رموز عربية قديمة تُلهم عالم المجوهرات

رموز عربية قديمة تُلهم عالم المجوهرات

ظاهرة تثير الاهتمام وتحرك المبيعات
الخميس - 6 شعبان 1440 هـ - 11 أبريل 2019 مـ رقم العدد [ 14744]

الرموز تتحدث بصوت أعلى من الكلمات. فعلى مدار التاريخ كانت الرمزية جزءاً لا يتجزأ من التواصل والتفاعل الإنساني، وظهر ذلك المفهوم جلياً في جميع الفنون، بما في ذلك تصميم الأزياء والمجوهرات.

بالعودة إلى الأصول، نجد أن المجوهرات لم تكن مجرد قطع للزينة، ومنذ أن علق أول رجل - أو امرأة - صخرة منحوتة حول عنقه، تشبعت مفاهيمها بمعانٍ كثيرة.

مرت آلاف السنين، وظلت قطع الحُلي منصة لها لغة لتبادل الرسائل المبطنة، مثل السلطة والحب والقوة والروحانية.

دلالاتها وأشكالها ومعادنها تختلف بحسب ثقافة كل بلد. فمثلاً يتنوع معنى زهرة اللوتس، التي تظهر في كثير من التصاميم، من ثقافة إلى أخرى. فلأنها تنكمش على نفسها ليلاً ثم تتفتح في صباح اليوم التالي، ترمز لدى المصريين إلى الشمس، بينما تعني في المعتقد الجاذبية والثراء والنقاء؛ لأنها تخرج من المياه الموحلة ثم تتحول إلى زهرة جميلة.

الشيء نفسه ينطبق على الأحجار الكريمة وألوانها. الأمر هنا أيضاً يرجع إلى عدة أسباب تتعلق بتاريخ كل مجتمع وثقافاته عبر الأجيال.

ورغم التفاوت الكبير في تفسير دلالاتها، فإن مصممي المجوهرات حتى يومنا هذا يبهرون العالم بقطع تحمل مفاهيم مثيرة، تحيي الحنين إلى الماضي، لا سيما القطع المستقاة من حضارات الشرق الأوسط والأقصى على حد سواء.

مصممة المجوهرات المصرية عزة فهمي، علقت على هذا الموضوع قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «بحكم أن الحضارة المصرية من أقدم الحضارات، فمن الطبيعي أن تكون لها المرجعية الأولى فيما يخص تصميم الحُلي». وتتابع: «أعتقد أن الحضارات العربية ستظل إرثاً سخياً يلهم العالم، مهما اختلفت الثقافات والمفاهيم».

من الرموز التي تتكرر دائماً في التصاميم العالمية، وإن لم تكن تتسق مع فكرهم، شكل الكف، الذي يُعرف في الثقافة العربية باسم «خمسة» أو «خميسة»، أما في الثقافة الأجنبية فيُعرف باسم «يد فاطيما» وتستمد اسمها من الأصابع الخمس لليد اليمنى. رمز الكف هو تميمة قديمة من الشرق الأوسط، ترمز إلى الحماية من الحسد والشر، ويظن البعض أنها تجلب لصاحبها السعادة والحظ والصحة.

ورغم هذه الرموز التي لا تتماشى مع الثقافة الغربية، فإنها أصبحت أشبه بالتميمة التي طورها المصممون لكي تُجسد قوة المرأة.

واحتل رمز «خمسة» أو الكف، مكانة ضمن تصاميم كبريات العلامات في عالم المجوهرات، قدمته علامة «سواروفسكي» النمساوية - مثلاً - في زوج من الأقراط الذهبية المزدانة بأحجار الكريستال. كذلك دار «كارتييه» التي قدمته من الألماس المتلألئ.

لا خلاف في أن الحضارة المصرية القديمة ألهمت الفنانين عبر العصور؛ لكن هذا الاهتمام زاد أكثر بعد اكتشاف عالم الآثار والمصريات، هوارد كارتر، مقبرة الملك توت عنخ آمون، في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1922. كانت مقبرة توت عنخ آمون بمثابة عالم من الزخارف والفنون والتصاميم التي أثارت خيالهم ولا تزال.

أمثلة كثيرة يمكن الاستدلال بها على هذا التمازج الثقافي، ومنها رمز «عين حورس» الذي يعد واحداً من الرموز الأساسية في عالم المجوهرات. تُعرف أيضاً بـ«عين رع» وهي تميمة مصرية قديمة، تعود إلى «الإله حورس» في المعتقد الفرعوني. وتقول الأسطورة المصرية، إن حورس كان رمزاً للقوة والردع، شارك في كثير من المعارك، وتشوهت العين اليسرى لحورس، ولكن بفضل تدخل «الإله توت» استبدلت بالعين المشوهة عينٌ سليمة، واستعاد بصره.

المصمم البريطاني ألكسندر ماكوين، الذي كان شغوفاً بكل ما يمت للزخارف المصرية القديمة، منذ 2007 حتى وفاته في 2010، استحضر سحرها على شكل دبابيس متلألئة مستوحاة من «عين حورس» في أحد عروضه، وفي عرض آخر على شكل أفعى. كذلك ظهرت عين حورس في تشكيلة الخريف عام 2016 لدار الأزياء الفرنسية «جيفنشي».

هذه التمائم المصرية شملت أيضاً مفتاح الحياة أو «عنخ»، الذي يعد واحداً من الرموز الشائعة في صناعة الحُلي، إلى جانب الجعران الأزرق وحجر المرجان. وهذه كلها رموز ظهرت في عروض «ديور» في 1997، ثم عام 2004 في عهد العبقري جون غاليانو.

وتقول مصممة المجوهرات المصرية ريم جانو لـ«الشرق الأوسط»، إن التمائم المصرية تعكس تطور الحياة «صحيح أنها في الأصل تعود إلى الحضارة المصرية؛ إلا أن احتضانها من قبل مصممين كبار على مر التاريخ حولها إلى رموز عالمية لا تموت؛ لأنها نوع من امتزاج الثقافات والتفافها حول المفاهيم والقيم الإنسانية».

وتقول عن فكرة الاستلهام الثقافي للرموز العربية، إن «الأصل في فن تصميم المجوهرات هو أن تكون له مرجعية تحمل مفهوماً ثقافياً وحضارياً، ولأن الحضارات العربية من أقدم الحضارات في العالم، فالعودة لها والبحث في أسرارها شغف لدى أي مصمم موهوب».

وترفض جانو اعتبار أن زيادة أعداد المهاجرين من أصول عربية وشرق أوسطية في أوروبا واستقرارهم فيها، سبب في زيادة هذا الاهتمام، مؤكدة أن «العملية أقدم من ذلك بكثير».

في خريف 2009 قدم المدير الإبداعي لدار «جيفنشي» آنذاك، ريكاردو تيشي، تشكيلة من الأزياء الراقية مستوحاة من قبائل البربر أو الأمازيغ، السكان الأصليين لدول شمال أفريقيا، المغرب وتونس والجزائر، كما استوطن بعضهم أيضاً في أجزاء من ليبيا وصعيد مصر. لم تكن الأزياء هي نقطة الارتكاز قدر ما كانت المجوهرات الذهبية السخية التي تغطي الرأس والصدر، لتُجسد صورة المرأة الأمازيغية في أجمل وأغنى حُللها.

ويبدو أن خفة ريكاردو تيشي في مزج الخطوط القديمة بالحديثة، استهوت كثيرين، بمن فيهم نجمة «البوب» مادونا، التي ظهرت بمجوهرات مستوحاة من البربر في مناسبة عيد ميلادها الـ60.

كذلك، أثرت مصممة المجوهرات، تامبل سانت كلير، علامتها بمجموعة مستوحاة من أسفارها إلى المغرب؛ حيث زارت مراكش في طفولتها مع والدها الذي أهداها آنذاك سواراً ذهبياً مشغولاً بأسلوب أمازيغي. عندما كبرت وأصبحت مصممة مجوهرات عادت إلى المغرب، لتستلهم من مجوهرات الأمازيغ، ومن الفن المعماري لفندق المأمونية بمراكش، مجموعة كاملة.

وتشير المصممة المصرية عزة فهمي، إلى أن «استخدام الرموز المصرية والعربية في تصميم المجوهرات العالمية، أمر يخضع للحس الشخصي للفنان، ولا يوقفه سقف الاختلافات الثقافية أو الدينية، ما دامت هذه التصاميم لا تسيء للتاريخ أو البشر أو أي حضارة؛ بل العكس إذا تم التعامل معها بشكل جيد، فإنها تعزز قيمتها عالمياً».

في عروض ربيع 2019، ظهرت أيضاً قطع حُلي مستوحاة من «البرقع» الذي يرتبط بثقافة البدو في الدول العربية. كان ذلك في عرض ألكسندر وانغ، الذي قد يكون قد استوحاه من المرأة العربية، إلا أنه قدمه بدلالة ومفهوم حديثين يحتفلان بامرأة محاربة بحاجة إلى درع يحمي حريتها ويزيدها قوة.

وتعلق ريم جانو، التي قدمت من قبل فكرة قريبة من هذا المفهوم، من خلال صدرية من المعادن، بأن كل قطعة مجوهرات يقدمها مصمم لها دلالة يمكن أن تمس فكره ومجتمعه بشكل مباشر، وأحياناً يستلهمها من ثقافات أخرى؛ لكنه يطوعها لتلامس الحداثة والمفاهيم العصرية، وإلا أصبح ما يقدمه مجرد نسخ.

وتلفت المصممة عزة فهمي إلى أن «استقاء المصممين العالميين من الثقافة العربية يلفت الانتباه إليها، وهو أمر يفيد الطرفين. من ناحية، يعيد تقديم الرموز التاريخية والثقافة العربية للعالم، ومن ناحية أخرى يفتح سوقاً جديدة للمصمم في عدد من الدول».

والتقييم نفسه تتفق عليه المصممة ريم جانو، التي تعتقد أن «الماركات العالمية تغازل السوق العربية بكل الأشكال». فرغم أنهم يقدمون تصاميمهم في عواصم، مثل ميلانو وباريس، فإن عيونهم تبقى على السوق العربية، لما لها من إمكانات شرائية.


أخبار ذات صلة



اختيارات المحرر

فيديو