مقتل أحد أفراد الجيش في اشتباك مع قوة أمنية هاجمت المعتصمين

مليونية ثالثة أمام قيادة الجيش السوداني ومظاهرة سيارات في شارع «النيل» قرب القصر الرئاسي

جانب من اعتصام المحتجين السودانيين أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
جانب من اعتصام المحتجين السودانيين أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
TT

مقتل أحد أفراد الجيش في اشتباك مع قوة أمنية هاجمت المعتصمين

جانب من اعتصام المحتجين السودانيين أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
جانب من اعتصام المحتجين السودانيين أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)

تواصلت الحشود المليونية المطالبة بتنحي الرئيس السوداني عمر البشير، فيما ذكرت مصادر طبية معارضة أن أحد أفراد الجيش السوداني لقي مصرعه متأثراً بإصابته بعيار ناري في تبادل إطلاق النار بين أفراد من الجيش وقوات أمنية، اعتدت فجر أمس على المعتصمين في محيط مقر الجيش منذ ثلاثة أيام. وقتلت قوات أمنية في مكان آخر محتجاً في جنوب الخرطوم، ما جعل أعداد قتلى الاعتصام المستمر في البلاد منذ السبت الماضي ترتفع إلى 8 قتلى، إضافة إلى عشرات الجرحى والمصابين.
وقالت لجنة الأطباء المركزية، في بيان على صفحتها على موقع التواصل «فيسبوك»، إن سامي شيخ الدين، وهو أحد «منسوبي قوات الشعب المسلحة» توفي أمس «متأثراً بجراحه أثناء محاولة الدفاع عن المعتصمين» في تبادل لإطلاق النار مع قوات الأمن. وأوضحت لجنة الأطباء أن إبراهيم عثمان، البالغ من العمر 55 عاماً، قتل في الساعات الأولى من صباح أمس في منطقة يثرب، جنوب الخرطوم، نتيجة إصابته بـ«أعيرة نارية» أطلقتها عليه ميليشيات أمنية.
حشود في الشوارع الرئيسية
في غضون ذلك، قال شهود عيان إن ملايين المحتجين توافدوا مجدداً بأعداد أكبر على منطقة الاعتصام وغطوا مساحة يقدر طولها بأكثر من 6 كيلومترات، في مشهد غير مسبوق في تاريخ السودان، تتجاوز فيه أعداد المنضمين للاحتجاج أرقامها السابقة كل يوم. وشهد شارع «النيل»ـ أحد أهم وأكبر شوارع الخرطوم ويمر بمحاذاة القصر الرئاسي، مظاهرات على السيارات التي تسير بسرعات بطيئة، ويهتف من بداخلها، رافعين علم السودان، «حرية سلام وعدالة الثورة خيار الشعب، جيش واحد شعب واحد»، وغيرها من هتافات الانتفاضة السودانية. وكانت منطقة الاعتصام الواقعة في محيط القيادة العامة للجيش السوداني، قد شهدت في الساعات الأولى من صبيحة أمس، اشتباكات عنيفة بين أفراد تابعين للجيش السوداني مع قوات أمنية حاولت التسلل لفض الاعتصام المستمر منذ يومين بالقوة، ولم تتوفر معلومات رسمية بشأن الحادثة.
وبحسب مشارك في الاعتصام، فإن قوات الجيش التي كانت تحيط بالمعتصمين وتشكل لهم الحماية تراجعت لداخل مقراتها من دون مقدمات، ما أتاح فرصة لرجال أمن في سيارات رباعية مسلحة، ليطلقوا الغاز المسيل للدموع والرصاص باتجاه المعتصمين. وفي الوهلة الأولى، حاول المعتصمون العُزل اللجوء إلى أحد مقرات القوات الجوية، بيد أنها منعتهم قبل أن تسمح لهم بالاحتماء داخل المقر مع وصول القوات الأمنية للمكان وإطلاقها الغاز والرصاص عليهم، ثم سارعت إلى إطلاق الرصاص التحذيري في الهواء، وبادلتها القوات الأمنية إطلاق الرصاص. وسمعت أصوات تبادل إطلاق النار لثلاث مرات في ساعات صباح أمس، وفي كل مرة كانت قوات الجيش تتصدى للمهاجمين مستخدمة الرصاص لتطردهم من محيط القيادة حيث يعتصم المحتجون.
وقال الشهود، إن المعتصمين ساعدوا قوات الجيش على طرد عناصر الأمن، بل واستولوا على سيارة من سيارات مكافحة الشغب وحولوها لمكب للنفايات بعد أن فرغوا إطاراتها من الهواء. وتبادل النشطاء «فيديوهات» حية لثلاث مواجهات بين قوات الجيش، التي يرجح أنها تابعة للقوات البحرية والقوات الجوية، تضمنت مشاهد لإصابة متظاهرين، وشوهد في تلك الفيديوهات القوات وهي تطلق النار مستخدمة الرشاشات الثقيلة «دوشكا» المحمولة على السيارات، إضافة إلى جنود بثياب رسمية وهم يطلقون النار من رشاشاتهم الخفيفة على القوات الأمنية، التي انسحبت بعد فترة من تبادل إطلاق الرصاص. وعقب توقف الاشتباكات تجمع المعتصمون وواصلوا اعتصامهم، وتوجهت أعداد كبيرة منهم إلى مقر القوات الجوية، مرددين هتافات: «جيش واحد شعب واحد، والجيش جيش السودان وما جيش الكيزان (الإخوان المسلمين)»، معبرين عن امتنانهم لتلك القوات التي قامت بحمايتهم.
اعتصام لليوم الثالث على التوالي
وتواصل اعتصام مئات الآلاف من المتظاهرين السودانيين لليوم الثالث على التوالي، أمام مقر قيادة الجيش والشوارع المحيطة بها، ثم تحولت المسيرة التي دعا إليها «تجمع المهنيين» وحلفاؤه في «قوى الحرية والتغيير» لتسليم مذكرة للقوات المسلحة تطالبها فيها بالانحياز لمطالب الثوار، بيد أنها تحولت إلى اعتصام شارك فيه مئات الآلاف من المحتجين. والتف آلاف السودانيين حول «تجمع المهنيين السودانيين»، الذي يقود الاحتجاجات التي اندلعت في البلاد منذ 19 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، للمطالبة بتنحي الرئيس عمر البشير وتكوين حكومة انتقالية. ودرج التجمع المهني على الدعوة إلى مظاهرات في الشوارع الرئيسية والأحياء في الخرطوم ومدن الولايات، لتوصيل ما يسميه «مذكرة التنحي» للرئيس البشير في القصر الرئاسي، لكن قوات الأمن والشرطة كانت تحول دائماً دون وصول المحتجين إلى الموقع.
ومستغلاً مناسبة مرور ذكرى ثورة أبريل (نيسان) 1985 التي أطاحت بحكم الرئيس الأسبق جعفر النميري والتي وافقت السبت الماضي، وجّه «تجمع المهنيين» المتظاهرين إلى القيادة العامة للجيش السوداني لتسليمه مذكرة تطالبه بالانحياز للشعب. وأفلح مئات الآلاف من المتظاهرين في الوصول إلى شارع «الجيش» أمام القيادة العامة، كأول هدف رسمي يصلونه منذ اندلاع الاحتجاجات، ثم تحولت المظاهرة إلى اعتصام أمام بوابات قيادة الجيش، الذي وفر الحماية للمتظاهرين. وحال الجيش طوال الأيام الثلاثة الماضية دون اقتراب قوات الأمن وشرطة مكافحة الشغب من المعتصمين، فاضطرت لإطلاق قنابل الغاز من على البعد، وإطلاق الرصاص الحي عشوائياً على المتظاهرين ما أدى إلى مقتل 8 أشخاص خلال الأيام الثلاثة الماضية. ومنذ بدء الاعتصام درج شباب وشابات يقدر عددهم بالآلاف على المبيت أمام القيادة العامة، وفي الصباح تحتشد الشوارع المحيطة بالقيادة بمئات الآلاف من المتظاهرين، ويبقى بعضهم لما بعد منتصف الليل ليعودوا للنوم في منازلهم والتأهب للعودة في الصباح الباكر.
وبحسب متابعات «الشرق الأوسط» فإن حشودا كبيرة من المتظاهرين توافدت أمس إلى مكان الاعتصام، إثر سماعهم بالاشتباكات بين قوات الجيش والقوات الأمنية، ويمكن تقدير أعدادهم بمئات الآلاف، وذلك بعد نداء وجهه تجمع المهنيين للمواطنين للعودة بكثافة لمقر الاعتصام لدعم المحتجين وتشكيل ضغط إضافي لقوات الجيش حتى لا تتراجع عن مواقفها المساند للمحتجين.
لجنة الأطباء
من جهتها، أعلنت لجنة الأطباء المركزية، وهي عضو رئيسي في تجمع المهنيين السودانيين المعارض، وقف قرارها بسحب الأطباء من العمل في مستشفيات الجيش السوداني المستمر منذ أشهر، ووجهت عضويتها للعودة لمعالجة الحالات الطارئة في تلك المستشفيات، عرفاناً منها بدور الجيش والقوات المسلحة في حماية المعتصمين. وقالت في بيان وزعته أمس: «نظراً لمتطلبات المرحلة، نمد يدنا للشرفاء في القوات المسلحة، ونعلن وقف قرار الانسحاب من مستشفيات القوات المسلحة السودانية كافة، الذي كنا قد أعلناه سابقاً». وتابع البيان: «إن هذه اللحظات التاريخية الوطنية تظل عالقة ومنحوتة في ذاكرة التاريخ لا يصنعها أي فعل قادم سوى أن نكون نحن صناعها وأن نكون جزءاً أساسياً من فعلها، فإن للوطن علينا حقا، نمنحه برضى وفخر». وأضاف: «نخص بالتحايا شرفاء القوات المسلحة الذين يرابطون مع الثوار المعتصمين على الأرض ويفدونهم بأرواحهم ويدافعون عنهم وعن قضيتهم دفاعاً مستميتاً، ونترحم على شهداء الجيش الذين ضحوا دفاعاً عن المعتصمين».
وأشاد تجمع المهنيين، في رسالة إلى ضباط وضباط الصف والجنود الوطنيين في قوات الشعب المسلحة، بوقوفهم إلى جانب الثوار، قائلاً: «نتابع ونثمن ما قمتم به من مواقف مشرفة تجاه حماية المواطنين، ونطالبكم بالتمسك بهذا الدور والسير فيه، وهو دوركم وواجبكم الذي لا زلتم تقومون به، إيماناً منكم بقيم الشرف والوطنية والضمير الحي». وطالب التجمع رجال الجيش بالالتزام بقسم الولاء للوطن والشعب، وقال: «نذكركم بشرف العسكرية وقسمها، الذي أديتموه خدمة للوطن والشعب، وليس لنظام، فما نطالبكم به هو الاتساق مع تسميتكم الرفيعة قوات للشعب».
وحذر التجمع المهنيين مما سماه قرارات متهورة تفتقر للوطنية، وشرف الجندية، يجري الإعداد لتنفيذها، ومحاولات «بعض كبار قادة الجيش لدفع الضباط وضباط الصف والجنود من الوطنيين، إلى التخلي عن حماية المعتصمين في نية مبيّتة للغدر عبر فض الاعتصام بالقوة ليلاً». وشدد التجمع والقوى الحليفة له «من مغبة التلاعب بأرواح وسلامة المواطنين»، وذلك على خلفية ذيوع معلومات أن قيادة الجيش والسلطات الأمنية تسعى لفض الاعتصام عن طريق القوة ليلاً، وهو أمر يمكن أن ينجم عنه حمام دم. وجدد دعوته لتكثيف الحشود أمام القيادة العامة، والمبيت بموقع الاعتصام، و«عدم التراجع حتى النصر. ونناشد الوطنيين من ضباط الجيش والجنود الشرفاء لحماية المواطنين، والالتفاف حول المطالب الشعبية المشروعة». وتهز حركة احتجاجية واسعة السودان منذ 19 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، إذ يتهم المتظاهرون سلطات البلاد بسوء إدارة الاقتصاد، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار في ظل نقص بالوقود والعملات الأجنبية.



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.