العبادي يواجه أخطر أزمة سياسية ـ أمنية مع بدء العد التنازلي لمهلة تشكيل الحكومة

طمأن رئيس البرلمان إلى أن التحقيقات في مذبحة مسجد مصعب بن عمير ستكون جادة

حامد المطلك القيادي في ائتلاف «الوطنية» محاطا بقياديين آخرين في الائتلاف يتحدث عن مجزرة مسجد مصعب بن عمير في مؤتمر صحافي بمبنى البرلمان في بغداد أمس (رويترز)
حامد المطلك القيادي في ائتلاف «الوطنية» محاطا بقياديين آخرين في الائتلاف يتحدث عن مجزرة مسجد مصعب بن عمير في مؤتمر صحافي بمبنى البرلمان في بغداد أمس (رويترز)
TT

العبادي يواجه أخطر أزمة سياسية ـ أمنية مع بدء العد التنازلي لمهلة تشكيل الحكومة

حامد المطلك القيادي في ائتلاف «الوطنية» محاطا بقياديين آخرين في الائتلاف يتحدث عن مجزرة مسجد مصعب بن عمير في مؤتمر صحافي بمبنى البرلمان في بغداد أمس (رويترز)
حامد المطلك القيادي في ائتلاف «الوطنية» محاطا بقياديين آخرين في الائتلاف يتحدث عن مجزرة مسجد مصعب بن عمير في مؤتمر صحافي بمبنى البرلمان في بغداد أمس (رويترز)

مع بدء العد التنازلي للمهلة الدستورية الخاصة بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة التي تنتهي في الـ10 من الشهر المقبل، يواجه رئيس الوزراء المكلف حيدر العبادي مشكلة مزدوجة، تتمثل فيما بات يعرف بالسقوف العالية لكل من الأكراد والعرب السنّة والتدهور الأمني اللافت.
بدوره، يجد البرلمان العراقي الذي تنتظره مهام كثيرة، من بينها قوانين ومشاريع قوانين موروثة من حقبة رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي، نفسه أمام مشاكل جديدة تتمثل في بحث تفاصيل مجزرة قاعدة «سبايكر» في تكريت التي راح ضحيتها أكثر من 1700 من طلبة الكلية الجوية من الشيعة، وغالبيتهم من محافظات الوسط والجنوب. وبينما كانت هذه المذبحة، التي وقعت في الحادي عشر من يونيو (حزيران) بعد دخول مسلحي «داعش» إلى تكريت، قد أدرجت في جدول أعمال جلسة أمس البرلمانية وقعت، أول من أمس، مذبحة مسجد مصعب بن عمير في محافظة ديالى التي قتل فيها أكثر من 80 مصليا، عير هجوم مسلحه شنه مسلحون لا تزال هويتهم غامضة.
الكتل السنية في البرلمان، التي يمثلها تحالف القوى العراقية، وجدت نفسها، وحيال الضغوط التي مورست عليها من قبل الشارع السني، مجبرة على اتخاذ موقف مما يجري. وتمثل هذا الموقف بتعليق مفاوضاتها الخاصة بتشكيل الحكومة المقبلة.
وأعلن رئيس البرلمان، سليم الجبوري، أن جريمة المسجد لن توقف مفاوضات تشكيل الحكومة.
وأضاف الجبوري الذي يتزعم كتلة «ديالى هويتنا»، التي علقت مشاركتها في المفاوضات، في مؤتمر صحافي: «لا يسعني إلا أن أقف موقف المدافع عن عملية تشكيل الحكومة، وإجراء المفاوضات ضمن السقف الزمني». وعبر عن اعتقاده أن «تشكيل الحكومة الجديدة واحدة من السبل التي نستطيع من خلالها أن ندرأ المشاكل الأمنية».
وأضاف، حسب وكالة الصحافة الفرنسية، أن «العملية التفاوضية، لها مجراها، من حق الكتل السياسية أن تعبر عن مواقفها؛ أن تجمد أو تعلق، لكن نعتقد بوصفنا مجلس نواب أن هناك سياقات دستورية يجب أن تحترم، ويقف مجلس النواب حريصا أمام احترام المدد الزمنية التي وُضعت في هذا الإطار».
وأعلن الجبوري تشكيل لجنة تحقيق يشارك فيها أعضاء من مجلس النواب ستقدم تقريرها في غضون 48 ساعة. وقال: «سيعقد مجلس النواب جلسة استثنائية تتعلق بالحوادث الأمنية التي وقعت في قاعدة سبايكر، والتي وقعت يوم أمس (الجمعة)، ونرى أنها بأيدٍ واحدة». وتابع: «لن نسمح بأن يستغلوا الظرف الأمني القلق، وأن يبثوا نوعا من الأجواء التي تحبط العملية السياسية (...)، الهدف الأكبر الذي يرومه البعض هو إجهاض كل الجهود التي تُبذل في هذا الاتجاه».
وحث الجبوري كل «الأطراف السياسية على التواصل، وإزالة كل العقبات من أجل وحدة الكلمة والموقف». وقال: «جميع الكتل عبرت يوم أمس عن مواقفها (...) كلهم أدانوا الأفعال الجريمة، وكلهم عبروا عن استيائهم مما حصل، ونحن ننتظر الإجراءات العملية لملاحقة المجرمين».
وشكل نوري المالكي، رئيس الوزراء المنتهية ولايته، لجنة رفيعة للتحقيق في الحادث. كما بعثت وزارة الداخلية كبار ضباطها لمعرفة ملابسات الحادث، الذي زاد الاحتقان الطائفي في البلاد.
وإضافة إلى كتلة «ديالى هويتنا»، فإن الكتل الأخرى التي أعلنت تعليق مشاركتها في مفاوضات تشكيل الحكومة هي «ائتلاف العربية» بزعامة صالح المطلك، و«متحدون» بزعامة أسامة النجيفي، و«كتلة الحل» بزعامة جمال الكربولي، و«الوفاء للأنبار» بزعامة قاسم الفهداوي، فضلا عن «ائتلاف الوطنية» الذي يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي.
العبادي، وفي مسعى منه لتطويق الأزمة السياسية الناتجة عن هذا الخلل الأمني، التقى في مبنى البرلمان أمس رئيسه الجبوري. وفيما لم يصدر موقف نهائي عن الاجتماع، فإنه طبقا لمصادر مقربة من جو الاجتماع تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، فإن «العبادي طمأن الجبوري إلى أن التحقيقات التي ستجريها الجهات الأمنية ستكون جادة، وأن خيوط الجريمة تكشفت، وستُتخذ الإجراءات اللازمة لمنع حصول مثل هذه الجرائم مستقبلا».
وأضاف المصدر أن «تحالف القوى العراقية لا يزال عند موقفه بتعليق المشاركة ريثما يجري التوصل إما إلى الجناة الحقيقيين، وهم معروفون طبقا لما أفاد به شهود عيان في المنطقة، أو أن يتولى البرلمان اتخاذ موقف من شأنه ردع الميليشيات الخارجة على القانون».
وفي سياق المهمة التي باتت صعبة والتي يواجهها العبادي في تشكيل الحكومة، أكد وائل عبد اللطيف، وزير المحافظات الأسبق والقيادي في تحالف «أوفياء للوطن»، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «ما نسمعه على صعيد المشاورات الجارية يفيد بأن هناك جانبين فيها؛ الأول يتمثل في المشاورات الجارية بين أطراف التحالف الوطني (الشيعي) نفسه، وهي مباحثات، وإن كانت صامتة حتى الآن، وليست معلنة، فإنها لا تخلو من المزيد من المشاكل بسبب عدم وجود ثقة داخل أطراف التحالف الشيعي نفسه، وهناك المفاوضات مع الشركاء الآخرين، وهم السنة والأكراد». وأضاف عبد اللطيف أنه «رغم ما يقال عن عقد وإشكالات، فإن الأمور على ما يبدو تسير بشكل طبيعي، لولا تعليق المشاركة السنية، وهذا التعليق لن يستمر في كل الأحوال، لأنني أرى أن ما تقوم به الميليشيات الآن والجماعات الإرهابية إنما هو عرقلة لجهود تشكيل الحكومة، لأن ذلك يصب في مصلحتها، لأنها لا تريد بناء دولة، وبالتالي فإن الحل الصحيح هو الإسراع بتشكيل الحكومة على أن لا تكون حكومة سياسيين فاشلين بل حكومة تكنوقراط وكفاءات».
وردا على سؤال بشأن ما يتسرب في بعض وسائل الإعلام من أن هناك جهات تساند المالكي، سياسية وإعلامية، بدأت بالتحرك لإفشال مهمة العبادي، قال عبد اللطيف: «على فرض أن ذلك حصل، فإن الأمور لن تعود إلى المالكي، لوجود قرار من قبل الجميع داخليا ودوليا، يُضاف إلى ذلك أن المرشح البديل هو مرشح عن دولة القانون وحزب الدعوة، وبالتالي لا أظن أن من مصلحة المالكي أو أي جهة يمكن أن تقف خلفه عرقلة جهود تشكيل الحكومة».
وبالعودة إلى «مجزرة سبياكر» فإنه في وقت عبر الكثير من نواب التحالف الوطني الشيعي عن غضبهم لعدم حضور وزير الدفاع وكالة سعدون الدليمي إلى الجلسة وقيامه بإرسال مبعوث عنه، فإن ممثل وزير الدفاع الفريق الركن محمد العسكري أكد خلال الجلسة المغلقة للبرلمان أن أعداد الضحايا الذين قيل إنهم قتلوا خلال العملية التي نفذتها جماعات تنتمي إلى تنظيم «داعش» أثناء احتلالها مدينة تكريت في 11 يونيو (حزيران) الماضي هي أقل بكثير من الرقم الذي جرى تداوله (1700 قتيل) بينما يجري الحديث حتى الآن عن أعداد أخرى ما زالوا محتجزين لدى أحد قادة تنظيم «داعش» من عشائر محافظة صلاح الدين.
من جهته، فجر قائد عمليات صلاح الدين الفريق الركن علي الفريجي، قنبلة من الوزن الثقيل عندما أعلن أمام أعضاء البرلمان إنه لا يوجد طلاب للقوة الجوية في قاعدة سبايكر.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.