«مقتل قائد الفرسان»... ملحمة الحب والوحدة والحرب والفن

موراكامي لا يحيد عن أسلوبه الروائي في روايته الأخيرة

موراكامي
موراكامي
TT

«مقتل قائد الفرسان»... ملحمة الحب والوحدة والحرب والفن

موراكامي
موراكامي

يُعتبر موراكامي من أهم أدباء ما بعد الحداثة، لتناوله قضايا اعتبرها النقاد اليابانيون بعيدة عن المألوف في الأدب المحلي، فاهتماماته تدور حول المشكلات الفردية العميقة، كالوحدة والكآبة، وتداخلها مع الأحلام والعيش في عوالم تحركها طاقات غير مرئية.
قرر موراكامي أن يكتب الرواية، لأول مرة، وهو في التاسعة والعشرين، بعد أن شاهد مباراة بيسبول في المقهى الخاص الذي يمتلكه، فكانت روايته الأولى في سنة 1978، التي لفتت الأنظار إليه كموهبة صاعدة.
لا يحيد موراكامي، في روايته الجديدة «مقتل قائد الفرسان»، عن أسلوبه الروائي، باختياره بطل روايته شخصاً في منتصف الثلاثينات، الذي لن نعرف اسمه عبر السبعمائة صفحة من السرد المتشعب والمطول بغير متعة في أكثر من مكان. لكننا سنعرف من الصفحات الأولى أنه رسام بورتريهات، ويعمل لوكالة تجارية مقابل أجر مجزٍ، فهو ليس بالرسام العادي، حسب وكيله الأساسي وزبائن المكتب.
إنه يرسم بورتريهات لوجوه عادية، إلا أنه يلتقط دواخل تلك الشخصيات لتبدو اللوحة أو البورتريه وكأنها تتكلم أو تُقرأ ككتاب مفتوح.
إلا أن هذا الفنان سيقرر ترك هذه المهنة التي يحبها وأجرها المالي المرتفع، لينطلق في رحلة عزاء شخصية أو بحث عن الذات، مستقلاً سيارته بلا هدف، مدة شهرين متواصلين، زائراً أماكن جديدة لم يعرفها من قبل، آملاً في الخلاص من ألمه المفاجئ الناجم عن طلب زوجته وحبيبته يوزو الطلاق، بعد ست سنوات من الزواج.
«هل هناك رجل في حياتك؟»... يسألها، تجيب، بصوت خافت: «نعم».
«هل تحبينه؟»، وتكون الإجابة بـ«نعم» أيضاً.
«حسناً إذاً، سأترك الشقة بأسرع وقت، وأتمنى لك حياة سعيدة».
بعد تلك المغادرة الهادئة، ستتغير حياة الرسام ليدخل في مرحلة جديدة، هي أشبه بمتاهة... حيث كل منعطف يقود إلى منعطف آخر وهكذا... لدرجة تصيب القارئ بالتيه. ففي مواضع كثيرة من السرد، يصعب التمييز إن كانت الأحداث تجري في حلم السارد أم في يقظته... وهل تحيا الشخصيات التي يحاورها الرسام في مخيلته أم في الواقع، كشخصية الرجل الشبح في لوحة «مقتل قائد الفرسان»، التي يجدها الرسام في بيت توموهيكو آمادا، الذي كان مهجوراً، قبل أن ينتقل إليه ليعيش حياة العزلة والتأمل، بعد أن طلبت زوجته الانفصال. يعود الفضل في هذه النقلة الحياتية الكاملة، في حياة الرسام، إلى مصادفة طيبة من صديقه وزميل دراسته مساهيكو، ابن توموهيكو آمادا.
ستكشف تلك اللوحة للرسام جزءاً غامضاً من حياة صاحب البيت (السيد آمادا)، الذي كان يتعلم فن الرسم الياباني في فيينا، نهاية الثلاثينات من القرن العشرين، فيما كانت هوايته الأساسية هي الموسيقى الكلاسيكية. في بيت السيد آمادا الذي يعج بكلاسيكيات الموسيقى الغربية، استمع الرسام خلال إقامته إلى عيون المؤلفات الموسيقية الأكثر شهرة.
إثر قيلولة ظهر أحد الأيام، يستيقظ الرسام من نوم خفيف، ليجد شخصاً بلا وجه يتحدث إليه ويطلب منه أن يرسمه، الأمر الذي لا يستوعبه طبعاً متذرعاً بأن الشخص - الظلالي، لا وجه له، ليجيبه الشبح بذكاء: «كل شيء لم تجربه من قبل يجب أن تفعله لأول مرة».
وحين يقلقه (في إحدى الليالي) صوت جرس يأتي من مكان قريب للمنزل، يتبعه الرسام، فيتبين له أنه آتٍ من مكان معشب تنتشر فيه مجموعة من الصخور.
سيتعرف الرسام على أحد الجيران، وهو السيد منشيكي، رجل في الستين من عمره بهيئة أنيقة وفاخرة توحي بالثراء.. لباسه، سيارته الجاغوار، وقصره الأبيض الزاهي، الذي يمكن رؤيته من شرفة بيت السيد آمادا.
يتكفل منشيكي بتكاليف إزالة الأحجار، لتبين مصدر الصوت، الذي يبدو أنه قد وصل لمسامعه من قبل أيضاً، ليكتشف منشيكي والرسام حفرة تشبه البئر، تحتوي على جرس ولا تؤدي لمكان. وسط غمرة من الشعور بالحيرة والغموض، يقول منشيكي للرسام بأن المكان قد يكون قبراً لأحد الرهبان، الذين يجربون الموت طواعية بصيام طويل يؤدي بهم للموت، في رحلة بحثهم عن أنفسهم أو معنى الوجود.
يستأجر منشيكي ورشة لإغلاق الحفرة، فتُسوى بالأرض. وتبقى الحجارة حول الحفرة مبعثرة بشكل عشوائي.
بعد لقاءات متكررة، يبررها السيد منشيكي بالفضول في التعرف إلى القاطن الجديد، في بيت آمادا، يبوح للرسام بأسراره الشخصية. بدءا من علاقته الحميمة مع آخر العشيقات، إلى اختياره العزوبة، وأيضاً احتمال أن تكون ماريا أكيكو هي ابنته البيولوجية من تلك العشيقة التي ودعته وداعاً حميماً طالبة الانفصال، فهي، على عكسه، تريد الزواج والاستقرار. ويختم منشيكي حديثه للرسام بالقول: «أنا شبه متيقن بأن ماريا هي ابنتي، فلقد وُلدت بعد سبعة أشهر من ذلك اللقاء».
يطلب منشيكي من الرسام أن يرسم «بورتريه» لماريا، وأن يدبر له لقاء شخصياً معها. على الضفة المقابلة، كانت ماريا تراقبهما معاً من غرفتها. وتسبب صدمة للرسام، حين تفاجئه بمعرفتها لقصة البئر وإزالة الحجارة، وبمدلول تحذيرها له بالقول: «لم يكن عليكما فعل ذلك».
في القسم الأخير من الرواية، سيتعرف الرسام عبر زميله مساهيكو، على الفصل المغيّب من حياة والده، وكيف تورط في حب فتاة كانت عضواً في تنظيم مقاوم للنازية. تُقتل الفتاة، إثر فشل محاولة اغتيال لأحد النازيين، من قبل المنظمة التي تنتمي عشيقة توموهيكو إليها. سيتم سجن وتعذيب توموهيكو بشدة، ويتم ترحيله لليابان بعد تسوية دبلوماسية. على أثر عودة توموهيكو إلى اليابان، يتم إرغام أخيه طالب الطب الرقيق على الالتحاق بمعسكر لأسرى صينيين. ويطلب منه أن يقطع رأس أحد الأسرى، بعد تلقينه توجيهات بكيفية تنفيذ العملية: «ضربة قاصمة لا تتكرر. سيفعل الأخ الشاب ذلك، لكن رقة مشاعره تسبب له كآبة حادة، تدفع للانتحار».
تلكما القصتان (موت رفيقته وانتحار أخيه)، غيرتا مسار حياة توموهيكو بكاملها، مما جعله يدأب على طمس ملامح تلك الفترة من حياته، ويخفي حزنه على ما أصاب أخاه. فيجد القارئ نفسه أمام شخصية ثانية لتوموهيكو.
تختفي ماريا بشكل غامض، سنعلم ذلك من اتصال تجريه عمتها مع الرسام لتسأله: «هل حضرت ماريا درس الرسم اليوم؟». وسيتزامن غيابها مع زيارة ملحّة وضرورية تقصد أن يقوم بها الرسام لتوموهيكو آمادا، في المصح الذي يقطنه بعد إصابته بألزهايمر متقدم، متعطشاً لحل اللغز الذي تمثله «لوحة مقتل قائد الفرسان»، بوصفها الحدث الأساسي في الرواية.
يتم رسم لوحة شديدة الغموض، قائمة على ارتباط بين عودة ماريا من المكان الذي كانت تختفي فيه وغياب الرسام أيضاً في نفق ضيق يشبه الكفن، بعد عبوره نهراً توجب عليه شرب مائه كي يصل إلى حيث يمكنه تحرير ماريا، والتي نعرف منها لاحقاً بأنها كانت مختبئة ليومين في قصر منشيكي. بدت تلك القطعة من السرد شديدة الغموض، فالرسام كان موجوداً في المصح وفي النفق باللحظة الزمنية ذاتها. وتوموهيكو في لحظة وعي وصحو متأثراً بسؤال الرسام عن اللوحة ثم مفارقته الحياة بعد سؤاله بلحظات قصيرة، واستغراب مساهيكو اختفاء صديقه الرسام من غرفة أبيه وعدم إجابته على اتصالاته ليومين متتاليين، وهو زمن غياب ماريا. كل هذه الأفكار، التي تبدو كأنها لقطات مبعثرة في حلم، تبدو كما لو قيلت على لسان شخصيات الرواية، وكأنها واقع حصل، حيث يواجه الإنسان ذاته، حائراً وضعيفاً أمام أسئلة الزمن والوجود المعقدة.
يقول الرسام في أحد المشاهد: «العالم مليء بالأشياء الوحيدة». ويبدو موراكامي كرسام، بلا اسم وملامح، يحاول التقاط وحدة العالم وتثبيتها في لوحة، مطلاً من شرفة منزل على المحيط، يستمع لمعزوفة كلاسيكية، لا يعكر عليه عزلته واندماجه سوى صوت جرس أو شبح يتحدث إليه، أو خبر عن كارثة انفجار المفاعل النووي منذ سنوات في اليابان وما إلى ذلك من الأشياء الوحيدة التي يعيد موراكامي رسمها في لوحة الحياة المعقدة.



استقالوا وتركوا «ثقافة العمل الشاق»... لماذا يختار جيلا «زد» والألفية «التقاعد المصغر»؟

ما هو «التقاعد المصغر» ولماذا يختاره الجيل «زد» وجيل الألفية؟
ما هو «التقاعد المصغر» ولماذا يختاره الجيل «زد» وجيل الألفية؟
TT

استقالوا وتركوا «ثقافة العمل الشاق»... لماذا يختار جيلا «زد» والألفية «التقاعد المصغر»؟

ما هو «التقاعد المصغر» ولماذا يختاره الجيل «زد» وجيل الألفية؟
ما هو «التقاعد المصغر» ولماذا يختاره الجيل «زد» وجيل الألفية؟

بدأ بعض أفراد جيل «زد» وجيل الألفية في إعادة تعريف مفهوم «سنة الفجوة» التي كانت تُخصص تقليدياً لخريجي الجامعات الراغبين في أخذ استراحة قبل بدء حياتهم المهنية. ومع تصاعد الاحتراق الوظيفي، بات شباب عاملون يلجأون إلى ما يُعرف بـ«سنوات الفجوة للبالغين» أو «التقاعد المصغر»، في محاولة للابتعاد مؤقتاً عن ضغوط العمل وإعادة ترتيب حياتهم.

وبفضل التخطيط المالي والادخار، اختارت عالمة البيانات جوليا فاي، البالغة 29 عاماً، ترك وظيفتها ذات الأجر الجيد من دون خطة بديلة، بعد سبع سنوات من العمل في قطاع التكنولوجيا.

الذكاء الاصطناعي دفعها إلى إعادة التفكير في مستقبلها

وقالت فاي، التي كانت تقيم في مانهاتن، لصحيفة «نيويورك بوست»: «هناك كثير من التغييرات في العمل بسبب الذكاء الاصطناعي والتحولات التكنولوجية، ورأيت لنفسي رؤية وفرصة لفعل شيء وبناء شيء خاص بي».

وأضافت: «لقد أحببت عملي بالفعل، لكن بدا أن الوقت مناسب»، مشيرة إلى اعتقادها بأن «ما تبقى لنا هو 5 إلى 10 سنوات من وظائف التكنولوجيا بالشكل الذي نعرفه اليوم».

وقررت فاي أيضاً قضاء فترة التوقف بالقرب من والديها المتقاعدين في غوانغتشو بالصين، حيث قالت إن تكلفة المعيشة أقل بكثير. وتستخدم مدخراتها عند الحاجة، في حين تساعدها الإقامة مع والديها وتأجير شقتها في نيويورك على خفض النفقات.

وخلال فترة التوقف، تخطط فاي لتطوير فكرة منتج تقني خاص بها، إلى جانب تنمية عملها في صناعة المحتوى، الذي أصبح مصدر دخلها الرئيسي.

«سنة الفجوة» ليست خالية من التحديات

رغم أن الابتعاد عن العمل قد يبدو رفاهية، فإن فاي تواجه صعوبة في التعامل مع غياب الروتين الذي كانت تكرهه سابقاً.

ويرى إيه جاي شنايدر، المخطط المالي ومؤسس شركة «Beyond The Green Coaching»، أن التخطيط المالي يجعل خوض تجربة مماثلة أكثر قابلية للتنفيذ.

وقالت شنايدر: «ترتيب أمورك المالية مهم حتى تتمكن من القيام بقفزات كبيرة في حياتك»، موضحة أن الادخار لا يتعلق فقط بالتقاعد أو شراء منزل، بل أيضاً بامتلاك القدرة على مغادرة وظيفة لا يشعر الشخص بالسعادة فيها من دون تعريض نفسه للخطر المالي.

وتنصح الراغبين في أخذ سنة فجوة بخفض نفقاتهم اليومية وزيادة مدخراتهم، مع تحديد تكاليف السفر والإقامة والطعام والأنشطة مسبقاً وتقسيم المبلغ المطلوب على عدد الأشهر المتاحة للادخار.

الاحتراق الوظيفي يدفع الشباب إلى البحث عن بداية جديدة

فاي ليست الوحيدة التي تبحث عن إعادة ترتيب حياتها. ووفقاً للتحالف الوطني للأمراض النفسية، أقرّ 74 في المائة من أفراد جيل «زد» وجيل الألفية بأنهم يعانون مستويات متوسطة إلى مرتفعة من الاحتراق النفسي.

وعلى «تيك توك»، يضم وسم #adultgapyear آلاف المقاطع التي ينتقد فيها الشباب «ثقافة العمل الشاق» والانشغال الدائم. وقال أحد صناع المحتوى في مقطع واسع الانتشار: «ثقافة العمل الشاق ستؤدي إلى سقوط هذا الجيل».

«كنت أعيش اليوم نفسه مراراً»

اختارت تامي أرمسترونغ، البالغة 31 عاماً، المسار نفسه بعد 10 سنوات من العمل سكرتيرة طبية في اسكوتلندا.

وقالت لصحيفة «نيويورك بوست»: «كانت وظيفتي تصبح أكثر رتابة بشكل متزايد. شعرت بأنني أعيش اليوم نفسه مراراً وتكراراً».

وأضافت: «أردت أن أشعر بالحرية مجدداً... وأردت أن أخرج من منطقة الراحة الخاصة بي، وآمل أن أصل إلى نوع من الإدراك لما أريد فعله في حياتي. وأردت أيضاً أن أهدئ جهازي العصبي وأن أعيش بوتيرة أبطأ».

ولبدء سنة الفجوة في يناير (كانون الثاني) 2025، عملت أرمسترونغ لساعات إضافية والتزمت بميزانية صارمة، وضحت بحياتها الاجتماعية وبعض النفقات الشخصية. وخلال رحلاتها، تعتمد على وظائف بدوام جزئي، وبيوت شباب وفنادق ومواقع تخييم منخفضة التكلفة، وأماكن إقامة محلية عندما تسافر مع مجموعات تطوعية.

«كان من الصعب ألا أشعر بالذنب»

قالت أرمسترونغ إن التخلي عن روتين العمل والتكيف مع إنفاق أموال أقل لم يكن سهلاً.

وأضافت: «كانت هناك بالتأكيد لحظات شعرت فيها بالقلق من أن يؤدي ذلك إلى تأخري عن الآخرين في الحياة، وكنت أشعر بالقلق بشأن المال».

وتابعت: «كنت أتحمل كثيراً من الأمور التي لم تكن تتوافق معي لسنوات، لمجرد أنها كانت دائماً كذلك. واضطررت فعلاً إلى التخلص من فكرة أن التراجع ليس فشلاً».

«الحياة ليست مضمونة»

وبعد مرور عام على تبنيها هذا النمط الجديد من الحياة، تعدّ أرمسترونغ اسكوتلندا موطنها حالياً، ولا تملك خططاً للسفر في المستقبل القريب، حتى تتمكن من أخذ الوقت الكافي لتحديد ما تريد فعله بعد ذلك.

وأضافت: «هناك خيارات أخرى للحياة غير المسار التقليدي، والناس يستقرون في حياتهم في سن متأخرة».

وتابعت: «الحياة ليست مضمونة، كما أن العمل الجاد طوال حياتك بهدف الاستمتاع بها في نهاية المطاف بعد التقاعد ليس مضموناً أيضاً».


تفاؤل حكومي في مصر بنجاح خطة «تقليل الإنجاب»

مصر أطلقت حملة «100 مليون صحة» للتوعية والوقاية من الأمراض (وزارة الصحة والإسكان)
مصر أطلقت حملة «100 مليون صحة» للتوعية والوقاية من الأمراض (وزارة الصحة والإسكان)
TT

تفاؤل حكومي في مصر بنجاح خطة «تقليل الإنجاب»

مصر أطلقت حملة «100 مليون صحة» للتوعية والوقاية من الأمراض (وزارة الصحة والإسكان)
مصر أطلقت حملة «100 مليون صحة» للتوعية والوقاية من الأمراض (وزارة الصحة والإسكان)

جاء إعلان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر عن انخفاض معدلات المواليد بنسبة 18.2 في المائة، مصحوباً بحالة من التفاؤل لدى المؤسسات الحكومية المعنية بقضية الزيادة السكانية، بما يُعطي انطباعاً بنجاح خطة «تقليل الإنجاب» وبرامج «تنظيم الأسرة» التي تبنتها مصر، وواصلت تنفيذها على مدى نحو 40 عاماً.

وأعلن رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أكرم الجوهري، عن انخفاض مستويات الإنجاب في مصر بنسبة 18.2 في المائة، إذ بلغ متوسط عدد الأطفال لكل سيدة 2.33 طفل، وفقاً للنتائج الأولية للمسح الصحي للأسرة المصرية لعام 2025، مقارنةً بـ2.85 طفل في عام 2021.

وقال، خلال مؤتمر «إعلان نتائج المسح الصحي للأسرة المصرية 2025»، إن المسح نُفذ بالتعاون مع وزارتي الصحة والتخطيط، مشيراً إلى أنه يأتي امتداداً لسلسلة المسوح السكانية الصحية التي أُجريت في مصر خلال الفترة من 1988 إلى 2014.

جانب من مؤتمر نتائج المسح الصحي للأسرة المصرية (وزارة التخطيط)

وقال وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية في مصر، أحمد رستم، إن المسح الصحي للأسرة المصرية يكتسب أهمية خاصة، لما يوفره من مؤشرات دقيقة حول الأوضاع الصحية والسكانية، وصحة الأم والطفل، والصحة الإنجابية، والتغذية، وغيرها من المؤشرات التي تمثل مرجعاً أساسياً في صياغة السياسات السكانية والصحية والاجتماعية.

وأكد الوزير في كلمته بالمؤتمر أن «نتائج هذا المسح تُمثل قاعدة معرفية تدعم تقييم فعالية البرامج الحكومية والسياسات الصحية والسكانية، وتُسهم في توجيه التدخلات التنموية إلى الفئات والمناطق الأكثر احتياجاً، فضلاً عن دعم تصميم السياسات المستقبلية القائمة على الأدلة، بما يتوافق مع أولويات الدولة المصرية ورؤية مصر 2030».

ويرى الدكتور صلاح سلام، نقيب الأطباء سابقاً بشمال سيناء، أن «هذه المعدلات لا أعتقد أنها تُشير إلى نجاح خطة تنظيم الأسرة بقدر كونها ترتبط بانخفاض معدلات الدخل».

وأضاف سلام لـ«الشرق الأوسط» أن «خفض معدلات الإنجاب بوصفه هدفاً للدولة ربما لا يرتبط ببرامج مدروسة لتنظيم الأسرة، كما حدث في عامي 1996 و2002، والتي أسهمت في خفض معدلات الإنجاب إلى نحو 2.8، فيما كان المستهدف 2.2. لكن ربما يكون السبب هو انخفاض مستويات الدخل، ما يدفع الأسر إلى التفكير كثيراً قبل الإنجاب، في ظل ارتفاع تكاليف العلاج والتعليم، وارتفاع تكلفة الحياة عموماً. وهذا، في رأيي، أحد الأسباب الرئيسية لانخفاض معدلات الإنجاب».

مصر أطلقت حملات عدة لتنظيم الأسرة (وزارة الصحة والسكان)

وكان وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية قد شدد على أن نتائج المسح وما توفره من بيانات تأتي في إطار توجه الدولة المصرية إلى إيلاء قطاع الصحة أولوية قصوى؛ ولذلك تحرص الدولة على توجيه الاستثمارات العامة إلى هذا القطاع، إذ بلغ حجم الاستثمارات العامة المخصصة له في خطة 2026-2027 نحو 108 مليارات جنيه (الدولار يساوي نحو 52 جنيهاً مصرياً)، بزيادة تُقدّر بنحو 27 في المائة عن العام السابق.

وكانت مصر قد أطلقت عدداً من الحملات التوعوية لتنظيم الأسرة عبر تقليل الإنجاب، حفاظاً على المعدلات السكانية الملائمة للموارد، ومن بينها حملات دعائية أطلقت في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، بعد طفرات في الزيادة السكانية التي شهدتها مصر من 26 مليون نسمة عام 1960 إلى 58 مليون نسمة عام 1990، في حين سجل عدد سكان مصر 109 ملايين نسمة في مايو (أيار) الماضي.


«حين رآني الغياب»... مسرحية سعودية عن إعادة اكتشاف الذات

شارك العرض السعودي ضمن فعاليات ملتقى أولادنا بالقاهرة (الشرق الأوسط)
شارك العرض السعودي ضمن فعاليات ملتقى أولادنا بالقاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«حين رآني الغياب»... مسرحية سعودية عن إعادة اكتشاف الذات

شارك العرض السعودي ضمن فعاليات ملتقى أولادنا بالقاهرة (الشرق الأوسط)
شارك العرض السعودي ضمن فعاليات ملتقى أولادنا بالقاهرة (الشرق الأوسط)

قدّم العرض المسرحي السعودي «حين رآني الغياب» تجربة إنسانية تتوقف أمام واحد من أكثر الأسئلة ارتباطاً بعلاقة الإنسان بذاته وبنظرة الآخرين إليه، من خلال رحلة درامية تتقاطع فيها مشاعر الفقدان والغياب مع البحث عن الهوية واكتشاف القيمة الحقيقية للإنسان بعيداً عن الصورة التي يرسمها الآخرون عنه.

واحتضن «ملتقى أولادنا» لذوي الإعاقة بالقاهرة العرض ضمن فعالياته، ليضع أمام الجمهور تجربة مسرحية تنطلق من الاختلاف والفقدان، لكنها تتجاوزهما إلى سؤال أعمق حول معنى أن يرى الإنسان نفسه قبل أن ينتظر أن يراه الآخرون، وقُدم على خشبة المسرح الصغير في دار الأوبرا المصرية.

ولا يتعامل العرض مع الغياب بوصفه فقداناً لشخص أو شيء فقط، وإنما يقدمه بوصفه حالة إنسانية يمكن أن يعيشها الفرد حتى وهو محاط بالآخرين، فقد يشعر بأنه غير مرئي أو غير مفهوم، فيبدأ رحلة البحث عن صورته في عيون المحيطين به، قبل أن يكتشف أن الطريق إلى ذاته يمر أولاً عبر مواجهة الألم والتصالح مع ما يحاول الهروب منه، في عرض كتبته هدى حدادي، وقام ببطولته محمد لادان، وأخرجته أمينة السوداني.

فريق عمل المسرحية مع سلاف فواخرجي وداليا البحيري بعد انتهاء العرض (الشرق الأوسط)

وقالت مخرجة العرض أمينة السوداني، لـ«الشرق الأوسط» إن السؤال الأساسي الذي أرادت أن يخرج به المشاهد هو: «هل أحتاج إلى أن يراني الآخرون حتى أرى نفسي؟»، موضحةً أن «حين رآني الغياب» لا يبحث عن إجابة جاهزة، بقدر ما يضع الإنسان أمام علاقته بذاته وبنظرة الآخرين إليه لأن الرحلة تنتهي عند لحظة يدرك فيها الإنسان أن قيمته لا تتحدد بما يراه الآخرون فيه، وإنما بما يكتشفه هو في داخله.

وأوضحت أن عنوان العرض يحمل مفارقة أساسية، إذ يرتبط الغياب عادةً بشيء نفتقد إليه، بينما حاولت في العمل تحويله إلى مساحة يستطيع الإنسان من خلالها رؤية نفسه بوضوح، لافتةً إلى أن الغياب في العرض ليس فراغاً، بل حالة تكشف الإنسان لنفسه، ومن هنا جاءت الفكرة التي تقوم على أنه حين يغيب الآخر، يبدأ الإنسان في رؤية ذاته.

ولفتت إلى أن «الغياب ظهر في العرض بوصفه حالة داخلية، مع العمل على تحويله إلى إحساس مرئي على الخشبة من خلال اللغة البصرية»، على حد تعبيرها. موضحةً أن الخشبة انقسمت إلى ثلاثة عوالم هي: «الغياب»، و«العتب واللوم»، و«الذات»، بهدف جعل الجمهور يشعر بالغياب من خلال المكان والضوء والصورة وحركة الشخصية، بدلاً من الاكتفاء بشرحه عبر الحوار.

وأشارت إلى أن «العمل تعمد الابتعاد عن تقديم رسالته في صورة خطاب مباشر، لأن الشخصية تعيش التجربة أمام المشاهد، بينما يتشكل المعنى من علاقتها بالمجسمات والعصا والمكان والشاشة، التي تمثل تصور الشخصية للعالم المحيط بها»، وفق قولها.

وعن الفرق بين تقبل الاختلاف والتحرر من نظرة الآخرين، قالت إن الشخصية تبدأ رحلتها وهي متأثرة بالصورة التي يرسمها الآخرون عنها، قبل أن تدرك تدريجياً أن المشكلة ليست دائماً في الاختلاف نفسه، وإنما في الطريقة التي يسمح بها الإنسان لهذه النظرة بأن تحدد صورته عن ذاته، مشيرةً إلى أن النهاية لا تتوقف عند «تقبل الاختلاف»، وإنما تمثل خطوة باتجاه التحرر من الحاجة إلى تعريف الذات من خلال الآخرين.

العرض قُدِّم على المسرح الصغير في الأوبرا المصرية (الشرق الأوسط)

وحول مشاركة محمد لادان، وهو ممثل كفيف يؤدي شخصية تتقاطع بعض أسئلتها مع تجربته، أكدت المخرجة أن «هناك فصلاً واضحاً بين محمد الإنسان ومحمد الممثل والشخصية التي يؤديها»، موضحةً أنها لم تتعامل معه بوصفه يؤدي تجربته الشخصية، وإنما كممثل يمتلك أدواته وخبرته ويمنح الشخصية من حضوره.

وأضافت أن «تجربته الشخصية يمكن أن تكون مساحة للإحساس والفهم ساعدته على تجسيد الشخصية، لكنها ليست النص ولا تفسيره»، ورأت أن «وجود ممثل كفيف في العمل مهم، لكن الاختيار بالنسبة لي كان فنياً قبل أن يكون رمزياً، لكون البطل لم يكن مجرد ممثل يحقق فكرة المشاركة، وإنما ممثل قادر على حمل الشخصية وتجسيد أسئلتها على الخشبة، وتم اختياره منذ اللحظة الأولى لقراءة النص، قبل ظهور قدراته الفنية وحضوره القوي على المسرح»، حسب تعبيرها.

وقالت إن العمل نفسه تغير خلال البروفات، لأن الممثل شريك أساسي في اكتشاف الشخصية، لافتةً إلى أن وجود محمد كممثل كفيف أعاد تشكيل مفهوم «الرؤية» داخل العرض، فلم يعد السؤال بالنسبة إليها «مَن يرى؟ ومَن لا يرى؟»، وإنما «ما الذي نراه فعلاً؟ وهل الرؤية مرتبطة بالعين وحدها؟»، الأمر الذي انعكس بدوره على المعالجة البصرية للعمل.

وأكدت أن المسرحية تطرح أيضاً سؤالاً حول الطريقة التي قد يختصر بها المجتمع الإنسان في صفة أو اختلاف واحد، موضحةً أن «العمل لا يسعى إلى محاكمة المجتمع بقدر ما يضع هذه النظرة أمام المشاهد، لينتقل مركز النظر من: ماذا ينقص الإنسان؟ إلى: مَن الإنسان؟».

وفيما يتعلق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الشاشة والتصميمات الغرافيكية، أكدت المخرجة أنها لم تتعامل معها بوصفها وسيلة للإبهار البصري، وإنما بحثت عن قدرتها على التعبير عن المعنى الدرامي.