو ما يُحلّله تشيرنو برؤيةٍ نفسية حصيفة في محاولةٍ يائسة من توين لاستعادة طفولةٍ ضائعة وبراءة انقضى عهدها.

ويخصص تشيرنو فصلاً دقيقاً مؤلماً لعلاقة توين بالدين، ذلك الجانب الذي يظل مثار جدل حتى بين معجبيه. فبينما احتفظ توين بظاهرٍ ديني مقبول اجتماعياً، كانت دفاتره السّرية تُخفي نقداً جذرياً ومرّاً للكنيسة بوصفها مؤسسةً للسلطة والنفاق أكثر مما هي بيتٌ للروح. بل إن بعض كتاباته التي أوصى بعدم نشرها إلا بعد وفاته، كـ«ما الإنسان؟» و«الغريب الغامض»، التي تحمل انتقاداً صريحاً للمؤسسة الدينية والطبيعة البشرية، كشفت عن شخصيةٍ تحوّلت من الشك إلى اليأس الوجودي الصريح، مُتسائلةً بحدّة عن قيمة الحياة ومعنى الإنسانية في كونٍ يبدو لامبالياً. وهو ما يُشير إلى أن توين الذي عرفه الناس كاتباً ساخراً مرحاً يملأ القاعات ضحكاً لم يكن سوى قناع لشخصية أشمل وأكثر تعقيداً.

ولا يُفوّت الكتاب مواقف توين السياسية التي تحتل حيّزاً من الوثائق غير المنشورة، وفي مقدمتها معارضته الصريحة للسياسة الأميركية في الفلبين وكوبا في مطلع القرن العشرين، إذ كان من أبرز وجوه الرابطة المناهضة للإمبريالية، يكتب المقالات ويُلقي المحاضرات محتجّاً على ما عدّه تناقضاً صارخاً بين قيم الحرية التي تتشدق بها الولايات المتحدة وسياساتها الخارجية. وقد عرّضته هذه المواقف لانتقاداتٍ حادة في حياته، لكنه لم يتراجع عنها.

استُقبل هذا الكتاب في الأوساط الأكاديمية والصحافية الأميركية استقبالاً إيجابياً واسعاً، وعدّه كثيرٌ من النقاد إضافةً نوعية إلى أدبيات السيرة في الأدب الأميركي، نظراً إلى ما يقدمه من معطيات جديدة تستند إلى مصادر أولية لم تُستثمر من قبل. وقد علّق بعض النقاد على أن تشيرنو، المعروف بسيره الذاتية الكبرى لأمثال ألكسندر هاميلتون وجورج واشنطن وأوليسيس غرانت، قد وجد في توين شخصيةً تُنافس هؤلاء العظماء في التعقيد والإثارة، وإن كانت تختلف عنهم في كونها أكثر شجناً وأغنى دلالةً إنسانية، ويأتي هذا الكتاب ليؤكد مرة أخرى أن مارك توين، بعد مئة وخمسة عشر عاماً على رحيله، لا يزال يحمل ما يكفي من المفاجآت.


«أغالب مجرى النهر»... فضح مستنقع الواقع روائياً

«أغالب مجرى النهر»... فضح مستنقع الواقع روائياً
TT

«أغالب مجرى النهر»... فضح مستنقع الواقع روائياً

«أغالب مجرى النهر»... فضح مستنقع الواقع روائياً

تأخذ رواية «أغالب مجرى النهر»، للروائي الجزائري «سعيد خطيبي»، شكلاً بوليسياً عبر البدء بواقعة قتل، وتحقيقات مع امرأة متهمة بقتل زوجها، الذي مات مسموماً وانقلبت به سيارته، ويستمر هذا الطابع البوليسي التحقيقي، والرغبة في الكشف عن الجاني الحقيقي مستمراً، منذ بدء الرواية حتى منتهاها، ليربط القارئ معه في معرفة سير التحقيقات، وما ستسفر عنه، ومعرفة دوافعه في القتل. لكن هذا كله مجرد إطار خارجي للأحداث، وطبقة أولى من طبقات السرد، فثمة قدر كبير من الكشف والتعرية الاجتماعية والسياسية والثقافية، تكمن تحت هذا النمط البوليسي، بما يجعل الرواية ليست رواية تحقيق في حادثة قتل فرد، لكنها تحقيق في تاريخ المجتمع الجزائري، في تحولاته السياسية والاجتماعية، تحقيق روائي عن النظرة الدونية للمجتمع تجاه المرأة، وضحايا حرب التحرير، الذين جرى وصمهم بأنهم «حركية»، أي عملاء للاستعمار، وتحقيق في المد الإسلامي المتشدد، الذي غزا المجتمع في فترة من الفترات.

هذه رواية تحقق وتبحث وتفكك، لتكشف المطمور تحت طبقات كثيفة من الصمت، وتقدم المسكوت عنه، والمتواري عن عين السائح الزائر.

الرواية صدرت عن دار نوفل في بيروت، وتنافس ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر للرواية العربية، متخذة من عام 1990 نقطة انطلاق زمنية للأحداث، فالفضاء الزمني للحدث المركزي لا يتجاوز عدة أشهر من ذلك العام، هي الفترة التي شهدت حادثة القتل، وما تبعها من تحقيقات للكشف عن قاتل «مخلوف»، الطبيب الشرعي، واتهام زوجته «عقيلة»، طبيبة العيون، بارتكاب الجريمة، ثم انتقال الشبهات إلى والدها «عزوز»، المناضل السابق في حرب التحرير، وإلى شقيقها «ميلود» الذي كان يعمل ممرضاً ومساعداً لها في عيادتها. أما الفضاء المكاني، فمعظم الأحداث تقريباً تدور في مدينة «بو سعادة»، مدينة صغيرة تقبع بعيداً عن العاصمة، وعلى التخوم بين المجتمع الريفي والمديني، فلا هي مجتمع ريفي بشكل كامل، ولا أصبحت مجتمعاً مدينياً أيضاً، بل ربما دمجت بين سلبيات هذين النمطين.

رغم هذا الحيز الزمني المحدود للحدث الرئيس، فإن الرواية تتوسع زمنياً عبر الاسترجاع، فنرجع تاريخياً إلى بدايات القرن العشرين تحديداً، مع مولد الأب عزوز في قرية فقيرة ونائية أصابها الجدب، فاضطر للارتحال منها، وترك بيئته الطبيعية الأولى، والانتقال إلى المدينة، حيث بداية المأساة، أو المآسي المتتالية، له ولأبنائه وأحفاده، كأن هذا الانتقال كان عتبة تحول رئيسة، من هدوء القرية وطمأنينة الطفل بين أبوية، ونمط الإنتاج البسيط، حين كان يتعيش على حلب العنزات في الحقل، ثم جاء الانتقال إلى مجتمع معقد، مفعم بالسياسة والحروب، مجتمع خرب ومخوخ من الداخل، استدرجه إلى كثير من السقطات، وصولاً إلى مشاركته في حرب التحرير، ثم تنصل رفقاء الكفاح له، ووصمه بالخيانة، لمجرد أنه اختلف معهم في الرأي، ورفض تفجير مقهى يديره شقيقه!

«أغالب مجرى النهر»، جملة جاءت على لسان الأب «عزوز»، في لحظة رثاء لحاله ومآلاته هو وأسرته، لكنها صالحة لوصف خطاب الرواية كلها، خطابها التقني مع الزمن، إذ تسير الأحداث عكس مجرى التاريخ، فلا تأتي من البداية للنهاية، بل من لحظة متقدمة في الزمن، ثم تعود بالأحداث للخلف، وصولاً إلى الوقوف طويلاً عند حرب التحرير، وكذا مشاركة الأب عنوة في الحرب العالمية الثانية على الجبهة الإيطالية، بغية تقصي الجذور الكامنة وراء الأحداث والشخصيات، والحفر في المسكوت عنه اجتماعياً وثقافياً، وهذا معنى آخر من معاني مغالبة مجرى النهر، أو السير عكس التيار الجارف، فثمة دائماً خطاب متسيِّد ومهيمن، وخطابات مهمشة ومهملة. هنا، المؤلف الضمني يبرز هذه الخطابات الأخيرة، ومنها خطاب «الحركية»، الخونة عملاء الاستعمار، الذين جرى وصمهم معنوياً وحتى جسدياً، عبر كي ظهورهم بالنار، لتظل الوصمة ملتصقة بهم، وعالقة في ظهورهم حتى لحظة دخول كل منهم قبره، فإن استطاعوا إخفاءها في حياتهم، فإن لحظة تغسيلهم بعد الموت ستفضحهم، ويتم التشهير بهم أمواتاً، ودفنهم في قبور منفصلة، وفضح أسرهم من بعدهم بوصفهم عائلات «الحركية» الخونة، بما يكشف عن نزوع فاشي باسم التحرير، الذي يتحوَّل إلى خطاب إقصائي لزملائهم في الكفاح، لمجرد اختلاف في الرأي هنا أو هناك، فمعظم هؤلاء «الحركية» لم يكونوا خونة، بل مناضلين اختلفوا مع قادتهم أحياناً، فجرى وصمهم للأبد، أحياءً وأمواتاً.

هناك وجه آخر لدلالات مغالبة النهر، ومنها فضح الصمت والتواطؤ الاجتماعي على النظرة الدونية للمرأة، حتى لو كانت طبيبة، فهذا لا يمنع زوجها من ضربها ولطمها، على مرأى ومسمع من أبيها وشقيقها، فهو الحاكم والآمر الناهي لها، فقد أصبحت تحت ولايته تماماً، ومن حقه أن يفعل بها ما يشاء، تحت غطاء من أفكار بالية في العادات والتقاليد والموروثات الاجتماعية، أو تحت غطاء التشدُّد الديني، الذي تمدَّد في الثقافة المحلية للمدينة، ورفع راية الفاشية الجديدة، فاشية باسم الدين، تروع وتقتل وتخرّب، ولا رادع لها. في حين أن المجتمع المحلي - رغم المحافظة الظاهرة على السطح - غارق في مستنقع من الفساد، المالي والسياسي والأخلاقي، فكبار المدينة منشغلون بانتخابات صورية للبلدية، للحصول على مكاسب من وراء المناصب، وحتى التصويت فاسد لأن الرجل يصوت مرتين، مرة باسمه وأخرى باسم زوجته، حتى الجمعيات المعنية بالأيتام يشوبها فساد مالي وأخلاقي.

تنبني الرواية على تقنية تعدد الرواة، ومن ثم تعدد الأصوات. فقد انقسمت إلى قسمين رئيسين، يتمحوران حول البنت (عقيلة) وأبيها (عزوز). الفصل الأول بعنوان «البنت»، يتكون من 16 فصلاً سردياً، كل فصل منها يبدأ بسرد الطبيبة لحكايتها، ومخاوفها، وانطباعاتها وشكوكها، بصوتها ورؤيتها هي، وفي نهاية الفصل يتسلم الراوي العليم زمام الحكي، ليسرد لنا ما دار بين الطبيبة والمحقق (جمال درقين) من أسئلة وإجابات. هذه الآلية نفسها اتبعها الكاتب في القسم الثاني، والذي حمل عنوان «الأب»، ويتكون من عدد مماثل تقريباً من الفصول السردية، لكنها مرقمة بالحروف الأبجدية بدلاً من الأرقام، وكل فصل منها يبدأ أيضاً بحكاية الأب الذي يستدعي ذكرياته منذ الطفولة، وأثناء حرب التحرير، وكذبه على أولاده وكيف أخفى عنهم أنه «حركي»، وكذا ذكرياته عن الحرب العالمية، وعلاقاته بزملائه «الحركية»، وخطاياه الاجتماعية بإنجابه ابناً غير شرعي، وعدم اعترافه به. وينتهي كل فصل بسرد الراوي العليم لسير التحقيقات واستجواب المحقق للأب. وفي أثناء القسم الثاني، تأتي أحياناً حكايات (ميلود) شقيق (عقيلة) وابن (عزوز)، يرويها بصوتها، متخللة حكايات الأب، ومطبوعة بفونت طباعي مختلف، لندخل داخل هذه الشخصية التي لم تسلم من الخطايا، فقد أنجب هو الآخر ابنة غير شرعية.

الرواية في مجملها إبحار ضد التيار الاجتماعي والثقافي والسياسي، ولا يهم في النهاية معرفة من الذي قتل (مخلوف)، فعندما تنتهي الرواية يكون آخر هموم القارئ معرفة القاتل، بعد أن غرق في هذه الدوامة من الفضح التاريخي والاجتماعي والسياسي، فالجميع قتلة، بشكل رمزي، حتى القتيل نفسه كان قاتلاً لكثير من المبادئ، ولشرف مهنته، الجميع موصوم ومدان، ليست وصمة في الظهر كوصمة «الحركية»، لكنها وصمة أخلاقية للجميع، فالإبحار عكس مجرى النهر كشف أنه ليس نهراً، وليس عذباً، بل مستنقع بالغ العفونة، وقد كشف عنه الروائي الغطاء بكثير من الحنكة والمهارة السردية، عبر لعبة «من القاتل؟»، لكنه استدرج القارئ إلى ديستوبيا تاريخية لمدينة نائمة على قدر هائل من التوحش، الملتحف مرة بالنضال الوطني، ومرة باسم الدين.


كيف وفّق الأزهري طه حسين بين ديكارت والمعري؟

طه حسين
طه حسين
TT

كيف وفّق الأزهري طه حسين بين ديكارت والمعري؟

طه حسين
طه حسين

في الأدب تحدث لحظات فريدة تغيّر الكتاب والمثقفين من حال إلى حال آخر. ومن الممكن وصف تلك اللحظة بأنها انفجار داخلي عظيم يغيّر الذات كلياً حتى الانفعالات تتغير هي الأخرى لتنسجم مع التغير الحاصل. حدث هذا الأمر عند طه حسين حين تحول إلى مثقف ديكارتي في فترة مبكرة جداً من حياته. ولن أبالغ لو قلت إن هذا التحول الدرامي في حياة عميد الأدب وفكره كان مهماً جداً ويشبه ثورة ذوقية وفكرية كبرى لو قُدر لها النجاح.

بكل تأكيد لم يتوقع أحد أن الشاب الأزهري الحاصل على إجازة الدكتوراه في الأدب من الأزهر الذي غادر للدراسة في فرنسا عام 1914سيعود شخصاً آخر بكل معنى الكلمة. بعبارة أدق، سافر طه حسين أزهرياً وعاد لمصر ديكارتياً. الشاب الأزهري عاد شخصاً آخر، وعياً وموقفاً. ويمكن القول إن تأثير ديكارت في طه حسين لا يقل عن تأثير أبي العلاء المعري فيه. فهذان العملاقان صنعا من طه حسين مثقفاً ثائراً شاكاً يفكر دوماً في البحث عن إثارة الأسئلة والشك الذي لا يكاد يطفئه يقين.

ديكارت

لنضف إلى الصورة حدثاً آخر هو: اختيار طه حسين أن يعلن أنه ديكارتي في أروقة الجامعة المصرية التي كان يدرس بها. هل يتخيل أحد هذا الأمر. داخل الجامعة، حيث يتعلم الطلبة منهج البحث العلمي، ويدرسون نماذج من الشعر العربي والموروث المبجل، يقوم طه حسين بإلقاء محاضرات يكشف فيها أنه ديكارتي المنهج، ثم يحاول من خلال محاضراته أن يشك في الغالبية العظمى من الشعر الجاهلي لأنه «شعر موضوع ومنتحل في العصرين الأموي والعباسي». ويذكر بعض ناقدي طه حسين أنه شك في بعض القضايا الدينية في محاضراته تلك والتي نشرها في عام 1926 بعنوان «في الشعر الجاهلي». وكما هو معروف، أثار الكتاب ضجة كبيرة في مصر عرضت مؤلفه إلى المساءلة والتهديد بالقتل. سُحب الكتاب من الأسواق، وأُعيد طبعه بعنوان آخر هو «في الأدب الجاهلي» بعد رفع أربعة فصول منه. هذا يعني أن الكتاب نظف من أثر الشك - عدا لمسة تتعلق بالشعر الجاهلي - كي تتقبله أذواق المؤسسة الرسمية وبعض المحافظين الحالمين بعالم ساكن مألوف يبتعد عن منغصات تؤرق الذوق العام الراكد.

كيف إذن يمكننا تأويل شك طه حسين أو كيف نفهم محاولته الفكرية التي صرح بها أمام طلبته وحراس التقليد جميعاً يوم قرر أن يبدي وجهة نظر مختلفة ومغايرة لما هو سائد؟

نحن أمام محاولة مبكرة جداً وثورية استطاعت أن توظف منهجاً لنقد الموروث الذي تربينا عليه. أدرك طه حسين بحدسه العميق سر قوة الشك في أن تتحول إلى عمل منهجي يقلب الأسس التي شيدها يقين طويل من التكرار. بهذا المعنى سيكون الشك أداة لا تقل أهمية عن يقين نسلم به. الشك هو وقفة مهمة لفهم ما يجري. وإذا كان اليقين يمنح العقل هدوءاً مريحاً ثم ترتبط الانفعالات بهدوء العقل فإن الشك يقلب كل شيء ويغيره. وهذا ما حدث عند نشر كتاب «الشعر الجاهلي». ولعل هياج الغاضبين وانزعاجهم يدل على أن العقل قد تعرض لصدمة ورجّة كبيرة حين أحس بأنه سيفقد منظومته المتكونة من تكرار معرفي لمعلومات جعلت العقل يهدأ ومنحت الانفعال طاقة محدودة يحس بها من يقرأ قصيدة لشاعر جاهلي.

تمثال المعري للنحات عاصم باشا

فكّك الشك المنهجي عملية عقلية كاملة لو قدر لها النجاح لغيرت تعاملنا مع الموروث بأكمله. على هذا الأساس لم تكن قضية كتاب الشعر الجاهلي مجرد جرأة نقدية لنسف الشعر الجاهلي بأكمله تقريباً وإنما كانت لحظة فارقة هددت هدوء العقل وهويته التي تكونت عبر سنوات وسنوات. فجأة أحس المتزمتون وممن يعشقون الموروث دون فحص أنهم تعرضوا لحالة اعتداء عقلي قام بها أستاذ من لحمهم ودمهم. الاعتداء العقلي هو تعريض بعض الثوابت للشك. لا يعني الشك هنا سخرية من الآخر بل يعني طرح أسئلة من الصعب تقبلها أو مناقشتها. هذا ما صنعه كتاب «في الشعر الجاهلي». لكن أهم ما يمكن أن نؤكد عليه بعد كل هذه العقود هو لحظة التحول المعرفي التي غيرت وجهة نظر عميد الأدب العربي. كيف حدثت؟ وفي أي لحظة؟ وما الإحساس الذي اعتراه حينها؟ هل أحس بنشوة عميقة حررته من ثقل معرفته التقليدية؟ هل أشعرته لحظة التغيير بأنه أدرك بوضوح معنى أن يكون خارج هويته التي يشترك بها مع الآخرين؟

نحن أمام محاولة مبكرة جداً وثورية استطاعت أن توظف منهجاً لنقد الموروث الذي تربينا عليه

من المؤسف إذ لم ينتبه أحد إلى حقيقة وجوهر تجربة عميد الأدب العربي مع ديكارت. كما أن هذا الرجل الضرير عاش واتُّهم وهوجم وهُدد. وهناك في سيرته التي كتبتها زوجته إشارات كثيرة لقلقه ويأسه وانفعاله. وما فات الجميع ولم ينتبهوا له هو كيف جمع طه حسين رؤيتين متناقضتين كل التناقض أثرتا فيه تأثيراً كبيراً، أعني حبه وتأثره بالمعري وتمسكه بمنهج الفيلسوف الفرنسي ديكارت في الوقت نفسه. المعري متشائم ويائس وغاضب من كل شيء وديكارت عقلاني يبحث عن يقين ثابت لا يمكن إنكاره. كيف عاش عميد الأدب مع هاتين الرؤيتين حتى موته. هذا الجانب الإنساني الخاص به لم يخضع للدراسة ولم يفسر جيداً. أتساءل هل كان لطه حسين حساباته الذكية لأنه لم يكتفِ بحل المعري حين اعتزل الناس أو أن يتحول إلى مجرد أستاذ أكاديمي يتقاعد وينسى؟

الأهم من هذا السؤال هو: كيف استطاع عميد الأدب أن يخفي تأثره الكبير بالمعري حتى إن القارئ لا يشعر إلا بمثقف عقلاني يبحث عن الحقيقة قبل كل شيء؟