قراءة في رسائل الانتخابات المحلية التركية لإردوغان

الناخبون عاقبوا حزبه بـ«صفعة عثمانية» أراد منهم توجيهها للمعارضة

قراءة في رسائل الانتخابات المحلية التركية لإردوغان
TT

قراءة في رسائل الانتخابات المحلية التركية لإردوغان

قراءة في رسائل الانتخابات المحلية التركية لإردوغان

وجّه الناخبون الأتراك إنذارا قوياً إلى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وحزبه الإسلامي الحاكم، حزب العدالة والتنمية، عبر صناديق الاقتراع في الانتخابات المحلية. ولئن كانت الانتخابات ككل انتهت بفوز «تحالف الشعب» بين العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية بعدد من البلديات أكبر من منافسيه، جاءت النتيجة كالزلزال أو «الصفعة العثمانية» التي دعا إردوغان الشعب لتوجيهها إلى «تحالف الأمة» الذي تألف من حزبي «الشعب الجمهوري» و«الجيد»، لترتد عليه بخسارة فادحة للمدن الثلاث الكبرى؛ إسطنبول وأنقرة وإزمير. وهذا رغم استمرار اعتراض حزب إردوغان على نتيجة إسطنبول والتقارير عن المطالبته بإلغائها بعد إعادة الفرز في 8 من مناطقها.
تمثل خسارة حزب «العدالة والتنمية» في إسطنبول، كبرى مدن تركيا و«عاصمتها» الاقتصادية، صدمة كبرى لزعيم الحزب الرئيس رجب طيب إردوغان، من منطلق المعتقَد السائد بأن من ينجح في إسطنبول ينجح في تركيا. واستطراداً، فإن من يفوز بإسطنبول في الانتخابات المحلية يفوز بتركيا في الانتخابات البرلمانية.
لكن ما يزيد من حجم الصدمة وتأثيرها أن إردوغان حافظ على رئاسة بلدية إسطنبول لمدة 25 سنة منذ فاز بالمنصب للمرة الأولى، ممثلاً لحزب الرفاه الإسلامي، ثم إن ما زاد الطين بلة بالنسبة للإسلاميين خسارتهم أيضاً العاصمة السياسية أنقرة بعدما ظلّت تحت سيطرتهم منذ عهد رئيس الوزراء الراحل نجم الدين أربكان، وحتى عهد إردوغان، طوال 25 سنة، وكذلك فشلهم في انتزاع بلدية إزمير من أيدي حزب الشعب الجمهوري المعارض، الذي نجح أيضاً في الفوز ببلديات مهمة أخرى في مقدمتها أنطاليا وأضنة وهطاي (الإسكندرونة).

حقبة جديدة
بهذه النتائج التي أفرزتها صناديق الاقتراع، دشّنت حقبة جديدة في تركيا بأيدي مواطنيها الذين ضغطت عليهم الأوضاع الاقتصادية لأكثر من نصف سنة قبل الانتخابات المحلية. وكان منها اهتزاز الليرة التركية وخسائرها المتوالية، وتجاوز التضخم حاجز 20 في المائة، والقفزة في البطالة التي وصل معدلها إلى ما يقرب من 13 في المائة، والغلاء الفاحش في أسعار المواد الغذائية الرئيسية، وهو ما دفع الحكومة إلى العودة لطرح الخضراوات والفاكهة في نقاط توزيع حكومية قبل الانتخابات خشية فقد الأصوات.
هذه الانتخابات جاءت عقب الانتخابات البرلمانية والرئاسية المبكرة، في يونيو (حزيران) الماضي، التي انتقلت فيها تركيا من النظام البرلماني إلى الرئاسي. وكان يعوّل عليها إردوغان لتثبيت نظامه الرئاسي التنفيذي عبر تأييد شعبي لم يأتِ كالمتوقَّع. وبالتالي، فإن المتغير الأهم الذي عكسته، في نظر كثير من المراقبين، هو نجاح المعارضة في إيجاد مسار توافقي ونجاح تحالفها الذي بدأ يتبلور في الاستفتاء على التعديلات الدستورية للانتقال إلى النظام الرئاسي، الذي أجرى في 16 أبريل (نيسان) 2017.
هذا التحالف ضغط على إردوغان في الفترة السابقة للانتخابات البرلمانية والرئاسية، التي مرّت بصعوبة بالغة على حزبه، ثم بلغ أداء المعارضة ذروة نضجه في الانتخابات المحلية التي قدّم نفسه بقوة وأقنع قطاعاً لا بأس به من الناخبين بحتمية التغيير. والحقيقة، أنه لم يكن أكثر المتفائلين في أحزاب المعارضة نفسها، أو أكثر المتشائمين في حزب «العدالة والتنمية» الحاكم وأنصاره، يتوقع الضربة القوية التي كشفت عنها نتائج إسطنبول وأنقرة، مع أن استطلاعات الرأي قبل الانتخابات التي أعلن إردوغان عدم اعتداده بها، رجّحت الخروج بنتيجة صادمة. وهذا ما حدث بالفعل، في مشهد قد يؤثر على توجهات إردوغان وحزبه مستقبلاً، وقد يدفعه وحليفه، حزب «الحركة القومية»، إلى تغيير منهج التحالف على ضوء الرسالة التي خرجت من الصناديق، واعتبرها موالون لـ«العدالة والتنمية» وإردوغان «انقلاباً سياسياً».

أسباب النكسة
أجمع المراقبون على عدد من الأسباب أدَّت إلى النتائج التي خرجت من صناديق الاقتراع، أهمها الوضع الاقتصادي الذي أثّر على الناخبين، مع عجز الحزب الحاكم عن تجاوز تأثيرات انخفاض العملة، والتضخّم، وارتفاع الأسعار. أما السبب الثاني فهو فقدان الخطاب السياسي لإردوغان تأثيره، كما كان في السابق، وشعور الناخبين بالملل من تكرار التهديدات وإظهار أن كل انتخابات - حتى لو كانت محلية - مسألة حياة أو موت. وللعلم، هذا خطاب بدأه حزب «الحركة القومية»، وانجر إليه حزب «العدالة والتنمية»، الحليف معه، وهو يعيد إلى الأذهان الأنظمة الديكتاتورية التي تربط بقاء الدولة ببقائها، ما اعتبر من جانب شريحة كبيرة من الناخبين تضخيماً وإفلاساً.
وأما السبب الثالث، فكان اعتماد إردوغان ووزير داخليته سليمان صويلو لغة التهديد، وتكرارهما وصف الساسة الأكراد بالإرهابيين، والتلويح بشكل مباشر بفرض الوصاية على البلديات التي يمكن لحزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد الفوز بها في الانتخابات. وكما حدث من قبل، أبعدت هذه اللغة التهديدية الناخبين الأكراد عن «العدالة والتنمية» في بعض المناطق ذات الأغلبية الكردية، ودفعتهم لتحديه. ويضاف إلى هذا دعوة صلاح الدين دميرطاش، الرئيس المشارك لحزب «الشعوب الديمقراطي»، والمسجون حالياً، مناصري الحزب للتصويت لمرشحي المعارضة في إسطنبول وأنقرة، ما أدى إلى ترجيح كفتها والتنمية.
أخيراً، هناك سبب رابع، من جهة نظر المراقبين، هو مواصلة إردوغان التوظيف السياسي للشعارات الإسلامية والاستغلال الخاطئ للهجوم الإرهابي على مسجدي مدينة كرايستشيرش في نيوزيلندا، وتكراره عرض صور المجزرة في التجمّعات الانتخابية، ما أثار استياء ورفض شريحة واسعة من المواطنين لهذا الأسلوب.

الخطوة المقبلة
التقط إردوغان الرسالة سريعاً، وأعلن أنه سيعمل على تحديد أوجه القصور، والعمل على إصلاحها. ثم قال إن أولويته خلال الفترة المقبلة ستكون تعزيز الاقتصاد وزيادة فرص العمل، لإدراكه أن الصعود الاقتصادي الذي تحقق في تركيا خلال فترة حكم «العدالة والتنمية» كان من أهم الأسباب التي جعلته يحتفظ بالحكم حتى الآن. ومعروف أن تراجع سعر الليرة وارتفاع التضخم والبطالة وتزايد حالات الإفلاس كانت من العوامل الأساسية لتراجع التأييد لحزبه، على الرغم من الجهود الضخمة التي بذلها بنفسه في الحملة الانتخابية، وتجنيد جميع وسائل الإعلام، وتكثيف الحملات الإعلانية والمقابلات التلفزيونية على مدى أكثر من 3 أشهر قبل الانتخابات.
في المقابل، اعتمدت المعارضة في حملتها الانتخابية على تدهور الأوضاع الاقتصادية وغيرها من المشكلات الأساسية لتركيا، موضحة للناخبين أنهم بحاجة إلى توجيه رسالة قوية إلى الحكومة. وبالفعل، أظهرت استطلاعات الرأي قبل الانتخابات أن ما يقرب من 7 من كل 10 أشخاص يصنّفون الصعوبات الاقتصادية على أنها أهم مشكلة في تركيا، بشكل عام، مقابل 4 إلى 5 في المائة رأوا أن الأمن هو المشكلة الأكثر أهمية.
من ناحية أخرى، توقعت استطلاعات الرأي فوز مرشح حزب «الشعب الجمهوري» منصور ياواش في أنقرة، لكنها أبقت على حظوظ بن علي يلدريم، السياسي المخضرم ورئيس الوزراء السابق الذي اختاره إردوغان وجعله يترك رئاسة البرلمان من أجل حسم إسطنبول، التي تُعدّ المعقل الأهم سياسياً واقتصادياً. وهنا نشير إلى أن إردوغان لم يذق طعم الهزيمة منذ تولى رئاسة بلدية إسطنبول عام 1994. بل حقق إنجازات كبرى فيها، أهمها جلب الاستثمارات وتخفيف أزمة المرور، والطفرة في الإسكان، والتوسع العمراني، وتوفير الوظائف. ولذا وضع كل ثقله في الانتخابات المحلية الأخيرة، معتبراً إياها معركة حياة أو موت، لكن نتائجها الصادمة جاءت بمثابة استفتاء على حكم «العدالة والتنمية»، وسياساته الداخلية والخارجية التي باتت موضع انتقادات حادة.
الآن قد تبلغ الآثار الارتدادية لهذه الخسائر ما هو أقوى وأبعد، بسبب حالة التذمر المتنامية داخل الحزب الحاكم، خصوصاً في أوساط القيادة التاريخية التي جرى إبعادها وتهميشها من جانب إردوغان. على رأس هؤلاء الرئيس السابق عبد الله غُل ورئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، الذي أجبره إردوغان على الاستقالة أيضاً، كما تردد في أوساط الحزب لرفضه دعم مشروعه بالانتقال إلى النظام الرئاسي. وهكذا تصاعدت الاتهامات لإردوغان بالفردية، وبدأ متهموه التخطيط لتأسيس حزب سياسي جديد.
إردوغان أرجع النتائج الصادمة إلى سوء تقديم حزبه نفسه في المناطق التي خسر فيها، إذ قال: «السبب الوحيد الذي حال دون حصولنا على النتيجة المرجوة من الانتخابات هو عدم تقديم أنفسنا للشعب بشكل كافٍ.. سنقوم بتحديد أوجه القصور لدينا والعمل على تلافيها... إذا كانت لدينا نواقص، فإن إصلاحها دين على عاتقنا». غير أن الاعتراف بالتقصير لم يؤد إلى استيعاب إمكانية خسارة المعاقل التقليدية للحزب الحاكم، فقرر الطعن على نتائج الانتخابات في بعض مناطق إسطنبول وأنقرة، في حين اعتبر حزب «الشعب الجمهوري» المعارض، أن «الشعب أظهر موقفاً مؤيداً للديمقراطية»، وأن ذلك «يمثل ضوءاً مهماً للغاية بالنسبة للحزب»، حسبما أعلن رئيسه كمال كليتشدار أوغلو.

أجواء ملتهبة
عطفاً على ما سبق، حتى بعد انتهاء المعركة، استمرت الأجواء الملتهبة التي غلفت الاستعدادات لها، مع طعن حزب «العدالة والتنمية» على النتائج في أنقرة وإسطنبول، ومطالبة أكرم إمام أوغلو، مرشح حزب الشعب الجمهوري الفائز في إسطنبول، كلاً من الرئيس إردوغان و«حليفه» دولت بهشلي، رئيس حزب الحركة القومية، بأن يكونا «على قدر المسؤولية، والتصرف مثل رجال دولة، وتحاشي زجّ البلاد إلى المزيد من الفوضى».
ولفت إمام أوغلو إلى أن «عمليات فرز الأصوات جرت أمام المندوبين الرسميين لحزب (العدالة والتنمية)، وموظفي الدولة المكلفين بالصناديق الانتخابية، وأمام غيرهم من المعنيين بحضور عمليات الفرز. ولقد خُصص لكل صندوق انتخابي موظفون من الدولة، واثنان على الأقل من مندوبي (العدالة والتنمية)، فضلاً عن ناخبين وغيرهم. ثم إن الاعتراضات (التي تقدم بها العدالة والتنمية) الحالية الهدف الوحيد منها هو تشويش العقول... ومن هنا أدعو اللجنة العليا للانتخابات للقيام بوظيفتها ووقف مثل هذه الممارسات، حتى لا ننسى الوضع الاقتصادي والسياسي الصعب الذي تمر به البلاد، وحتى لا يسيء أحد لصورة تركيا أمام العالم». واعتبرت أصوات أخرى من المعارضة أن إعادة فرز الأصوات، ما هي إلا مناورة لسرقة الانتخابات الراهنة الموصومة بعدم النزاهة.
أما خارجياً، فكان فريق مراقبة الانتخابات التابع لـ«مجلس أوروبا» قد أعلن أن تركيا لم تستوفِ القيم والمبادئ الانتخابية المعمول بها في أوروبا. ودعت واشنطن، على لسان نائب المتحدث باسم الخارجية التركية روبرت بلادينو، تركيا إلى قبول نتائج الانتخابات. وقال إريك إيدلمان، السفير الأميركي الأسبق لدى تركيا، إنه «إذا ما تمكّنت الحكومة التركية من إلغاء نتائج الانتخابات الحالية، فسيمثل ذلك نهاية أكيدة للانتخابات في تركيا».
هذا، ويعتبر مراقبون أن لدى إردوغان وسائل أخرى في متناول يديه إن هو أخفق في العصف بنتائج الانتخابات الحالية عبر مناورة إعادة فرز الأصوات. ومن بين الأدوات المحتمَل استخدامها الاستعاضة عن رؤساء البلديات المعارضين بآخرين من المؤيدين للحكومة، كأوصياء على البلديات التي فازوا بها في الانتخابات. ولقد أثبت حزب الشعوب الديمقراطي أنه لا يزال يتمتع بقوته على الرغم من خسارة بلديتين من 10 بلديات كبيرة كان يسيطر عليها، وفاز في 8 ولايات على الرغم من الحملة الشرسة التي يتعرض لها.

الانتخابات والسياسة الخارجية
في هذه الأثناء، تساءلت بارتشين يناتش، الكاتبة في صحيفة «حرييت» التركية واسعة الانتشار، عن مدى تأثير نتائج الانتخابات المحلية على السياسة الخارجية لتركيا. وقالت: «لو كنا، كمراقبين، في ظروف عادية ما طرحنا هذا السؤال. هذا يرجع جزئياً إلى حقيقة أن تركيا تمر بمرحلة انتقالية من نظام برلماني إلى نظام رئاسي، وإلى الاعتقاد السائد في الداخل والخارج بأن السياسة الخارجية متداخلة مع السياسة الداخلية».
وأضافت أن «ما سنحتاج إلى مراقبته على المدى القصير إلى المتوسط هو كيف ستتشكل علاقات تركيا مع كل من واشنطن وموسكو، وكذلك مواقف هؤلاء اللاعبين الثلاثة في الشرق الأوسط». وتساءلت عن إمكانية الاستمرار في صفقة صواريخ «إس - 400» الروسية، وأيضاً شراء طائرات «إف - 35» أو صواريخ «باتريوت» الأميركية في ظل الاضطرابات الاقتصادية المحتملة التي قد تظهر في الأيام المقبلة «ففي بعض الأحيان قد يكون الخبز والزبد أكثر حيوية من صواريخ وطائرات بمليارات الدولارات». وهنا، استبعد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أن يكون للانتخابات المحلية تأثير على العلاقات بين أنقرة وواشنطن، أو الدول الأخرى.

حصيلة الانتخابات بالأرقام
> فاز حزب «العدالة والتنمية» بـ16 بلدية كبرى و24 بلدية في مدن أصغر و538 بلدية أقضية، و200 بلدة، وفاز حليفه حزب «الحركة القومية» ببلدية كبرى واحدة، و10 بلديات مدن، و146 منطقة، و70 بلدة بمجموع 227.
> فاز حزب الشعب الجمهوري المعارض بـ10 بلديات كبرى، و10 بلديات مدن، و192 منطقة، و34 بلدة، بمجموع 246، وحليفه الحزب «الجيد»، في 18 بلدية مدينة و3 بلدات.
> بلغت نسبة أصوات «العدالة والتنمية» 44.4 في المائة وحليفه «الحركة القومية» 7.2 في المائة، وبذا حصل «تحالف الشعب» الذي يضمهما على 51.6 في المائة من إجمالي عدد الأصوات، وفق النتائج الأولية.
> فاز «تحالف الأمة» المعارض بنسبة 37.2 في المائة من الأصوات، موزّعة بنسبة 30 في المائة لحزب الشعب الجمهوري و7.2 للحزب «الجيد». وبينما حصل حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد على 4.3 في المائة من الأصوات، وفاز في 3 بلديات كبرى، و5 بلديات مدن، و50 منطقة، و11 بلدة، بمجموع 69 بلدية، ذهبت بقية البلديات للمستقلين.
> تجاوزت نسبة المشاركة في الانتخابات 84 في المائة من أصل 57 مليون مواطن يحق لهم التصويت، في حين كانت نسبة المشاركة في الانتخابات السابقة عام 2014 قد بلغت 89 في المائة من أصل 48 مليون ناخب. ويومذاك حقق حزب العدالة والتنمية نسبة 45.5 في المائة من الأصوات، أي أن نسبته تراجعت في انتخابات 2019 بنسبة 1.1 في المائة.



«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
TT

«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)

حملت نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة مفاجآت غير سارة بالنسبة إلى الكرملين، وركّزت وسائل إعلام حكومية على أن «الهزيمة الساحقة» التي مُني بها الرئيس دونالد ترمب ستكون لها تداعيات واسعة على ملف العلاقات الروسية مع واشنطن، التي كانت بالكاد شهدت انفراجة واسعة في الأشهر الأخيرة الماضية، وشهدت إطلاق عملية تطبيع للتعاون الاقتصادي والتجاري تُوجت بصفقة الديزل التي أثارت الكثير من الجدل في الولايات المتحدة وخارجها. ومع أن الكرملين أعرب في أول تعليق رسمي عن الأمل بألّا تؤثر النتائج على مواقف الإدارة الأميركية تجاه ملف التسوية والعلاقات مع موسكو، فإن تعليقات متشائمة برزت على مستوى محللين وصفوا سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي النواب والشيوخ بأنها «السيناريو الأسوأ» بالنسبة إلى روسيا.

قال الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف معلقاً على الفوز الكبير للديمقراطيين في الانتخابات النصفية والذي وُصف بأنه بمثابة «موجة زرقاء» اكتسحت معاقل الجمهوريين، إن موسكو تأمل أن «يواصل ترمب جهوده في حفظ السلام بعد انتخابات الكونغرس الأميركي».

واعتبر الناطق أن الإدارة الأميركية حققت رزمة من الإنجازات على هذا الصعيد، كان أحدثها «نجاح جهود ميلانيا ترمب في حفظ السلام والعمل الإنساني»، في إشارة إلى الدور الذي لعبته السيدة الأولى في الولايات المتحدة لإنجاز «هدنة أوليشكي» الإنسانية.

وقال بيسكوف رداً على سؤال الصحافيين حول النتائج: «يواصل الرئيس ترمب ممارسة صلاحياته. ونأمل بصدق أن يواصل جهوده في حفظ السلام. هناك تطوراتٌ جارية، وستُعقد الجولة المقبلة من المباحثات الثلاثية قريباً». وعند سؤاله عما إذا كان الكونغرس الأميركي سيتدخل لعرقلة تحركات الرئيس ترمب، أجاب الناطق الروسي بأن «هذا شأنٌ أميركي داخلي، نحن نأمل أن الأمور ستسير على ما يرام».

في السياق ذاته، جاء تعليق السياسي غريغوري كاراسين، نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الاتحاد (الشيوخ)، الذي أكد أن الرئيس الأميركي «من غير المرجح أن يغيّر مساره السياسي بعد انتخابات الكونغرس». وأكد كاراسين قناعة بأن ترمب «سيواصل النهج نفسه الذي اتبعه حتى الآن في القضايا الخارجية والداخلية».

تخوّف روسي من تداعيات سلبية

في المقابل، رجّح خبراء روس تداعيات سلبية للغاية على العلاقة مع موسكو، وحيال الصراع الروسي - الأوكراني، بل توقع المحلّل البارز بافيل شوميلوف أن «تضعف قبضة ترمب على السلطة بعد انتخابات التجديد النصفي».

ومع إشارة شوميلوف إلى تداعيات فوز الديمقراطيين في مجلس النواب على ملف العقوبات المفروضة على روسيا في إطار عرقلة أي مساعٍ لتخفيف بعض القيود أو إلغائها، رأى المحلل الروسي أن «لدى ترمب فرصة واحدة لتخفيف حدة التأثيرات على سياساته تجاه روسيا وملف التسوية في أوكرانيا، من خلال تسريع خطواته في الأسابيع القليلة المقبلة قبل أن يؤدي الكونغرس الجديد اليمين الدستورية».

في غضون ذلك، أشارت يوليا دافيدوفا، الأستاذة المشاركة في قسم التحليل السياسي والعمليات الاجتماعية والنفسية بجامعة بليخانوف الروسية للاقتصاد، إلى أن خسارة حزب الرئيس مقاعد في انتخابات التجديد النصفي أمر شائع في الولايات المتحدة. وبحسب رأيها، يعود ذلك إلى «إرهاق» الناخبين بالضغوط الرئاسية وما يترتّب عليها من أصوات احتجاجية.

وفي منظور دافيدوفا، فإن فوز الديمقراطيين «يزيد من خطر الخلافات حول الميزانية وإغلاق الحكومة» الأميركية، وفي الوقت نفسه سيحول دون تطبيق مبادرات ضريبية جذرية ونمو غير منضبط في الإنفاق الحكومي. ووفقاً للخبيرة الروسية، فإن هذا الوضع السياسي سيزيد بلا شك من حدة النقاشات حول سقف الدين والضرائب والإنفاق الاجتماعي.

في الوقت نفسه، يعتقد المحلل ياروسلاف كاباكوف أن هذا يعني بالنسبة للولايات المتحدة مواجهة ترمب عقبات سياسية كثيرة، بينها التحقيقات، والصراع حول الميزانية، والتعريفات الجمركية، والسياسة الخارجية... في حين سيتقلّص هامش إطلاق مبادرات إدارية جديدة بشكل حاد.

والأهم بالنسبة إلى روسيا - وفق كاباكوف - وجود احتمال بأن يصيب «شلل» سلطة ترمب، بالإضافة إلى عدم القدرة على التنبؤ بمدى قدرة الإدارة على الحفاظ على نافذة لعقد اتفاقيات اقتصادية. ومع توقع الخبراء تراجعاً في سلطة ترمب، فإن السؤال الأبرز هو عن «مدى هذا التراجع».

يرجح في أوساط المحللين الروس

بعد فوز الديمقراطيين بانتخابات الكونغرس أن تكون اتصالات الولايات المتحدة

مع روسيا محدودة

«سيناريوهات» ثلاثة

كان خبراء روس قد وضعوا ثلاثة سيناريوهات محتملة عشية توجّه الناخبين الأميركيين إلى مراكز التصويت:

السيناريو الأول: «كونغرس منقسم» رأوا أنه السيناريو الأكثر ترجيحاً، ويستعيد الديمقراطيون بموجبه السيطرة على مجلس النواب، في حين يبقى مجلس الشيوخ تحت سيطرة الجمهوريين، أو ينتقل إلى الديمقراطيين بفارق ضئيل. بالنسبة لروسيا، كان هذا سوف يعني «انفراجة مؤقتة»، بسبب انشغال الكونغرس والبيت الأبيض بالصراعات الداخلية، ما قد يُعرقل مبادرات كل منهما، ويقلّل تركيز واشنطن على السياسة الخارجية. وفي الوقت نفسه، ستبقى العقوبات المفروضة على روسيا سارية - وهي مدعومة من الجمهوريين والديمقراطيين على حدٍّ سواء - ولكن حتى يناير (كانون الثاني) 2027، وهو موعد تولي الكونغرس الجديد مهامه.

ورأى هذا السيناريو أنه إذا بقي مجلس الشيوخ تحت سيطرة الجمهوريين فستكون أمام الرئيس فرصة قوية للتوصّل إلى اتفاقات واسعة مع روسيا بشأن قضايا مختلفة.

السيناريو الثاني - وهو الذي حصل بالفعل: سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي الشيوخ والنواب، وقد وصفه الخبراء بأنه سيكون «أسوأ سيناريو بالنسبة إلى روسيا»؛ إذ سيجري الديمقراطيون تحقيقات ضد ترمب، ويعرقلون تعييناته، ويُصعّدون من حدة الخطاب التشديدي للعقوبات. لكن هذا السيناريو استبعد نجاح الديمقراطيين في عزل ترمب، لكن بالنسبة لروسيا هذا يعني فرصاً أقل لعقد صفقات سريعة، ومخاطر أكبر لفرض ضغوط عقابية جديدة.

أما السيناريو الثالث، الذي كان يبدو مفضّلاً لدى الكرملين لكن نتائج الانتخابات بدّدته، فكان يتمثل في محافظة الجمهوريين على سيطرة مريحة في مجلس الشيوخ. ورأى خبراء روس أنه رغم كونه «السيناريو الأفضل بالنسبة لنا، فإنه لا يشكّل اختراقاً؛ إذ سيتمتّع ترمب بمزيد من الحرية، وستكون الصفقات مع روسيا ممكنة. لكن الأمر الأهم هو أن المشاعر المعادية لروسيا في الكونغرس لن تختفي، وسيتعيّن فرض أي اتفاق بالقوة».

الواقع أنه حتى قبل التصويت توقع العديد من الخبراء الروس أن خسارة السيطرة على الكونغرس ستُعقّد جهود ترمب في السياسة الخارجية، لا سيما من خلال التأثير على تطوير العلاقات مع روسيا والضغط على أوكرانيا. لكن في المقابل، رأى خبراء أن ترمب لن يُقدم على تراجع كبير في سياسته الخارجية، التي اعتمدت أصلاً على علاقاته الشخصية ورؤيته الخاصة، كما ذكر نائب مجلس «الدوما» وعالم السياسة ألكسندر أسافوف.

ترمب يواصل دوره المحوري خارجياً

أسافوف أعرب عن قناعة بأن ترمب «سيواصل اتخاذ قراراته بنفسه. ومع ذلك، لا أستبعد أن تتباطأ وتيرة إعادة بناء العلاقات بشكل ملحوظ؛ إذ سيتوجّب على الرئيس الأميركي حل المشاكل داخل الولايات المتحدة»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الرئيس الأميركي سيلجأ بنشاط إلى استخدام حق النقض (الفيتو) لمنع الكونغرس من عرقلة تحركاته، على الرغم من أن هذا الأداء سيضاعف المشكلات الداخلية في الولايات المتحدة.

عالمة السياسة أناستاسيا غافاروفا تشارك أسافوف هذا الرأي؛ فوفق تحليلها سيبقى أهم شيء في العلاقات مع روسيا دون تغيير، ألا وهو الاعتماد على العلاقات الشخصية والتقلّبات المعتادة. وأردفت: «أعتقد أن ترمب سيواصل في المستقبل القريب التمسك بنهجه السابق، وسيسعى لعقد صفقات، حتى في إطار ثلاثي مع الصين». وأوضحت عالمة السياسة الروسية أنه «بشكل عام، ونظراً لضعف صلاحياته السياسية الداخلية، من المرجح أن يحاول ترمب تحقيق نجاح تاريخي في مجال يُعتبر أكثر ارتباطاً بالسلطة التنفيذية، ألا وهو السياسة الخارجية».

وفي سياق متّصل، أضافت غافاروفا: «لن يتخلّى ترمب عن فكرة إحياء مشروع إمداد الغاز (نورد ستريم 2). وبشكل أعمّ عن جني الأرباح من تجارة المحروقات في أوروبا. وهناك أيضاً قضايا أمنية في القطب الشمالي والمحيط الهادئ... وكلها تتطلّب حواراً مع روسيا، وهو حوار لن يتخلى عنه، وإن لم يخلُ الأمر من ردود فعل عاطفية». وأردفت: «سيعرقل الكونغرس الاتفاقيات القائمة، وسيعرقل عملية التنفيذ. لكن في جوهر الأمر، فعل الكونغرس المؤيد لترمب الشيء نفسه فيما يتعلق بروسيا؛ لذا لن يتغير الكثير على أرض الواقع».

سياسة الرئيس ترمب الروسية أمام حسابات التأثير المحتمل لتغيّر ميزان القوى في الكونغرس (أ.ف.ب)

حول الحرب الإيرانية وحساباتها

في المقابل، رأى المحلل السياسي ألكسندر ليونوف أن الكونغرس سوف يشكل رادعاً إضافياً للرئيس ترمب إذا ما أشعل جولة جديدة من الحرب مع إيران. وبحسب المحلل، فإن استئناف الأعمال العدائية أمرٌ واردٌ كـ«عمل يائس من جانب الرئيس الأميركي»، لكن السؤال هو: هل سيُقدم على ذلك بعد التطوّرات المتعلقة بهذه النتائج؟

ومن ثم، أكّد ليونوف أنه «من حيث المبدأ، التصعيد مُمكن. لكن المشكلة تكمن في أن هذه الحرب نفسها، على سبيل المثال، تتطلّب تمويلاً إضافياً. وهل سيحصل ترمب على هذا التمويل في هذا الكونغرس؟ لنتذكّر ما قاله الجمهوريون: إذا استمر ترمب في التودّد إلى روسيا عبر ملف وقود الديزل وغيره، فلن يُصوّتوا لصالحه ببساطة».

عودة إلى المحلل ياروسلاف كاباكوف، الذي يرجّح أن يكون لفوز الديمقراطيين آثار سلبية على روسيا على المدى القصير وبشكل مباشر؛ فقد يتخذ الكونغرس موقفاً أكثر صرامة بشأن العقوبات وأوكرانيا؛ لذا لا يُعوّل على رفع سريع للقيود. ويضيف: «لكن لا توجد علاقة مباشرة بين فوز الديمقراطيين وتشديد العقوبات». وسيظل موقف ترمب واستعداده للتوصل إلى اتفاق بشأن أوكرانيا العاملَ الحاسم.

واستطراداً، بالنسبة للأصول الروسية - وفق كاباكوف - لا يكمن الخطر الرئيس، وفي الوقت نفسه «الفرصة الأهم»، في الانتخابات، بل في المفاوضات اللاحقة بين واشنطن وموسكو. فإذا سارع ترمب بالمفاوضات بعد الانتخابات، فقد يفوق أثر الانفراج الجيو-سياسي الإشارة السلبية الصادرة عن الكونغرس الجديد. وخلص المحلل الخبير إلى أنه في حال التوصل إلى موقف توافقي بين الحزبين لتشديد الضغط على روسيا، فستشهد السوق الروسية انخفاضاً جديداً.

ترجيح تراجع الاتصالات

في أي حال، فإن الرأي الغالب لدى أوساط المحللين الروس أنه بعد فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس من المرجح أن تكون اتصالات الولايات المتحدة مع روسيا محدودة. ولكن في المقابل، ومع انتظار اتضاح الموقف الرسمي في أوكرانيا، بدا الارتياح واضحاً في تعليق بعض الخبراء. وبرغم التوقعات بأن هزيمة الجمهوريين في الكونغرس ستوفر «مهلةً مؤقتةً لأوكرانيا»، ترى بعض التعليقات أنها لن تُنقذها تماماً.

في هذه الأثناء، بدت الأوساط الروسية قلقة حيال أن «معظم الديمقراطيين البارزين يُدافعون باستمرار عن تقديم المساعدات لأوكرانيا، وبالتالي يُمكن للكونغرس البدء في تهيئة الظروف اللازمة لدعم أوكرانيا. مع ذلك، لا ينبغي اتخاذ خطوات سريعة على الفور؛ فحتى لو قرّر الديمقراطيون زيادة المساعدات لكييف، فإن تنفيذ هذه الإجراءات قد يستغرق شهوراً، إن لم يكن سنوات. وهذا في حين أن كييف بحاجة ماسّة إلى المساعدات الآن». وهذا ما لحظه الخبير مالك دوداكوف، الذي كتب: «بالطبع، سيحتفل الأوروبيون والأوكرانيون الآن بفوز الحزب الديمقراطي في الانتخابات، لكن من غير المؤكد على الإطلاق أن تُعاد جميع المساعدات بالكامل في أي وقت قريب».

وأخيراً، أيضاً في سياق التوقعات، رأى ألكسندر ليونوف، مدير مركز «بنتا للأبحاث السياسية»، أنه بعد فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس سيكون كبح جماح رغبة ترمب في التقارب مع روسيا أسهل بكثير.

وتابع: «يمكننا الآن مناقشة ما إذا كانت المساعدات لأوكرانيا ستُستأنف، ومقدارها... إلا أن النتيجة الرئيسة التي يمكن تأكيدها بوضوح هي أن التقارب مع روسيا لن يكون ممكناً بعد الآن. من الواضح أن فرص بوتين، على سبيل المثال، في مناقشة مشاريع اقتصادية مشتركة مع ترمب عبر (كيريل) ديميترييف ستتضاءل، على ما أعتقد. لذلك، من المرجح أن يتم تقليص هذا النهج».وبحسب ليونوف، قد يبدأ الكونغرس بالضغط على روسيا بشأن المبادرات التشريعية في أعقاب الهجمات الروسية المطوّلة على قطاع الطاقة الأوكراني ومقتل المدنيين.


جون أوسوف... ليبرالي هادئ يستعد لمعركة تتجاوز ترمب

يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
TT

جون أوسوف... ليبرالي هادئ يستعد لمعركة تتجاوز ترمب

يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.

قد لا يكون السؤال المحيط بجون أوسوف هو كيف استطاع شاب ديمقراطي الاحتفاظ بمقعد في ولاية صوتت لدونالد ترمب وتعد من بين الولايات الجنوبية المحافظة تقليدياً؟ بل ماذا يستطيع أن يفعل بانتصاره بعدما تجاوز اختبار البقاء؟ فالسيناتور عن جورجيا، البالغ 39 سنة، خرج من الانتخابات النصفية وقد عزز موقعه بين الوجوه التي يراقبها حزب يبحث عن قيادة، وعن صيغة تجمع ناخبين توحدهم الاعتراضات على الرئيس، لكنهم لا يتفقون بالضرورة على البديل. وفي ملامحه الهادئة وخطابه الحازم، يجد مؤيدوه وعداً بتجديد سياسي لا يكتفي بتغيير الأعمار. غير أن الطريق من أتلانتا إلى الزعامة الوطنية ليس مفتوحاً تلقائياً. فقد نفى أوسوف رغبته في خوض انتخابات الرئاسة عام 2028، وتعهد خلال الحملة بإكمال ولايته في مجلس الشيوخ. ومع ذلك، فإن فوزه على الجمهوري مايك كولينز يعيد طرح السؤال الذي لا يستطيع نفي الطموح إلغاءه: هل يملك هذا السياسي القدرة على تحويل ائتلاف محلي ناجح إلى مشروع يجمع حزباً منقسماً، ويمنحه سبباً للحكم يتجاوز معارضة ترمب؟

ولد جوناثان (جون) أوسوف في مدينة أتلانتا، عاصمة ولاية جورجيا وكبرى مدنها، في فبراير (شباط) 1987، وتخرّج في كلية الخدمة الخارجية بجامعة جورجتاون في العاصمة واشنطن، قبل حصوله على درجة الماجستير من كلية لندن للاقتصاد المرموقة في العاصمة البريطانية. وفي خلفيته العائلية، يتحدّر أوسوف من عائلة يهودية الأب، وهو متزوّج من الطبيبة أليشا كرامر، ولهما ابنتان.

في بدايات مسيرته، التحق أوسوف متدّرباً بمكتب جون لويس، أحد أبرز رموز حركة الحقوق المدنية، ثم عمل مساعداً للنائب هانك جونسون في ملفات الدفاع والسياسة الخارجية. وبحسب سيرته الشخصية، لم يصل إلى السياسة من خارج مؤسساتها، لكنه لم يمضِ حياته المهنية كلها داخلها.

صحافي استقصائي

أوسوف عمل في الصحافة الاستقصائية وإنتاج الأفلام الوثائقية، وأدار شركة «إنسايت تي دبليو آي». وتُقدمّ حملته هذه التجربة بعدِّها أساس اهتمامه بانتهاكات الحقوق وإساءة استخدام السلطة. وفي هذا المسار ما يفسّر، بالفعل، جانباً من شخصيته العامة، بوصفه سياسياً يهتم بكيفية رواية القضية، وباختيار التفاصيل التي تجعل فساداً مؤسسياً أو تقصيراً إدارياً ظاهرة مفهومة لجمهور لا يتابع جلسات اللجان.

اختباره الانتخابي الكبير الأول جاء عام 2017، حين ترشّح لمجلس النواب في إحدى دوائر ولايته جورجيا، وسرعان ما تحوّلت تلك الانتخابات الخاصة إلى مواجهة وطنية مبكّرة مع ترمب في ولايته الأولى. وبحسب صحيفة الـ«أتلانتا جورنال كونستيتيوشن» المرموقة، كسب أوسوف اهتماماً وجمع أموالاً... غير أنه خسر أمام الجمهورية كارين هاندل. تلك الخسارة كانت تنبيهاً مهماً إلى أن الحماسة الوطنية والظهور الإعلامي لا يكفيان للفوز، بل لا بد للمرشح الذي يطمح لأن يغدو رمزاً لحزبه من أن ينجح في إقناع ناخبين لا يريدون التصويت لرمز حزبي.

تجربة ناجحة حملته إلى مجلس الشيوخ

وحقاً، عاد أوسوف ليجرّب حظه، هذه المرة، في انتخابات مجلس الشيوخ. وهذه المرة هزم منافسه الجمهورية ديفيد بيرديو في جولة الإعادة يوم 5 يناير (كانون الثاني) 2021، بالتزامن مع فوز زميله القس الديمقراطي رافائيل وارنوك.

بهذا الفوز أصبح أوسوف أول سيناتور يهودي يمثل جورجيا، كما أصبح وارنوك أول سيناتور أسود لها. وبحسب وكالة «أسوشييتد برس» جاء هذان الانتصاران التاريخيان قبل يوم واحد من اقتحام الكابيتول، فارتبط صعودهما بلحظة كشفت عمق الصراع على الديمقراطية الأميركية.

إما إعادة انتخابه، بالأمس، فتمنحه الآن حجة أقوى... مفادها بأن نجاحه الأول لم يكن واقعة يتيمة.

هدوء لا يستبعد الهجوم

المفارقة في السيناتور أوسوف أن صورته الشابة، وقوامه النحيل، وملامحه الهادئة قد توحي بأنه سياسي يتجنب الاشتباكات، في حين أن جاذبيته لدى جمهور ديمقراطي تقوم على قدرته على خوضها.

إنه لا يعرض الاعتدال بوصفه خفضاً دائماً للصوت أو الإحجام عن تسمية الخصم. بل يجمع أداءً منضبطاً وانتقادات حادة، ما يمنح أنصاره إحساساً بأن الدفاع عن المؤسّسات لا يقتضي الظهور بمظهر العاجز أمام من يهاجمها.

وخلال حملته، استهدف ما سماه «تبعية» السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز (التي خسرت سباقها لمجلس الشيوخ عن ولاية ماين) لترمب، وواجه الرئيس بانتقادات تتعلق بالفساد وسوء الإدارة.

ووفق «أسوشييتد برس»، كانت تجمّعات أوسوف تُعَدّ بعناية، بينما يحوّل مساعدوه مقاطع خطبه سريعاً إلى مواد تنتشر على المنصّات. وهنا كانت تلتقي خبرته بالصورة مع حاجة الحزب إلى ناطق بليغ يستطيع الوصول إلى جمهور ما عادت البيانات الرسمية والمؤتمرات الصحافية كافية لاستمالته.

لكن مهارة التواصل ليست برنامجاً، في حين أن قيمة أوسوف السياسية تتوقّف على استخدام هذا الانتشار لبناء ثقة تستمر بعد انتهاء المواجهة. إذ سبق للديمقراطيين أن عرفوا مرشحين جذّابين ومقاطع رائجة، لكنهم لم ينجحوا في معالجة الشك في قدرتهم على تحسين الحياة اليومية. وبالتالي، سيكون اختباره الأصعب أن يحافظ على وضوح خطابه حين يصبح مُطالَباً بتفسير تسويات تشريعية معقّدة، لا بمهاجمة خصم انتخابي فقط.

الاقتصاد عبر الفساد

يحاول جون أوسوف، في صلب عرضه السياسي، وصل سؤالين كثيراً ما يفصل بينهما الخطاب الحزبي: لماذا ترتفع كلفة الحياة، ولمن تعمل السلطة؟

إنه يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة. وفي نصِ نشره عن الفساد، ربط بين اختلال السياسة وقدرة المؤسسات المالية على شراء المنازل، منتقداً اعتماد النظام السياسي على أموال الشركات والأثرياء عبر الحزبين.

غير أن خطابه هذا امتد تشريعياً، حين شارك في جهود لحظر تداول أعضاء الكونغرس الأسهم. فقد طرح مع السيناتور مارك كيلي مشروعاً لحظر «لجان العمل السياسي» التابعة للشركات الربحية، لكن لم يجر إقراره بعد. أما على صعيد الرقابة، فقد أسهم في إقرار قانون لتعزيز الإشراف المستقل على السجون الفيدرالية، بما يتيح له الاستناد إلى حصيلة عملية إلى جانب الوعود.

وتشمل مواقفه الدفاع عن قانون «الرعاية الصحية الميسَّرة»، والسعي إلى استعادة الإعانات المعزّزة لأقساط التأمين، ومعارضة التغييرات الجمهورية في التأمين الصحي «ميديكيد». وبحسب الـ«أتلانتا جورنال كونستيتيوشن» تناول أيضاً قضية شراء الشركات الكبرى المساكن، واستخدم أدوات التحقيق في مجلس الشيوخ لتوثيق أثر قيود الإجهاض في الرعاية الطبية. وهذه الملفات تمنح عباراته عن السلطة والمال ترجمة ملموسة: فاتورة تأمين، ومنزل يصعب شراؤه، وعلاج تتدخل فيه السياسة.

تنسجم هذه المقاربة مع تقرير في الـ«وول ستريت جورنال» عن توحّد الديمقراطيين حول القدرة على تحمل تكاليف المعيشة. وبحسب التقرير، اعتبر 89 في المائة من الناخبين كلفة الحياة عاملاً حاسماً أو مهماً في تصويتهم. ويضيف أن الاتفاق على المشكلة لا يحسُم العلاج، إذ يستطيع الوَسَطي والتقدمي الشكوى من الفاتورة نفسها، ثم الاختلاف جذرياً حول الضرائب والتأمين ودور الحكومة. وهنا يبدأ العمل الذي أخّره الانتصار ولم ينجزه.

ائتلاف بلا قطيعة

في الحقيقة، لا يختصر جون أوسوف نفسه في جناح آيديولوجي واحد، كونه يحتاج إلى تعبئة القاعدة الديمقراطية، وإلى طمأنة مستقلين وناخبين قابلين للانتقال بين الحزبين. وفي جورجيا، يمر بناء غالبية ديمقراطية عبر ربط قوة الناخبين السود بقطاعات من الضواحي والشباب والأقليات، مع تجنّب منح المتردّدين انطباعاً بأن التصويت للحزب يتطلب تبنّي جميع مواقف أكثر تياراته صخباً. وفعلاً، وفق مصادر إعلامية حصل أوسوف على تأييد حتى بعض المسؤولين الجمهوريين المحليين الذين أشادوا بعمله في الإغاثة والبنية التحتية والتمويل الفيدرالي. وتضيف المصادر أن هذه نقطة مهمة في فهم أسلوبه، إذ يمكنه مهاجمة ترمب وطنياً، والعمل مع جمهوريين محلياً، وإقناع بعضهم بأن العلاقة معه تُقاس أيضاً بما ينجزه لدوائرهم. فالاستقطاب الوطني لا يلغي تماماً مساحة المصالح المشتركة.

مع ذلك، يصعب اعتبار أوسوف نقيضاً جذرياً للتقدميين، فمقاومة نفوذ الشركات، والرقابة على السلطة، وحماية الحقوق، مواضيع يتقاطع فيها معهم. في حين يتعلّق الاختلاف بترتيب الأولويات وصياغة الرسالة وحدود الالتزام ببرامجهم. وهو لا يجعل الانتماء إلى اليسار عنوان مشروعه، ولا يثبت استقلاله عنه بتبنّي خطاب خصومه، بل يحاول إبقاء مساحة تسمح لمجموعات مختلفة بأن تجد سبباً لتأييده. أيضاً، لا يجوز افتراض أن نتيجة الانتخابات تكشف وحدها التركيب الدقيق لذلك الائتلاف. فمعرفة حجم اختراق أوسوف بين الجمهوريين، أو أثر مشاركة الشباب والناخبين السود، تحتاج إلى بيانات تفصيلية. ثم إن فوزه جاء في موجة وطنية مواتية وأمام منافس واجه مشاكل سياسية. وبالتالي، فالنجاح يثبت قدرته على استثمار الفرصة، لكنه لا يثبت بعد أن نموذجه قابل للنقل إلى كل ولاية.

إسرائيل وحدود التوازن

يشكل ملف إسرائيل اختباراً كاشفاً لموقعه داخل الحزب. فأوسوف يجمع تأييد أمن إسرائيل وانتقاد سياسات حكومتها، وصوّت لتقييد بعض مبيعات السلاح، من دون تبني وقف شامل للدعم العسكري. وفي بيان رسمي بشأن التصويت الذي جرى عام 2025، رفض أوسوف صمت مجلس الشيوخ على حرمان المدنيين في غزة وتجويع الأطفال، مع تأكيد أهمية ردع الهجمات على الإسرائيليين وانتقاد «حماس» واحتجازها الرهائن.

غير أن هذه الموازنة لم تكن مريحة انتخابياً له. إذ أثارت مواقفه من السلاح انتقادات في أوساط يهودية مؤيدة لإسرائيل، لكنها لم تجعله تلقائياً ممثلاً لمواقف الجناح الأكثر يسارية. والأدق أنها تعكس محاولة للفصل بين حماية الإسرائيليين ومنح حكومة بنيامين نتنياهو «موافقة مفتوحة» على طريقة إدارة الحرب. وهنا تصبح هويته اليهودية جزءاً من سياق مواقفه، لا تفسيراً كافياً لها.

هذه القضية تبيّن حجم المهمة أمام أي قائد ديمقراطي مقبل. فجمع الناخبين حول الأسعار أسهل من توحيدهم حول حرب وهوية وطنية وحدود استخدام القوة. كما يستطيع أوسوف أن يقدّم أسلوباً لإدارة التباين، لكن احتواءه داخل ائتلاف انتخابي لا يعني تسويته سياسياً. وبالتالي، إذا اتسع دوره، فسيواجه مطالب متعارضة للحصول على إجابات أكثر حسماً.

اختبار ما بعد الفوز

عموماً، تكمن جاذبية أوسوف في جمع عناصر يحتاج إليها الديمقراطيون: سن أصغر، وخبرة تشريعية متراكمة، وقدرة على التواصل، وسجل انتصارات في ولاية تنافسية. لكنه في المقابل، لم يتولَّ منصباً تنفيذياً، ولم يختبر بعد إدارة تنافس وطني داخل حزبه. لكن الأهم أن الفوز الكبير الأخير لا يمنح الحزب الديمقراطي تفويضاً مفتوحاً.


نجوم الديمقراطيين... صعود جديد وموازين مختلفة نحو 2028

شابيرو (أ.ب)
شابيرو (أ.ب)
TT

نجوم الديمقراطيين... صعود جديد وموازين مختلفة نحو 2028

شابيرو (أ.ب)
شابيرو (أ.ب)

رأى تقرير في صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، أن الانتخابات النصفية لم تمنح الديمقراطيين غالبية جديدة فحسب، بل وسّعت أيضاً دائرة الشخصيات القادرة على التأثير في وجهة الحزب. لكن التمييز يظل ضرورياً بين نجم انتخابي صاعد، وصاحب مشروع وطني، ومرشح رئاسي محتمل. فالانتصار قد يفتح الباب، لكنه لا يمنح الفائز تلقائياً تنظيماً وطنياً أو برنامجاً جاهزاً للرئاسة.

جيمس تالاريكو، الذي اخترق تكساس، مثّل فوزه بمقعد في مجلس الشيوخ إحدى أبرز المفاجآت. فالمشرّع والمعلم السابق، البالغ 37 سنة، يجمع خطاباً اقتصادياً شعبوياً ولغة دينية يستمدها من دراسته اللاهوتية. وتكمن أهميته في مخاطبة جمهور محافظ ثقافياً من داخل مفرداته الأخلاقية، مع تحدّي نفوذ الأثرياء. وهو يطرح سؤالاً يتجاوز مستقبله الشخصي: هل يستطيع الديمقراطيون استعادة لغة الإيمان من دون تبني سياسات اليمين؟

أما عبد الرحمن السيد، أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ، وذلك عن ميشيغان، فقد منح فوزه الجناح التقدمي حجّة ضد القول إن الفوز في الولايات المتأرجحة يتطلّب دائماً الابتعاد عن اليسار. لقد خاض السيد حملة تقدمية صريحة، بدعم من ألكساندريا أوكاسيو كورتيز. لكن قدرته على تحويل هذا الانتصار نفوذاً وطنياً ستتوقف على أدائه التشريعي وتوسيع تحالفاته، لا على رمزية الاختراق وحدها.

هينوهوسا (أ.ب)

روب ساند وآدم هاميلتون، لقد قدم فوز الأول بحاكمية آيوا والآخر بمقعد كانزاس في مجلس الشيوخ نموذجين مختلفين في الاستقلالية عن العلامة الحزبية. ركز ساند على المساءلة وتحسين الحكم، في حين قدّم هاميلتون، القس الذي كان جمهورياً في بداية العام، نفسه جسراً إلى المعتدلين. وهما يمنحان الوسطيين حجة موازية لحجة التقدميين: يمكن توسيع الخريطة أيضاً بمرشحين يتركون مسافة بينهم وبين الحزب الوطني.

جينا هينوهوسا في تكساس، وكيشا لانس بوتومز في جورجيا، وآمي أكتون في أوهايو، الحاكمات الجديدات، يفتح فوزهنّ مسارات جديدة للقيادة ورصيداً يحتاج إلى إنجاز. وتكتسب بوتومز مكانة تاريخية كأول امرأة سوداء تُنتخب حاكمة ولاية. لكن الانتقال إلى السلطة التنفيذية يعني أن اختبار الخدمات والموازنات سيبدأ سريعاً، وقد يعيد ترتيب الشعبية التي صنعتها الحملات.

ومع ذلك، حافظت بعض الأسماء الديمقراطية الراسخة على حضورها. فقد تعزّز موقع جوش شابيرو بانتصاره في بنسلفانيا، واحتفظ حاكم ماريلاند ويس مور وحاكم إلينوي جيه بي بريتزكر برصيد تنفيذي بعد إعادة انتخابهما. ويظل غافين نيوسوم وآندي بشير ومارك كيلي ضمن الأسماء المطروحة وطنياً، إلى جانب أوكاسيو كورتيز في النقاش حول قيادة التقدميين، بحسب «أسوشييتد برس».