التسوية الرئاسية تتعثّر... و«سيدر» ينتظر وفاقاً لبنانياً

وسط اتهامات لباسيل بالتصرف طليق اليدين بلا ضوابط

TT

التسوية الرئاسية تتعثّر... و«سيدر» ينتظر وفاقاً لبنانياً

ما زالت التسوية التي توصّل إليها رئيس الحكومة سعد الحريري مع العماد ميشال عون وأدت إلى انتخاب الأخير رئيساً للجمهورية تتموضع في منتصف الطريق وتتأرجح بين هبّة باردة وأخرى ساخنة رغم أنها أنهت الفراغ في سدة رئاسة الجمهورية وقطعت الطريق على انهيار البلد وأعادت انتظام مؤسساته الدستورية من دون أن تخطو بخطوات سريعة في اتجاه إنقاذه على مراحل من أزماته الاقتصادية والاجتماعية بسبب التباطؤ في توفير الشروط والاستجابة لما ورد في مقررات مؤتمر «سيدر» التي تؤسس للانتقال به تدريجياً إلى بر الأمان.
فالمسؤولية لا تقع على عاتق الرئيس الحريري الذي قدّم التضحية تلو الأخرى على طريق إنقاذ البلد في مقابل عدم معاملته بالمثل من «التيار الوطني الحر» الذي ما انفك يتعامل معها على أنها الطريق المؤدية إلى إلغاء خصومه في الساحة المسيحية وتقليص نفوذ الآخرين بذريعة استعادته لحقوق المسيحيين.
ومع أن الرئيس الحريري ليس في وارد الدخول في صدام مع الرئيس عون ويحرص على اتّباع سياسة الصبر، نافياً كل ما يقال عن وجود خلاف بينهما، فإن رئيس «التيار الوطني» وزير الخارجية جبران باسيل لا يتصرّف لإنجاح هذه التسوية وتنقيتها من الشوائب وهو لا يزال ينطلق من حسابات سياسية خاصة به، وإلا لماذا كل هذا الودّ الذي يسود علاقته بالآخرين باستثناء «حزب الله».
وفي هذا السياق، ينقل وزراء عن عدد من سفراء الاتحاد الأوروبي المعتمدين لدى لبنان، توجّسهم من السياسة التي يتّبعها باسيل على المستويين الداخلي والخارجي، ويتصرف وكأنه طليق اليدين وأن ليس هناك من يضبط أداءه الذي يتسبب في إحراج الحكومة من خلال التفافه على سياسة النأي بالنفس التي التزمت بها في بيانها الوزاري وبعضها لا يلقى أي تأييد من الرئيس الحريري الذي وإن كان يفضّل عدم الدخول في السجالات الداخلية ويحصر اهتمامه بتحضير البلد ولو متأخراً للإفادة من مؤتمر «سيدر» الذي رسم خريطة الطريقة للنهوض به من أزماته الاقتصادية والاجتماعية.
ويحاول الرئيس الحريري بكل ما أوتي من إمكانات وصلاحيات توفير الحماية للتسوية السياسية التي مهّدت الطريق مع قوى أخرى لانتخاب عون رئيساً للجمهورية بخلاف ما كان أعلنه الوزير باسيل من أنه لولا «حزب الله» لما انتخب رئيساً، رغم أن قوله هذا يدعم مقولة جهات إقليمية ودولية بأن الحزب يسيطر الآن على لبنان.
فوجود الرئيس الحريري على رأس حكومة العهد الأولى كما يقول الرئيس عون وفريقه السياسي لم يبدّل كثيراً من واقع الحال الذي كان سائداً خلال وجوده على رأس الحكومة التي شُكّلت فور انتخاب عون رئيساً باستثناء إقرار قانون انتخاب جديد اعتمد النظام النسبي وكان من نتائجه التي لم تفاجئ الرئيس الحريري حسم عدد من المقاعد من حصته النيابية لأن ما كان يهمّه هو إعادة الحياة السياسية إلى البلد.
وفي المقابل فإن الوزير باسيل الذي يسعى لتوظيف إمكانات الدولة لخدمة طموحاته الرئاسية لم يبدّل من سلوكه الذي اعتمده قبل إسناد رئاسة الحكومة إلى الحريري رغم أنه على تواصل معه، من دون أن ينسحب هذا التواصل على الشارع الذي يدين بالولاء لزعيم تيار «المستقبل».
لذلك يحاول الحريري منع سقوط الهيكل لأن سقوطه «لا سمح الله» لن يقتصر على فريق دون الآخر وهذا ما لا يأخذه باسيل بعين الاعتبار، وإلا لماذا أطاح بإعلان النيات الذي أبرمه العماد عون قبل انتخابه رئيساً مع رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، إضافة إلى أن تفاهمه مع «المستقبل» يتعرض من حين لآخر إلى اهتزاز رغم أن الحريري يحاول أن يمنع العبث به.
ورغم السياسة الإلغائية التي تتحكّم بسلوك باسيل في الحكومة وخارجها، فإن الأخير يتعامل مع التعيينات الإدارية على أنه «الممثل الشرعي الوحيد» للمسيحيين ويريد السيطرة عليها، مع أن تياره السياسي لم يحصد أكثر من 32 في المائة من أصوات الناخبين المسيحيين في الانتخابات النيابية الأخيرة. كما أن علاقته برئيس المجلس النيابي نبيه بري تقوم على «القطعة» وهذا ما يفسّر تأرجحها وعدم استقرارها، ولا تقع المسؤولية على الأخير بمقدار ما أنها تعود إلى رغبة الوزير في «تنعيم» مواقف الآخرين لعله يدفع بحليفه «حزب الله» بأن يمنحه الأفضلية في منافسته على رئاسة الجمهورية مع زعيم تيار «المردة» الوزير السابق سليمان فرنجية ظنّاً منه أنّ تفوقه عليه سيقود حتماً إلى كسب تأييد النظام في سوريا له ومن خلاله محور «الممانعة».
ولهذا، يضع باسيل كل اللوم على الآخرين ويحمّلهم مسؤولية إعاقة قيام مشروع الدولة وإطلاق المشاريع التي تنقل لبنان من التأزّم إلى الانفراج، وهو يقدّم نفسه على أنه يشكّل رأس حربة لمكافحة الفساد وهدر المال العام مع أن تياره السياسي تسلّم وزارة الطاقة منذ عام 2010 من دون أن ينجح في إعداد خطة للكهرباء لا تقوم على الحلول المؤقتة من خلال استقدام البواخر لتوليد الكهرباء.
والأنكى أن باسيل دعا، في اللقاء الذي جمع تياره السياسي والحزب «التقدمي الاشتراكي» في كنيسة سيدة التلة في بلدة دير القمر الشوفية وفي حضور رئيسه وليد جنبلاط، للانضمام إلى التفاهمات التي عقدها «التيار الوطني» مع عدد من القوى السياسية، لكنه سارع إلى إحباط دعوته بقوله في اللقاء إنه وضع إكليلاً من الورد على أضرحة شهداء عام 1840 في إشارة إلى الحرب التي دارت بين المسيحيين والدروز والتي بلغت أشُدّها عام 1860.
إلا أن جنبلاط تجنّب الرد عليه لأن ما يهمّه تكريس المصالحة في الجبل والتي كان رعاها البطريرك الماروني السابق نصر الله بطرس صفير ولم يعترف بها باسيل واعتبرها منقوصة لعدم مشاركة «التيار الوطني» فيها.
وحده رشيد جنبلاط ردّ على باسيل، وهذا ما دفع ببلدية دير القمر إلى إصدار بيان وكأن اللقاء في سيدة التلة لم يحصل، وهذا ما يرتد سلبا على المصالحة ويعيد الاحتقان، مع أن جنبلاط هو ابن خال النائب طلال أرسلان وتربطه علاقة وطيدة برئيس حزب «التوحيد العربي» الوزير السابق وئام وهاب، وبالتالي لا يمتّ بأي صلة حزبية لـ«التقدمي الاشتراكي».
ولم يبق الردّ في هذا الإطار بل سارع وزير المهجرين غسان عطا الله - التيار الوطني - إلى القول إن المسيحيين يخشون تمضية الليل في بيوتهم في الشوف وعالية، مع أن عطا الله كان وراء التحضير للقاء الذي استضافته كنيسة سيدة التلة.
وعليه، هل بهذه المواقف يمكن دعوة «التقدّمي» للانضمام إلى التفاهمات التي عقدها «التيار الوطني» والتي لم يصمد منها سوى تفاهمه مع «حزب الله»؟ وما الغاية من محاولة الوزير عطا الله تنظيم لقاء متلفز في مقام النبي أيوب في بلدة نيحا الشوفية اضطر إلى صرف النظر عنه لعدم استجابة مشيخة العقل في طائفة الموحّدين الدروز التي أبلغته ترحيبها بزيارته لهذا المقام من دون همروجة متلفزة؟
لذلك، فإن باسيل من وجهة نظر وزراء هم على خلاف معه، لا يتناغم إيجاباً مع كل ما هو مطلوب لوقف هدر الوقت الذي يعيق توظيف لبنان لمقررات «سيدر» في خدمة الجهود الرامية لمساعدته للنهوض من أزماته الاقتصادية. ويقول هؤلاء إن باسيل يتحرّك على موجة أخرى ويخطّط منذ الآن لخدمة طموحاته الرئاسية، وبالتالي فهو يقدّم نفسه على أنه وزير الوزراء، رغم أن الحريري يسعى لاستيعابه للحفاظ على الاستقرار وبغية تمكين الحكومة من اجتياز الاختبار الذي تخضع لتأديته أمام «سيدر» بنجاح ما يضع البلد على خانة تجاوزه للأزمات التي يبحث عن حلول لها.
ويتساءل هؤلاء عن الجدوى من قول باسيل في المهرجان البلدي البيروتي الذي نظّمه له «التيار الوطني» أول من أمس، إن بيروت ستبقى واحدة موحّدة لكل لبنان لكن لا مانع من تقسيمها انتخابياً وبلدياً ومالياً، وهل يمضي قدماً إلى تحقيق اللامركزية السياسية إنما بغطاء إداري!
فهل يخدم باسيل التوجّه للإفادة من «سيدر» الذي كان للحريري الدور الأول في انعقاده وهو مطالب من المجتمع الدولي بإنقاذه لأنه المؤتمن عليه؟



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».