«بيت مخلوع النعل»... صورة مجتمع في مرآة الفساد

حمدي عابدين يتذكر «تلك الأزمنة» في روايته الجديدة

«بيت مخلوع النعل»... صورة مجتمع في مرآة الفساد
TT

«بيت مخلوع النعل»... صورة مجتمع في مرآة الفساد

«بيت مخلوع النعل»... صورة مجتمع في مرآة الفساد

يبني الشاعر حمدي عابدين نسقه السردي في روايته «بيت مخلوع النعل» الصادرة حديثا عن دار ميريت، على آلية التذكر، تذكر ما مضى، وما آل إليه من تداع وسقوط، تارة من خلال صوت الأم التي تحكي لابنها، محاولة أن تطلعه على ماضي عائلته وحكايات الأجداد، في بلدته المطلة على النيل بصعيد مصر، وأحيانا على لسان الكاتب الراوي السارد الذي يعثر على صندوق جده بين الحطام والكراكيب مستعينا بما حواه من مذكرات في كشف الغامض والمهمش والمسكوت عنه في سيرة تلك العائلة وما واجهته من صعود وانكسار في واقعها الاجتماعي والسياسي. لذلك يبدو السارد وكأنه عين محايدة، تتخذ من تلك المذكرات قناعا تدير دفة السرد من خلفه، صانعة نوعا من التوازي بين الوقائع والأحداث، وأزمنة حدوثها المفتوحة على قوس تمتد من أربعينات القرن الماضي حيث حرب 48 واستشهاد «فائق» الأخ الأكبر للجد غطاس صاحب المذكرات كبير القساوسة بالكنيسة، مرورا بنكسة 67 وخطاب التنحي الشهير للزعيم جمال عبد الناصر، ثم فترة السبعينات بما شهدته من سياسات الانفتاح العقيمة في عهد السادات، وانتشار مد التطرف السلفي، وبروز جماعات العنف السياسي باسم الدين، وسطوة رأس المال وتفشي الفساد في كل أركان المجتمع ؛ تاركا للمتلقي تصور ما يمكن أن تكون عليه صورة المستقبل لواقع مأزوم وأبطال مأزومين بالضرورة، محاصرين حتى في أحلامهم ورؤاهم، إلى حد الشعور بالاختناق ولا جدوى للحياة.
تطمح لعبة التوازي في أن تجعل السرد مرآة صغيرة تنعكس عليها صورة المجتمع في تلك الأزمنة، وتنجح في تضفير الأحداث والربط بين دلالاتها، وما يحدث من تغيرات عشوائية متسارعة في بنية الواقع، لكن هذا التوازي يخفق أحيانا في سبر الأغوار النفسية للشخوص، فتتسع المسافة بين ما يعتمل في دواخلهم، وما ينتهشهم من شظايا الخارج، ولا يبقى سوى الاستسلام لهذه الشظايا بلا أدنى مبالاة، فيلقى بعضهم حتفه بشكل عبثي، لم يخطر على البال، مثلما حدث لإثناسيوس، الشخصية المركزية في الرواية، فهو بطل هجين، نصفه قبطي، ونصفه الآخر مسلم، وبينما يبدو إثناسيوس على مدار الرواية مشدودا بقوة إلى نصفه الأول القبطي، لأنه الأصل والجذر، يبدو نصفه الثاني المسلم مجرد استعارة باهتة، ابنة مزاج ضال، وفي لحظة فارغة، ليس هناك ما ينميها ويعمقها في نسيج الرواية، وتبرر لجوءه إلى التخلي عن قبطيته وانتقاله للعمل بالقاهرة... فلماذا أسلم إذن مدرس الفلسفة، ما التحولات الفارقة التي عصفت به جسدا وروحا حتى يتخلى عن دينه، ويفشل زواجه، وحبه المستعار أيضا لامرأته المسلمة، لاعبة الجمباز الجميلة زميلته في العمل، حتى يتركها تذهب للمشفى بمفردها لتنجب طفلها الوحيد، جالسا في البيت يعاقر الخمر؟!
لم نر إثناسيوس يقرأ القرآن، أو يصلي في المسجد، بينما ظل قلبه معلقا بجارته «جورجيت» الشابة القبطية، وبعد موته المفاجئ، إثر زواجه المفاجئ أيضا من مديحة الشابة الجامعية المشردة التي جندتها الشرطة لتكتب تقارير عما يحدث في الجامعة، وفي أجواء مقاهي وبارات وسط البلد... يكتشف الابن رسالة غرام حارقة كتبها والده لجورجيت، كان يحملها في حقيبته الصغيرة كتميمة عشق، يواصل قلبه في ظلالها مغامرته البائسة في الحياة.
تضعنا الرواية هنا أمام صندوقين للحكايات، فإضافة لصندوق الجد، ثمة صندوق آخر للأب، ما يجعل الابن المشغوف بحب أمه يتساءل بأسى شفيف على لسان «الكاتب السارد» في (ص132): «ما أدهشني في الأمر، هو أنه تزوج من أمي، وهو يتظاهر بأنه يحبها، فهل تظاهرت هي الأخرى بحبه، أما الأكثر غرابة فقد كان زواجه من مديحة تلك المرأة التي تعيش الآن على سيرة بنات الليل».
يقرأ الابن الرسالة عدة مرات، وتزداد أسئلته وحيرته، ويقرر أن يبحث عن حبيبة والده ويوصلها لها... هنا يشف ملمح أحسب أنه من أهم جماليات الكتابة في الرواية، حيث يتحول السرد إلى طاقة للسؤال والتوق إلى المعرفة والحرية والجمال... يقول الكاتب السارد في الصفحة نفسها (132)، واصفا قراره بتوصيل الرسالة وكأنه لحظة فرح واكتشاف جديد لصورة والده: «ظللت لساعات أفكر في الأمر، بعد أن طرحت الرسالة جانبا، ذهبت لأمي ولم أشأ أن أخبرها بشيء، لكنني قررت فجأة أن أبحث عن جورجيت، وأسلمها خطاب إثناسيوس، رغبة مني في أن أضيء جانبا من جوانب روحه، وأجعله يشعر بقليل من السعادة التي افتقدها بسبب تخليه عن حبيبته، قلت ربما يريحه قليلا وصول الرسالة إليها، وهو في الحياة الآخرة».
المشهد نفسه يتكرر، فلا تكتفي «نجفة» المرأة المتصابية غير المتعلمة تاجرة المخدرات، ببسط نفوذها وسطوتها على المدينة وأهلها، وعلى رجال السلطة والأمن، وشباب الجماعات السلفية، والانتقام من سعد الأفوكاتو، بشراء قصره التحفة الأثرية النادرة وهدمه وتحويله إلى مجموعة من البنايات الشائهة، حتى يهرب من المدينة هو أسرته إلى باريس. لا تكتفي «نجفة» بذلك؛ فقد تعودت أن تشتري كل شيء بأموالها الباذخة، فتقرر الانتقام من عائلة الجد غطاس في ابنته مارثا «الجميلة المثقفة عاشقة الموسيقى، وتنجح في تزويجها من (جالوس) المجرم (صبّاغ الحمير) أحد رجالها الأقوياء، بعد فشل اعتمادها على ابنها (جداوي النطع) الذي طرد من المدرسة، ولا يعرف في الحياة سوى التبول في المكان، والبصق في وجوه الناس»... يكبر جالوس «مارثا» بأكثر من ثلاثين عاما، ومن أجل الزواج تتخلى عن قبطيتها، وتشهر إسلامها، وتنتقل للعيش معه بالقاهرة، ثم تكتشف أنه يعاملها كعبدة، فيصارحها بأنه اشتراها من نجفة بعشرة آلاف جنيه، ثم يتزوج عليها، لتصبح مجرد عبدة لخدمته هو وزوجته.
يوظف الكاتب «مارثا» كأداة للانتقام من «نجفة» تاجرة المخدرات، وعصابتها، فتستغل سكر جالوس وتسجل له كل ما يتعلق بالعصابة، وتسلمه لضابط الشرطة.
تشد الرواية هذا المشهد الواهن إلى معنى أعمق إنسانيا وفنيا، تومض فيه فكره التطهير المسرحي، فمارثا بعد أن سلمت الشرائط، تطالعنا صورتها على هذا النحو كما تصفها الرواية (125): «سارت على الكورنيش، راحت تفرد ذراعيها، تريد أن تعب هواء الكون كله في صدرها، تريد أن تصعد فوق أكتاف المارة وتصرخ، تبعث رسالة مع الريح لأمها، بحروف مبللة بالدموع، تستعطفها وتقبل يديها... أنا مارثا ابنة غطاس يعقوب، تعرفينني يا أمي، لا أريد أكثر من أن تسامحيني».
إنها إذن مصائر متشابكة بين بشر يتشابكون أيضا في المكان، يبحثون عن حلم العدالة النبيلة، لكنهم يفترقون، تحت وطأة عقد النفس وفساد المجتمع، كل يبحث عن عدالته الخاصة، ولو بالتعسف والظلم، يلوذون بالنص كأنه مظلة للاختباء من حياة أضاعوا دفتها، ولم يستطيعوا عيشها بشجاعة، حتى يغادروها بشجاعة أكثر.
فها هو إثناسيوس الذي جعل من المحبة حكمته وضالته، لم يستطع أن يودع أباه إلى مثواه الأخير بعد أن أوصدت أمه الباب في وجهه قائلة له بحدة: «لقد غادرت بيت أبيك حيا، ولا يمكن أن تعود إليه بعد موته... الاختيارات قيود في أعناقنا يا ولد، وليسامحك الله». وها هو الثلاثي المرح وسهراتهم الرائقة الشهية: الشيخ خليفة، الأزهري، عازف العود، مدرس اللغة العربية والدين، في المدرسة الملحقة بالكنيسة، والجد غطاس كبير القساوسة، وسعد الأفوكاتو المستنير المتعلم في باريس... ها هو ينفض في غمضة عين مخلفا سؤالا ممضا، سيظل معلقا في سقف ذاكرة الكاتب السارد، وسيظل يلامسه بحيرة أكثر في كل مرة قائلا (ص95): «لم يعد لدى أبي غير الحكايات القديمة المكرورة، مع سؤال محير، ظل يجلب معه النشيج، والبكاء الحار: لماذا نكره بعضنا، كان أبي يقول: أنا مثلا قدامك أهو مسلم ومسيحي، ومش بكره نفسي، وغطاس كان صديقَه شيخ اسمه خليفة، هل تعرف الشيخ خليفة، كان لا يفارق العود يده، والغناء عن حنجرته، ليه بقى بيكرهوا دول..!».
لا تكمن الإجابة هنا في حلم الجد غطاس، بأنه كان راكبا في عربة قديمة أعطاه سائقها ورقة مكتوبا فيها «مخلوع النعل»، ولا في رفض موثق العقود وسخريته من غطاس بأن يسمي ابنه الوليد «مخلوع النعل» وإنما تكمن في وطن كل يوم تتململ هويته، يحتاج إلى شهادة ميلاد من جديد، يتطهر بها من الفساد، الذي طال الروح والجسد، وهو ما جسدته الرواية بصدق.



من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
TT

من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)

لم يحدث لأحد من الفلاسفة والباحثين، وربما من الشعراء، أن احتفى بالبيوت، في دلالاتها الأكثر عمقاً وقابلية للتأويل، كما فعل غاستون باشلار. ذلك أن الفيلسوف الفرنسي الظاهراتي لم ير إلى البيوت بوصفها هندسة جمالية «موضوعية»، أو وجوداً مادياً لامبالياً بسكانه، بل اعتبرها حاضنة الحياة الأمومية، والحارس الأوفى لخزائن الذكريات، والينبوع المتجدد للألفة الدافئة.

على أن أهل الجنوب اللبناني، الذين اضطرتهم الحروب المتلاحقة والعنف الدموي الإسرائيلي، إلى النزوح المتكرر عن بيوتهم وأماكن سكناهم بحثاً عن ملاذ آمن، لم يكن عليهم قراءة باشلار، لكي يدركوا أهمية تلك الأماكن، التي تركوا في عهدتها مهج قلوبهم، وضوء عيونهم، وأعذب ما ادّخروه لشتاء أعمارهم من الذكريات. ولعل هذا التشبث المرَضي بالبيوت قد وجد ترجمته في إصرار الكثيرين منهم على ملازمة قراهم في أشد الظروف حلكةً، سواء تعلق الأمر بخراب الزراعة وكساد مصادر الرزق، أو بتعاقب الاجتياحات وأهوال الحروب.

اللافت أن أولئك الذين اضطروا لمغادرة بلداتهم باتجاه بيروت والمهاجر البعيدة، بحثاً عن فرص أفضل للعيش، كانوا يضعون في رأس أولوياتهم بناء بيوت لائقة بما كابدوه من مشقات، يحولونها عندما يعودون إلى فسحة هانئة لضغضغة الأيام واستقبال الزائرين، وتزجية المساحة الفاصلة بين الشيخوخة والموت. وإذا كان الشريط الطويل من الفيلات والدور الباذخة، الذي يمتد من الناقورة إلى العرقوب، قد بدا من بعض نواحيه ثمرة اليسر المادي لمغتربي المناطق الحدودية، فإن مبالغة «جنوبيي الجنوب» في الاعتناء المفرط بالبيوت، التي أحاطوها بالحدائق والأسوار، لم يكن سببها التنافس فيما بينهم فحسب، بل لأنهم رأوا فيها المجسمات الرمزية لتشبثهم بالبقاء، وعلامات التحدي المرفوعة بثقة بالغة في وجه الاحتلال.

إلا أن كل ما تحمله الجنوبيون من متاعب، وكل ما فعلوه لتضليل اليأس، وكل احتفائهم الكرنفالي بالنجاة، سرعان ما حولته أسلحة الفتك الإسرائيلي إلى ركام. وحيث حسبوا واهمين أن ما عبر ستة عقود متعاقبة من فظاعات وأهوال كان كافياً لتسديد ما توجب عليهم دفعه من أثمان، فقد بدت الحروب المتعاقبة التي كُتبت عليهم مواجهتها من قبل، مجرد «بروفات» تمهيدية مصغرة للحرب الأخيرة، التي تكفلت خلالها الآلة العسكرية الزاحفة للعدو، بمحو القرى من جذورها، والإجهاز على ما يفصح عنه رمادها المتبقي من مظاهر الحياة.

أما شعار «حرب الحضارة على البربرية»، الذي رُفع قبل سنوات لتسويغ ما لحق بغزة وفلسطين من دمار كارثي، فقد تم رفعه على نحو معدّل، لا بهدف إلحاق الأذى المماثل ببيوت البشر الآمنين ومحاصيلهم ومصادر عيشهم فحسب، بل لكي تسوّى بالأرض، شواهد شديدة التنوع والثراء من تاريخهم القريب والبعيد. والأدلّ على ذلك هو تركيز قادة الاحتلال على أن تحظى المدن والبلدات الأكثر ازدحاماً بالرموز الأثرية، وبيوتات العلم والأدب، كالخيام والنبطية وبنت جبيل وعيترون وصور وعيناثا وغيرها، بالنصيب الأوفر من الاستهداف والقصف التدميري.

وإذا كان التصميم الملح على إسقاط قلعة الشقيف، التي تشرف من مكانها الشاهق على مساحات واسعة من لبنان وسوريا وفلسطين، يمكن أن يجد له مسوغات أمنية وعسكرية، فأي حجة مقنعة يمكن لها تبرير ذلك القدر من العنف الهمجي، الذي يراد منه اقتلاع شعب بأسره من جذوره، وتسليمه للعراء الكوني.

ففي مدينة الخيام، التي يربو عدد سكانها على ثلاثين ألفاً، لم تكن البيوت المغضية بخوف على حيوات سكانها، هي التي تعرضت للقصف، بل إن الوابل المتلاحق لنيران الاحتلال راح يطول في الآن ذاته معتقل المدينة الشهير، ومؤسساتها التعليمية، ودور عبادتها، ومراكزها الفكرية التنويرية، إضافة إلى ما خلّفه أهلها من الذكريات، ورساموها من الألوان، وشعراؤها من نثار الاستعارات ومسوّدات القصائد.

أما مدينتا النبطية وبنت جبيل، وهما الحاضنتان الأكثر عراقة لتاريخ جبل عامل وثقافته وذاكرة بنيه، فقد تعرضتا بدورهما لقدر غير مسبوق من التدمير الاستئصالي، حيث لم تكتف القوات الزاحفة شمالاً، بتحويل الأسواق الشعبية القديمة في كلتا المدينتين إلى ركام، بل راحت تستهدف في الوقت نفسه المراكز الثقافية والمؤسسات الصحية، والأبنية التراثية ذات التصاميم الجمالية اللافتة، التي حوّلها أصحابها إلى مزارات.

ولم يكن حظ مدينة صور الساحلية من القصف والتدمير أفضل من حظ شقيقاتها الأخريات. وحيث لم يشفع لها أن يكون ملكها الفينيقي حيرام، قد أسهم قبل ثلاثة آلاف عام في بناء هيكل سليمان، ولا شفع لها وضعها من قبل اليونيسكو على لائحة الأماكن التراثية والثقافية العالمية، فإن من نصّبوا أنفسهم حماةً للحضارة، لم يجدوا أي حرج يُذكر في قصف أحيائها ومدارسها، وأبنيتها المملوكية، وصولاً إلى آثارها العريقة التي يعود تاريخها إلى العصرين الفينيقي والروماني.

كما أن حرص الإسرائيليين على هدم الفواصل الطبقية والاجتماعية بين ضحاياهم، هو الذي دفعهم على الأرجح إلى جعل الجميع سواسية، في الميزان العادل لحديد المجنزرات وقنابل الطائرات المغيرة، حيث لا فرق في منسوب التدمير ومعدلاته، بين غني وفقير، «متورط» وبريء، مغترب ومقيم، مثقف وأمي. لا بل إن اللافتات المختلفة التي خيضت باسمها الحرب، عادت لتجد في استهداف بيوت المثقفين الجنوبيين ومكتباتهم ومساقط إبداعهم براهينها المثلى ودلالاتها الساطعة.

وإذا كان المجال لا يتسع لتعداد ضحايا الشغف الإسرائيلي بالثقافة وأهلها، من المبدعين الجنوبيين، فيكفي أن أذكر في هذه العجالة المنزل المتميز في هندسته وجماله المعماري لسعد الزين، والمنازل المشابهة لآل الزين في النبطية، التي أزالها المحتلون مع مقتنياتها الثمينة من الوجود. وأن أذكر الدارة الأنيقة التي بناها الفنان عبد الحميد بعلبكي في بلدة عديسة الحدودية، وأرادها أن تكون منزلاً لسكناه ومتحفاً للوحاته، قبل أن تحولها الطائرات إلى كومة من الأنقاض. وأن أذكر كتّاباً ومفكرين كثيرين، خسروا منازلهم ومكتبات بيوتهم على نحو مشابه، كما حدث لعبد الكريم قبلان في عيترون، ولعون جابر وأحمد بيضون ومنذر جابر في بنت جبيل.

ومع أن الوقت لا يزال مبكراً قليلاً على تتبُّع انعكاس ذلك الهول الأبوكاليبسي، في لوحات الرسامين وأعمال الروائيين وقصائد الشعراء الجنوبيين، فإن وسط سيل الكتابات التي تم ارتجالها على عجل، ثمة نصوصاً ولقىً وشذرات، استطاعت أن تعكس بما تختزنه من قوة العصب وسداد الرؤية، الكثير من الملامح التراجيدية الملحمية لواقع الجنوب الراهن، وبينها قصيدة «البيوت»، التي أهداها عباس بيضون إلى صديقه المؤرخ منذر جابر، وجاء فيها:

البيوت لا تموت مرة واحدة

إنها تعيش بالساعة

ذاكرة هائلة لكنْ أيضاً عجلةٌ للنسيان

تحفظ بالدقائق وتنسى بالأيام

نصل إليها أرواحاً

وسرعان ما نذوب في الهواء

ولعل أفضل ما أختم به هذه المقالة هو مقطع معبّر من قصيدة «بيت الريح» للشاعر الفرنسي لوي غوليم، الذي بدا لقوة بصيرته، ورهافة إصغائه إلى المستقبل، وكأنه يحدس بالمآلات المأساوية لبيوت أهل الجنوب، التي حوّلها فولاذ الضغائن الوحشي إلى أثر بعد عين، فهتف بلسان كل واحد من أهلها النازحين:

«طويلاً بنيتك أيها البيت. مع كل ذكرى أحمل الحجارة من الأرض، حتى أعالي جدرانك. لقد رأيت سطحك يصقله الزمن، متغيراً كالبحر، يرقص على خلفية من الغيوم. يا بيت الريح، أيها المأوى الذي أزالته نفخة واحدة»!


جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
TT

جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن

يحتلّ قصير عمرة موقعاً استثنائياً في خريطة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في صحاري بلاد الشام، وتتمثّل أهميّته بالدرجة الأولى في لوحاته الجدارية التي تمتدّ على جدرانه وسقوفه، وتشكّل أكبر برنامج تصويري معروف في العالم المتوسّطي القديم. يجمع هذا القصير بين مجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، وحمّام تقليدي كبير مؤلَّف من ثلاث غرف، تمثل تباعاً قاعة المدخل، والقاعة الرطبة، والقاعة الحارة. تزيّن سقف القاعة الأولى جدارية تأخذ شكل شبكة تشكيلية عريضة تحتلّ وسطها ثلاثة وجوه آدمية تظهر في وضعيّة المواجهة، كأنّها تحدّق بعيونها الشاخصة في الناظر إليها.

تجمع هذه الشبكة بين الإطار الهندسي والعناصر التصويرية المتعدّدة، وتمتد على مساحة السقف المقبّب، بحيث تشكّل مساحتين مقوّستين.

يعتمد هذا التأليف وحدة هندسية ثابتة تُعرف في قاموس الهندسة الرياضية باسم «مُعَيَّن»، وهي وحدة بسيطة لها أربعة أضلاع متساوية الطول، قطراها متعامدان ومتناصفان. تحضر في وسط هذا الشبكة ثلاث قامات نصفية، تحتل كلّ منها خانة مستقلة. تحلّ هذه الوجوه في ترتيب عمودي متين، ويظهر في الأسفل وجه شيخ بلحية بيضاء، يعلوه وجه امرأة نضرة، ثمّ وجه شاب أمرد. حافظت هذه القامات على ملامحها بشكل شبه كامل، واستعادت بريقها الأول إثر عملية التنقية والترميم التي قام بها فريق إيطالي في الموقع خلال عام 2010.

يغلب على هذه الوجوه الطابع الكلاسيكي، كما يشهد أسلوبها الذي يحاكي المثال الحي، ويجمع بين التجسيم والتظليل في تحديد ملامح كل منها. يظهر الشيخ الجليل بلحية بيضاء طويلة تبلغ أسفل الرقبة. وتبدو جبهته عريضة، وأعلى رأسه أصلع، مع كتلة صغيرة من الشعر، تحيط بها خصل عريضة تلتف حول الوجه. العينان واسعتان، ويعلوهما حاجبان عريضان مقوّسان، صيغتا باللون الأسود. بؤبؤ العين محدد بدقة، كذلك الحدقة والجفن والأهداب. الأنف هرمي، وعناصر تكوينه محدّدة بدقة بالغة. الأذنان ظاهرتان، ومكوّناتهما واضحة كذلك. صدرُ هذا الشيخ عارٍ جزئياً، ويعلوه معطف ينسدل على الكتف اليسرى. الجزء الأسفل ممحوّ، ويوحي ما تبقّى منه بحضور يد تقبض على رمح طويل، ظهر طرفه الأعلى كاملاً في الجانب الأيسر من الصورة. تحتل هذه القامة خانة بيضاء مجرّدة، يزيّنها غصنان مورقان متواجهان يحيطان بذراعَي الشيخ.

تحضر فوق قامة هذا الشيخ قامة أنثوية تقف في وضعيّة مشابهة. الأسلوب واحد في تجسيم الملامح، مع بقعتين باللون الأحمر الخمري تستقران على الوجنتين المكتنزتين. تكلّل الرأس كتلة من الشعر الكثيف تنسدل خصله على الكتفين، مع فارق نصفي في الوسط. ترتدي هذه المرأة ثوباً عسلياً تعلوه بطانة حمراء عريضة تنعقد حول الكتفين، وتزيّن هذه البطانة شبكة زخرفية، تجمع بين أزهار محوّرة تتألف كل منها من أربع بتلات متساوية. تظهر اليد اليمنى في أسفل الخانة، وتقبض شتلة تعلوها كوكبة من البراعم البيضاء. تزيّن هذه الخانة كرمة تتألف من غصنين مورقين يستقران فوق هامة هذه القامة الأنثوية، ويتدلّى من كلٍّ من هذين الغصنين عنقود من العنب الأحمر حُدّدت حبّاته المرصوفة بدقّة.

تعلو هاتين القامتين قامةٌ ثالثة تمثّل شاباً في مقتبل العمر، تُكلّل وجهه خصل من الشعر تنسدل على طرفي الخدين. يرتدي هذا الفتى الأمرد لباساً أرجوانياً تعلوه بطانة على شكل مربّع تحيط بصدره، ويرفع بيده اليمنى عصا نحيلة طويلة تمتدّ في الأفق. يُزيّن هذه الخانة غصنان متقابلان ومتواجهان، كما نرى في خانة الشيخ الجليل. تحتلّ هذه الوجوه الثلاثة وسط السقف المقبّب، وتحدّ خاناتها الثلاث سلسلة من الخانات المتشابكة، تزيّنها عناصر تصويرية متعدّدة الأشكال، تحضر وسط أغصان مورقة تلتف في الأفق المجرّد.

يظهر من جهة غزالان، كل منهما في خانة مستقلّة، ويظهر في الجهة المقابلة كذلك غزالان، يتبعان تقسيماً تعادلياً مشابهاً. لا تتماثل هذه الغزلان إطلاقاً، إذ يحضر كل منها في وضعية خاصة به. يظهر من جهةٍ غزال في وضعية جانبية، يحني رأسه في مواجهة غزالٍ يدير برأسه نحو الخلف. في الطرف المعاكس، يظهر غزال يحني رأسه نحو الأرض كأنه يقتات من العشب، ويقابله غزال يعلو رأسه قرنان طويلان، يحدّق في وضعيّة المواجهة.

تتشابك هذه الخانات الأربع بست خانات تحوي صوراً مغايرة. يَظهر من جهةٍ دبٌّ على طاولة صغيرة، حاضناً عوداً يعزف عليه بأنامل قائمتيه الأماميتين. في مواجهة هذا العازف، يَظهر قردٌ منتصباً، رافعاً قائمتيه الأماميتين نحو الأعلى، كأنه يُصغي إلى عزفه. من خلف هذا القرد، يقف فتى يرفع يده اليمنى نحو رأسه، ويده اليسرى نحو صدره، كأنه يشارك في هذه الوصلة. في الجهة المعاكسة، تحضر ثلاث خانات تختزل كما يبدو وصلة عزف أخرى، وفيها يحضر فتى يقف منتصباً وهو يعزف بمزمار يحمله بين يديه المرفوعتين، وتحضر في مواجهته صبية تتمايل في وضعية راقصة، ويحضر في الخانة الأخيرة فتى يرافقها في هذه الوصلة.

تكتمل هذه الشبكة مع أربع خانات تسكن كلا منها بهيمة حيّة. يظهر من جهة ابن آوى يحدّق في اتجاه غزال يحني رأسه أرضاً، ويظهر في الطرف المعاكس غزال ينظر إلى الخلف، وغزال يقفز نحو الأمام. تحد هذه الشبكة الكبيرة سلسلة من المثلثات، تسكنها طائفة من الطيور والحيوانات المتنوّعة، ضاع أثر بعض منها. يظهر في الطرف العمودي نمس وأفعى وسنجاب، وتقابلها في الطرف المعاكس ثلاثة كائنات انمحت أشكالها كلّياً. في الطرف الأفقي، تظهر أربعة طيور مائية، منها البجع والإوز، وتقابها في الطرف المقابل مجموعة مشابهة من الطيور.

تجمع هذه الشبكة الأموية بين عناصر متعدّدة مستمدّة من قاموس الفن المتوسّطي، وتشكّل في هذا السياق امتداداً حيّاً لهذا الفن الذي ازدهر في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى. ورث الفن الأموي المدني تقاليد هذا القاموس الراسخة، وأعاد قولبتها في مكوّنات مبتكرة، تشهد لاستمراريتها طوال القرن الثامن. تتجلّى هذه الاستمرارية في جداريات قصير عمرة، كما تتجلّى في أعمال فنية أخرى خرجت من قصور أموية أخرى، كشفت عنها حملات التنقيب في صحاري بلاد الشام الواسعة خلال العقود التي تلت اكتشاف القصير الأردني.


«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز
TT

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

ينتقل الكاتب والمؤلف المسرحي ماجد الخطيب، في عمله المسرحي الجديد «الطرف الثالث - في قطار الشرق السريع» (دار السرد)، هو الثاني عشر له، من نمطه المفضل في الكوميديا السوداء إلى كوميديا التقليد الساخر (Parody). وهو يستقطب انتباهنا عن طريق المفردات والتعابير ثنائية المعاني، وأحياناً المتعددة، على صعيد العنوان والشخصيات والأحداث.

العنوان الرئيسي «الطرف الثالث» له دلالته ومغزاه في المخزون الثقافي العراقي، حين ألقت السلطات العراقية مسؤولية قتل مئات المتظاهرين، وجرح الآلاف في انتفاضة تشرين 2019، على «طرف ثالث».

أما العنوان الفرعي، فهو يشير إلى رواية «جريمة في قطار الشرق السريع» لأغاثا كريستي، التي استوحى منها الخطيب مسرحيته الجديدة، كما هو مثبت على الغلاف الداخلي: هي «مسرحية بوليسية ساخرة من وحي أغاثا كريستي». كأن المؤلف يخاطب من جديد مخزوننا الثقافي «البوليسي» القديم تاركاً لمخيلتنا حرية التفاعل المتبادل بين جريمتي القطارين.

يحافظ الخطيب على هذه الثنائية طوال أحداث وسطور نصه الدرامي في اختياره لإطار العمل وطبيعة شخصيات المسرحية، حيث يبقي على الأحداث جغرافياً في قطار الغرب، وتجري وتتنقل الأحداث، كما في عمل أغاثا كريستي، بين مختلف غرف وقاعات القطار.

كما أنه، رغم المحتوى الضاحك، يستخدم التصاعد التدريجي للحدث وتراكم الإشارات والمعلومات إلى لحظة الكشف النهائية عن ملابسات الجريمة، كما هي الحال في أعمال كريستي البوليسية. وإلى أن يبلغ الكاتب هذه الذروة يفاجئ القارئ والشخصيات على حد سواء بنتائج التحقيق.

أما الجانب الآخر للثنائية في العمل، فنجده في اختياره للشخصيات. فهو يستعير من كوميديا بلاك إدواردز وبيتر سيلرز في سلسلة أفلام «النمر الوردي» شخصية «المفتش كلوزو»، كما جسدها سيلرز. ونجدها ثانية في طريقة كتابته للمشاهد مستخدماً «كوميديا الموقف» ومضيفاً لها، على طريقة «سيلرز»، الهفوات أو «الإفيه»، كما تسمى في المسرح المصري.

تدور أحداث مسرحية «الطرف الثالث» حول رئيس الوزراء «لوستيت»، وبعض وزرائه، وهم يرافقون المدعو «رايتهاند»، المتهم بالإرهاب، إلى محكمة لاهاي الدولية في هولندا. وتجري هذه الأحداث في عربة الدرجة الأولى في قطار الغرب السريع (يوروستار) الذي يربط بين لندن وباريس في نفق يمر تحت بحر المانش. يتعرض رايتهاند للقتل في عربة الدرجة الأولى والقطار تحت المياه الإقليمية الفرنسية. يؤكد الوزراء براءتهم من الجريمة ويدّعون بوجود «طرف ثالث» نفذ الجريمة. لكن المفتش الشهير «كلوزو»، الذي يستدعى للتحقيق في الجريمة، يثبت خطل نظرية «الطرف الثالث».

لم يركز الخطيب هنا على تطوير شخصيات العمل درامياً إلا بما يسمح بتطوير الأحداث رغم اهتمامه بتوصيفاتهم و«وظائفهم» الدرامية من خلال تحديد مواقعهم الشخصية. واختار البناء الدرامي الكلاسيكي الذي يعنى بالحبكة وتفاعلها بشكل تصاعدي، بحيث تتراكم الأحداث بتتابع يؤدي إلى نقطة الذروة وانكشاف الحدث النهائي. ويطرح حل لغز الجريمة - في إطار معروف ومتداول في روايات وقصص الجريمة والغموض «البوليسية» مثل أعمال أغاثا كريستي والأعمال الدرامية أو أفلام أو مسلسلات الجريمة والغموض مثل أعمال بلاك إدواردز الكوميدية أو سدني لوميت الجادة وغيرهما.

صدرت المسرحية عن دار «السرد»، قطع متوسط، في 87 صفحة. وكانت لوحة الغلاف للفنان العراقي طه سبع.