برهم صالح والحلبوسي يبلغان الوفد السعودي استعداد العراق لعلاقات متطورة

افتتاح القنصلية السعودية في بغداد ومذكرة تفاهم لتزويد العراق بالطاقة الكهربائية

وزير التجارة السعودي ووزير الخارجية العراقي ومسؤولون من البلدين خلال افتتاح مقر القنصلية السعودية في بغداد (أ.ب)
وزير التجارة السعودي ووزير الخارجية العراقي ومسؤولون من البلدين خلال افتتاح مقر القنصلية السعودية في بغداد (أ.ب)
TT

برهم صالح والحلبوسي يبلغان الوفد السعودي استعداد العراق لعلاقات متطورة

وزير التجارة السعودي ووزير الخارجية العراقي ومسؤولون من البلدين خلال افتتاح مقر القنصلية السعودية في بغداد (أ.ب)
وزير التجارة السعودي ووزير الخارجية العراقي ومسؤولون من البلدين خلال افتتاح مقر القنصلية السعودية في بغداد (أ.ب)

افتتحت في بغداد، أمس (الخميس)، القنصلية السعودية في العراق، بحضور وزير الخارجية العراقي محمد علي الحكيم، ورئيس الوفد السعودي إلى العراق وزير التجارة والاستثمار ماجد القصبي، وذلك في اليوم الثاني لزيارة الوفد، الذي يضم 9 وزراء وعشرات المسؤولين ورجال أعمال.
وأورد بيان لوزارة الخارجية العراقية أن «ذلك يأتي كمُؤشِّر عمليّ على تعزيز التواصُل بين بغداد والرياض، وحرص البلدين الشقيقين على تيسير الخدمات القنصليّة، وتقديم التسهيلات إلى الراغبين في زيارة الديار المُقدَّسة في المملكة؛ لأداء الحجّ، والعمرة، وزيارة العراق».
وتعد القنصلية السعودية في بغداد، واحدة من أربع قنصليات مقرر افتتاحها في المحافظات العراقية، بعد عقود من انقطاع العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وبغداد.
وأكد الرئيس العراقي برهم صالح لدى استقباله الوفد في قصر السلام ببغداد، أمس، إن «العلاقة الأخوية التي تربط العراق بالمملكة العربية السعودية، لها جذور تاريخية وتنمو وتتعزز باضطراد، بما ينسجم وتطلعات قادة وشعبي البلدين الشقيقين».
وجاء في بيان رئاسي، تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه، أن «العراق يحرص على بناء علاقات مميزة مع المملكة وبقية أشقائه وجيرانه وفقاً للمصالح المشتركة».
وأشاد صالح بمواقف «السعودية ملكاً وشعباً، الداعمة للشعب العراقي، ومساهمة المملكة في إعمار المدن المحررة وإعانة اللاجئين والنازحين». وأوضح أن «العراق بعد تحقيقه النصر الناجز على الإرهاب المتمثل بعصابات (داعش)، بات محطة جاذبة للمستثمرين، ولا سيما أن آفاق الاستثمار فيه أصبحت واعدة، لانفتاحه على العالم، والعلاقات الطيبة التي تربطه مع كثير من البلدان».
من جهته قال وزير التجارة والاستثمار السعودي، ماجد القصبي قال إن هذه الزيارة «بداية لمرحلة جديدة من العلاقات التي ستعود بالنفع على الشعبين». وقال: «لا شك في أن هذا التبادل وهذا الحوار هو شارع باتجاهين سيعزز العلاقات».
في السياق ذاته، أبدى رئيس البرلمان العراقي محمد الحلبوسي، خلال استقباله الوفد السعودي أمس، استعداده لتوفير التشريعات والقوانين الهادفة إلى تطوير القطاع الاستثماري والتجاري. وجاء في بيان لمكتب الحلبوسي، تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه، أنه «جرى خلال اللقاء بحث تعزيز آفاق التعاون الثنائي، بما يخدم مصالح الشعبين الشقيقين، كما استعرض اللقاء مذكرات التفاهم التي تؤطر التعاون الثنائي في مختلف المجالات، فضلاً عن المشروعات الاستثمارية المزمع إنشاؤها في العراق».
وأكد الحلبوسي «حرص مجلس النواب العراقي على توفير جميع التشريعات والقوانين؛ بهدف تطوير القطاع الاستثماري والتجاري، وبشكلٍ يعزز العلاقات الثنائية مع الجانب السعودي».
في المقابل، أبدى الوفد السعودي «دعم بلاده لتنشيط الشراكة وتعزيزها في مختلف المجالات بين العراق والمملكة السعودية. كما أعرب الوفد عن بالغ سروره لعودة الاستقرار والأمان إلى ربوع البلاد، وانعكاس ذلك على مجمل الحياة اليومية، وانتعاش عجلة الاقتصاد والاستثمار».
وأعلن نائب رئيس الوزراء العراقي لشؤون الطاقة ثامر الغضبان، أن العراق وقّع مذكرة تفاهم مع السعودية، لتزويده بالطاقة الكهربائية وإنشاء محطات جديدة.
وعبّر نائب رئيس الوزراء العراقي السابق بهاء الأعرجي عن استغرابه من تصريحات سلبية صادرة من بعض السياسيين. وقال في بيان إن «هذه التصريحات إن دلت على شيء فإنّها تدل على أنهم لا يفقهون شيئاً في السياسة والدبلوماسية، لكون المملكة العربية السعودية تملك في الأساس تمثيلاً دبلوماسياً وسفارة في بغداد، أما القنصلية فهي ذات طابع خدمي، وليس سياسياً، مثل منح سمات الدخول (الفيزا) أو المصادقة على بعض المستندات والوثائق».
وبيّن أنه «في كل الأحوال، فإنّ على الجميع أن يُرحّب بالخطوات التي من شأنها إعادة العراق إلى المحيط العربي والإقليمي والدولي، فإنّ القطيعة لا تنتج عنها إلا المشكلات والأزمات، وهذا ما كان واضحاً خلال تجربة السنوات السابقة».
في السياق ذاته، رأى جمال الكربولي رئيس حزب «الحل» أن «افتتاح القنصلية السعودية في العاصمة بغداد تطور إيجابي يعزز من التعاون العربي المشترك ويعيد مكانة العراق المؤثرة في المنطقة العربية».
وشدد الكربولي على أن «الأصوات الرافضة لهذا الإنجاز السياسي هم أعداء لنجاحات العراق وانفتاحه على محيطه العربي والإقليمي والدولي»، ورأى أن «هذه الأصوات إنما تخدم أجندات خارجية معروفة». وأكد أن «افتتاح القنصلية سيفتح آفاقاً للتعاون الاقتصادي والاجتماعي والسياحي والديني وييسر جسور التواصل بين الشعبين العراقي والسعودي».
وأكد حيدر الملا القيادي في «تحالف الإصلاح والإعمار» في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «زيارة وفد سياسي اقتصادي من المملكة العربية السعودية إلى العراق تأتي معززة للفكرة التي أطلقها رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، حين أكد خلال زيارة لمصر على أهمية تعزيز عمق العراق العربي»، مبيناً أن «المنطقة افتقرت خلال العقدين الماضيين إلى مشروع عربي، وبالتالي فإن زيارة الوفد السعودي تأتي مكملة للقمة الثلاثية التي عقدت مؤخراً بين العراق ومصر والأردن، نظراً لما تملكه المملكة من ثقل في العمق العربي».
وأضاف أن «الانفتاح بين البلدين يفتح الأبواب لإعادة إنتاج مشروع عربي جديد إلى المنطقة، في إطار الدفاع العربي المشترك أو التكامل الاقتصادي العربي، وبالتالي فإننا نتوقع أن تكون هناك خطوات أخرى لتفعيل مثل هذه الرؤية». وأشار إلى أن «الخطوات التي يقوم بها ولي عهد المملكة الأمير محمد بن سلمان مثّلت تطوراً كبيراً وغير مسبوق حيال الانفتاح على الواقع العربي، ما يعني بدء علاقات استراتيجية بين الدول التي باتت مؤثرة على صعيد الريادة العربية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، فضلاً عن مصر والعراق والأردن، وهو ما ينعكس على العلاقات مع الدوائر الأخرى في المحيطين العربي والإقليمي، على أساس المصالح المشتركة، وليست المحاور الطائفية التي من شأنها أن تنعكس سلباً على واقع المنطقة».
في هذا السياق، أكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد الدكتور خالد عبد الإله، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «زيارة الوفد السعودي الكبير إلى العراق تمثل مرحلة جديدة في سياق العلاقات بين البلدين، تخطت تماماً المرحلة الماضية بعد عام 2003 والتي كانت مثلت شبه قطيعة بين البلدين، لأسباب وعوامل مختلفة»، مشيراً إلى أن «هناك مسعى واضحاً لإعادة العراق إلى محيطه العربي، بدءاً من الجامعة العربية وكيفية بدء لعب العراق دوراً مهماً في هذا الإطار، وكذلك أهمية العمق الخليجي للعراق».
وأضاف عبد الإله أن «الملفات الإقليمية بدأت بالتصدع، وهو ما يتيح للعراق لعب دور إيجابي في هذا المجال، مع أهمية التأكيد على الجوانب الاقتصادية والاستثمارية الواعدة في هذه الزيارة، وما يمكن أن تسفر عنه على صعيد الاتفاقيات والتفاهمات، خصوصاً أن الاستثناءات الأميركية للعراق بموجب العقوبات المفروضة على إيران لن تكون طويلة الأمد، ولا بد من التفكير في البدائل، وهو ما بدأه العراق عبر هذه الزيارة التي ستؤسس لعلاقة مستقبلية مهمة بين العراق والسعودية».
وأكد الخبير الاقتصادي العراقي الدكتور عبد الرحمن الشمري، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «استقرار الوضع السياسي والاقتصادي في العراق بات عاملاً مهماً في التعامل معه بطريقة إيجابية من قبل دول المنطقة، وخصوصاً المملكة العربية السعودية التي أرسلت وفداً كبيراً في مجالات وميادين مختلفة، ما يضع العلاقات بين البلدين في مسار جديد ومختلف تماماً عما كانت عليه في الماضي».
وأضاف الشمري أن «هناك رغبة جادة في طي صفحة الماضي، وهو ما بات يعبر عنه السياسيون العراقيون، وهو ما بدأت تلمسه دول المنطقة، ولكن طبقاً لرؤية كل واحدة منها»، مشيراً إلى أن «رؤية المملكة تستند إلى أهمية البعد التنموي الاستثماري بين البلدين في كل المجالات والميادين، بدءاً بالتفاهمات في مجال الجمارك والمنافذ، إلى دخول الشركات السعودية بشكل مباشر للسوق العراقية».



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.