المال والإعلام والأمن رداً على المأزق السياسي

أزمة مؤسسات العمل العربي المشترك

المال والإعلام والأمن رداً على المأزق السياسي
TT

المال والإعلام والأمن رداً على المأزق السياسي

المال والإعلام والأمن رداً على المأزق السياسي

ألقى الواقع العربي والإسلامي والدولي المتأزم سياسياً وأمنياً واجتماعياً، ومبادرات الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن القدس ومرتفعات الجولان السورية، بظلاله على القمة العربية في دورتها الـ30 في العاصمة التونسية تونس، ومقرراتها ذات الصبغة السياسية والاقتصادية والأمنية. وكان على رأس الأسئلة المطروحة أمام الجميع: هل يمكن للدول العربية اليوم تجاوز تعثر الجانب السياسي في العمل العربي المشترك الذي شهد منعرجاً منذ حرب الخليج عام 1991 والتصدع الذي استفحل بعد الاجتياح الأميركي للعراق عام 2003، واندلاع سلسلة من الحروب والأزمات بعد ثورات «الربيع العربي» عام 2011؟ وهل ينجح أكثر من 6 آلاف خبير ومسؤول عربي شاركوا في «قمة تونس»، والتظاهرات الموازية لها، في إعادة ثقة المواطن العربي في وحدة مصير العرب ومؤسسات العمل العربي المشترك، على الأقل، في قطاعات التنمية والأمن والثقافة والإعلام؟ وهل ستجد جامعة الدول العربية ومنظماتها المتخصصة، مثل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، حلاً لمعضلات تمويلها وديونها؟
يلاحظ أن تصريحات أغلب الرسميين والمثقفين والإعلاميين والحقوقيين العرب قبل «قمة تونس» الأخيرة، وبعدها، كشفت عن ارتفاع منسوب التفاؤل بإعادة الثقة في العمل العربي المشترك، مع دعوات إلى الاستعاضة عن الشعارات السياسية بمنطق تقاطع المصالح والشراكة الاقتصادية، وترفيع مستوى التنسيق والتعاون في قطاعات الأمن والقضاء والتربية والثقافة والإعلام. ولقد تضمن البيان الختامي للقمة 17 نقطة، بينها قرارات مهمة حول هذه القطاعات، بما فيها ملف الوقاية من التطرّف والإرهاب عبر التنمية البشرية والاقتصادية. ونوّه أحمد أبو الغيط، أمين عام جامعة الدول العربية، وعدد من وزراء الخارجية والاقتصاد والتجارة العرب بتلك القرارات. واعتبر السفير محمود الخميري، المدير العام للشؤون العربية والإسلامية في الخارجية التونسية والناطق الرسمي باسم القمة العربية، أن القادة العرب أخذوا بعين الاعتبار التوصيات الطموحة التمهيدية التي أعدها الخبراء، ثم مؤتمر وزراء الداخلية والعدل والشؤون الاقتصادية العرب.

التنمية أو التطرف والإرهاب
لقد أكد القرار الخامس عشر الصادر عن القمة على العلاقة بين ملفات الأمن والقضاء ودعم التنمية الشاملة في النهوض بأوضاع المنطقة. ونص على «تحصين المجتمعات العربية ضدّ آفات التطرف والإرهاب، وتقليص مظاهر الإقصاء والتهميش»، وأوصى بتطوير الاستثمار في قدرات الإنسان العربي وتأهيله علمياً ومعرفياً وقيَمياً. كذلك، شدّد البيان الختامي للقمة على «تحسين مؤشرات التنمية البشرية في البلدان العربية، وتوسيع مجالات مشاركة الشباب في الشأن العام وآليات اتخاذ القرار، ودعم دوره في تحقيق التنمية الاقتصادية والنهضة الاجتماعية، إلى جانب تعزيز دور المرأة ومشاركتها في مختلف مناحي الحياة العامّة، ومزيد من توفير أسباب تمكينها اقتصادياً واجتماعياً»، مع قرار بـ«تركيز الجهود على دعم خطط التربية والتعليم والبحث العلمي، وتمكين الشباب العربي من الأخذ بناصية العلوم والتكنولوجيات الحديثة».
واعترف بيان «قمة تونس»، أيضاً، بأهمية البعدين الاقتصادي والتنموي في العمل العربي المشترك، وبالحاجة الملحة إلى مضاعفة الجهود المشتركة من أجل دفع التعاون الاقتصادي وتفعيله. وأكدت القرارات على ضرورة تكثيف الجهود من أجل رفع حجم التبادل التجاري وإقامة المشاريع الاستثمارية، بما يمكنّ من بناء «تكتل اقتصادي عربي»، يكون قادراً على الانخراط الإيجابي في المنظومة الاقتصادية العالمية، والإسهام في دفع مسارات التنمية في البلدان العربية وتوفير فرص العمل للشباب العربي.

مناخ الأعمال... والشفافية
الخبير الاقتصادي التونسي رضا الشكندالي رحّب بالقرارات الاقتصادية والتنموية للقمة، واعتبر أنها يمكن أن تحقّق تقدماً نوعياً نحو إزالة القيود الجمركية عند التبادل التجاري المنتجات العربية. بيد أن الشكندالي اعتبر أن الإجراءات التجارية «غير قادرة وحدها على إعطاء ديناميكية للتجارة البينية للدول العربية». واشترط تحسين مناخ الأعمال لكثير الدول العربية التي تتبوأ مراتب متأخرة في ترتيب مناخ الأعمال إقليمياً ودولياً؛ ما يفسّر ضعف الاستثمارات البينية بين الدول العربية مقارنة بما تستثمره هذه الدول خارجها. واعتبر إلياس فخفاخ، وزير المالية التونسي السابق ورئيس المجلس الوطني لحزب التكتل التونسي، أن الدول العربية «مطالبة بفتح ملفات الشفافية والحوكمة الرشيدة وبيئة الأعمال في الدول العربية، وما يتبع ذلك من أولويات، مثل التحرّر من آفات الرشوة والبيروقراطية الإدارية والتعقيدات السياسية والجبائية وغيرها» من الآفات التي تعرقل دفع الاستثمارات البينية العربية.

فجوة عميقة
إلا أن المتابع لتوزيع الثروة في البلدان العربية يلاحظ الفجوة العميقة جداً بين منطقة المغرب العربي، التي تستوعب ربع سكان الوطن العربي، لكنها لا تمتلك إلا نحو 13 في المائة من الناتج الاقتصادي للوطن العربي، ودول مجلس التعاون الخليجي التي توفر أكثر من نصف الناتج العربي، بينما لا يمثل سكانها إلا 13 في المائة من السكان. ومن ثم، فإن الفجوة عميقة جداً بين متوسط الدخل السنوي في دول الخليج العربية وفي الدول المغاربية مثلاً، وهو في الدول الخليجية أكبر بحدود 8 أضعاف دخل المواطن في دول المغرب العربي، رغم وجود دولتين نفطيتين مغاربيتين، هما الجزائر وليبيا. ويبدأ الحل، حسب وزير التجارة التونسي السابق محسن حسن، في دعم التجارة البينية للدول العربية، التي وصفها حسن بأنها «الأضعف حالياً في التكتلات الإقليمية الدولية؛ إذ لا تمثل الواردات البينية إلا نحو 13 في المائة من الواردات الإجمالية للدول العربية و12 في المائة من صادراتها. وحقاً، تعتبر منطقة المغرب العربي الأقل تعاملاً مع الدول العربية؛ إذ لا تتجاوز قيمة صادراتها ووارداتها معها الـ7 في المائة تقريباً، خلافاً للدول الخليجية التي تربطها مبادلات بينية كبيرة. وأفاد حمادي الكعلي، رئيس مجلس الأعمال التونسي السعودي، بأن «الشهر الحالي سيشهد اجتماعين مهمين في جدة والرياض بين مستثمرين سعوديين وتونسيين ووزراء اقتصاد وتجارة من البلدين لمحاولة تدارك هذه الفجوة».

تقاطع المصالح
في السياق ذاته، دعا الحبيب بن يحيى، الأمين العام السابق للاتحاد المغاربي ووزير خارجية تونس سابقاً، إلى «تطبيع شامل للعلاقات العربية - العربية»، وإلى توظيف مقررات «قمة تونس» لتحسين فرص التنمية الاقتصادية والبشرية، والتفاعل مع مشاغل الشباب والجيل الجديد، وإعطاء فرصة «لتقاطع المصالح» ثنائياً وعربياً، وإطفاء الفتن والحرائق التي تؤرق الشعوب والحكومات العربية مشرقاً ومغرباً. في حين اعتبر وزير الخارجية التونسي خميس الجهيناوي، أن من بين ما يدفع للتفاؤل تأكيد بيان «قمة تونس» على كون «ما يجمع البلدان والشعوب العربية أكثر بكثير مما يفرّقها، وأنّ استمرار الخلافات والصراعات في المنطقة، ساهم في استنزاف الكثير من الطاقات والإمكانات العربية، وتسبب في إضعاف التضامن العربي وأثّر في الأمن القومي العربي، كما أتاح التدخل في شؤون المنطقة».

وزراء الداخلية العرب
من ناحية ثانية، دعا بعض الخبراء والإعلاميين، مثل زياد كريشان، رئيس تحرير صحيفة «المغرب» التونسية، الدول العربية إلى «التواضع» ووقف رفع شعارات سياسية طموحة تتجاوز قدراتها. واقترح كريشان «إعطاء الأولوية للتنسيق الاقتصادي والأمني، وتفعيل دور الأمانة العامة لوزراء الداخلية العرب في مجالات مكافحة الجريمة المنظمة والمخدّرات والتطرّف والإرهاب، إلى جانب تشجيع بقية هيئات العمل المشترك ذات الصبغة التنموية، مثل الهيئة العربية للطاقة الذرية، ومنظمة الأسرة العربية، واتحاد إذاعات الدول العربية. وأورد عبد اللطيف عبيد، الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، ومحمد بن علي كومان، الأمين العام لمجلس وزراء الداخلية العرب، أن التنسيق الأمني والقضائي بين الدول العربية يكاد يكون أهم إنجاز ملموس يحظى بالإجماع عربياً. ولقد ساهم خلال السنوات الـ30 الماضية في مكافحة انتشار المخدّرات والإرهاب والجريمة المنظمة والجرائم الإلكترونية والتهريب والهجرة غير القانونية؛ ما انعكس إيجاباً على الأوضاع الاقتصادية والتنموية العربية.

الأمن والتعليم والإعلام والثقافة
جدير بالذكر، أنه على بعد أمتار قليلة من مقر انعقاد القمة العربية الـ30 ناقش مئات الخبراء والمسؤولين عن قطاعات الاقتصاد والأمن والتعليم والإعلام والثقافة في جامعة الدول العربية والدول الأعضاء مشاريع بالجملة، تتصل بدعم سياسات «تقاطع المصالح» الثنائية والجماعية على «الشعارات السياسية الوحدوية الطموحة التي تبدو غير واقعية في مرحلة إعادة بناء النظامين الإقليمي والدولي»، على حد تعبير الخبير العراقي الأممي دار البصام، ووزير المالية التونسي السابق حكيم حمودة. وبحث المؤتمر، الذي شارك فيه رسميون كبار من تونس ودول عربية وإسلامية عدة، طوال 3 أيام مواضيع تنمية عربية ذات أبعاد مصيرية، من بينها: التعليم واحتياجات سوق العمل العربية، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال، والإعلام الحديث والاقتصاد الرقمي، والزراعة الذكية، والاستثمار والتنمية والاستقرار الأمني والتنمية الشاملة، ودور مؤسسات العمل العربي المشترك في تحقيق أهداف التنمية المستدامة في المنطقة العربية. كذلك، نظم جلسة حول التجارب والممارسات الناجحة لبعض مؤسسات العمل العربي المشترك في قطاعات الإعلام والثقافة والتربية والعلوم والتكنولوجيا والطاقة الذرية والأمن.
ولعل من أبرز نقاط القوة في هذا المؤتمر الذي عُقد على هامش القمة، أنه أصدر توصيات عملية أكدت على دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، واعتبارها «قاطرة للتنمية» وآلية ناجعة لمواجهة الكثير من التحديات، وبخاصة البطالة والفقر والتهميش في صفوف الشباب. وصدرت عن المؤتمر توصيات الملاءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل في المنطقة العربية، مع التأكيد على توظيف التقنيات الحديثة في الزراعة لتوفير الأمن الغذائي والأمن العربي، وفي الإعلام والتربية والتعليم.

التمويل الذاتي... قصة نجاح
وفي ظل الأزمات المالية والإدارية التي تتخبط فيها مؤسسات العمل العربي المشترك، تبدو «قصة النجاح الوحيدة» هي اتحاد إذاعات الدول العربية؛ لأنه اعتمد منذ أزمة 1990 - وتحديداً، منذ 1996 - استراتيجية شاملة وناجعة للتمويل الذاتي، حسب مديره العام المهندس عبد الرحيم سليمان. وتابع سليمان موضحاً أنه بخلاف منظمات العمل العربي المشترك التي تعتمد على الهبات أو مساهمات الدول الأعضاء، فإن اتحاد إذاعات الدول العربية اعتمد كلياً على التمويل الذاتي، وعلى مردود الخدمات الإعلامية والاتصالية التي يقدمها للدول ولمؤسسات القنوات الإذاعية والتلفزيونية ومشاهديها. وجرى تطوير نظام التمويل الذاتي، بضبط صيغة جديدة لتمويل الموازنة السنوية للاتحاد اعتباراً من عام 2017، وأعيد النظر في كيفية استثمار أموال الاتحاد لدى البنوك بصفة جذريّة. وأدى هذا الخيار إلى نتائج إيجابية جداً، واعتماد الاتحاد على موارده الذاتية في بناء مقره الجديد ومؤسسة دولية للتدريب، كما شرع في بناء فندق خاص به وضيوفه.

السير بين الألغام
في المقابل، يعتقد بعض المثقفين العرب، مثل الخبير الفلسطيني سيف الدرين، أن مقررات مؤتمرات القادة العرب، وكذلك توصيات مؤتمرات وزراء العدل والداخلية والتجارة والاقتصاد والمالية والخارجية العرب، «قد تحال على الأرشيف ولا تجد طريقها إلى التنفيذ» إذا لم ينجح صنّاع القرار في العواصم العربية في «السير بين الألغام» واحتواء الأزمات والصراعات المدمّرة التي تشهدها المنطقة، وبالذات، في فلسطين، وليبيا، وسوريا، واليمن، والخليج.
وبحكم تعقد الأوضاع السياسية والاقتصادية الاجتماعية الداخلية في عدد من الدول العربية، وتراكم الصعوبات الاقتصادية في الدول الأوروبية – التي هي الشريك الاقتصادي الأول لكثرة منها -، دعا سياسيون تونسيون، مثل رضا بالطيب، وزير الاقتصاد والاستثمار الدولي التونسي السابق، إلى تفعيل مقترحات قديمة سبق أن قدمها بعض الخبراء الاقتصاديين العرب، مثل اعتماد برنامج «مارشال عربي»... تخصّص من خلاله مبالغ مالية رمزية لدعم اقتصاديات الدول العربية غير النفطية التي تواجه صعوبات كبيرة، مثل تونس، والأردن، وموريتانيا، وسوريا، والسودان.

مخاوف وحذر
في الأثناء، عُبّر في وسائل الإعلام التقليدية والاجتماعية التونسية والعربية عن مخاوف بالجملة من الحكومات العربية في تنفيذ توصيات الخبراء والوزراء وقرارات الملوك والرؤساء العرب، وأيضاً في التفاعل مع مطالب ممثلي المجتمع المدني والشعوب العربية، وعلى رأسها الحق في التنمية والديمقراطية والإصلاح السياسي. ولقد رحب وزير الخارجية التونسي خميس الجهيناوي بما وصفه «وجهة نظر المجتمع المدني» ومقترحاته للقادة، لكن «شرط التعبير عنها في سياق احترام القانون ومصالح البلاد وثوابتها». ويذكر أن القمة العربية التي كانت قد عقدت في تونس عام 2004 تزامنت بدورها مع تنظيم قمة موازية من قِبل نشطاء في المجتمع المدني التونسي والعربي، بمشاركة عدد كبير من الحقوقيين والإعلاميين والمثقفين. وقد تأتي الأسابيع والأشهر المقبلة بالجديد، وستكشف ما إذا كانت العواصم العربية ستنفذ مقررات القمة على الأقل في أبعادها الاقتصادية والتنموية والأمنية، أم يحصل العكس.
لكن التطورات في مجالات الشراكة الاقتصادية ورفع مستوى التنسيق الأمني ومكافحة الإرهاب والمخدرات، أمور تبقى رهينة المتغيرات الداخلية في الدول العربية، وبخاصة تلك التي تمر بمرحلة مخاض سياسي اجتماعي، كالجزائر، وتونس، والسودان، والأردن. كذلك ستكون رهينة تطورات الأوضاع الاستثنائية في البلدان التي تعاني منذ 7 سنوات من الحروب، مثل اليمن، وسوريا، وليبيا.
هذه الأوضاع الاستثنائية تؤكد الحاجة إلى «خطة بديلة» للعمل العربي المشترك، تعطى فيه الأولوية للملفات التي يوجد حولها قدر من التوافق والإجماع، مثل التنسيق الأمني، والشراكة الاقتصادية، والثقافية، والتربوية، والإعلامية.

العرب والتكامل الاقتصادي: أرقام وحقائق
> منذ أربعينات القرن الـ20، أسست الدول العربية «بروتوكول الإسكندرية» عام 1944، وأقرّت «ميثاق الجامعة العربية» عام 1945.
> خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي، وُقّع على «ميثاق العمل الاقتصادي القومي» عام 1980، و«اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية» عام 1981.
> عام 1997، جرى إقرار «قواعد المنشأ العربية لتسهيل التبادل التجاري بين الدول العربية».
> عام 1988، أُعلن عن «منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى».
> أسست الدول العربية 7 اتحادات عربية في مجالات عدة تغطي النقل البري والبحري، والصناعات الهندسية، والصناعة، والزراعة، والصيد البحري، والتأمين، هي: الاتحاد العربي للنقل البري، واتحاد الموانئ البحرية العربية، والاتحاد العربي لغرف الملاحة البحرية، والاتحاد العربي للصناعات الهندسيـة، والاتحاد لغرف التجارة والصناعة والزراعة، والاتحاد العام العربي للتأمين، والاتحاد العربي لمنتجي الأسماك.
> أسست الدول العربية 9 منظمات عربية تنموية متخصّصة، هي: مجلس الوحدة الاقتصادية العربية، ومنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك)، والمنظمة العربية للتنمية الإدارية، والمركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة، والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، ومنظمة العمل العربية، والمنظمة العربية للتنمية الزراعية، والمؤسسة العربية للاتصالات الفضائية، والمؤسسة العربية لضمان الاستثمار.
> تمثل الدول العربية مجتمعة نحو 400 مليون نسمة بناتج محلي إجمالي يناهز 354 2 مليار دولار أميركي، نصفه تقريباً من إجمالي السلع الإنتاجية والنصف الآخر من الخدمات الإنتاجية (26 في المائة) والخدمات الاجتماعية (28 في المائة).
> تمثل الصناعات الاستخراجية 41 في المائة من مجموع الإنتاج السلعي، بينما لا تمثل الزراعة والصيد البحري سوى 6 في المائة.
> تنتج دول مجلس التعاون الخليجي أكثر من نصف إجمالي الناتج المحلي للدول العربية مجتمعة (59 في المائة)، وبخاصة المملكة العربية السعودية (27 في المائة) ودولة الإمارات العربية المتحدة (16 في المائة) تليهما مصر (11 في المائة)، بينما لا تمثل دول المغرب العربي إلا 14 في المائة من مجموع إنتاج الدول العربية، رغم إنتاج الجزائر وليبيا للنفط والغاز.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.