ألبير كامو ورينيه شار... مساحات مشتركة بين عملاقين

دار «غاليمار» تجمع رسائلهما المتبادلة

ألبير كامو ورينيه شار... مساحات مشتركة بين عملاقين
TT

ألبير كامو ورينيه شار... مساحات مشتركة بين عملاقين

ألبير كامو ورينيه شار... مساحات مشتركة بين عملاقين

كان الكاتب والمفكر الفرنسي ألبير كامو، الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1957، يقاسي من ندرة الأصدقاء، ويعاني من الخيبات المتتالية التي تسبب بها من كان يعدهم أصدقاءه، ويقول: «الصديق هو الذي يصل عندما يكون الجميع قد ذهبوا». ولأن كامو لم يكن إنساناً عادياً بأي معيار، كان من الصعب جداً أن يقيم صداقات تصمد في وجه الزمن الذي يعري الحقائق، وتنحل في مائه الأوهام.
لكن ثمّة صداقة في حياة صاحب «الغريب» و«الطاعون» شذّت عن هذه القاعدة، واستمرّت منذ نشأتها في عام 1946 حتى وفاته في حادث سيارة، عندما كان عائداً إلى باريس مطلع عام 1960؛ إنها الصداقة التي ربطته بالشاعر الكبير رينيه شار الذي يقال إنه نام ذات ليلة في خريف 1982 مع جائزة نوبل، ليستفيق في اليوم التالي وقد «اختطفها» منه غابرييل غارسيا ماركيز.
أربعة عشر عاماً من الصداقة الوطيدة التي كانت تترسّخ يوماً بعد يوم، كما تشهد المراسلات التي جمعتها دار «غاليمار» التي كان كامو يتولّى رئاسة تحريرها، عندما نشر أوّل ديوان وضعه شار خلال انخراطه في المقاومة المسلّحة ضد الاحتلال النازي. أكثر من مائتي رسالة تشهد على أن الأخوّة ممكنة بين المبدعين، وتنفي القول بأن الصداقة بين أهل الفكر لا يمكن أن توجَد خارج أعمالهم، وتدحض الاعتقاد السائد بأن قراءة مراسلات الكتّاب غالباً ما تؤدي إلى الخيبة.
يقول رينيه شار إن أوّل عهده بألبير كامو كان خلال وجوده مع المقاومة الفرنسية، عندما أهداه أحد الأصدقاء نسخة من «الغريب»، لكن الظروف يومذاك «حالت دون أن أخصّص ما يكفي من الحلم لقراءة تلك الرواية التي لم تترك عندي عميق الانطباع».
قبل اللقاء، كان شار وكامو ينسجان على المنوال السياسي نفسه في الجبهة المناهضة للفاشيّة والنازيّة والاستعمار الفرنسي في الجزائر، حيث كان يعيش كامو ويكتب في صحيفة «الجزائر الجمهورية»، قبل أن يضطر للمغادرة منفياً بسبب مواقفه وأفكاره. وفي الجزائر، انضمّ كامو إلى الحزب الشيوعي الفرنسي عام 1935، لكن ما لبث أن تركه عندما قرّرت قيادة الحزب أن النضال ضد الاستعمار لم يعد بين أولوياتها.
كان كامو وشار يجتمعان على استحالة الفصل بين الالتزام السياسي والاجتماعي من جهة، والإنتاج الفكري والفني من جهة أخرى. «ليس في الظلماء مكان للجمال؛ كل المكان هو للجمال»، كان يقول شار، ويردّ عليه كامو بقوله: «قبل النبع، ثمّة أرض يتبجّس منها النبع، وينثال فيها الماء».
الكتابة لم تكن ولادة طبيعية عند أي منهما، وكان لا بد لها، في عنف صيرورتها واجتثاثها من رحم المخاض، من مجاورة أولئك الذين ينطقون بلغة الشعر، والذين يسمّيهم شار «الشفّافين». كلاهما كان يعيش في وحدة ذاتية عميقة، تولّدت منها صداقة راحت تتكشّف عن مساحات مشتركة بين مفكّرَين عملاقين يختلفان كثيراً عن بعضهما، لكنهما يترافدان في ذلك «الجدول الذي يسري تحت الأرض»، فتتجاوز الصداقة الحدود الفردية، وتتسّع أمامها مساحات الإبداع. صداقة معجونة بماء الإعجاب والمعرفة، تحترم وحدة المبدع وتصونها، رغم أن «الرغبة في كتابة الشعر لا تتحقّق إلا بقدر ما يولد هذا الشعر من أفكار ومشاعر تتفتّح بجانب حفنة نادرة من الرفاق»، كما يقول شار في إحدى الرسائل.
تذكر كاترين، ابنة كامو التي حفظت الرسائل وساعدت على نشرها، كيف «كانت زيارات شار إلى منزلنا تحمل البهجة التي تطفح بها تلك الشخصيّة الودودة، وتملأ المكان بالمرح والحياة». في الظاهر، لم يكن ثمّة ما يجمع بين الاثنين سوى ذلك الانتماء العميق إلى المتوسط، إلى «الجنوب الذي تعتمل بين ضفافه كل الأحزان». كان شار شاعراً فذاً «في مصاف رامبو وآبّولينير»، كما كان يقول كامو، وصديقاً للسورياليين وهايديغير، ترك المدرسة باكراً، وانصرف إلى المغامرات والأعمال التي كان يديرها والده في أسرة معروفة ميسورة. أما كامو الذين كان مدمناً على القراءة والكتابة منذ صغره، وعبقرياً في كل ما أنتجه من روايات ومسرحيات ومقالات، فقد وُلد في عائلة فرنسية فقيرة في الجزائر التي كانت خاضعة للاستعمار الفرنسي، وكان متفوقاً في كل مراحل دراسته، ولافتاً لأنظار أساتذته وغيرة رفاقه الذين كان يجد صعوبة في التعايش معهم.
المراسلات التي تبادلها كامو وشار طوال عقد ونصف تحمل صورة مجتزأة عن تلك الصداقة التي تجاوزت التواصل الكتابي، وكانت تدور في المقاهي واللقاءات الطويلة والنزهات الريفية والرحلات الكثيرة بين باريس ومسقط رأس شار، حيث اشترى كامو منزلاً له بعد فوزه بجائزة نوبل. لكنها أكثر من مجرد قطعة أثرية جميلة يتهافت عليها عشاق هذين المبدعَين، ويغوص في ثناياها الاختصاصيون، بل هي الرواية التي كان الاثنان يحلمان بكتابتها معاً، ومعاهدة في الصداقة قلّ نظيرها في الأدب العالمي.
ويتضّح من هذه المراسلات أن شار كان الطرف الرائد في تلك الصداقة، فهو كان أكبر سناً من كامو الذي كان يشعر تجاهه بمزيج من المودة والاحترام والإعجاب، كان يتحوّل إلى ما يشبه السلطة التي نادراً ما تنضح من الرسائل التي غالباً ما كانت توحي بالعكس، كتلك التي يكتب فيها شار: «ألبير، أنت من القلّة النادرة من الناس الذين أكِّن لهم المحبّة والإعجاب في آن معاً». وفي كلام ماري كلود، أرملة شار التي ساهمت هي أيضاً في نشر الرسائل، ما يؤكّد ذلك عندما تقول: «كانت صداقة شفّافة صادقة، كما لو أنها من زمان مضى. لا سخرية فيها ولا محاباة، ولا مشاعر مبتذلة، كلاهما كان يأخذ الحياة والفكر على محمل الجِدّ، لكن من غير ادّعاء أو تكبّر. كانت إخوة في الحياة والالتزامات بحثاً عن العدالة والحقيقة والجمال».
في عام 1950، كتب كامو إلى صديقه شار يقول: «كانت هذه سنة صعبة جداً بالنسبة لي، وكنت أنت بين قلّة نادرة من الذين ساعدوني على الحياة، بفضل صداقتك وهذا الشعور الغريب بالأمل الذي يأتيني من هذه الصداقة. كم أنا محظوظ بمعرفتك!»، ويجيبه شار: «كلما تقدّم بي العمر، أدركت أن الحياة ممكنة فقط بجانب الذين ننعم بدفء مودتهم، ونذوق معهم طعم الحرية».
لم يتخلَّ أي منهما عن الآخر أبداً. معاً سعيا إلى حشد المؤيدين لمانيفست ضد ستالين، أو لمساعدة بوريس باسترناك الذي كان ملاحقاً من النظام السوفياتي، وكلاهما وقف ضد الاستعمار الفرنسي للجزائر بجرأة كلفت كامو المنفى وعذابات نفسية كثيرة. وعندما نشر كامو كتابه الشهير «الرجل المتمرد»، الذي ينتقد فيه التوتاليتارية اليسارية، وانتفض ضدّه صديقه السابق جان بول سارتر الذي أصدر بحقه فتوى فكرية ضربت حوله حصاراً من الكتاب والشعراء والفنانين، وحده شار وقف بجانب صديقه الذي كان قد بدأ يشعر باليأس، كما يستدلّ من إحدى الرسائل الأخيرة التي كتبها: «تعبت من باريس، ومن العصابات التي تسرح فيها وتمرح. عندي رغبة عميقة في العودة إلى الجزائر، بلد الرجال، البلد الحقيقي القاسي الذي لا أنساه».



رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.