«قيامة البتول الأخيرة»... أسئلة حارقة على إيقاع الزلزال السوري

زياد حمامي يعود إلى «اليهودي الحلبي» في روايته الجديدة

«قيامة البتول الأخيرة»... أسئلة حارقة على إيقاع الزلزال السوري
TT

«قيامة البتول الأخيرة»... أسئلة حارقة على إيقاع الزلزال السوري

«قيامة البتول الأخيرة»... أسئلة حارقة على إيقاع الزلزال السوري

«لماذا علينا أن نهرب؟ هل ديانتنا اليهودية جريمة نستحق عليها القتل أو الإعدام أو الذبح؟ هل علينا أن نهاجر كما حدث في بداية الثمانينات؟»
في رواية زياد كمال حمامي (قيامة البتول الأخيرة - الأناشيد السرية - 2019) تجأر بهذه الأسئلة ليزا - أو الموناليزا كما يناديها عاشقها عبد السلام - على إيقاع الزلزال السوري المتفجر منذ ثماني سنوات. وعلى هذا الإيقاع يجأر العاشق الرسام السريالي: «ما هذه الحرب المؤلمة؟ طرف يقول إنها ثورة، والطرف الآخر يصفها بالأزمة والفتنة، وطرف ثالث يعتنقها جهاداً، وآخر يعدها احتلالاً، وأطراف تؤكد أنها فوضى».
عندما كتبتُ عن يهود حلب في الرواية («الشرق الأوسط 14-1-2019») لم أكن قد قرأت رواية «قيامة البتول الأخيرة»، فلم أذكرها، ولم يقم الكاتب الدنيا ولم يقعدها، لم يتّهم، ولم يشكك، لم يخوّن، ولم تنجرح نرجسيته، كما يفعل من قد لا تذكر روايته، ربما لأنك لا تراها جديرة حتى بالإشارة. أما زياد كمال حمامي فقد ذكّرني برواية قديمة له عن يهود حلب أيضاً، هي «الظهور الأخير للجد العظيم» - 1995.
تتصدر رواية «قيامة البتول الأخيرة» بمجزوء من رسالة الإله بعل، إله البرق والعواصف والمطر، تعود إلى خمسة آلاف سنة قبل الميلاد: «سوريا بلدكم، أينما كنتم، وهذا حقكم، فحطّم سيفك، وتناول معولك، واتبعني لنزرع السلام والمحبة». وتتبأر هذه الرواية، من سوريا، في حلب، ومن حلب في حارة اليهود العتيقة (المندرة)، حيث تقطن مجموعات مختلفة في الدين والعرق. ومنذ البداية، غزل الكاتب للرواية رمزاً هو أيضاً إيقاع، عبر شخصية البتول، أجمل بنات الحارة التي يقضي عليها القتلة انتقاماً من أبيها الموظف الذي يتصدى لجلاوذة الفساد. ولا تفتأ البتول تظهر ليرفد الرواية نسغٌ أسطوري بديع. وعلى هذا النحو تمور الرواية بشخصيات لا يُنسى الكثير منها، مثل العمياء الثريا التي (ترى) الأصوات، وتتفرس في الروائح، وأختها أم القطط التي تسمّي قططها بأسماء من حولها في الحارة، أو النونو المجنون الذي يروي أنه يسمع يومياً أصوات المغتصبات من ميكروفون مسجد الشيخ سيتا، أو الجقجوق المبتلى بالنيكروفيليا، أو الأب الروحي للحارة: الحاج عبد القادر الهلالي، وابنه يحيى عاشق البتول بصوفية.
وفي رأس الشخصيات اليهودية يأتي إبراهام فارحي، حارس معبد الصفراء الذي يحتفظ بنسخة من التوراة على رقائق. وقد كتب للوكالة اليهودية العالمية أن هذه النسخة هي أقدم النسخ في العالم، مثلما هو كنيس جوبر أقدم معبد يهودي في العالم. وهنا أشير إلى ما يتواتر في الروايات المتعلقة باليهود من علامات بعينها، كنسخة من التوراة، أو مخطوطات، وكذلك تهريب اليهود إلى إسرائيل... ويكون الرهان بالتالي على ما تبدع كل رواية في هذه العلامة أو تلك.
بحسب الرواية، أُغلق منذ أعوام كنيس حارة المندرة التي تهدمت محلاتها وسراديبها الخفية، وتتم حراسة الكنيس سرياً. وعلى الباب الحجري لبيت إبراهام الذي يناديه الجيران إبراهيم، نُقشت عبارة (دار آليازار فرحي بن أشعيا 1824). وسوف يشير الفلسطيني أبو الرمز إلى المفارقة في حارة المندرة، وفي غيرها، بحيث يحتفظ اليهود بدورهم ونقوشهم ومعابدهم، ويقول: «لهم الحق في كل شيء في حين أننا نسلب كل شيء».
ويسرد أبو الرمز اغتصاب منزله في القدس من قبل جماعة محاربي داود، ورسمهم المينورا بشمعداناتها السبعة على الجدار الخارجي للبيت الذي صار لعائلة يهودية مهاجرة من بولونيا، مما اعتبرته إسرائيل تحريراً واستعادة لأرض يهودية. وبذا، لا تُغفِل رواية «قيامة البتول الأخيرة) الأسَّ الإسرائيلي - بالأحرى الصهيوني - الذي تغفله رواية سواها، فتبتر الفلسطيني من المأساة، وتبكي اليهود، فيما لعله استجداء للترجمة والشهرة.
يتنبأ إبراهام لابنته ليزا بأن الخراب سيعم «وربما سنهاجر من سوريا كما هاجر أجدادك من الأندلس». ويرصد الرجل تبدلات أصدقائه بين من تحول من الماركسية إلى الدين، ومن ولغ في الفساد، ويخصّ بالقول صاموئيل الذي انتقل إلى دمشق وفتح فيها مشاريع ضخمة بالمشاركة مع ضباط... ويسرد إبراهام قصة رجل الأعمال الأميركي موطي كاهانا الذي ساعد أسرة يهودية على الهجرة السرية بجواز سفر رسمي سوري عبر لبنان إلى إسرائيل.
ويسرد إبراهام أيضاً قصة تهريب جيلدا اليهودية التي أسلمت لزواجها من مسلم فبحجة اقتراب «داعش» من حي الجميلية في حلب، منح الهاربون حق العودة عبر قنوات سرية هي ما يعرف بأبناء الحليب، لكن إسرائيل طردت جيلدا وزوجها غير عابئة باعتراض طومي كاهانا.
يفكر إبراهام الذي بات بلا أصدقاء بأخوة محفل الأم سلطانة، وبأخوة الحليب الذين يديرون البلد كالخاتم. وكان بنجامين الابن الوحيد لإبراهام قد هاجر إلى أميركا رغم معارضة والديه، بينما رفضت والدته روز الهجرة إلى إسرائيل. وروز تكره الحروب، وتفرق بين الدين اليهودي والصهيونية. وكان الحاج الهلالي في زمن مضى قد سقى إبراهام المريض من ماء زمزم، فتقبل اليهودي التقدمة، وعدّ ذلك تقاسما عفوياً للمقدس، وكان مثل ذلك أمراً مألوف بين المسلمين واليهود والنصارى، لولا سموم السياسة ومؤامرات السياسيين، كما يشرح السارد. لكن إبراهام سيتبدل في سنوات الزلزال، وينخرط في المؤامرة التي يحبكها الرجل الخفي، لنقل قطع أثرية مهمة من حلب إلى الخارج.
حول شخصية الفنان عبد السلام ينعقد الحضور اليهودي في الرواية على شخصيتي ليزا وسوزانا. وقد حاولت ليزا المبدعة في تصميم أطقم الذهب والألماس، والمشهورة بين العائلات الحلبية الثرية، أن تستميل عاشقها إلى (أبناء الحليب)، وعرضت عليه أن تدفع هي مهرها سلفاً كعادة بنات اليهود، دون (قينان) أي دون عهد أو شرط، وبلا (قدوس) أي بلا حفل زفاف، وأن يبقى زواجهما سراً بينهما. لكن ما يشغل عبد السلام هو الحرب التي ليس فيها قانون ولا عدالة. على أن ليزا ترسم لعبد السلام صورة أخرى يبدو تفسيره فيها لما يجري طائفياً، فهو، كما تقول ليزا، مسلم وسني يشتكي دوماً من «العنصرية الطائفية التي صارت قانوناً غير مدوّن».
على باب بيت إبراهام، ونشداناً للحماية الإلهية، عُلقت (الميزوزا)، وهي قطعة أسطوانية خشبية صغيرة، فيها مخطوط صغير دوّنت فيه أدعية توراتية. وإبراهام يريد اقتلاع الميزوزا تحاشياً للخطر، بينما تعترض زوجته، فمنذ عشرات السنين لم يعترض أحد على الميزوزا التي تميز بيت اليهودي. وبسبب الميزوزا التي تعلن الاختلاف الديني، لم تتمكن ليزا من مشاركة الجموع في تشييع صديقتها البتول.
قبل ليزا كانت السائحة الكندية سوزانا التي عمل عبد السلام لها دليلاً. وسيكتشف من بعد أنها يهودية، وأنها قد حملت منه وأنجبت، فيما يلتبس بالتآمر الذي ينضاف إلى تآمر إبراهام فارحي، دون أن تتجرّح الصورة التي كانت للّحمة الاجتماعية السورية. وقد مالت الرواية حيناً إلى التوثيق لهذه اللحمة، فطغت التأرخة على السرد. لكن زياد كمال حمامي جعل الرواية لا تفتأ تتقد وتتألق، سواء وهي تكتب اليهودي في حلب، والأرمني أيضاً، أم وهي تكتب الزلزال وتلوب بين الفاجع وبين السخرية الكاوية، لعل نبوءة العرافة خاتون تتحقق بقيامة حلب بعد الحرب، وهي التي كانت قد تنبأت بظهور سور حلب العظيم وتحويل حارة البندرة إلى صرح سياحي.
لقد شغلني طويلاً الحضور اليهودي في الرواية العربية. ومن ذلك ما كتبت عن روايات منها من المغرب «ملك اليهود» ليوسف فاضل، و«حارث النسيان» لكمال الخمشيلي، و«المرأة والصبي» للميلودي شغموم، ومن الجزائر «قدم الحكمة» لرشيدة خوازم، و«المخطوطة الشرقية» لواسيني الأعرج و«تماسخت دم النسيان» للحبيب السائح، و«قبر يهودي» لعمر بو ذيبة، و«يصحو الحرير» لأمين الزاوي. ومن الكويت «حجر على حجر» لفوزية شويش السالم، ومن اليمن «اليهودي الحالي» لعلي المقري، ومن مصر «أميركانلي» لصنع الله إبراهيم، ولجمهرة من سوريا ابتداءً برواية «أعدائي» لممدوح عدوان. وإلى ذلك كان الحضور اليهودي شاغلاً لي في رواية «مدارات الشرق» في أجزائها الأربعة، من يهود دمشق إلى يهود الجولان إلى يهود القامشلي، في النصف الأول من القرن العشرين. وكذلك في رواية «مجاز العشق» وفي رواية «في غيابها». ولعل التذكير بكل ذلك يعزز المدونة الروائية والنقدية لحضور اليهودي، والتي تعد رواية «قيامة البتول الأخيرة» إضافة هامة لها.



«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.