الانتخابات الأوروبية «عتبة» تاريخية لليمين المتطرّف

بين القلق من تحالف «الشعبويين»... واعتبارهم ظاهرة عابرة

فيكتور أوربان - ماتّيو سالفيني
فيكتور أوربان - ماتّيو سالفيني
TT

الانتخابات الأوروبية «عتبة» تاريخية لليمين المتطرّف

فيكتور أوربان - ماتّيو سالفيني
فيكتور أوربان - ماتّيو سالفيني

«مستقبل أوروبا هو في المفاضلة بين الذين يدافعون عن الهجرة والذين يقفون ضدّها»... بهذه العبارات الجازمة افتتح رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان حملة حزبه اليميني للانتخابات الأوروبية المقبلة. وهي انتخابات تعوّل عليها القوى والأحزاب اليمينية المتطرفة والشعبويّة لإعادة رسم المشروع الأوروبي، وتقليص صلاحيات المفوّضية، وتحجيم دورها في توجيه السياسات والملفّات الأوروبية الرئيسية.
وفي هذه الأثناء كان ماتّيو سالفيني، نائب رئيس الوزراء الإيطالي وزعيم حزب «الرابطة» اليميني المتطرف، يرفع الستار في العاصمة الأوروبية روما عن «مشروعه» الأوروبي، الذي قال إنه يهدف من ورائه ليكون الحزب الأوروبي الأول في الانتخابات المقبلة «ويحقق حلماً أوروبيّاً يراود كثيرين، رغم أن البعض يعيشونه مثل كابوس في بروكسل».

الأوزان الثقيلة في المشهد الأوروبي اليميني المتطرّف، مثل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان والفرنسية مارين لوبان والهولندي خيرت فيلدرز، تخلّفت عن الموعد الذي كان ماتّيو سالفيني، نائب رئيس الوزراء الإيطالي وزعيم حزب «الرابطة» اليميني المتطرف، يحضّر له منذ أشهر. والسبب هو أن الثقة بين أفراد العائلة اليمينية المتطرّفة ما زالت ضعيفة، ولا يوجد إجماع حقيقي حتى الآن على «قائد» للقوّات التي منذ سنوات توجّه مدفعيتها نحو أسوار الحصن الأوروبي، وهذا رغم لقب «القبطان» الذي خلعه مناصرو سالفيني على زعيمهم والمدائح التي يكيلها له نظراؤه.
ولقد اكتفى سالفيني، في الوقت الحاضر، بتقديم «مشروعه» محفوفاً بالفنلندي أولّي كوترو والألماني جورغ موتين والدنماركي أندرز فيستيسن. وأطلق العنان لتفاؤله مستنداً إلى النتائج الجيّدة التي حققها حزبه في الانتخابات الفرعية والإقليمية الإيطالية. وبالتالي، توقّع أن تحصل «الدولية السياديّة» على ثلث المقاعد في البرلمان الأوروبي المقبل لتشكّل الكتلة الأولى «التي ستغيّر أوروبا عندما يرفع الشعب رأسه».
بيد أن تشكيل كتلة برلمانية أوروبية يقتضي التحالف بين سبعة أحزاب على الأقل. وسالفيني ما زال بعيداً عن تحقيق هذا الهدف رغم تأكيده بأنه سيُعلَن عن «الجبهة العريضة» في المهرجان الكبير الذي يجري الإعداد له في مدينة ميلانو يوم 18 مايو (أيار) المقبل. وينتظر أن ينضم إلى «المشروع» الحزب اليميني المتطرف في إسبانيا «فوكس»، وربما أوربان... الذي لم يحسم أمره بعد بشأن البقاء في «التكتل الشعبي الأوروبي» (تكتل الأحزاب المحافظة واليمينية) أو الخروج منه.

- أوج تباين
أوجه التباين كثيرة بين هذه القوى والأحزاب التي تحرص كلّها على حصر القرار في المؤسسات الوطنية، وتجد صعوبة في الانضواء ضمن مشروع يقوده شخص واحد. ويعترف سالفيني بذلك عندما يقول «إننا ننتمي إلى عائلات سياسية مختلفة، لكن المهم هو توسيع إطار التحالف لتحقيق الحلم الأوروبي الجديد». أما التناغم فيبلغ درجات عالية في الخطاب السياسي الجامع الذي يوجّه سهامه إلى الأهداف ذاتها: المؤسسة الأوروبية... قطاع المصارف... والبيروقراطيون الذين «يقضون على الحلم الأوروبي». لكن حتى الآن لم يقدّم أي من هذه الأحزاب برنامجاً متكاملاً أو حلولاً للمشاكل التي تواجه الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن أن الذين يشاركون في الحكومات لم ينجحوا حتى الآن في معالجة الأزمات الحقيقية التي تعاني منها بلدانهم. وهؤلاء يجدون صعوبة كبيرة في التوفيق بين الأهداف والمصالح المحلية من جهة والانضباط ضمن استراتيجية موحّدة على الصعيد الأوروبي من جهة أخرى.

- الهجرة... الغاية الجامعة
حتى الآن الصمغ الوحيد الذي يجمع بين هذه الأحزاب هو محاربة الهجرة، التي تشكّل في نظرها الخطر الوحيد تقريباً الذي «يتهدّد ثقافة أوروبا المسيحية في المستقبل»، كما قال رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان. ومن ثم، اقترح أن يعود للحكومات الوطنية قرار السماح بالهجرة من خارج الاتحاد أو منعها، جاعلاً منه البند الأوّل في برنامجه الانتخابي.
وكانت تصريحات أوربان وسياساته اليمينية المتطرفة قد دفعت بالمؤسسات الأوروبية - للمرة الأولى في تاريخها - إلى فرض عقوبات على المجر لتقويضها القيم الأساسية للاتحاد الأوروبي. ومن بين تلك السياسات، القانون الذي يلحظ عقوبات بالسجن على الأفراد أو المجموعات التي تساعد المهاجرين غير الشرعيين أو تقدّم لهم المشورة، مع العلم، أن عدد الأجانب في المجر لا يتجاوز 1.5 في المائة من مجموع السكّان، وأن طلبات اللجوء تراجعت بنسبة 98 5 في المائة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وفقاً لبيانات «المرصد الأوروبي للهجرة».
وفي هذا الصدد، يقول غابور غيولاي، مدير برنامج اللجوء في «لجنة هلسنكي المجرية»، عن أوربان أنه «منافق، يدّعي الدفاع عن القيم المسيحية في أوروبا، لكنه يرمي بالأطفال في مراكز الاعتقال، ويمنع الطعام عن اللاجئين على حدود الاتحاد الأوروبي رغم القرار الذي صدر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بإلزامه تقديم الطعام لهم». ومعروفٌ، أن أوربان يشنّ منذ سنوات حرباً شعواء على جورج سوروس، الملياردير الأميركي المتحدر من أصل مجري، الذي يموّل مشاريع ومنظمات مدنية تساعد المهاجرين وتعزّز التعدّد العرقي والثقافي.
كذلك، بعدما فرضت الحكومة المجرية ضرائب باهظة على المنظمات غير الحكومية التي تتلقّى مساعدات من الخارج، أطلق أوربان حملة واسعة ضد رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، واتهمه «بالتواطؤ مع سوروس» على تشجيع الهجرة غير الشرعية إلى المجر. هذه الخطوة دفعت «التكتل الشعبي الأوروبي» - الذي ينتمي إليه أوربان - إلى مطالبته بالاعتذار ووقف الحملة، «والكفّ عن إلحاق الأذى بالحزب»... كما جاء على لسان الألماني مانفريد ويبير، المرشّح الأوفر حظّاً حتى الآن لرئاسة المفوضية بعد الانتخابات الأوروبية المقبلة.
«التكتل الشعبي الأوروبي»، الذي يشكّل حالياً الكتلة اليمينية الرئيسية في البرلمان الأوروبي، لم يجرؤ على طرد حزب أوربان، بل اكتفى بتعليق عضويته في انتظار نتائج الانتخابات الأوروبية المقبلة. لكن، من المستبعد أن يبقى أوربان داخل التكتل المحافظ في البرلمان الأوروبي بعد انتخابات الشهر المقبل. ويرجّح أن يفاضل بين خيارين: إما الانضمام إلى المشروع الذي يتزعّمه صديقه الإيطالي سالفيني، أو التحالف مع حزب القانون والعدالة الكاثوليكي المتطرّف والحاكم في بولندا، الذي قال أوربان إنه يميل إلى التعاون معه في حال الخروج من «التكتل الشعبي الأوروبي».

- صعود سالفيني
الدوائر الأوروبية تقلّل من خطورة الظاهرة الشعبوية في المشهد السياسي على امتداد القارة، وترى فيها ظاهرة عابرة تولّدت من رحم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وأنها محكومة بالانحسار التدرّجي بسبب افتقارها لقاعدة آيديولوجية راسخة وتجربة تاريخية طويلة.
من ناحية ثانية، يتوقّع المراقبون أن يتوزّع التأييد الذي تتمتع به هذه التيارات حالياً على الأحزاب التقليدية التي بدأت ترسم استراتيجيات لاستعادة الأعداد الكبيرة من المؤيدين الذين هجروها محبطين، أو خائبين، في السنوات الأخيرة. ولكن، مع هذا، تعتبر هذه الدوائر أن الخطر الحقيقي الداهم هو الصعود اليميني (الآيديولوجي) المتطرّف الذي أصبح قاسماً مشتركاً في كل الدول الأعضاء، وبات له روافد وامتدادات وطيدة خارج الحدود الأوروبية، من واشنطن إلى موسكو مروراً بآسيا وأميركا اللاتينية.
الخطر الأكبر على المشروع الأوروبي في الوقت الراهن، في رأي الدوائر الأوروبية، يحمل اسم سالفيني. فهو النجم الصاعد في صفوف اليمين المتطرّف بسرعة تجاوزت كل التوقعات، والسياسي الذي يمسك بزمام الحكم في إحدى الدول المؤسسة الرئيسية للاتحاد. وبخاصة، أنه يتمتع ببراعة مشهودة في التواصل ومهارة فائقة في افتراص المناسبات والظروف السانحة، وعلاقات وطيدة مع الأوساط اليمينية المحافظة في الاتحاد الروسي والولايات المتحدة.
وحقاً، استطاع سالفيني في أقل من خمس سنوات أن يحوّل حزب «الرابطة» - الذي كان ينادي بانفصال أقاليم الشمال الغنيّة عن إيطاليا - إلى ما يشبه الحركة «الترمبيّة» المتوسطية. وأطلق «رصاصة الرحمة» على التوازن الدقيق الذي كان قائماً منذ عقود بين القوى السياسية الإيطالية. ثم ألقى إيطاليا في عاصفة من الضجيج والغضب... وكان أبرع الذين أبحروا بين أنوائها. بل، أنه حوّل وزارة الداخلية إلى برنامج تلفزيوني دائم ينقل عبره كل تحرّكاته وأنشطته على مدار الساعة، مستنداً إلى منصّة متطورة على وسائل التواصل الاجتماعي تدعى «الوحش»، يتجاوز عدد متابعيها كل المنصّات السياسية الأوروبية الأخرى. غير أن القوة الحقيقية التي تقف وراء هذا الصعود السريع لسالفيني هي غريزته الكاسرة التي أخطأ خصومه في تقديرها، والتي بنى عليها استراتيجية هجومية لم تكفّ عن قصف الأهداف المعادية من المهاجرين إلى اليسار الإيطالي – في رأيه «سبب كل العلل» - مروراً بالمفوضية الأوروبية والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمنظمات الإنسانية... التي يواصل اتهامها بالتواطؤ مع الجريمة المنظمة التي تتاجر بالأشخاص.

- منتدى دافوس
في المنتدى الاقتصادي العالمي الأخير الذي عُقد في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي في منتجع دافوس السويسري، سألت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل رئيس الوزراء الإيطالي جيوزيبّي كونتي حول ما إذا كان سالفيني يناصب ألمانيا العداء لكثرة الانتقادات التي يوجهها لسياسة برلين، فأجابها كونتي بأن نائبه «يرى الأعداء في كل الاتجاهات».
إلا أن الشخصية الحقيقية لهذا «الذئب الوحيد»، الذي أصبح الجلّاد الأكبر للمشروع الأوروبي، ما زالت لغزاً حتى بالنسبة للمقرّبين منه ومواكبي مسيرته منذ سنوات. فهو بدأ نشاطه السياسي ضمن حركة الشباب الشيوعي على مقاعد الجامعة، حيث لم يكمل دراسته، إلى أن أصبح يحمل الإنجيل وسبحة الصلاة في مهرجاناته السياسية التي يواظب على تنظيمها كل أسبوع تقريباً. لكن الفاتيكان لم يتجاوب بعد مع الطلب الذي تقدّم به منذ الصيف الماضي لمقابلة البابا فرنسيس، رغم أن منزله يعجّ بتماثيل العذراء «التي يهديها إياها مناصروه» كما يقول أحد أصدقائه. ثم يضيف هذا الصديق «معظم الحيوانات تستشعر قدوم العواصف، فتضطرب وتبحث عن ملجأ تأوي إليه، وقلّة تغتنم العاصفة لتقضي على كل شيء حولها... سالفيني من هذه القلّة».
دخل سالفيني الحكومة الإيطالية، مطلع الصيف الماضي ومعه نصف أصوات شركائه في «حركة النجوم الخمس». بيد أن الاستطلاعات تُجمِع منذ أشهر على أن حزبه سيتصدّر المشهد السياسي الإيطالي في الانتخابات المقبلة بعدما كانت شعبيته لا تتجاوز 4 في المائة عندما كان يحصر نشاطه في أقاليم الشمال، التي كان ينادي باستقلالها ويوجّه انتقادات عنصرية وقاسية ضد الأقاليم الجنوبية وسكانها. لكن سنوات ثلاث فقط كانت كافية لكي تتسع رقعة نفوذ «الرابطة» على امتداد الجغرافيا الإيطالية بقيادة سالفيني، الذي فاز بمقعده في مجلس الشيوخ عن إقليم كالابريا بأقصى جنوب شبه الجزيرة الإيطالية. وامتصّ شعبية الملياردير اليميني سيلفيو برلوسكوني، الذي تعامل معه بفوقيّة قبل أن يتودّد اليوم إليه ليل نهار، ويحاول إقناعه بالتخلّي عن «حركة النجوم الخمس» لقيادة جبهة يمينية عريضة.

- تخصيب أرضية الإرهاب
سالفيني يتوعّد في مهرجاناته الانتخابية بأن يحصل التحالف اليميني الذي يشكّله على ثلث مقاعد البرلمان الأوروبي في انتخابات الشهر المقبل، وبذا يغدو الكتلة البرلمانية الأولى والقوة الوازنة لتحديد مسار المؤسسات الأوروبية ورسم سياساتها. ومن جانبها، لم تعد الدوائر الأوروبية تستبعد مثل هذا «السيناريو»، الذي يرى أحد المسؤولين أنه سيكون أشدّ خطورة من أزمة عام 2008 المالية وتداعياتها، وأكثر تعقيداً من قرار البريطانيين مغادرة «قطار» الاتحاد الأوروبي. وبالفعل، يخشى محللون في «مركز الدراسات الاستراتيجية»، التابع للمفوضية، أن يدفع صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة نحو مراكز القرار داخل المؤسسات الأوروبية إلى تخصيب أرضيّة الإرهاب داخل البيت الأوروبي، إذا استمرّ التضييق على المهاجرين وملاحقتهم تحت شعارات الحفاظ على نقاء العرق وصون الثقافة المسيحية.

- المجر... في بؤرة الحدث
لا يزيد عدد سكّان المجر على عشرة ملايين نسمة، أي أقل بنسبة 10 في المائة مما كان عليه مطلع تسعينات القرن الماضي. وتعاني المجر من أعلى معدّلات المسنّين في أوروبا، ومن نقص حاد في اليد العاملة، في حين لا يتجاوز عدد الأجانب فيها 1.5 في المائة من عدد السكان.
رغم ذلك، يثير موضوع الهجرة حساسية كبيرة في المشهد السياسي والاجتماعي المجري، ولا سيما، بعد أزمة عام 2015 عندما تدفقت أعداد كبيرة من المهاجرين السوريين إلى الحدود المجرية في الطريق إلى بلدان الشمال الأوروبي، وبخاصة ألمانيا. وبعد أربع سنوات على تلك الموجة أغلقت المجر حدودها كلّياً في وجه المهاجرين، مع مطالبة رئيس الوزراء المجري اليميني فيكتور أوربان «بحق الدول الأوروبية في رفض دخول المهاجرين ضد إرادتها».
وفي المقابل، تشكو منظمات حقوقية في المجر من انعدام النقاش الحقيقي في البلاد حول موضوع الهجرة بسبب «سيطرة الحكومة على 80 في المائة من وسائل الإعلام».

- «الظاهرة السالفينية»... في حاضر أوروبا ومستقبلها
أمضى ماتّيو سالفيني 11 سنة نائباً في البرلمان الأوروبي منذ عام 2004 حتى الانتخابات العامة الأخيرة في إيطاليا. إلا أنه لم يُعرف له نشاط يذكر في المؤسسة الأوروبية - كما يقول أحد زملائه - إلى أن بدأ يقيم علاقة وثيقة بالمستشار الاستراتيجي السابق للرئيس الأميركي دونالد ترمب والناشط اليميني المتطرف ستيف بانون، وكذلك بالبرلماني الروسي فيكتور زوباريف المقرّب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
هذان الرجلان ساعدا القيادي الشعبوي اليميني الإيطالي على إرساء منصّته الإلكترونية. وكانت هذه أداة أساسية اعتمد عليها لرصد مواطن الاستياء الشعبي، وشنّ منها هجماته على المؤسسات الأوروبية، بعدما ارتفع عدد المهاجرين الذين دخلوا إيطاليا من 40 ألفاً عام 2013 إلى 620 ألفاً في العام الماضي، قبل أن يتولى حقيبة وزارة الداخلية.
وبالتالي، كثيرة هي المقارنات بين الاحتشاد الشعبي وراء سالفيني اليوم والصعود السريع للزعيم الإيطالي الفاشي بينيتو موسوليني مطلع عشرينات القرن الماضي. ويقول جيانّي فافا الذي كان المنافس الوحيد لسالفيني في انتخابات الحزب الأولية، إنه «يتقن قراءة الشارع ويُسمِع الناس ما يطربون له بلغة بسيطة ومباشرة... يستشعر وجهة الرياح ويتكيّف معها بسرعة وبراعة».
وما يذكر، أن سالفيني طوى صفحة مؤسس «رابطة الشمال» أومبرتو بوسّي. ثم أقصى «عرّابه» الذي تخلّى له عن زعامة الحزب روبرتو ماروني. ثم قطع حبل الصرّة الذي كان يربطه بالماضي الانفصالي عندما دعا أخيراً إلى مظاهرة وطنية حاشدة في روما، تقاطرت عليها الوفود من الجنوب أكثر من الشمال، وملأت «ساحة الشعب» التي ضاقت بهتافات المنادين بحياة «الكابتن» Il Capitano.
وتزداد الخشية في الأوساط الأوروبية هذه الأيام من حصول سالفيني على 40 في المائة من الأصوات في الانتخابات المقبلة. إذ يتيح القانون الانتخابي الإيطالي - الذي أقر في العام الماضي - للحزب الذي يتجاوز عتبة الـ40 في المائة أن يحكم بمفرده من غير الحاجة إلى التحالفات التي تشكّل إحدى اللوازم الثابتة في السياسة الإيطالية منذ عقود.
وكشفت مصادر إعلامية إيطالية قبل أسابيع عن وجود علاقة وثيقة بين حزب «الرابطة» وجماعة الضغط الأميركية اليمينية الواسعة النفوذ «الرابطة الوطنية للبنادق» NRA، التي يعتقد أنها تموّل حملات سالفيني. ويقال إن إحداها أثمرت أخيراً أول قانون من نوعه في الاتحاد الأوروبي يجيز استخدام السلاح في حالة الدفاع عن النفس والشعور بالخطر عند انتهاك حرمة الممتلكات الخاصة. ولقد وعد سالفيني - الذي وصف إقرار القانون بـ«النصر التاريخي» - بتقديم اقتراح جديد يسهّل إجراءات شراء الأسلحة النارية الفردية وحيازتها.


مقالات ذات صلة

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

حصاد الأسبوع Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة

نظير مجلي ( القدس)
حصاد الأسبوع دمار غزة (آ ب)

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش

«الشرق الأوسط» (القدس)
حصاد الأسبوع الرئيس الفرنسي ماكرون يدلي بصوته (آ ب)

فرنسا: خريطة جديدة بعد الانتخابات المحلية

شهدت فرنسا يومَي 15 و22 مارس (آذار) الحالي جولتَي اقتراع في الانتخابات البلدية، اللتين أدلى فيهما نحو 28 مليون فرنسي بأصواتهم لتجدِيد أكثر من 34 ألف مجلس بلدي.

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».