«مقتل قائد الفرسان»... ملحمة الحب والوحدة والحرب والفن

موراكامي لا يحيد عن أسلوبه الروائي في روايته الأخيرة

موراكامي
موراكامي
TT

«مقتل قائد الفرسان»... ملحمة الحب والوحدة والحرب والفن

موراكامي
موراكامي

يُعتبر موراكامي من أهم أدباء ما بعد الحداثة، لتناوله قضايا اعتبرها النقاد اليابانيون بعيدة عن المألوف في الأدب المحلي، فاهتماماته تدور حول المشكلات الفردية العميقة، كالوحدة والكآبة، وتداخلها مع الأحلام والعيش في عوالم تحركها طاقات غير مرئية.
قرر موراكامي أن يكتب الرواية، لأول مرة، وهو في التاسعة والعشرين، بعد أن شاهد مباراة بيسبول في المقهى الخاص الذي يمتلكه، فكانت روايته الأولى في سنة 1978، التي لفتت الأنظار إليه كموهبة صاعدة.
لا يحيد موراكامي، في روايته الجديدة «مقتل قائد الفرسان»، عن أسلوبه الروائي، باختياره بطل روايته شخصاً في منتصف الثلاثينات، الذي لن نعرف اسمه عبر السبعمائة صفحة من السرد المتشعب والمطول بغير متعة في أكثر من مكان. لكننا سنعرف من الصفحات الأولى أنه رسام بورتريهات، ويعمل لوكالة تجارية مقابل أجر مجزٍ، فهو ليس بالرسام العادي، حسب وكيله الأساسي وزبائن المكتب.
إنه يرسم بورتريهات لوجوه عادية، إلا أنه يلتقط دواخل تلك الشخصيات لتبدو اللوحة أو البورتريه وكأنها تتكلم أو تُقرأ ككتاب مفتوح.
إلا أن هذا الفنان سيقرر ترك هذه المهنة التي يحبها وأجرها المالي المرتفع، لينطلق في رحلة عزاء شخصية أو بحث عن الذات، مستقلاً سيارته بلا هدف، مدة شهرين متواصلين، زائراً أماكن جديدة لم يعرفها من قبل، آملاً في الخلاص من ألمه المفاجئ الناجم عن طلب زوجته وحبيبته يوزو الطلاق، بعد ست سنوات من الزواج.
«هل هناك رجل في حياتك؟»... يسألها، تجيب، بصوت خافت: «نعم».
«هل تحبينه؟»، وتكون الإجابة بـ«نعم» أيضاً.
«حسناً إذاً، سأترك الشقة بأسرع وقت، وأتمنى لك حياة سعيدة».
بعد تلك المغادرة الهادئة، ستتغير حياة الرسام ليدخل في مرحلة جديدة، هي أشبه بمتاهة... حيث كل منعطف يقود إلى منعطف آخر وهكذا... لدرجة تصيب القارئ بالتيه. ففي مواضع كثيرة من السرد، يصعب التمييز إن كانت الأحداث تجري في حلم السارد أم في يقظته... وهل تحيا الشخصيات التي يحاورها الرسام في مخيلته أم في الواقع، كشخصية الرجل الشبح في لوحة «مقتل قائد الفرسان»، التي يجدها الرسام في بيت توموهيكو آمادا، الذي كان مهجوراً، قبل أن ينتقل إليه ليعيش حياة العزلة والتأمل، بعد أن طلبت زوجته الانفصال. يعود الفضل في هذه النقلة الحياتية الكاملة، في حياة الرسام، إلى مصادفة طيبة من صديقه وزميل دراسته مساهيكو، ابن توموهيكو آمادا.
ستكشف تلك اللوحة للرسام جزءاً غامضاً من حياة صاحب البيت (السيد آمادا)، الذي كان يتعلم فن الرسم الياباني في فيينا، نهاية الثلاثينات من القرن العشرين، فيما كانت هوايته الأساسية هي الموسيقى الكلاسيكية. في بيت السيد آمادا الذي يعج بكلاسيكيات الموسيقى الغربية، استمع الرسام خلال إقامته إلى عيون المؤلفات الموسيقية الأكثر شهرة.
إثر قيلولة ظهر أحد الأيام، يستيقظ الرسام من نوم خفيف، ليجد شخصاً بلا وجه يتحدث إليه ويطلب منه أن يرسمه، الأمر الذي لا يستوعبه طبعاً متذرعاً بأن الشخص - الظلالي، لا وجه له، ليجيبه الشبح بذكاء: «كل شيء لم تجربه من قبل يجب أن تفعله لأول مرة».
وحين يقلقه (في إحدى الليالي) صوت جرس يأتي من مكان قريب للمنزل، يتبعه الرسام، فيتبين له أنه آتٍ من مكان معشب تنتشر فيه مجموعة من الصخور.
سيتعرف الرسام على أحد الجيران، وهو السيد منشيكي، رجل في الستين من عمره بهيئة أنيقة وفاخرة توحي بالثراء.. لباسه، سيارته الجاغوار، وقصره الأبيض الزاهي، الذي يمكن رؤيته من شرفة بيت السيد آمادا.
يتكفل منشيكي بتكاليف إزالة الأحجار، لتبين مصدر الصوت، الذي يبدو أنه قد وصل لمسامعه من قبل أيضاً، ليكتشف منشيكي والرسام حفرة تشبه البئر، تحتوي على جرس ولا تؤدي لمكان. وسط غمرة من الشعور بالحيرة والغموض، يقول منشيكي للرسام بأن المكان قد يكون قبراً لأحد الرهبان، الذين يجربون الموت طواعية بصيام طويل يؤدي بهم للموت، في رحلة بحثهم عن أنفسهم أو معنى الوجود.
يستأجر منشيكي ورشة لإغلاق الحفرة، فتُسوى بالأرض. وتبقى الحجارة حول الحفرة مبعثرة بشكل عشوائي.
بعد لقاءات متكررة، يبررها السيد منشيكي بالفضول في التعرف إلى القاطن الجديد، في بيت آمادا، يبوح للرسام بأسراره الشخصية. بدءا من علاقته الحميمة مع آخر العشيقات، إلى اختياره العزوبة، وأيضاً احتمال أن تكون ماريا أكيكو هي ابنته البيولوجية من تلك العشيقة التي ودعته وداعاً حميماً طالبة الانفصال، فهي، على عكسه، تريد الزواج والاستقرار. ويختم منشيكي حديثه للرسام بالقول: «أنا شبه متيقن بأن ماريا هي ابنتي، فلقد وُلدت بعد سبعة أشهر من ذلك اللقاء».
يطلب منشيكي من الرسام أن يرسم «بورتريه» لماريا، وأن يدبر له لقاء شخصياً معها. على الضفة المقابلة، كانت ماريا تراقبهما معاً من غرفتها. وتسبب صدمة للرسام، حين تفاجئه بمعرفتها لقصة البئر وإزالة الحجارة، وبمدلول تحذيرها له بالقول: «لم يكن عليكما فعل ذلك».
في القسم الأخير من الرواية، سيتعرف الرسام عبر زميله مساهيكو، على الفصل المغيّب من حياة والده، وكيف تورط في حب فتاة كانت عضواً في تنظيم مقاوم للنازية. تُقتل الفتاة، إثر فشل محاولة اغتيال لأحد النازيين، من قبل المنظمة التي تنتمي عشيقة توموهيكو إليها. سيتم سجن وتعذيب توموهيكو بشدة، ويتم ترحيله لليابان بعد تسوية دبلوماسية. على أثر عودة توموهيكو إلى اليابان، يتم إرغام أخيه طالب الطب الرقيق على الالتحاق بمعسكر لأسرى صينيين. ويطلب منه أن يقطع رأس أحد الأسرى، بعد تلقينه توجيهات بكيفية تنفيذ العملية: «ضربة قاصمة لا تتكرر. سيفعل الأخ الشاب ذلك، لكن رقة مشاعره تسبب له كآبة حادة، تدفع للانتحار».
تلكما القصتان (موت رفيقته وانتحار أخيه)، غيرتا مسار حياة توموهيكو بكاملها، مما جعله يدأب على طمس ملامح تلك الفترة من حياته، ويخفي حزنه على ما أصاب أخاه. فيجد القارئ نفسه أمام شخصية ثانية لتوموهيكو.
تختفي ماريا بشكل غامض، سنعلم ذلك من اتصال تجريه عمتها مع الرسام لتسأله: «هل حضرت ماريا درس الرسم اليوم؟». وسيتزامن غيابها مع زيارة ملحّة وضرورية تقصد أن يقوم بها الرسام لتوموهيكو آمادا، في المصح الذي يقطنه بعد إصابته بألزهايمر متقدم، متعطشاً لحل اللغز الذي تمثله «لوحة مقتل قائد الفرسان»، بوصفها الحدث الأساسي في الرواية.
يتم رسم لوحة شديدة الغموض، قائمة على ارتباط بين عودة ماريا من المكان الذي كانت تختفي فيه وغياب الرسام أيضاً في نفق ضيق يشبه الكفن، بعد عبوره نهراً توجب عليه شرب مائه كي يصل إلى حيث يمكنه تحرير ماريا، والتي نعرف منها لاحقاً بأنها كانت مختبئة ليومين في قصر منشيكي. بدت تلك القطعة من السرد شديدة الغموض، فالرسام كان موجوداً في المصح وفي النفق باللحظة الزمنية ذاتها. وتوموهيكو في لحظة وعي وصحو متأثراً بسؤال الرسام عن اللوحة ثم مفارقته الحياة بعد سؤاله بلحظات قصيرة، واستغراب مساهيكو اختفاء صديقه الرسام من غرفة أبيه وعدم إجابته على اتصالاته ليومين متتاليين، وهو زمن غياب ماريا. كل هذه الأفكار، التي تبدو كأنها لقطات مبعثرة في حلم، تبدو كما لو قيلت على لسان شخصيات الرواية، وكأنها واقع حصل، حيث يواجه الإنسان ذاته، حائراً وضعيفاً أمام أسئلة الزمن والوجود المعقدة.
يقول الرسام في أحد المشاهد: «العالم مليء بالأشياء الوحيدة». ويبدو موراكامي كرسام، بلا اسم وملامح، يحاول التقاط وحدة العالم وتثبيتها في لوحة، مطلاً من شرفة منزل على المحيط، يستمع لمعزوفة كلاسيكية، لا يعكر عليه عزلته واندماجه سوى صوت جرس أو شبح يتحدث إليه، أو خبر عن كارثة انفجار المفاعل النووي منذ سنوات في اليابان وما إلى ذلك من الأشياء الوحيدة التي يعيد موراكامي رسمها في لوحة الحياة المعقدة.



لندن تستضيف «مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026»

«مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026» في لندن
«مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026» في لندن
TT

لندن تستضيف «مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026»

«مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026» في لندن
«مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026» في لندن

تستضيف جامعة كينغز لندن، الأربعاء في 4 فبراير (شباط) 2026، معرض «Saudi Futures – Career Fair 2026» («مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026»)، بتنظيم مشترك من الجمعيات الطلابية السعودية في جامعة كوين ماري بلندن، وكلية كينغز لندن، وجامعة كوليدج لندن، إلى جانب النادي السعودي في لندن.

ويحظى الحدث، الذي ينظّم للمرة الأولى في العاصمة البريطانية وداخل القاعة الكبرى بحرم «ستراند» الجامعي، بدعم رسمي من الملحقية الثقافية السعودية في المملكة المتحدة، ويهدف إلى ربط الطلبة والخريجين السعوديين الدارسين في بريطانيا بالجهات والمؤسسات التي توفر فرصًا وظيفية، وبرامج دراسات عليا، وتدريبًا مهنيًا في مختلف القطاعات.

ويستقطب الحدث مشاركين من تخصصات أكاديمية متنوعة ومن جامعات متعددة في لندن، ما يجعله منصة جامعة لتعزيز الجاهزية المهنية وبناء علاقات بين الطلبة وسوق العمل، وفق بيان المنظمين.

نموذج متقدم

ويبرز معرض «مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026» بوصفه نموذجًا متقدمًا للتنسيق المؤسسي بين الجمعيات الطلابية السعودية في عدد من الجامعات البريطانية الكبرى، حيث تتكامل الجهود الطلابية عبر المؤسسات الأكاديمية المختلفة لتقديم مبادرة مهنية منظمة وواسعة النطاق.

ويشارك في المعرض ممثلون عن جهات توظيف ومؤسسات تعليمية وشركات دولية تقدم برامج للخريجين والتدريب المهني، إلى جانب جهات أكاديمية وحكومية داعمة، ما يوفر للطلبة السعوديين فرصة التواصل المباشر مع سوق العمل وبناء شبكات مهنية مبكرة.

«مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026» في لندن

ويعكس هذا التعاون المشترك انتقال الجمعيات الطلابية من تنظيم أنشطة محدودة النطاق إلى إطلاق منصات احترافية تستجيب لاحتياجات الطلبة السعوديين في مرحلة مفصلية من مسيرتهم التعليمية، لا سيما في ما يتعلق بالاستعداد المبكر لسوق العمل وبناء المسار المهني.

تنامي المبادرات

كما يركز المعرض على تعزيز الربط العملي بين الجانب الأكاديمي ومتطلبات الحياة المهنية، من خلال إتاحة فرص التواصل المباشر مع جهات توظيف ومؤسسات تقدم برامج تدريب وتطوير مهني، بما يسهم في رفع مستوى الوعي المهني لدى الطلبة والخريجين، وتوسيع آفاق مشاركتهم في فرص التطور الوظيفي داخل وخارج المملكة.

ويأتي هذا التوجه في سياق أوسع يعكس تنامي دور المبادرات الطلابية السعودية في الخارج، وقدرتها على العمل المشترك وتقديم فعاليات نوعية ذات أثر ملموس، تدعم جاهزية الكفاءات الشابة وتواكب التحولات المتسارعة في سوق العمل العالمي.


الكلية الملكية البريطانية للفنون شريكاً أكاديمياً لـ«جامعة الرياض للفنون»

جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)
جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)
TT

الكلية الملكية البريطانية للفنون شريكاً أكاديمياً لـ«جامعة الرياض للفنون»

جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)
جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)

وقَّعت وزارة الثقافة السعودية، الجمعة، شراكةً مع الكلية الملكية البريطانية للفنون (RCA)، تكون الأخيرة بموجبها شريكاً أكاديمياً لكُلّيتَي «التصميم والعمارة، والفنون البصرية والتصوير الفوتوغرافي» بـ«جامعة الرياض للفنون»، وذلك لتطوير المواهب الثقافية والفنية، وتعزيز التبادل الثقافي.

وجرت مراسم التوقيع خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر»، التي تحمل عنوان «في الحِلّ والترحال»، بحي جاكس في الدرعية؛ إذ مثَّلت الوزارة نهى قطّان، وكيلة الشراكات الوطنية وتنمية القدرات، فيما مثّل الكلية رئيسُها ونائب المستشار البروفسور كريستوف ليندنر.

وستتعاون الكلية مع الجامعة في التصميم المشترك، وتقديم برامج أكاديمية لمرحلتَي البكالوريوس والدراسات العليا، وأخرى تأسيسية، تغطي مجالات العمارة، والتصميم، والتخطيط الحضري.

وتمثّل هذه البرامج جسراً يربط بين الإرث والابتكار، وتسهم في تنمية المواهب الوطنية وتمكينها من أداء دورٍ فاعل في تشكيل البيئات العمرانية ومجالات التصميم، وبناء الكفاءات في الفنون البصرية التقليدية والمعاصرة، ضمن رؤية إبداعية عالمية تنطلق من الهوية الثقافية الفريدة للسعودية.

وتأسست الكلية في لندن عام 1837، وجاءت كأفضل جامعة للفنون والتصميم عالمياً لمدة 11 عاماً متتالية وفق تصنيف «كيو إس» للجامعات حسب التخصص، للأعوام من 2015 حتى 2025، وتُعد من أكثر الجامعات المتخصصة كثافةً في البحث العلمي بالمملكة المتحدة.

وتقدّم الكلية مجموعة واسعة من البرامج في الفنون البصرية، والتصميم، والعمارة، والاتصال، والعلوم الإنسانية عبر كلياتها المختلفة، مع تركيزها على تطوير الكفاءة المهنية، ودفع حدود الممارسة الإبداعية من خلال التعليم والبحث والتعاون العابر للتخصصات.

وتأتي هذه الشراكة ضمن سلسلةٍ من شراكات أكاديمية ومذكرات تفاهم توقّعها «جامعة الرياض للفنون» وكليّاتها مع مؤسساتٍ دولية رائدة، بهدف تصميم البرامج الأكاديمية، وتعزيز التعاون البحثي، وتقديم برامج تعليمية إثرائية في مجالات الثقافة والتنمية.

كان الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، أعلن خلال شهر سبتمبر (أيلول) 2025 عن إطلاق «جامعة الرياض للفنون» في كلمته الافتتاحية بـ«مؤتمر الاستثمار الثقافي»، بوصفها حجر الأساس للتعليم الإبداعي والابتكار الثقافي في المملكة.

وتهدف الجامعة إلى تأهيل طلابها بالمعرفة والمهارات والرؤية اللازمة للإسهام في تشكيل مستقبل الاقتصاد الإبداعي في السعودية، ويُنتظر أن تُعلِن عن المزيد من التفاصيل المتعلقة بها وكلياتها وشراكاتها عبر موقعها الإلكتروني الرسمي الذي سيُطلق خلال الربع الحالي.


«العربي»... قراءة سينمائية جزائرية جديدة لـ«الغريب» في روتردام

يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)
يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)
TT

«العربي»... قراءة سينمائية جزائرية جديدة لـ«الغريب» في روتردام

يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)
يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)

احتضن مهرجان روتردام السينمائي الدولي، في نسخته الـ55، العرض العالمي الأول للفيلم الجزائري «العربي»، وهو العمل العربي الوحيد المشارك في المسابقة الرسمية للمهرجان، الذي تتواصل فعالياته من 29 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 8 فبراير (شباط) المقبل.

ويُعرض الفيلم في 5 عروض مختلفة ضمن برنامج المهرجان حتى الأربعاء المقبل.

وتدور أحداثه في 106 دقائق، وهو إنتاج مشترك بين الجزائر، وفرنسا، وبلجيكا، وسويسرا، والسعودية، بعدما حصل على دعم من مؤسّسة «البحر الأحمر».

ويشكّل العمل التجربة الروائية الأولى للمخرج الجزائري مالك بن إسماعيل بعد مسيرة طويلة في السينما الوثائقية.

يُعيد «العربي»، عبر مقاربة سينمائية، تفكيك إحدى أكثر الشخصيات غموضاً في الأدب العالمي، من خلال إعادة النظر في رواية الغريب للكاتب ألبير كامو، ولكن من زاوية مختلفة، تستند إلى شهادة الأخ المسنّ للضحية، متنقلاً بذكاء بين الذاكرة والخيال والسجل التاريخي.

في رواية كامو الصادرة عام 1942، يظهر «ميرسو» في انتظار تنفيذ حكم الإعدام بحقه بعد إدانته بقتل رجل بلا اسم، يُشار إليه فقط بصفته «العربي»، من دون منحه أي هوية واضحة. ورغم المكانة الأدبية التي احتلتها الرواية بوصفها من أبرز أعمال القرن العشرين، ظلَّ هذا الغياب الاسمي علامة استفهام كبرى حول هوية القتيل ودلالات هذا التجاهل في سياق الاستعمار والذاكرة.

عام 2013، قدَّم الكاتب الجزائري كمال داود إجابة أدبية عن هذا السؤال في روايته «ميرسو... تحقيق مضاد»؛ إذ أعاد فتح القضية من الجهة الأخرى، مانحاً «العربي» اسماً وحكاية وصوتاً. ومن هذا النصّ، ينطلق مالك بن إسماعيل ليحوّل الرواية إلى أول أفلامه الروائية.

تنطلق أحداث الفيلم من مدينة وهران الجزائرية، حيث يعيش «هارون»، الذي أدَّى دوره الممثل الجزائري الراحل أحمد بن عيسى، وهو رجل مسنّ، أعزب، وموظف حكومي متقاعد، حياة انعزالية مُثقلة بالذكريات.

لكن لقاءً عابراً في حانة مع الصحافي «كامل» يتحوَّل إلى اعتراف طويل، أو إلى شهادة متأخرة عن جريمة وقعت في صيف عام 1942.

يعرض الفيلم للمرة الأولى عالمياً في مهرجان روتردام (الشركة المنتجة)

قُدِّم الفيلم، المصوَّر بالألوان وبالأبيض والأسود، بصورة تعكس تداخلاً بين الماضي والحاضر، والواقع والذاكرة، مع اعتماد إخراج كلاسيكي هادئ يترك مساحة للصمت والكلمات الثقيلة، من دون افتعال أو خطابية.

ويقول مالك بن إسماعيل إنّ رواية كامو قدَّمت حادثة قتل رجل عربي على الشاطئ من دون ذكر اسمه أو منحه وجوداً إنسانياً حقيقياً، مشيراً إلى أنّ هذا الغياب لا يمكن التعامل معه بوصفه تفصيلاً سردياً عابراً، بل يعكس طريقة تفكير استعمارية كاملة.

وأضاف، في تصريحات صحافية، أنّ «رواية كمال داود أعادت فتح هذا الجرح المسكوت عنه، حين منحت الضحية اسماً وصوتاً وحكاية، وأعادت طرح السؤال حول مَن يملك حق السرد ومَن يُمحى من الذاكرة»، مشيراً إلى أنّ فيلمه لا يسعى إلى محاكمة كامو أو إعادة قراءته، بقدر ما يحاول سينمائياً استعادة ما تم محوه من اسم وذاكرة وإنسان.

وأكد أنّ هاجسه الأساسي كان صناعة فيلم عن الصمت، وعن الثقل الذي يُخلّفه القتل حين لا يُعترف بالضحية، لافتاً إلى أنّ انتقاله من السينما الوثائقية إلى الروائية جاء امتداداً طبيعياً لتجربته؛ إذ تعامل مع النص الروائي بالإنصات وطرح الأسئلة والشك في الرواية الواحدة.

حصل الفيلم على دعم من مهرجان «البحر الأحمر» (مهرجان روتردام)

من جهته، قال الناقد السينمائي الجزائري فيصل شيباني إنّ الإنتاج السينمائي الجزائري شهد تراجعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، في ظلّ انخفاض دعم الدولة، ممّا انعكس على حضور الأفلام الجزائرية في المهرجانات الكبرى.

وأضاف أنه كان يتوقَّع مشاركة «العربي» في أحد المهرجانات الكبرى، ولا سيما «كان»، نظراً إلى كونه مقتبساً من رواية حقَّقت انتشاراً واسعاً، خصوصاً في فرنسا.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنّ «مالك بن إسماعيل أثبت في تجاربه السابقة امتلاكه أدواته الإخراجية، ووجود رؤية واضحة في أعماله»، مشيراً إلى أنّ مشاركة الفنانة الفلسطينية هيام عباس في بطولة الفيلم ترفع منسوب التوقّعات لتجربة مختلفة عن السائد في السينما الجزائرية أخيراً.

من جانبه، قال الناقد السينمائي السعودي أحمد العياد إنّ فيلم «العربي» يستند إلى أرضية أدبية قوية، بكونه مُقتبساً عن رواية وصفها بالثرية فنّياً وفكرياً، لِما تحمله من قراءة مُغايرة لنصّ أدبي كلاسيكي ومنحها صوتاً إنسانياً غائباً.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنّ «العمل يقف خلفه فريق فنّي متميّز على مستوى الإخراج والتمثيل والرؤية العامة، ممّا أضفى عليه ثقلاً فنياً وحضوراً لافتاً»، مشيراً إلى أنّ دعم مؤسّسة «البحر الأحمر» للفيلم يؤكد قدرتها على اختيار أعمال متميّزة فنياً، خصوصاً أنّ «العربي» هو العمل العربي الوحيد المشارك في المسابقات الرسمية الثلاث للمهرجان.