قراءة في رسائل الانتخابات المحلية التركية لإردوغان

الناخبون عاقبوا حزبه بـ«صفعة عثمانية» أراد منهم توجيهها للمعارضة

قراءة في رسائل الانتخابات المحلية التركية لإردوغان
TT

قراءة في رسائل الانتخابات المحلية التركية لإردوغان

قراءة في رسائل الانتخابات المحلية التركية لإردوغان

وجّه الناخبون الأتراك إنذارا قوياً إلى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وحزبه الإسلامي الحاكم، حزب العدالة والتنمية، عبر صناديق الاقتراع في الانتخابات المحلية. ولئن كانت الانتخابات ككل انتهت بفوز «تحالف الشعب» بين العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية بعدد من البلديات أكبر من منافسيه، جاءت النتيجة كالزلزال أو «الصفعة العثمانية» التي دعا إردوغان الشعب لتوجيهها إلى «تحالف الأمة» الذي تألف من حزبي «الشعب الجمهوري» و«الجيد»، لترتد عليه بخسارة فادحة للمدن الثلاث الكبرى؛ إسطنبول وأنقرة وإزمير. وهذا رغم استمرار اعتراض حزب إردوغان على نتيجة إسطنبول والتقارير عن المطالبته بإلغائها بعد إعادة الفرز في 8 من مناطقها.
تمثل خسارة حزب «العدالة والتنمية» في إسطنبول، كبرى مدن تركيا و«عاصمتها» الاقتصادية، صدمة كبرى لزعيم الحزب الرئيس رجب طيب إردوغان، من منطلق المعتقَد السائد بأن من ينجح في إسطنبول ينجح في تركيا. واستطراداً، فإن من يفوز بإسطنبول في الانتخابات المحلية يفوز بتركيا في الانتخابات البرلمانية.
لكن ما يزيد من حجم الصدمة وتأثيرها أن إردوغان حافظ على رئاسة بلدية إسطنبول لمدة 25 سنة منذ فاز بالمنصب للمرة الأولى، ممثلاً لحزب الرفاه الإسلامي، ثم إن ما زاد الطين بلة بالنسبة للإسلاميين خسارتهم أيضاً العاصمة السياسية أنقرة بعدما ظلّت تحت سيطرتهم منذ عهد رئيس الوزراء الراحل نجم الدين أربكان، وحتى عهد إردوغان، طوال 25 سنة، وكذلك فشلهم في انتزاع بلدية إزمير من أيدي حزب الشعب الجمهوري المعارض، الذي نجح أيضاً في الفوز ببلديات مهمة أخرى في مقدمتها أنطاليا وأضنة وهطاي (الإسكندرونة).

حقبة جديدة
بهذه النتائج التي أفرزتها صناديق الاقتراع، دشّنت حقبة جديدة في تركيا بأيدي مواطنيها الذين ضغطت عليهم الأوضاع الاقتصادية لأكثر من نصف سنة قبل الانتخابات المحلية. وكان منها اهتزاز الليرة التركية وخسائرها المتوالية، وتجاوز التضخم حاجز 20 في المائة، والقفزة في البطالة التي وصل معدلها إلى ما يقرب من 13 في المائة، والغلاء الفاحش في أسعار المواد الغذائية الرئيسية، وهو ما دفع الحكومة إلى العودة لطرح الخضراوات والفاكهة في نقاط توزيع حكومية قبل الانتخابات خشية فقد الأصوات.
هذه الانتخابات جاءت عقب الانتخابات البرلمانية والرئاسية المبكرة، في يونيو (حزيران) الماضي، التي انتقلت فيها تركيا من النظام البرلماني إلى الرئاسي. وكان يعوّل عليها إردوغان لتثبيت نظامه الرئاسي التنفيذي عبر تأييد شعبي لم يأتِ كالمتوقَّع. وبالتالي، فإن المتغير الأهم الذي عكسته، في نظر كثير من المراقبين، هو نجاح المعارضة في إيجاد مسار توافقي ونجاح تحالفها الذي بدأ يتبلور في الاستفتاء على التعديلات الدستورية للانتقال إلى النظام الرئاسي، الذي أجرى في 16 أبريل (نيسان) 2017.
هذا التحالف ضغط على إردوغان في الفترة السابقة للانتخابات البرلمانية والرئاسية، التي مرّت بصعوبة بالغة على حزبه، ثم بلغ أداء المعارضة ذروة نضجه في الانتخابات المحلية التي قدّم نفسه بقوة وأقنع قطاعاً لا بأس به من الناخبين بحتمية التغيير. والحقيقة، أنه لم يكن أكثر المتفائلين في أحزاب المعارضة نفسها، أو أكثر المتشائمين في حزب «العدالة والتنمية» الحاكم وأنصاره، يتوقع الضربة القوية التي كشفت عنها نتائج إسطنبول وأنقرة، مع أن استطلاعات الرأي قبل الانتخابات التي أعلن إردوغان عدم اعتداده بها، رجّحت الخروج بنتيجة صادمة. وهذا ما حدث بالفعل، في مشهد قد يؤثر على توجهات إردوغان وحزبه مستقبلاً، وقد يدفعه وحليفه، حزب «الحركة القومية»، إلى تغيير منهج التحالف على ضوء الرسالة التي خرجت من الصناديق، واعتبرها موالون لـ«العدالة والتنمية» وإردوغان «انقلاباً سياسياً».

أسباب النكسة
أجمع المراقبون على عدد من الأسباب أدَّت إلى النتائج التي خرجت من صناديق الاقتراع، أهمها الوضع الاقتصادي الذي أثّر على الناخبين، مع عجز الحزب الحاكم عن تجاوز تأثيرات انخفاض العملة، والتضخّم، وارتفاع الأسعار. أما السبب الثاني فهو فقدان الخطاب السياسي لإردوغان تأثيره، كما كان في السابق، وشعور الناخبين بالملل من تكرار التهديدات وإظهار أن كل انتخابات - حتى لو كانت محلية - مسألة حياة أو موت. وللعلم، هذا خطاب بدأه حزب «الحركة القومية»، وانجر إليه حزب «العدالة والتنمية»، الحليف معه، وهو يعيد إلى الأذهان الأنظمة الديكتاتورية التي تربط بقاء الدولة ببقائها، ما اعتبر من جانب شريحة كبيرة من الناخبين تضخيماً وإفلاساً.
وأما السبب الثالث، فكان اعتماد إردوغان ووزير داخليته سليمان صويلو لغة التهديد، وتكرارهما وصف الساسة الأكراد بالإرهابيين، والتلويح بشكل مباشر بفرض الوصاية على البلديات التي يمكن لحزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد الفوز بها في الانتخابات. وكما حدث من قبل، أبعدت هذه اللغة التهديدية الناخبين الأكراد عن «العدالة والتنمية» في بعض المناطق ذات الأغلبية الكردية، ودفعتهم لتحديه. ويضاف إلى هذا دعوة صلاح الدين دميرطاش، الرئيس المشارك لحزب «الشعوب الديمقراطي»، والمسجون حالياً، مناصري الحزب للتصويت لمرشحي المعارضة في إسطنبول وأنقرة، ما أدى إلى ترجيح كفتها والتنمية.
أخيراً، هناك سبب رابع، من جهة نظر المراقبين، هو مواصلة إردوغان التوظيف السياسي للشعارات الإسلامية والاستغلال الخاطئ للهجوم الإرهابي على مسجدي مدينة كرايستشيرش في نيوزيلندا، وتكراره عرض صور المجزرة في التجمّعات الانتخابية، ما أثار استياء ورفض شريحة واسعة من المواطنين لهذا الأسلوب.

الخطوة المقبلة
التقط إردوغان الرسالة سريعاً، وأعلن أنه سيعمل على تحديد أوجه القصور، والعمل على إصلاحها. ثم قال إن أولويته خلال الفترة المقبلة ستكون تعزيز الاقتصاد وزيادة فرص العمل، لإدراكه أن الصعود الاقتصادي الذي تحقق في تركيا خلال فترة حكم «العدالة والتنمية» كان من أهم الأسباب التي جعلته يحتفظ بالحكم حتى الآن. ومعروف أن تراجع سعر الليرة وارتفاع التضخم والبطالة وتزايد حالات الإفلاس كانت من العوامل الأساسية لتراجع التأييد لحزبه، على الرغم من الجهود الضخمة التي بذلها بنفسه في الحملة الانتخابية، وتجنيد جميع وسائل الإعلام، وتكثيف الحملات الإعلانية والمقابلات التلفزيونية على مدى أكثر من 3 أشهر قبل الانتخابات.
في المقابل، اعتمدت المعارضة في حملتها الانتخابية على تدهور الأوضاع الاقتصادية وغيرها من المشكلات الأساسية لتركيا، موضحة للناخبين أنهم بحاجة إلى توجيه رسالة قوية إلى الحكومة. وبالفعل، أظهرت استطلاعات الرأي قبل الانتخابات أن ما يقرب من 7 من كل 10 أشخاص يصنّفون الصعوبات الاقتصادية على أنها أهم مشكلة في تركيا، بشكل عام، مقابل 4 إلى 5 في المائة رأوا أن الأمن هو المشكلة الأكثر أهمية.
من ناحية أخرى، توقعت استطلاعات الرأي فوز مرشح حزب «الشعب الجمهوري» منصور ياواش في أنقرة، لكنها أبقت على حظوظ بن علي يلدريم، السياسي المخضرم ورئيس الوزراء السابق الذي اختاره إردوغان وجعله يترك رئاسة البرلمان من أجل حسم إسطنبول، التي تُعدّ المعقل الأهم سياسياً واقتصادياً. وهنا نشير إلى أن إردوغان لم يذق طعم الهزيمة منذ تولى رئاسة بلدية إسطنبول عام 1994. بل حقق إنجازات كبرى فيها، أهمها جلب الاستثمارات وتخفيف أزمة المرور، والطفرة في الإسكان، والتوسع العمراني، وتوفير الوظائف. ولذا وضع كل ثقله في الانتخابات المحلية الأخيرة، معتبراً إياها معركة حياة أو موت، لكن نتائجها الصادمة جاءت بمثابة استفتاء على حكم «العدالة والتنمية»، وسياساته الداخلية والخارجية التي باتت موضع انتقادات حادة.
الآن قد تبلغ الآثار الارتدادية لهذه الخسائر ما هو أقوى وأبعد، بسبب حالة التذمر المتنامية داخل الحزب الحاكم، خصوصاً في أوساط القيادة التاريخية التي جرى إبعادها وتهميشها من جانب إردوغان. على رأس هؤلاء الرئيس السابق عبد الله غُل ورئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، الذي أجبره إردوغان على الاستقالة أيضاً، كما تردد في أوساط الحزب لرفضه دعم مشروعه بالانتقال إلى النظام الرئاسي. وهكذا تصاعدت الاتهامات لإردوغان بالفردية، وبدأ متهموه التخطيط لتأسيس حزب سياسي جديد.
إردوغان أرجع النتائج الصادمة إلى سوء تقديم حزبه نفسه في المناطق التي خسر فيها، إذ قال: «السبب الوحيد الذي حال دون حصولنا على النتيجة المرجوة من الانتخابات هو عدم تقديم أنفسنا للشعب بشكل كافٍ.. سنقوم بتحديد أوجه القصور لدينا والعمل على تلافيها... إذا كانت لدينا نواقص، فإن إصلاحها دين على عاتقنا». غير أن الاعتراف بالتقصير لم يؤد إلى استيعاب إمكانية خسارة المعاقل التقليدية للحزب الحاكم، فقرر الطعن على نتائج الانتخابات في بعض مناطق إسطنبول وأنقرة، في حين اعتبر حزب «الشعب الجمهوري» المعارض، أن «الشعب أظهر موقفاً مؤيداً للديمقراطية»، وأن ذلك «يمثل ضوءاً مهماً للغاية بالنسبة للحزب»، حسبما أعلن رئيسه كمال كليتشدار أوغلو.

أجواء ملتهبة
عطفاً على ما سبق، حتى بعد انتهاء المعركة، استمرت الأجواء الملتهبة التي غلفت الاستعدادات لها، مع طعن حزب «العدالة والتنمية» على النتائج في أنقرة وإسطنبول، ومطالبة أكرم إمام أوغلو، مرشح حزب الشعب الجمهوري الفائز في إسطنبول، كلاً من الرئيس إردوغان و«حليفه» دولت بهشلي، رئيس حزب الحركة القومية، بأن يكونا «على قدر المسؤولية، والتصرف مثل رجال دولة، وتحاشي زجّ البلاد إلى المزيد من الفوضى».
ولفت إمام أوغلو إلى أن «عمليات فرز الأصوات جرت أمام المندوبين الرسميين لحزب (العدالة والتنمية)، وموظفي الدولة المكلفين بالصناديق الانتخابية، وأمام غيرهم من المعنيين بحضور عمليات الفرز. ولقد خُصص لكل صندوق انتخابي موظفون من الدولة، واثنان على الأقل من مندوبي (العدالة والتنمية)، فضلاً عن ناخبين وغيرهم. ثم إن الاعتراضات (التي تقدم بها العدالة والتنمية) الحالية الهدف الوحيد منها هو تشويش العقول... ومن هنا أدعو اللجنة العليا للانتخابات للقيام بوظيفتها ووقف مثل هذه الممارسات، حتى لا ننسى الوضع الاقتصادي والسياسي الصعب الذي تمر به البلاد، وحتى لا يسيء أحد لصورة تركيا أمام العالم». واعتبرت أصوات أخرى من المعارضة أن إعادة فرز الأصوات، ما هي إلا مناورة لسرقة الانتخابات الراهنة الموصومة بعدم النزاهة.
أما خارجياً، فكان فريق مراقبة الانتخابات التابع لـ«مجلس أوروبا» قد أعلن أن تركيا لم تستوفِ القيم والمبادئ الانتخابية المعمول بها في أوروبا. ودعت واشنطن، على لسان نائب المتحدث باسم الخارجية التركية روبرت بلادينو، تركيا إلى قبول نتائج الانتخابات. وقال إريك إيدلمان، السفير الأميركي الأسبق لدى تركيا، إنه «إذا ما تمكّنت الحكومة التركية من إلغاء نتائج الانتخابات الحالية، فسيمثل ذلك نهاية أكيدة للانتخابات في تركيا».
هذا، ويعتبر مراقبون أن لدى إردوغان وسائل أخرى في متناول يديه إن هو أخفق في العصف بنتائج الانتخابات الحالية عبر مناورة إعادة فرز الأصوات. ومن بين الأدوات المحتمَل استخدامها الاستعاضة عن رؤساء البلديات المعارضين بآخرين من المؤيدين للحكومة، كأوصياء على البلديات التي فازوا بها في الانتخابات. ولقد أثبت حزب الشعوب الديمقراطي أنه لا يزال يتمتع بقوته على الرغم من خسارة بلديتين من 10 بلديات كبيرة كان يسيطر عليها، وفاز في 8 ولايات على الرغم من الحملة الشرسة التي يتعرض لها.

الانتخابات والسياسة الخارجية
في هذه الأثناء، تساءلت بارتشين يناتش، الكاتبة في صحيفة «حرييت» التركية واسعة الانتشار، عن مدى تأثير نتائج الانتخابات المحلية على السياسة الخارجية لتركيا. وقالت: «لو كنا، كمراقبين، في ظروف عادية ما طرحنا هذا السؤال. هذا يرجع جزئياً إلى حقيقة أن تركيا تمر بمرحلة انتقالية من نظام برلماني إلى نظام رئاسي، وإلى الاعتقاد السائد في الداخل والخارج بأن السياسة الخارجية متداخلة مع السياسة الداخلية».
وأضافت أن «ما سنحتاج إلى مراقبته على المدى القصير إلى المتوسط هو كيف ستتشكل علاقات تركيا مع كل من واشنطن وموسكو، وكذلك مواقف هؤلاء اللاعبين الثلاثة في الشرق الأوسط». وتساءلت عن إمكانية الاستمرار في صفقة صواريخ «إس - 400» الروسية، وأيضاً شراء طائرات «إف - 35» أو صواريخ «باتريوت» الأميركية في ظل الاضطرابات الاقتصادية المحتملة التي قد تظهر في الأيام المقبلة «ففي بعض الأحيان قد يكون الخبز والزبد أكثر حيوية من صواريخ وطائرات بمليارات الدولارات». وهنا، استبعد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أن يكون للانتخابات المحلية تأثير على العلاقات بين أنقرة وواشنطن، أو الدول الأخرى.

حصيلة الانتخابات بالأرقام
> فاز حزب «العدالة والتنمية» بـ16 بلدية كبرى و24 بلدية في مدن أصغر و538 بلدية أقضية، و200 بلدة، وفاز حليفه حزب «الحركة القومية» ببلدية كبرى واحدة، و10 بلديات مدن، و146 منطقة، و70 بلدة بمجموع 227.
> فاز حزب الشعب الجمهوري المعارض بـ10 بلديات كبرى، و10 بلديات مدن، و192 منطقة، و34 بلدة، بمجموع 246، وحليفه الحزب «الجيد»، في 18 بلدية مدينة و3 بلدات.
> بلغت نسبة أصوات «العدالة والتنمية» 44.4 في المائة وحليفه «الحركة القومية» 7.2 في المائة، وبذا حصل «تحالف الشعب» الذي يضمهما على 51.6 في المائة من إجمالي عدد الأصوات، وفق النتائج الأولية.
> فاز «تحالف الأمة» المعارض بنسبة 37.2 في المائة من الأصوات، موزّعة بنسبة 30 في المائة لحزب الشعب الجمهوري و7.2 للحزب «الجيد». وبينما حصل حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد على 4.3 في المائة من الأصوات، وفاز في 3 بلديات كبرى، و5 بلديات مدن، و50 منطقة، و11 بلدة، بمجموع 69 بلدية، ذهبت بقية البلديات للمستقلين.
> تجاوزت نسبة المشاركة في الانتخابات 84 في المائة من أصل 57 مليون مواطن يحق لهم التصويت، في حين كانت نسبة المشاركة في الانتخابات السابقة عام 2014 قد بلغت 89 في المائة من أصل 48 مليون ناخب. ويومذاك حقق حزب العدالة والتنمية نسبة 45.5 في المائة من الأصوات، أي أن نسبته تراجعت في انتخابات 2019 بنسبة 1.1 في المائة.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».